‏إظهار الرسائل ذات التسميات فبهداهم اقتده. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فبهداهم اقتده. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 يوليو 2013

فبهداهم اقتده : رجل من أهل الجنة «عبدالله بن سلام»



بسم الله الرحمن الرحيم
كان الحُصينُ بنُ سَلامٍ حَبراً (رئيس الكهنة عند اليهود، والحبر: العالم المتبحر في العلم أيضاً) من أحبَارِ اليهودِ في يثربَ، وكان أَهلُ المدينَةِ على اختِلافِ مِللِهم ونِحلِهم (أديانهم) يُجلُّونَه ويعظِّمونه، فقد كان معروفاً بينَ النَّاسِ بالتُّقَى والصلاحِ وموصوفاً بالاستِقامَةِ والصِّدْقِ.

كان الحُصَينُ يحيا حياةً هادِئةً وادِعةً؛ ولكنَّها كانَت في الوقت نَفسه جادَّة نافِعة، فقد قسَّم وقتَه أقساماً ثلاثة: فَشَطرٌ في الكَنِيسِ (معبد اليهود) للوَعظِ والعبادَة، وشَطرٌ في بُستَانٍ له يَتَعهَّدُ نَخلَه بالتَّشذيبِ والتأْبير (تلقيح النخل وإصلاحه)، وشطرٌ مع التَّوراةِ (الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام) للتَّفَقُّهِ في الدين...
وكان الحصين كُلمَا قَرَأ التوراةَ وقَفَ طويلاً عِند الأخبَارِ التي تُبشرُ بظهورِ نبيٍّ في مَكَّة يُتَمِّمُ رِسالاتِ الأنبِياءِ السابقين ويَختِمُها، وكان يَستقَصي أوصافَ هذا النبيِّ المُرتَقبِ وعلاماتِه، ويَهتزُّ فَرحاً لأنهُ سَيهجُرُ بلَدَهُ الذي بُعثً فيه، وسَيتَّخذُ من يَثرِبَ مهَاجراً له (بفتح الجيم مكاناً لهجرته) ومُقاماً، وكان كُلمَا قَرأَ هذه الأَخبَارَ أو مَرّت بخاطِره يَتمَنّى على الله أن يَفسحَ له في عُمره حتى يَشهدَ ظهورَ هذا النبي المرتقب، ويسعَدَ بلقائه، ويكون أولَ المؤمنين به، وقد استَجابَ الله عزَّ وجلَّ دُعاء الحُصين بنِ سلامٍ، فأطال الله عمره حتى بُعِث نبيُّ الهدى والرحمةِ، وكُتبَ له أن يَحظى بِلقائِه وصُحبتِه، وأن يُؤمنَ بالحقِّ الذي أنزِلَ عليه...
فلنترُك للحُصينِ الكلامَ ليسوقَ لنا قصةَ إسلامِه فهو لها أروَى (أجود رواية)، وعلى حسن عَرضها أقدَر.
قال الحُصين بنُ سَلام: لَمَّا سمِعتُ بظهورِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخَذتُ أتحَرَى عن اسمِه ونسبهِ وصِفاتهِ وزماِنه ومكانِه وأطابِقُ بينها وبَينَ ما هو مَسطورٌ (مكتوب) عِندَنا في الكتب حتى استيقنتُ من نُبُوَّتهِ، وتثَبتُّ من صِدقِ دَعوتِه ثم كَتَمتُ ذلك عن اليهودِ، وعَقَلتُ (ربطت ومنعت) لِساني عن التكلُّم فيه، إلى أن كانَ اليَومُ الذي خَرجَ فيه الرسولُ عليه السلامُ من مكة قاصداً المدينةَ، فلما بَلغَ يثربَ ونَزَل بقُباءَ (قرية على بعد ميلين من المدينة) أقبَلَ رجُلٌ علينا وجَعلَ ينادِي في النَّاس مُعلِناً قدومَه، وكنتُ ساعتئذٍ في رأسِ نخلةٍ لي أعملُ فيها، وكانت عَمتِي خالِدةُ بنتُ الحارِثِ جالِسةً تحتَ الشجَرَةِ، فما إن سَمعتُ الخَبرَ حتى هتَفتُ: الله أكبَرُ..... اللهُ أكبَرُ، فقالت لي عَمَّتي حينَ سَمِعتْ تَكبيري: خَيبكَ اللهُ، واللهِ لو كُنتَ سَمعتَ بموسَى بنِ عِمرانَ قادِماً ما فَعلتَ شيئاً فَوق ذلك، فقلت لها: أي عَمَّة، إنه واللهِ أخو موسى بنِ عمرانَ، وعلى دينه، وقد بُعثَ بما بُعِثَ به، فَسكَتَتْ وقالت: أهو النبيُّ الذي كنتم تُخبروننا أنه يُبعثُ مُصدِّقاً لمن قبله ومُتمماً لرسالات ربه؟! فقلت: نعم، قالت: فذلك إذن، ثم مَضيتُ من تَوِّي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فرأيتُ الناسَ يزدَحِمُون بِبابِه، فزاحَمْتُهُم حتى صِرتُ قريباُ منه؛ فكان أول ما سَمعتُه منه قوله: “أيها النَّاسُ أفشُوا السَّلامَ، وأطعموا الطعام، وصَلوا بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ، تَدخُلوا الجَنة بِسَلامٍ”، فجعلتُ أتَفَرَّسُ فيه، وأتَمَلى منه، فَأيقَنتُ أنَّ وَجههُ ليسَ بِوجهِ كذابٍ، ثم دَنَوتُ منه، وشَهدتُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فالتَفَتَ إليَّ وقال: «ما اسمُك؟».فقلت: الحُصينُ بنُ سلامٍ.فقال: «بل عبدُ الله بنُ سلام». فقلت: نعم، عبد الله بن سلام... والذي بَعَثكَ بالحَقِّ ما أحِبُّ أنَّ لي به اسماً آخر بعد اليومِ. ثم انصرَفتُ من عندِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي ودعوتُ زَوجتي وأولادِي وأهلي إلى الإسلامِ، فأسلموا جميعاً وأسلمتْ معهم عمتي خالِدةُ، وكانت شيخَةً كبيرة،ثم إني قُلتُ لهم: اكتُموا إسلامي وإسلامكُم عن اليَهودِ حتى آذَنَ لكم !!فقالوا: نعم .ثم رجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَلتَ له: يا رسول الله، إنَّ اليهودَ قومُ بُهتانٍ وباطِلٍ، وإني أحبُّ أن تَدعُو وجُوههم (سادتهم) إليكَ، وأن تستُرني عَنهُم في حُجرةٍ من حُجُراتك، ثم تسألهم من مَنزِلتِي عِندهم قبل أن يَعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام، فإنهم إن عَلِموا أنَّنِي أسْلَمتُ عابوني، ورَمَوني بِكل ناقِصةٍ وبَهتُوني. فأدخلني رسول صلى الله عليه وسلم في بعض حُجُراتهِ، ثم دعاهم إليه وأخذَ يَحضُّهم على الإسلام، ويُحَبِّبُ إليهم الإيمانَ، ويُذَكرُهُم بِما عَرَفوه في كُتُبهم من أمرِهِ. فجعلوا يجادلونه بالباطل ويمارونه في الَحقِّ وأنا أسمَعُ، فلما يَئِسَ من إيمانِهم قال لهم: «ما مَنزلةُ الحصينِ بن سلامٍ فيكم؟» فقالوا: سيدُنا وابنُ سيدنا، وحَبرُنا وعالِمُنا وابنُ حبرِنا وعالمِنا.فقال: «أَفَرأيتُمْ إنْ أسلمَ أفَتُسلمون؟». قالوا: حاشا للَه، ما كان لِيُسلمَ... أعاذهُ اللهُ من أن يُسلمَ. فخرجتُ إليهم وقلت: يا معشرَ اليهودِ، اتَّقُوا الله واقبلُوا ما جاءَكم بهِ محمدٌ. فواللهِ إنكمْ لتعلمُون إنه لرسولُ الله، وتجدونه مكتوباً عندكمْ في التوراةِ باسمِهِ وصفتِهِ. وإني أشهَدُ أنَّه رسولُ الله وأؤمن به، وأصدِّقه، وأعرفُه، فقالوا: كذبت. والله إنَّك لشَرُّنا وابن شَرِّنا، وجاهِلنا وابنُ جاهِلنا، ولم يتركوا عَيباً إلا عابُوني به. فقلت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ألم أقل لك: إنَّ اليهودَ قومُ بُهتانٍ وباطلٍ، وإنهُم أهلُ غَدرٍ وفجورٍ؟؟
أَقبَلَ عبدُ الله بنُ سلامٍ على الإسلامِ إقبالَ الظامئ الذي شاقَه المَوردُ (لذَّ له المورد وطاب)، وأولِعَ بالقُرآنِ؛ فكان لسانُه لا يفتأ رطباً بآياتِه البينات، وتعلقَ بالنبيِّ صلواتُ الله وسلامُه عليه حتى غدا ألزمَ له من ظِلِّه، ونَذرَ نفسَه للعَملِ للجنَّةِ حتى بَشَّره بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بِشارةً ذاعَت بين الصَّحابةِ الكرامِ وشاعت، وكان لهذه البِشارة قِصةٌ رواها قَيسُ بنُ عُبادةَ وغيرُه.
قال الراوي: كنت جالساً في حلقةٍ من حَلقاتِ العِلمِ في مسجِدِ رسولِ الله في المدينة، وكان في الحَلقةِ شَيخٌ تَأنَسُ به النَّفسُ ويستروحُ به القلب، فجَعلَ يحدثُ الناسَ حديثاً حُلواً مؤثراً، فلما قامَ قال القوم: من سَرَّه أن ينظرَ إلى رَجُلٍ من أهلِ الجنةِ فلينظر إلى هذا .فقلت: من هذا؟ فقال: عبدُ الله بنُ سلامٍ، فقلتُ في نفسي: والله لأتَبَعنَّهُ ؛ فَتَبِعَهُ ؛ فانطلق حتى كاد أن يخرُج من المدينةِ، ثم دَخلَ منزلَه، فاستَأذَنتُ عليه ؛ فأذِنَ لي، فقال: ما حاجتُك يا بن أخي؟ فقلت: سمعتُ القومَ يقولون عَنكَ لما خرجتَ من المسجد: من سَرَّه أن ينظرَ إلى رَجُلٍ من أهلِ الجنةِ فلينظر إلى هذا .فمضَيتُ في إثرِكَ، لأقف على خبركَ، ولأعلَمَ كَيف عَرفَ الناسُ أنكَ من أهلِ الجنَّة. فقال: الله أعلمُ بأهل الجنَّة يا بُنيَّ .فقلت: نعم... ولكن لا بُد لما قالوه من سبب. فقال: هاتِ، وجَزاكَ الله خيراً. فقال: بينما أنا نائِمٌ ذات ليلةٍ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أتاني رجُلٌ فقال لي: قم، فَقمتُ، فأخَذَ بيَدِي، فإذا أنا بطرِيقٍ عن شمالي فهمَمتُ أن أسلكَ فيها.
فقال لي: دَعها فإنَّها ليست لك. فنظرتُ، فإذا أنا بِطرقٍ واضحةٍ عن يميني، فقال لي: اسلُكها فسلكتُها حتى أتيتُ رَوضَةً غناءَ واسعةَ الأرجاءِ كثيرةَ الخضرةِ رائعة النُّضرة، وفي وسَطِهَا عمودٌ من حديدٍ أصلُه في الأرضِ ونهايَتُه في السماء، وفي أعلاهُ حلقةٌ من ذهبٍ. فقال لي: ارقَ عليه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني وصِيفٌ (الخادم) فَرفَعنِي، فرقيت (فصعدت) حتى صِرتُ في أعْلَى العمودِ، وأخذتُ بالحلقةِ بيدي كلتيهما. وبقيتُ مُتعَلقاً بها حتى أصَبحتُ.
فلما كانت الغداةُ أتَيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَصَصتُ عليه رؤيايَ فقال: « أما الطريقُ التي رأيتَها عن شِمالكَ فهي طريقُ أصحَابِ الشِّمالِ من أهل النارِ. وأما الطريقُ التي رأيتها عن يمينك فهي طريقُ أصحابِ اليمينِ من أهْل الجنَّة. وأما الروضةُ التي شاقَتْكَ بخُضرتِها ونُضرتِها فهي الإسلام. وأما العمودُ الذي في وسَطِها فَهو عمودُ الدين. وأما الحَلقةُ فهي العُروةُ الوُثقى، ولن تَزَالَ مُستَمسِكاً بها حتى تموت»

جلنار زوجة قطز


بسم الله الرحمن الرحيم 


جلنار زوجة قطز

لا تقل واحبيبتاه.. ولكن قل: وا إسلاماه.. فصة العظيمة جلنار...زوجة العظيم السلطان محمود قطز 
..............
تحدثنا عن السلطان المسلم محمود المشهور بلقب قطز -بطل المعركة الحاسمة- عين جالوت التي انقذت امة الاسلام من خطر الابادة على يد التتار اشرس من عرفت تلك العصور مرارا.. ...وقلنا مرارا ان انه ليس صحيحا قول بعض المهزومين- او غير الواعين- فكريا، بان من المستحيل ظهور امثال عمر ين الخطاب من جديد...فالصواب هو ان عمر بن الخطاب ، ليس سوى ثمرة من ثمار شجرة الاسلام، التي تؤتي اكلها كل حين باذن ربها!!!!!ا
فمن اراد ان يصنع ابن خطاب اويكون كابن الخطاب فعليه الالتزام بفكرالاسلام كما التزم به العظيم عمر بن الخطاب،فعمر وخالد وابو عبيدة، والاف غيرهم لم يكونوا شيئا قبل الاسلام ، وعندما التزموا بالاسلام صاروا من اعظم العظماء، فالاسلام الذي صنع ابن الخطاب،هو نفسه من صنع العظماء من بعده كصلاح الدين ويوسف بن تاشفين، وكما صنع محمود بن سبكستين والسلطان محمود قطز ....وسيصنع من جديد آخرين.
وما قلناه عن شجرة الاسلام واثمارها لعظماء الرجال في كل حين، نقوله ايضا عن النساء، فسمية ام عمار ونسيبة ام عمارة والخنساء وكل العظيمات من الصحابيات هن ثمرات لشجرة الاسلام ، ولولا ايمانهن بعقيدة الاسلام والتزامهن بفكر الاسلام، لما كنّ اكثر من اعرابيات كملايين الاعرابيات اللواتي دخلن من باب الحياة ،وخرجن من الباب الاخر دون ان يشعر بهن احد، او يتركن اي بصمة من البصمات على صفحات التاريخ!!!!ا
ومن عظيمات النساء اللواتي صنعهن الاسلام-اي اثمرتهن شجرةالاسلام- بعد مئات السنين من زمن الصحابيات : العظيمة المشهورة بلقب جلنار-حب الرمان- زوجة السلطان قطز!!ا
وجلنار -واسمها الحقيقي جهاد- هي ابنة جلال الدين بن خوارزم شاه، وزوجة بطل معركة عين جالوت سيف الدين قطز وابنة عمه..

وقد عاشت جلنار حياةً عصيبة مليئةً بالأخطار والمواقف الحرجة، وتجاوزت كل مراحلها بصبر وعزة وثبات وإباء، لتواصل حتى النهاية الخالدة المؤثرة التي تركت بصمتها على صفحات التاريخ... ليحدثنا عنها باعظم فخار.
فقد فتحت جلنارعيناها على الحياة ،وحال الامة مزري كحالها هذه الايام او اسوا،فقد كان العالم الاسلامي انذاك يتعرض لحملات ابادة من قبل الصليبين والتتار ، وتحكمه طغمة حكام طغاة انذال اشبه ما يكونون بحكام بلاد الاسلام هذه الايام فهم اساد على الامة فئران امام الاعداء وعبيد لهم ومطايا وعملاء.

 وقد ترعرعت جلنار في جو الحرب والقتال، وعانت التشرد والأسفار هرباً من المغول، وطلباً للنجاة من اجرامهم الذي لم يكن يوفر امراة او طفلا او شيا كبيرا بل ان كالجراد او كالنار يلتهم كل ما يصادقه او يقف في طريقه.
وكان من اسوا ما تعرضت له انها تحولت من ابنة ملوك الى مجرد رقيقة اي جارية، حيث بيعت في سوق الرقيق كالمتاع مع أنها ابنة ملك كبير كُتبت عليه الهزيمة أمام التتار ليعاني هو وعائلته أشد المعاناة ..
وقد فرقت الأيام بينها وبين ابن عمها حيث عاش كل منهما في بيت أحد التجار أعواماً طويلة..ثم شاء الله تعالى أن يلتقيا في قصر الصالح نجم الدين أيوب عند زوجته شجرة الدر.

وفي قصر شجرة الدر عانت جلنار من العيش قي اجواءالفتن والمؤامرات ، لكن كل هذا لم يزدها الا صبرا وايمانا بقضاء الله وقدره،وأن الله لا بد ان يجعل لها من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا .
وسارت الايام وشاء الله ان تلتقي بابن عمها في ذلك القصر، ويهيئ الله تعالى لهما الزواج، ثم يهيئ لمحمود (قطز) مُلك مصر ومحاربة التتار..

وحصلت موقعة عين جالوت الشهيرة الحاسمة ، واوشك النصر ان يكون لامة الاسلام على امة الوحوش، وعندها حاولت مجموعة من التتار اغتيال قطز لعلهم يغرون من نتيجة المعركة في الوقت الضائع او في اخر اللحظات كما في مباريات كرة القدم .لكن البطل قطز نجح في قتل ثلاثة من مهاجميه ،وكاد فارس تتري رابع ان ينجح في طعن قطز من الخلف، فاذا به يفاجأ بفارس ملثم يضربه بالسيف فيرديه صريعاً، بعد أن تلقى منه ضربة قاتلة.. وما كان ذلك الفارس الملثم إلا جلنار زوجة القائد العظيم قطز.. جاءت إلى المعركة لتفديه بنفسها وتنقذه من القتل ليظل قائداً للمسلمين يقودهم نحو النصر النهائي على التتار الذين ارتكبوا بحق المسلمين من الفظائع ما لا يحيط به الوصف .

ومن شدة تاثره على زوجته الحبيبة انكب القائد على زوجته وهي تجود بروحها في سبيل الله صارخا : واحبيبتاه.. فتقول له: مه.. لا تقل واحبيبتاه.. ولكن قل: وا إسلاماه.. 
الله أكبر ..والله كلا قرات هذه العبارة الخالدة اقشعر لها بدني !!!ا

ما اعظمها من كلمة ينهي بها المرء حياته ..اي وهو في آخر رمق .. نعم .. وا إسلاماه .. فمن أجل نشره وإعلاء رايته نقاتل.. لا من أجل دنيا أو امرأة أو متاع زائل.. قل: وا إسلاماه .. وارفع بها صوتك عالياً ..
ونهض قطز-بعد سماع الامر- وجعل يصرخ في المسلمين.. وا إسلاماه.. صرخة مدوية زلزلت المكان، وجعلت المسلمين يهتزون ويشعرون بالقوة والعزة فينهضون لقتال أعدائهم بهمة ونشاط..
وينهزم التتار شر هزيمة، ويتبع المسلمون فلولهم حتى تتم إبادتهم والقضاء على شرورهم وأخطارهم إلى الأبد..
وتظل ذكرى جلنار عالقة في الأذهان، في صفحة تاريخية ناصعة مشرقة... تُبرز عظمة الفداء والوفاء، وتُظهر أروع صور التضحية النسائية المجيدة في تاريخ أمتنا الحافل بالصور العظيمة المشرقة ..
هكذا فلتكن النساء.. صبر على المعاناة، ورضا بالقضاء والقدر، واستعلاء على الألم، وتضحية في سبيل الله، ورعاية لحقوق الزوج الصالح، وافتداؤه بالنفس والروح..

صورةٌ نضعها بين يدي اخواتنا وبناتنا لعل البعض ممن فيهن الخير يجعلن من جلنار المثل الاعلى وليس من ليس والهام وشاهين وما شابه .. فبامثال ام عمارة وسمية ام عمار والخنساء وصلت الامة عنان السماء وبامثال لميس واردوغان الخسيس، انحطت الامة لى الدرك الاسفل !!!فهل من ذات عقل دين تؤثر فيها قصة جلنار ..فلعل وعسى ان يكتب لامتنا 
النهوض من جديد ...واستعادة الكرامة و العزة لامة الاسلام بعد ان افتقدناها منذ امد بعيد ؟؟؟!!

المصدر: مدونة قانتات

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

فبهداهم اقتده: عباد بن بشر رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

 "ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يسمو عليهم فضلاً: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر" عائشة أم المؤمنين عباد بن بشر اسم وضيء مشرق في تاريخ الدعوة المحمدية... إن نشدته بين العُباد وجَدتَه التّقيّ النقيّ قوّام الليل بأجزاء القرآن. وإن طلبتَه بين الأبطال ألفيته الكميَّ الحميَّ خوّاض المعارك إعلاء لكلمة الله... وإن بحثت عنه بين الولاة رأيته القوي المؤتمن على أموال المسلمين... حتى قالت عائشة فيه وفي اثنين آخرين من بني قومه: “ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يسمو عليهم فضلاً: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر”.

 كان عباد بن بشر الأشهلي حين لاح في آفاق يثرب أول شعاع من أشعة الهداية المحمدية فتىً موفور الشباب، غضّ الإرهاب، تعرف في وجهه نضرة العفاف والطهر، وتلمح في تصرفاته رزانة الكهول؛ على الرغم من أنه لم يكن إذ ذاك قد جاوز الخامسة والعشرين من عمره السعيد. وقد اجتمع إلى الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير فسرعان ما ألّفت بين قلبيهما أواصر الإيمان، ووحَّدت بين نفسيهما كريم الشمائل ونبيل الخصال. وقد استمع إلى مصعب وهو يرتل القرآن بصوته الفضيِّ الدافئ، ونبرته الشجية الآسرة فشغف بكلام الله حبًّا، وأفسح له في سويداء فؤاده مكاناً رحباً، وجعله شغله الشاغل فكان يردّده في ليله ونهاره، وحلّه وترحاله، حتى عرف بين الصحابة بالإمام، وصديق القرآن. وقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتهجّد ذات ليلة في بيتِ عائشة الملاصق للمسجد، فسمع صوت عبّاد بن بشر وهو يقرأ القرآن رطباً ندياً كما نزل به جبريل على قلبه فقال: "يا عائشة هذا صوت عباد بن بشر؟!" قالت:"نعم يا رسول الله"، قال: "اللهم اغفر له".

 شهد عباد بن بشر مع الرسول صلوات الله عليه مشاهده كلها، وكان له في كل منها موقفٌ يليق بحامل القرآن... من ذلك أن الرسول صلوات الله عليه لما قفل عائداً من غزوة ذات الرقاع نزل بالمسلمين في شعبٍ من الشعاب ليقضوا ليلتهم فيه. وكان أحد المسلمين قد سبى -في أثناء الغزوة- امرأةً من نساء المشركين في غيبة من زوجها، فلما حضر الزوج -ولم يجد امرأته- أقسم باللات والعزى ليلحقن بمحمد وأصحابه وألا يعود إلا إذا أراق منهم دماً. وما كاد المسلمون يُنيخون رواحلهم في الشعب حتى قال لهم الرسول صلوات الله عليه: "من يحرسنا في ليلتنا هذه؟" فقام إليه عباد بن بشر، وعمار بن ياسر وقالا: "نحن يا رسول الله" وقد كان النبي آخى بينهما حين قدم المهاجرون على المدينة. فلما خرجا إلى فم الشعب قال عباد بن بشر لأخيه عمار بن ياسر: "أي شطري الليل تؤثر أن تنام: أوله أم آخره؟" فقال عمار: "بل أنام أوله واضطجع غير بعيد عنه". كان الليل وقتها ساجياً هادئاً وادعاً، وكان النجم والشجر والحجر تسبح بحمد ربها وتقدس له، فتاقت نفس عبّاد بن بشر إلى العبادة، واشتاق قلبه إلى القرآن. وكان أحلى ما يحلو له القرآن إذا رتّله مصلياً فيجمع متعة الصلاة إلى متعة التلاوة. فتوجه إلى القبلة ودخل الصلاة وطفق يقرأ من سورة الكهف بصوته الشجيِّ النديِّ العذب. وفيما هو سابح في هذا النور الإلهي الأسنى غارقٌ في لألاء ضيائه؛ أقبل الرجل يحث الخطى فلما رأى عباد من بعيد منتصباً على فم الشعب عرف لأن النبي وصحبه بداخله وأنه حارس القوم، فوتر قوسه، وتناول سهماً من كنانته ورماه به فوضعه فيه. فانتزعه عباد من جسده ومضى متدفقاً في تلاوته غارقاً في صلاته... فرماه الرجل بآخر فوضعه فيه؛ فانتزعه كما انتزع سابقه، فرماه بثالث فانتزعه كما انتزع سابقيه، وزحف حتى غدا قريباً من صاحبه وأيقظه قائلاً: انهض فقد أثخنتني الجراح. فلما رآهما الرجل ولّى هارباً. وحانت التفافة من عمار إلى عبّاد فرأى الدماء تنزف غزيرة من جراحه الثلاثة فقال له: يا سبحان الله هلا أيقظتني عند أول سهم رماك به؟! فقال عباد: "كنت في سورة فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها. وأيم الله لولا خوفي من أن أضيّع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لكان قطع نفسي أحب إلي من قطعها."

ولما نشبت حروب الردة على عهد أبي بكر رضي الله عنه، جهّز الصديق جيشاً كثيفاً للقضاء على فتنة مسيلمة الكذاب، وإخضاع المرتدين الذين ظاهروه، وإعادتهم إلى حظيرة الإسلام، فكان عباد بن بشر في طليعة ذلك الجيش. وقد رأى عباد -خلال المعارك التي لم يحقق المسلمون فيها نصراً يذكر- من تواكل الأنصار على المهاجرين، وتواكل المهاجرين على الأنصار، ما شحن صدره أسىً وغيظاً، وسمع من تنابزهم ما حشا سمعه جمراً وشوكاً، فأيقن أنه لا نجاح للمسلمين في هذه المعارك الطاحنة إلا إذا تميز كل من الفريقين عن الآخر ليتحمل مسؤوليته وحده... وليعلم المجاهدين الصابرين حقاً. وفي الليلة التي سبقت المعركة الحاسمة رأى عباد بن بشر فيما يراه النائم أن السماء انفرجت له، فلما دخل فيها ضمته إليها وأغلقت عليه بابها... فلما أصبح حدَّث أبا سعيدٍ الخدري برؤياه وقال: والله إنا الشهادة يا أبا سعيد. فما طلع النهار واستؤنف القتال علا عباد بن بشر نشزاً من الأرض وجعل يصيح: يا معشر الأنصار تميزوا من الناس واحطموا جفون السيوف... ولا تتركوا الإسلام يؤتى من قبلكم... وما زال يردد ذلك النداء حتى اجتمع عليه نحو أربعمائة منهم على رأسه ثابت بن قيس، والبراء بن مالك، وأبو دجانة صاحب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومضى عباد بن بشر ومن معه يشق الصفوف بسيفه ويلقي الحتوف بصدره، حتى كسرت شوكة مسيلمة الكذاب ومن معه وأُلجِئوا إلى حديقة الموت. وهناك عند أسوار الحديقة سقط عباد بن بشر شهيداً مضرَّجاً بدمائه... وفيه ما فيه كم ضربات السيوف وطعنات الرماح ووقع السهام. حتى إنهم لم يعرفوه إلا بعلامة كانت في جسده.

المصدر: مجلة الوعي

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

ميمونة بنت الحارث (رضي الله عنها)



بسم الله الرحمن الرحيم


سلسلة أمهات المؤمنين (9)


هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن هلال أحد أشراف قريش وسادتها، وأمها هند بنت عوف سيدة من سيدات مكة اللواتي اشتهرن بالفضل والنسب الرفيع، وخالة خالد بن الوليد (رضي الله عنه).
وكان لميمونة أخت شقيقة كبرى هي لبابة (أم الفضل)، وكانت زوجة لعم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وأخرى تدعى أسماء تزوجها أيضاً عمه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء (رضي الله عنه)، وأخرى تدعى لبابة الصغرى هي أم خالد بن الوليد (رضي الله عنه).
وهكذا فإن المصاهرة قديمة بين بني عبد المطلب بن هاشم وبين شقيقات ميمونة أم المؤمنين (رضي الله عنها). ولقد كانت الوشائج قوية والصلات متينة.

نشأتها
ولدت ميمونة (رضي الله عنها) في مكة قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بست سنوات لذا أدركت الإسلام صغيرة غريرة، لا تفقه ولا تميز، فبقيت مع أبويها وعشيرتها على خطى الجاهلية يسيرون، يعظمون الأوثان ويقدسون الأصنام، ويعبدون ما ينحتون.
وتقلبت في أحضان الجاهلية ترضع من ثديها قيماً زائفة، وتستقي من ينابيعها الآسنة مبادئ زائلة..!
ولكنها مع نموها ونضوجها، وتعاقب الأحداث وتوالي الأعوام، كانت تستمع بشيء من الوعي والإدراك إلى أنباء البعث والوحي وغيرها، وتفكر في ذلك وتمعن التفكير، إذ أوتيت فهماً وعقلاً وعلماً وحرية اختيار.

زواجها
عندما اكتملت أنوثتها، ونما عودها، وبلغت مبلغ النساء، جاءها أحد فتيان مكة المرموقين خاطباً يدها، وهو أبو رهم بن عبد العزى، فوافق والدها، وزوجه إياها. وانتقلت ميمونة (رضي الله عنها) إلى دار زوجها، فأقامت معه، راعية لشؤونه مدبرة لأموره حافظة لعهده. لكنها كانت كثيرة التردد على دار أختها أم الفضل لبابة الكبرى وزوجها العباس بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت تستمع منها إلى بعض تعاليم الإسلام، وإلى أنباء المسلمين المهاجرين، وإلى أخبار معارك بدر وأحد فيترك كل ذلك في نفسها أثراً عميقاً، وشعوراً إيجابياً ميالاً.
وحدث أن ترامت إلى قريش في مكة أخبار غزوة خيبر مشوهة على غير حقيقتها، ففرح المشركون، وأخذوا يسمعون العباس بن عبد المطلب كلاماً مؤذياً، كلما التقوا به عند الكعبة، فيعود إلى داره مغموماً حزيناً.
ولم يمضِ وقت طويل حتى جاء الخبر اليقين بانتصار المسلمين وهزيمة اليهود والاستيلاء على خيبر وما فيها.
فقام العباس من فوره، ولبس أحسن ثيابه، وخرج إلى الناس، وكأنه في يوم عيد متزيناً متطيباً، وجرى بينه وبين بعض المشركين المتغطرسين تحاور، انتهى بأن خرست ألسنتهم، ولجمت أفواههم حين أخبرهم بأن من نقل إليهم الأخبار قد غرر بهم، وكذب عليهم، ليستخلص حقوقه منهم، وكانت ميمونة (رضي الله عنها) في بيت شقيقتها أم الفضل تتأثر بهم ومعهم وتميل بكل جوارحها إلى الإسلام..، لكن وجودها في بيت زوجها أبي رهم كان يكتم أنفاسها ويقيد منطقها..، ويبدو أنها كانت قد أسلمت ولكنها تنتظر الفرصة المواتية للخروج من قمقم الشرك والكفر إلى رحاب الإيمان، وها هي الفرصة قد واتت!!
فعندما عادت إلى بيتها، وضمتها أركان الدار مع زوجها الذي كان مغموماً، متضايقاً حزيناً، لا يطيق كلمة.. دخلت ميمونة (رضي الله عنها) وعلى وجهها علامات البشر والسرور، فياضة الفرحة، بادية الغبطة، فحصل الصدام بينها وبينه، وتلاحيا، ثم أعلن الزوج غضبه عليها، ومفارقتها (طلاقها). فخرجت من عنده إلى بيت العباس تقيم عنده، وكأنها تقيم في بيت أهلها، فأختها أم الفضل بمثابة الأم، والعباس (رضي الله عنه) مكان الأب. فرحبا بها، وأكرما نزلها، وهيّئا لها كل أسباب الراحة!!

صلح الحديبية
خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمسلمين من المدينة قاصداً مكة المكرمة لأداء العمرة وتعظيم بيت الله، وثار أهل مكة وأقسموا ليمنعوه من دخولها عليهم عنوة. ولما أصبح المسلمون على مقربة من مكة على بعد أميال منها في مكان يدعى الحديبية نسبة إلى بئر ماء كانت هناك، توقفوا لأن قريشاً أقسمت على الحرب والصد واستعدت لذلك. ومما هو جدير بالذكر والتسجيل أن ناقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القصواء توقفت عن المسير في ذلك المكان، ولم يدركوا أبعاد معنى هذه الحركة. فقط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأدركه، فقال: «والله ما خلأت القصواء وليس بها خلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفسي بيده لا تسألني قريش اليوم خطة فيها تعظيم لبيت الله إلا وافقتهم عليها». ثم جرت بين قريش وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مفاوضات ومراسلات، وانتهت بتوقيع معاهدة، عرفت فيما بعد بصلح الحديبية ولقد تضمنت هذه المعاهدة بنوداً عدة، من أهمها:
أن يأتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة في عام قابل ومعه المسلمون، لا يحملون إلا سلاح المسافر أي السيوف في أغمادها فيقيمون في مكة ثلاثة أيام يؤدون خلالها مناسكهم، وتخليها لهم قريش، ولا يزيدون على ذلك.

عمرة القضاء
وعندما حل موعد الأجل المضروب سار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمسلمين، وما أن شارفوا مكة حتى أذّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم بالوقوف.. إذ استقر رأيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على القيام بمناورة بارعة، فأمر بتقسيم المسلمين إلى قسمين، يدخل أولهما مكة للطواف والسعي وأداء المناسك، ويبقى القسم الآخر مرابطاً بسلاحه خارجها، على تمام الأهبة للقاء المشركين إذا ما سوّلت لهم أنفسهم شراً أو عدواناً وغدراً. ثم ساروا حتى انكشف لهم البيت الحرام الذي حيل بينهم وبينه منذ عام مضى، ومنعوا عنه سنوات طوال، فما كادوا يرونه حتى علا صوتهم جميعاً بالتهليل والتكبير. وأحاط المسلمون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إعزاز وإكبار، وما أن أهلت جموعهم حتى جلا القرشيون عن مكة مسرعين إلى التلال والجبال التي تحيط ببطن الوادي، لأنهم لم يقتنعوا، ولا يريدون أن يروا محمداً وصحبه يعودون إلى مكة. بعد أن غادروها منذ أعوام تحت جنح الليل الحالك وسواده الداهم أذلاء مقهورين مبعدين، أو هاربين مهاجرين!!
وكان قد بقي في مكة عدد من المسلمين المستضعفين ومنهم ميمونة (رضي الله عنها).

خلوا بني الكفار عن سبيله
دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة فرحاً، وكذلك أصحابه، وعبد الله بن رواحة (رضي الله عنه) آخذ بزمام ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القصواء فكان يرتجز الشعر.
فأراد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أن يمنعه من ذلك، فنهاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاله له:
دعه يا عمر، والله لوقع كلامه أشد عليهم -أي المشركين- من ضربات الحسام، ووقع السهام...!
فاستمر عبد الله يرتجز ويردد:
خلوا بني الكفار عن سبيله
يا رب إني مؤمن بقيله
نحن قتلناكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله خلوا فكل الخير في رسوله
أعرف حق الله في قبوله
كما قتلناكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله
وكانت ميمونة (رضي الله عنها) تنظر إلى ذلك وتستمع، فيكاد قلبها يقفز من بين جناحيها، إعجاباً وحباً.
وطاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمسلمين وسعى، ونحر الهدي، وحلق رأسه الشريفة، وأتم مناسك العمرة. وأقام مع أصحابه ثلاثة أيام.
وقد دخل إليها القسم الذي كان خارجها حارساً، وخرج القسم الذي أدى المناسك.

ميمونة تعرض نفسها على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
لقد كانت ميمونة (رضي الله عنها) إلى عهد قريب مؤمنة تكتم إيمانها، فإذا بهذا الإيمان يتفجر كالبركان عند رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهوت بكليتها إليه، وأعلنت رغبتها على الملأ، ولم تقف عند هذا الحد، بل طلبت إلى العباس زوج أختها أم الفضل أن يعرض الرغبة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن تكون ميمونة له زوجة..
موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
ومن غير تردد ولا إبطاء قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا العرض، لماذا؟ لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول فيها وفي أخواتها “الأخوات المؤمنات”، وذلك من خلال تعاطفهن مع الدين الحنيف منذ أن أشرق فجره وعم ضياؤه. أضف إلى ذلك أنها (رضي الله عنها) قد تأيمت حديثاً، وأنها هي التي أبدت رغبتها... وتم العقد، وأصدقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كمثل غيرها من نسائه أربعمائة درهم.
اخرج عنا..!
وكانت مدة الأيام الثلاثة التي نص عليها صلح الحديبية قد انقضت، فأرسل القرشيون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: لقد انتهى أجلك، فاخرج عنا.. فابتسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لرسولهم: ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه؟ إذ أراد عليه الصلاة والسلام أن يتخذ من زواجه من ميمونة ذريعة لإطالة مدة إقامته، ودعا إلى الوليمة أكابرهم وزعماءهم، فأبوا أن يحضروا، بل قالوا في إصرار: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا. قالوا ذلك وهم يتوجسون خيفة من بقائه أكثر من ذلك، لأنهم أدركوا ما تركته زيارته هذه من أثر في بعض النفوس والعقول. إذ انتفض المستضعفون، وتكاثر المؤمنون، والتف الكثيرون حوله. وها هي ميمونة بنت الحارث إحدى أبرز سيداتهم لا تكتفي بإظهار إسلامها، بل تضيف إليه ما يزيد غيظهم، حين تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسها زوجة..! وفي هذا الحفل الحاشد أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زواجه من ميمونة.. وحفاظاً منه على نصوص صلح الحديبية لم يبنِ بها في مكة، وطلب إلى مؤذنه أن يؤذن بالتوجه إلى المدينة. وحين أصبح في مكان من ضواحي مكة يدعى سرف على بعد عشرة أميال منها ضرب معسكره، وبنى بميمونة في قبة لها.

ميمونة في بيت النبوة
وصلت ميمونة (رضي الله عنها) إلى المدينة، واستقرت في البيت النبوي الطاهر زوجة كريمة، وأماً للمؤمنين فاضلة، تؤدي واجب الزوجية على خير ما يكون الأداء، سمعاً وطاعةً وإخلاصاً ووفاءً.
وضم إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجرتها أختها سلمى أرملة عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وسيد الشهداء...
في هذا العام فجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكبرى بناته زينت فقامت ميمونة (رضي الله عنها) تواسيه وتخفف ما به من ألم المصاب، ولم تكن لتثقل كاهله بشكوى أو طلب.

الوفاة
بعد أن لحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى، عاشت ميمونة سنين عدداً بلغت خمسين عاماً، أمضتها صلاحاً وتقوى، وفية لذكرى سيد ولد آدم، ورسول الهدى، ومعلم الإنسانية محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، لقد أحبت ميمونة فيه الروح والقلب وشفافية النبوة... وقد بلغ من وفائها لذكرى أكرم الأزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أوصت بدفنها في نفس المكان الذي بنى بها فيه، وهو سرف، ويروى أنها كانت تحج ذلك العام عام وفاتها، وداهمها المرض بعد أن أدت المناسك، وحين تماثلت للشفاء، حملت في هودجها إلى المدينة، وكان معها ابن أختها عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) فلما قارب الركب سرف هاجت بها الذكرى، وثارت في جوارحها... فلم يقوَ البدن الضعيف على التحمل فنزلوا بها هناك، وما هي إلا ساعات حتى لفظت الأنفاس الطاهرة، وصعدت روحها العفيفة البريئة إلى بارئها.
فقام ابن عباس (رضي الله عنه) بتجهيزها ودفنها.. (رضي الله عنها) وأنزل عليها شآبيب رحمته، وبوأها مقام الأبرار الصالحين.

المصدر: مجلة الوعي .

صفية بنت حيي (رضي الله عنها)



بسم الله الرحمن الرحيم


سلسلة أمهات المؤمنين (8)


هي صفية بنت حيي بن أخطب أحد زعماء بني النضير من يهود المدينة. وأما أمها فهي برة بنت سموأل من بني قريظة. والسموأل هو تحريف عبري لكلمة إسماعيل عن العربية، تماماً كما نقل اسم السموأل من العربية إلى الأعجمية بلفظ صموئيل، هذه ملاحظة. وهناك ملاحظة أخرى، فإن كثيراً من أسماء يهود الحجاز واليمن في الجزيرة العربية عامة، كانت مستقاة من واقع البيئة، مثل اسم برة أو صفية أو كعب أو غيرها.

كان والدها حيي من أشد اليهود عداوة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأكثرهم حقداً على الإسلام والمسلمين، لم يترك فرصة سانحة للنيل من الدعوة الإسلامية والقوة الإيمانية الفتية إلا استغلها وعمد إلى تقويض أركانها، سواء بالتحالف مع عشائر اليهود في المدينة، أم في الفتنة والوقيعة بين الأوس والخزرج، أم السعاية لدى قريش والتحالف معها واستقدام الأحزاب لقتال المسلمين في المدينة. على العموم كان هذا اليهودي كتلة حقد متحركة ومنبع حسد متدفق، ومجمع كره للإسلام وأهله.

نشأتها
كانت صفية فتاة صغيرة، عندما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المسلمين إلى المدينة مهاجراً، ولم تكن وهي في تلك السن لتدرك أبعاد الأحداث والوقائع. نشأت في بيت زعيم من زعماء يهود، وكبير من كبرائهم. وكانت على جانب عظيم من الجمال، لم يعرف في يثرب بين العرب أو اليهود من هي أجمل منها، فكانت محط الأنظار، تهفو إليها القلوب وتتمناها زوجة.

زواجها الأول
فلما استدار عودها، ونما جسمها، واكتملت أنوثتها، خطبها أحد فتيان يهود وكبرائهم، اسمه سلام بن مشكم من بني قريظة، ثم فارقها على الخطوبة، ولم تطل عشرته معها.

الزواج الثاني
ثم تزوجها كنانة بن الربيع بن أبي حقيق وما أكثر ما تهافت عليها الفتيان والرجال، كل يريد لأن تكون له الحظوة عندها فيظفر بها، إلا أن أباها حيي بن أخطب كان لا يفرط فيها، فلا يعطيها إلا لمن يرى فيه الكفاءة المالية، والاجتماعية، فلا بد للزوج أن يكون غنياً ذا ثروة، وأن يكون سيداً ذا مكانة وسلطة. وهكذا كان ابن أبي حقيق.

غزوة خيبر وفتحها
بعد أن أجلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يهود المدينة عنها، كل اليهود، بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، بسبب غدرهم ونفاقهم ونكوصهم بالعهود والمواثيق التي وقعوها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعهدوا فيها بالتعايش السلمي، وعدم التعرض للمسلمين بالأذى، إلا أنهم غدروا ونقضوا، فحاربهم عليه الصلاة والسلام وأجلاهم عن ديارهم.
بعد هذا ارتحل حيي بن أخطب ومعه ابنته صفية وزوجها ابن أبي حقيق وبنو النضير إلى خيبر، حيث لاذوا بها. ولكنهم ما انفكوا يمعنون في تدبير المؤامرات وحياكة الدسائس ورسم الخطط التي تؤذي المسلمين وتضر بالإسلام.

ومن خيبر البعيدة، كان حيي بن أخطب لا ينفك يعادي المسلمين، ويدبر المؤامرات فتحالف مع بعض القبائل العربية أمثال غطفان على غزو المدينة، ومهاجمة المسلمين في عقر دارهم، ومفاجأتهم والقضاء عليهم والتخلص منهم. لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغته أنباء ذلك التحالف، وتلك المؤامرة، وقبل أن يبدأوه بدأهم، فخرج من المدينة على رأس قوة من المسلمين إلى خيبر ليفاجئ اليهود بغزوهم وقبل أن يأخذوا تمام أهبتهم.

وهناك جرت بين المسلمين واليهود وهم داخل حصونهم عشرة معارك، لم يحظَ المسلمون في بادئها بأدنى نجاح، ذلك أن خيبر كان فيها عدة حصون وقلاع، وأهلها أصحاب بأس وقوة، ورماة سهام. لذا سقط العديد من المسلمين في تلك المعارك بين شهيد وجريح، وأخيراً فتح الله على المسلمين وانتصروا على اليهود، ودكوا حصونهم وقلاعهم، وقتلوا الكثيرين منهم، وعلى رأسهم حيي بن أخطب داهيتهم ووالد صفية وكذلك زوجها كنانة بن الربيع، ووقع أكثر اليهود أسرى في أيدي المسلمين، وسبيت نساؤهم وكان من بينهن صفية.

وقوعها في السبي وقصة رؤيتها
كان بلال بن رباح (رضي الله عنه) قد اقتاد صفية ومعها ابنة عم لها فمر بهما على قتلى يهود، فصرخت ابنة العم وصكت وجهها، فسمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أغربا هذه الشيطانة عني... ثم عزل صفية وجعل كساءه عليها، فعرف جميع الصحابة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اصطفاها لنفسه. وكان مما قاله لبلال مؤنباً: أنزعت الرحمة من قلبك يا بلال حتى تمر بالمرأتين على قتلاهما!! فأسلمت ثم أعتقها، وبعد أن اصطفاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتزوجها ولاحظ عليه الصلاة والسلام خضرة حول عينيها، فسألها عن سبب ذلك، فقالت: استيقظت ذات صباح يا رسول الله على رؤيا، إذ رأيت القمر يأتي من ناحية يثرب ويستقر في حجري، فحدثت بذلك زوجي كنانة بن الربيع بن أبي حقيق، فاستشاط غضباً لأنه تأول الرؤيا فلطمني هذه اللطمة على وجهي. وقال: أو تريدين أن تتزوجي من ملك العرب..؟!

إسلامها وزواجها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
عرض عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام والعتق، وكان مما قاله لها: اختاري... فإن اخترت الإسلام أسكنك نفسي، وإن اخترت اليهودية، فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك. فقالت رضي الله عنها: يا رسول الله، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني حيث صرت إلى رحلك، وما لي في اليهودية أرب، وما لي فيها والد ولا أخ، وخيرتني بين الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلي من العتق وأن أرجع إلى قومي..! فأسلمت (رضي الله عنها) فأعتقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل عتقها مهرها...

خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خيبر باتجاه المدينة، ولم يعرس بصفية، وقد أردفها وراءه على بعير، وشدها بثوبه، وجعلها من خاصة نسائه. فلما صار إلى منزل يقال له تبار على بعد ستة أميال من خيبر، مال عليه الصلاة والسلام يريد أن يبني بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه..! فلما كان بالصهباء بعد ذلك قال لها: ما حملك على الذي صنعت حين أردت أن أنزل المنزل الأول وأدخل بك؟ قالت (رضي الله عنها): خشيت عليك قرب يهود!! فزادها ذلك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محبة وتقديراً. لقد تغلغل الإيمان وامتلك حبُّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصية فؤادها، فباتت تخشى عليه وعلى دعوته ودينه من أذى قومها اليهود، لأنها تعرف ما انطوت عليه نفوسهم من الغدر.

أبو أيوب الحارس
وسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقع أقدام تطيف بالمكان الذي أعرس فيه بصفية، واستمر ذلك إلى الفجر، فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخباء وجد أبا أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) شاهراً سيفه لا يفتأ يدور حول المكان... فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبب تأخره عن الركب فأخبره أبو أيوب أنه كان يخشى عليه من صفية، وما أمر الشاة المسمومة التي صنعتها زوجة سلام بن مشكم ببعيد فطمأنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشهد لصفية بحسن الإسلام، ودعا لأبي أيوب بخير.

عائشة الغيور
ويروى أنه لما اجتلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صفية (رضي الله عنها) رأى عائشة وسط الناس، وكان ذلك في بيت من بيوت حارثة بن النعمان الأنصاري الذي احتشد بنساء الأنصار القادمين لرؤية صفية. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعائشة: كيف رأيتها يا عائشة؟ فقالت: رأيت يهودية!! فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولي هذا يا عائشة، فإنها قد أسلمت وحسن إسلامها، ولقد حدث من عائشة (رضي الله عنها) أكثر من حادث بحق صفية يدل على غيرتها الشديدة منها.
مكانتها بين أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان من عظيم أخلاقه وحسن حكمته (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أنزل صفية من قلبه ونفسه وأهله منزلاً كريماً طيباً... فقد كانت ابنة زعيم قومها، وكانت رضية الأخلاق كريمة الصفات، وأيضاً قد أسلمت واختارت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأولى أن تكافأ على ذلك كله، وتقدر من أجله. كان إذا خرج لغزوة يغزوها يقرع بين نسائه، ومنهن صفية ويسهم لها كما يسهم لهن من الفيء والغنيمة، ويقسم لها كما يقسم لهن. ويروى أنه قسم لها يوم خيبر وأطعمها ثمانين وسقاً تمراً وعشرين وسقاً شعيراً أو قمحاً. حدث زيد بن أسلم (رضي الله عنه) قال: إن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في الوجع الذي توفي فيه، فاجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية (رضي الله عنها): أما والله يا نبي الله، لوددت أن الذي بك بي. فغمزنها أي أزواج النبي وأبصرهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهن: مضمضن.. فقلن: من أي شيء يا رسول الله؟ فقال: من تغامزكن بصاحبتكن... والله إنها لصادقة!!

صفية الرقيقة الشعور، المرهفة الإحساس
حين حدثت الفتنة أيام عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وحوصر في داره من قبل الثائرين، كانت رضي الله عنها إحدى المدافعات عنه، المنافحات عن كرامة منصب الخلافة، الداعية إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، المطالبة بالروية والاعتدال وعدم سفك وإراقة الدماء. وقد اضطرت يوم أن هوجم (رضي الله عنه) في داره، وتكاثر الثائرون على بابه، أن تركب بغلتها وتقود فئة من المدافعين بنفسها. إذ روى أحد شهود ذلك اليوم قال: كنت أقود بصفية لترد عن عثمان، فلقيها الأشتر (جاء في الرواية أن اسمه كنانة) فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت ردني... لا يفضحني هذا!! وحين اشتد الحصار عليه، فمنع عنه الطعام والشراب، اتخذت خشباً كالعارضة أو الجسر من سطح دارها إلى داره، وراحت تنقل إليه من فوقه الماء والطعام... فقد كانت تريد أن تدفع الأذى والفتنة عن المجتمع الإسلامي، والسلطة التي يمثلها الخليفة أيا كان هذا الخليفة.

بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
أقامت (رضي الله عنها) بعد لحوق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى في خاصة دارها -حجرتها-، عابدةً تصلي وتصوم وتقوم، وتفعل الخير، وتبذل من ذات يدها كل ما تقدر عليه، وكان كبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقدرونها وفاءً منهم لنبيهم، ويحترمونها إخلاصاً منهم لشعوره (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبه لصفية التي آمنت وأسلمت صادقة. كانوا يزورونها في بيتها، ويسألونها حاجتها، ويقدمون لها كل ما يلزم، إن احتاجت لأمر أو شيء من الشؤون الدنيوية، ويجلونها في رأيها، ويستشيرونها إذا ما حزب أمر.

الوصية والوفاة
روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: ورثت صفية مائة ألف درهم بقية أرض، فأوصت لابن أختها وهو يهودي بثلثها. فأبوا أن يعطوه وينفذوا وصية صفية، وكانت لا تزال على قيد الحياة، فكلمت في ذلك عائشة (رضي الله عنها)، فأرسلت إلى من يعنيهم الأمر تقول: اتقوا الله وأعطوه وصيته، فأخذ ثلثها (أي الوصية). وكانت لها دار فتصدقت بها في حياتها. ولما كان في العام الثاني والخمسون من الهجرة، وكانت صفية (رضي الله عنها) قد جاوزت العقد السادس من العمر، اعتلّت، ثم وهنت، وعانت من أعراض وأوجاع المرض، ثم وافاها الأجل، وكان ذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان ودفنت بالبقيع.
رضي الله عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب وتقبلها بقبول حسن، وبوأها من لدنه أرفع الدرجات وأسماها، وألحقنا بالصالحين من عباده.

المصدر: مجلة الوعي .

جويرية بنت الحارث (رضي الله عنها)



بسم الله الرحمن الرحيم


سلسلة أمهات المؤمنين (7)


بنو المصطلق هم نفر من قبيلة خزاعة، أصحاب بأس وشدة وكثرة عدد.

ولقد عز على زعيمهم الحارث بن أبي ضرار أن يرى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغ المكانة الرفيعة بين العرب، وأن يتبوأ تلك المنزلة السامية، وأن يشتد ساعده مع أنصاره وأصحابه إلى درجة كبيرة جعلت كل الجزيرة العربية، من أدناها إلى أقصاها ترهب جانبه وتدين له بالطاعة. عزّ عليه ذلك وثارت عنجهيته الجاهلية وغطرسته القبلية، فقام بهم إلى المدينة لقتال المسلمين في عقر دارهم. قرر ذلك دون أدنى تقدير لما يمكن أن تجره عليه وعلى قبيلته هذه النزوة الجاهلية، والعصبية العشائرية الجياشة، حباً بالزعامة، ورغبةً بالتسلط والسيطرة.

وكم من مغرور أمثال الحارث في الماضي والحاضر يحاول أن يهدم هذا الدين، ويتعرض للدعوة وأصحابها وأتباعها بالتسلط والإيذاء، فلا يلبث أن يزول وينتهي، على صورة العبرة والموعظة، والدرس البليغ لغيره من بعده.

القائد المظفر الناجح (صلى الله عليه وآله وسلم).

إن التحليل الموضوعي الصادق لشخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناحية القيادية العسكرية يثبت دون أدنى ريب أنه كان على أعلى المستويات في هذا المضمار.
فقد أرسل عليه الصلاة والسلام أحد أعوانه ممن كان يكلفهم مهمّات الاستطلاع، أن يستطلع ويستكشف أحوال وأخبار الحارث بن أبي ضرار، وجيشه الذي يعده، وخطته التي ينوي اتباعها، لتكون خطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمبادأة والمفاجأة ناجحة ومؤكدة الظفر بإذن الله تعالى.

المعركة

وبعد أن أتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استعداداته، خرج على رأس جيش المسلمين إلى ديار بني المصطلق لمفاجأتهم، كان ذلك في شهر شعبان من السنة الخامسة من الهجرة.

والتقى الجيشان في مكان يسمى المريسيع، بعد أن خرج بنو المصطلق سريعاً لملاقاة المسلمين الذين نزلوا ديارهم وباغتوهم.
ودعاهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإسلام فأبوا واستكبروا بغير الحق، ثم نشب القتال ترامياً بالنبال وتراشقاً بالسهام، ثم جردت السيوف من أغمادها والتحم الفريقان في قتال مرير شديد، وأسفر عن هزيمة بني المصطلق هزيمة منكرة، ووقع أكثرهم أسرى في أيدي المسلمين، ولقد بلغ عددهم ما يزيد على سبعمائة، كما غنم المسلمون كثيراً من الإبل والشياه.

وفر الحارث مع قلةٍ من أصحابه لا يلوي على شيء ولا يهتدي إلى طريق، فر وقد ضاعت آماله، وانهارت قصوره وأوهامه وأحلامه التي زينها له شيطانه وجهله. وكان أعز شيء عليه أن تقع ابنته في الأسر مع من وقع من أصحابه وتسبى. لكن نجاته من الموت والأسر، كانت تخفف عنه بعض أحزان قلبه وأساه.

«برة» الأسيرة
وكان من بين الأسرى ابنة الحارث وتدعى برة وهي نفسها جويرية (رضي الله عنها) وسنأتي إن شاء الله على سبب تغيير اسم برة إلى جويرية.
كانت برة زوجة لأحد رجالات بني المصطلق الذين قتلوا في تلك المعركة، واسمه مسافع بن صفوان.

حديث عائشة (رضي الله عنها)
ولنترك الحديث الآن إلى السيدة عائشة (رضي الله عنها) فهي أولى بإتمامه وتفصيله منا وأصدق لهجة.
قالت أصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءً من بني المصطلق فأخرج الخمس منه، ثم قسمه بين الناس، فوقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكانت تحت ابن عم يقال له مسافع بن صفوان بن مالك بن جذيمة ذو الشعر، فقتل عنها. فكاتبها الحارث بن قيس على نفسها على تسع أواقٍ، وكانت امرأة جميلة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه.

فبينما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندي، إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرفت أنه سيرى منها الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وقد أصابني من الأسر ما قد علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبني على تسع أواقٍ، فأعني على فكاكي. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أو خير من ذلك؟! فقالت: ما هو؟ قال: أؤدي عنك كتابك وأتزوجك.. قالت (قول المؤمنة بالله تعالى وبرسوله): نعم يا رسول الله... فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فعلت.

الخير العظيم
نعود إلى حديث عائشة (رضي الله عنها) فتقول متابعة الحديث:
وخرج الخبر إلى الناس فقالوا أصهار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسترقّون؟ فأعتقوا ما كان بأيديهم من سبي بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها. فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.

اخترت الله ورسوله
وعلم أبوها الحارث بن أبي ضرار وهو في مكة لاجئاً عند قريش بما كان شأنها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وزواجه منها، وكيف تحرر أكثر بني المصطلق بسبب بركتها، فأراد أن يأتي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليباحثه في أمرها ويفتديها، فجمع إبلاً كثيرة وقدم إلى المدينة، فلما كان في ضاحية منها، أعجبه بعيران مما معه فعزلهما في ناحية وأخفاهما عن أعين الناس.. وعندما أذن له بالحضور وأمن على نفسه وجلس بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: يا محمد... إن ابنتي لا يسبى مثلها، فأنا أكرم من ذلك، فخلِّ سبيلها..! فأجابه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مبتسماً: أرأيت إن خيرناها... أليس قد أحسنّا. فقال الحارث: بلى، وأديت ما عليك.
فأتاها أبوها وهي في حجرتها من بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه رسول الله، فقال لها: يا ابنتي إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا.. فقالت: إني قد اخترت الله ورسوله... فقال لها: قد والله فضحتنا... وخرج من عندها...

إسلام الحارث
ولم يغادر الحارث المدينة إلا وقد أسلم... وسبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سأل عن عدد الإبل التي جاء بها ليقدمها فدية لابنته، فذكر العدد، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البعيرين الذين أخفاهما في الضاحية؛ عندئذ تيقظ وجدان الحارث، وأدرك أنه أمام نبي يوحى إليه؛ فاستسلم وأقسم أنه لم يعلم أحداً من خلق الله بأمر هذين البعيرين، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك يا محمد رسول الله.
وبإسلام الحارث سيد قومه تظهر بركة هذا الزواج وقيمته في الدعوة الإسلامية.

من برة إلى جويرية
روى سيدنا عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: كانت جويرية بنت الحارث تدعى برة، فحول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسمها فسماها جويرية لأنه كان يكره أن يقال خرج من عند برة. وتلك لطائف من أخلاق المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمو سجاياه.

الصوامة القوامة في بيت النبوة
يروى عن تقواها (رضي الله عنها) كثير من الوقائع التي تدل على تغلغل الإيمان والإسلام في أعماق قلبها وفي صميم وجدانها؛ فقد صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات ليل الفجر، ثم خرج من عندها، فجلس حتى ارتفع الضحى، ثم جاءها في بيتها وهي لا تزال في مصلاها، حيث أدت فريضة الفجر خلفه، فقالت: مازلت بعدك يا رسول الله دائبة، فقال عليه الصلاة والسلام: ولقد قلت بعدك كلمات لو وزنَّ لرجحْنَ بما قلت: سبحان الله عدد خلقه، وسبحان الله رضى نفسه، وسبحان الله زنة عرشه، وسبحان الله مداد كلماته.

ويروي أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ فقالت: لا... قال: أفتريدين الصوم غداً؟ قالت: لا... قال: فأفطري إذاً.
بينها وبين زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم)

المرأة هي المرأة في كل زمان ومكان، قد ركب الله سبحانه وتعالى فيها غرائز معينة محددة، فهي تتسلل في الإنسانية والبشرية منذ حواء إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد سبق لنا أن تحدثنا في أكثر من مناسبة عن عاطفة الغيرة التي كانت تثور وتتفاعل في نفوس زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إحداهن تغير من الأخرى... ومن الجديدة دائماً على وجه الدقة.

ونحب أن نقول بأن تلك الغيرة قد تهذبت كثيراً، وخفت حدتها بفضل توجيهات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم). ولقد جاءت جويرية (رضي الله عنها) ذات يوم ولم يكن قد مضى على زواجها إلا أيام قلائل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيماء الحزن والأسى بادية على عينيها الدامعتين، ثم قالت: يا رسول الله، إن نساءك يفخرن علي، يقلن لم يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فهدهد عليه الصلاة والسلام من ثورة نفسها، وطمأن من حدة غضبها وحزنها، وقال لها: ألم أعظم صداقك؟ ألم أعتق أربعين من قومك؟ فسكتت جويرية (رضي الله عنها) سكوت الرضى.

ولقد أصبحت (رضي الله عنها) بإكرام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها درة ثمينة في عقد زوجاته الفاضلات. وضرب عليها الحجاب مثلهن، وفرض عليها ما فرض عليهن من الواجبات، ولها ما لهن من الحقوق. وكان يقرع لها مثلهن في الخروج معه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغزوات، والحج والعمرة، وكذلك كان يسهم لها فيما يحصل عليه المسلمون من غنائم.
وقد ذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أطعم جويرية يوم خيبر ثمانين وسقاً تمراً، وعشرين وسقاً قمحاً.
بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

اشتدت العلة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذن من نسائه ومن بينهن جويرية أن يمرض في بيت عائشة (رضي الله عنها) فأذن له.

وكانت جويرية تأتي وتمكث للاطمئنان عليه، وحين تخلو بنفسها في حجرتها تبكي وتتألم، وتسأل الله تعالى أن يخفف ما برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ألم المرض. فلما كان يوم وفاته عليه الصلاة والسلام ولحوقه بالرفيق الأعلى، كانت جويرية بين الحضور، بل كانت أدنى الناس من فراشه، تتأمل الوجه الشريف، ثم تبكي، ولكن دون نحيب أو عويل.
وعاد كل إلى داره ومأواه... وعادت جويرية إلى حجرتها، وإلى وحدتها، وليس لها من أنيس أو جليس سوى اتصالها الدائم بالله تعالى عن طريق عبادتها، قياماً وصياماً.

كانت (رضي الله عنها) شأن أمهات المؤمنين جميعاً، موضع حفاوةٍ واحترام وتقدير من أجلاء الصحابة. تصلها أعطياتها، ومخصصاتها من بيت المال، فتنفقها كلها على المساكين والمحتاجين والفقراء والمعوزين، تأسياً بسيد الخلق (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي علمهن أعظم الأمثولات، وأسمى الدروس.

وكانت (رضي الله عنها) تقصد الحج عندما يؤذن المؤذن بالرحيل، فتؤدي المناسك بقلب طاهر خاشع، ثم تعود إلى المدينة حيث مستقرها بجوار الحبيب (صلى الله عليه وآله وسلم) فتقيم في بيتها عابدة خاشعة، وتستأذن في زيارة الرمس الطاهر بين الحين والحين لتقف عنده بكل صفائها وحبها واحترامها مسترجعة أيام الذكرى متشوقة ليوم اللقاء في الجوار الكريم.
موقفها من الفتن.

وعصفت في أيام خلافة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) الفتن بالمسلمين، وذر قرنها وأطلت على الأمة برؤوس الشياطين. فوقفت جويرية (رضي الله عنه) في الخصومات موقف المحايدة الحريصة على وحدة الأمة وترابطها وتماسكها، فكانت لا تصدر في أقوالها وأفعالها إلا عن دعوة إلى الخير والمحبة والسلام، فلا تناصر فئة على فئة، ولا تقف إلى جانب جماعة دون أخرى. اعتزلت يوم الجمل بعد استشهاد عثمان (رضي الله عنه) بل وجهت النصيحة إلى عائشة (رضي الله عنها) كما فعلت أم سلمة وغيرهما من أمهات المؤمنين. وكانت رضي الله عنها تدعو إلى الله أن يحجب دماء المسلمين وأرواحهم. وكذلك فعلت بعد استشهاد علي (رضي الله عنه)، كرم الله وجهه، لقد لزمت دارها وألزمت نفسها موقف الحق والعدل، وحب المسلمين جميعاً.
وفاتها (رضي الله عنها).

ولما أطل شهر ربيع الأول من العام السادس والخمسين للهجرة، كانت جويرية (رضي الله عنها) قد شاخت، ووهن منها العظم وضعفت ووقعت تحت وطأة المرض الذي لم ينفع معه علاج، ثم وافتها المنية وانتقلت إلى جوار الكريم، وصلى عليها والي المدينة يومئذ مروان بن الحكم، وكانت جنازتها مشهودة.

رضي الله عن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الحسيبة النسيبة، الطاهرة العفيفة، التقية النقية، الصوامة القوامة، المتصدقة الكريمة، وأكرم الله نزلها ومثواها.

المصدر: مجلة الوعي .

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

مواقف وعبر من غزوة بدر الكبرى


بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كرم الله شهر رمضان بأعظم المعارك كمعركة بدر التي وصفها الله بالفرقان لأنها فرقت بين الحق و الباطل و بين الايمان و الكفر، و بين العبودية للطاغوت المتمثل في قريش و كل ألوان الجاهلية التي تمثلها، من الأشخاص و الأهواء و الشرائع و القوانين الوضعية و العادات و التقاليد، و بين العبودية لله الواحد القهار الذي لا إله إلا هو و لا رب سواه و لا حاكم دونه و لا مشرع إلا هو. فانعتقت البشرية من عبادة العباد وتوجهت لعبادة خالق العباد و أصبحت لا تخضع إلا لشرع الله و حكمه.

إن مواطن العبر من معركة بدر كثيرة، نذكر بعضها للتأسي و الإقتداء حيث قال سبحانه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}.



إحقاق الحق و تحطيم الباطل لا يكون إلا بسلطان

بخلاف غيرها من الغزوات و المعارك، كانت غزوة بدر من أولها إلى آخرها من تدبير الله و قضاءه. فقد خرج الرسول صلى الله عليه و سلم في جيش قوامه ثلاثمائة مقاتل لتعقب قافلة أبي سفيان (غير ذات الشوكة) ليغنمها و لم يجهز نفسه لقتال، وكان الصحابة يريدون العير،‎ ولا يريدون القتال، وقد اقرهم الله على ذلك ولم يذمهم، فقال : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)، و لكن إرادة الله و تدبيره كانت خلاف ذلك فهيأ عوامل و ظروف المعركة بشكل لا يمكن معه التخلف، من ذلك أنه جمع الجيشين في مكان واحد و زمان واحد بدقة متناهية، فقد كان جيش المسلمين بالعدوة الدنيا و هو ضفة الوادي القريب من المدينة و كانت قريش بالعدوة القصوى و هي الضفة الثانية من الوادي ولا تفصل بينهما إلا ربوة، حتى لو أن بينهم موعدا لما اجتمعا بتلك الدقة التي قدرها الله و دبرها حيث يقول واصفا هذا الموقف: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ). ومن تدبيره سبحانه و تعالى أن أغرى كلا الفريقين لخوض المعركة، حيث أرى الله سبحانه و تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في منامه جيش الكفار قليلا لا وزن له و لا عدة، حتى يستبشروا و يتشجعوا على القتال و حتى لا يفت في أعضد المؤمنين فيختلفوا و يتنازعوا فيما بينهم و هذا من أخطر ما يصيب جيشا يواجه عدوا، قال تعالى ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

و زيادة في إغراء الفريقين لخوض القتال، تكررت الرؤيا النبوية الصادقة على أرض الواقع حين التقى الجمعان و ذلك بالمعاينة الحسية من كلا الطرفين، حيث بقول تعالى ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، فالمؤمنون كانوا يرون الكفار قليلا لأنهم يرونهم بعين الإيمان، والكفار يرون المؤمنين قليلا لأنهم يرونهم بعين الغرور و العنجهية و الاستكبار. و قد أخبرنا الله سبحانه عن حكمته ومقصده من تدبيره للمعركة في قوله : ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) و هذه حقيقة إلهية لا تتغير و لا تتبدل وهو أن الحق لا يحق وأن الباطل لا يبطل في المجتمع البشري بمجرد البيان النظري و النقاش الفكري، بل لا بد للحق من دولة تطبقه على أرض الواقع حتى يدرك الناس عدله و صدقه بالمعاينة الحسية و أن الباطل لا يبطل إلا بجيش تقوده دولة في ساحات القتال لتحطيم الباطل و إزالته من أرض الوجود ليحل محله الحق الإلهي المتمثل في شرعه حتى ينعم الناس بنور عدل الإسلام و شرعه.

الاستعداد للموت في سبيل حماية الدعوة الإسلامية

لما علم النبي صلى الله عليه و سلم بمقدم جيش المشركين استشار أصحابه في قتال قريش، فأدلى أبو بكر و عمر برأيهما، ثم قال المقداد بن عمرو: (يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لدالدنا معك من دونه حتى تبلغه) و سكت المسلمون، فقال صلى الله عليه و سلم : أشيروا علي أيها الناس، و كان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم و نساءهم، بايعوه على محاربة الأحمر والأسود من الناس، بايعوه على فناء الأموال و قتل الأشراف من أجل حماية الدعوة الإسلامية و صاحبها، و كان صلى الله عليه و سلم يخشى أن تكون بيعة العقبة تعني بالنسبة للأنصار حمايته في داخل المدينة إذا دهمه عدو و ليس خارجها، فرد عليه سعد ابن معاذ رضي الله عنه أرضاه: لكأنك تريدنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه و سلم: أجل، فقال سعد :فقد امنا بك و صدقناك، و شهدنا أن كا جئت به هو الحق، و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة،فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، و ما تخلف منا رجل واحد و ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لدبر في الحرب، صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك)، فأشرق وجه النبي صلى الله عليه و سلم و قال:(أبشروا فقد وعدني الله إحدى الطائفتين، و الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم).

هذا هو موقف المسلمين رغم قلة عددهم وعُددهم، لأنهم نذروا أنفسهم لنصرة الإسلام وإعزازه منذ أن أسلموا ونصروا الرسول، فانجلت غزوة بدر الكبرى عن انتصار الفئة المسلمة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة بإذن الله، قال تعالى:{ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، وقال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}.

و من روائع المواقف التي شهدتها معركة بدر ما قاله عمير بن الحمام الأنصاري عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض قال نعم قال بخٍ بخٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قول بخٍ بخٍ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال فإنك من أهلها قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله. [أخرجه مسلم والإمام أحمد]. فعمير كان متيقناً أنه سيقتل في المعركة ومع ذلك دخل المعركة وقاتل حتى قتل.

إن هذه المواقف من الصحابة الكرام ترينا كيف أنهم باعوا أنفسهم لله حتى أصبح همّ أحدهم أن يموت شهيداً في سبيل الله حتى استشهد أكثرهم في الغزوات. وكان من تفوته الشهادة في معركة يتمنى أن يرزق الشهادة في معركة أخرى. ولم تكن الدنيا ولا ملذاتها تشغل حيزاً كبيراً من تفكيرهم، وكان من يحصل على قوت يومه وهو في صحة وأمن فإنه قد نال حظه الأوفر لأنهم آمنوا بما سمعوه من الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من قوله: ‹‹من بات آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما زويت له الدنيا›› فلم يكن للقصور العظيمة ولا للمراكب الفارهة ولا للمآكل الدسمة والملابس الفاخرة والملذات الآسرة أي أثر في نفوسهم، فهانت الدنيا في أعينهم واسترخصوا المهج والأرواح في سبيل الله وإعلاء كلمته. حتى كانوا يتسارعون إلى الغزوات ولو لم يجدوا زاداً أو راحلة، قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}، ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنهم كانوا يخرجون وليس معهم شيء حتى أكلوا ورق الشجر وكانوا يخرجون ما لا خلط له، أي كما يخرج البعير. فهمهم الأوحد هو إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله، وبذلك مكنهم الله في الأرض، وفتح لهم الدنيا وأخضع لهم رقاب الدول، وهم القلة لأنهم صدقوا الله ما وعدوه، فتحقق لهم ما وعدهم به من الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين وتحقيق الأمن والطمأنينة لهم، حيث قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا}.

إن لنا في تسارع صحابة رسول الله في البذل والعطاء والتضحية، وفي عظم طموحهم في ان يصلوا أقاصي الأرض، عبرة و عضة لنا تجعلنا نتأسى فنكون أمة مجاهدة، بحيث تصبح روح القتال والجهاد سجية من سجايانا.

التفريق بين الأفكار المتعلقة بالعقائد والأحكام الشرعية وبين الأفكار المتعلقة بالعلوم والفنون والصناعات والاختراعات

و لما التقى الجمعان نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أدنى ماء بدر فقال له الحباب بن المنذر :‎يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا انزله الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال"‎بل هو الرأي والحرب المكيدة"قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فاني اعرف غزارة مائه بحيث لا ينزح فننزله ثم نغور ما عداه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"‎فقد أشرت بالرأي". إن قول الحباب ابن المنذر رضي الله عنه كان يدرك أن الأمور التي مصدرها الوحي و هي الأفكار المتعلقة بالعقائد والأحكام الشرعية لا يجوز للمسلم أن يتقدم فيها أو أن يتأخر و لو رأى العقل خلاف ذلك، و لذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما علم بأن هذا من الأمور التي يجوز أن يدلي فيها المرء برأيه إذ هي من الأفكار المتعلقة بالعلوم والفنون والصناعات والاختراعات وما شابهها، عند ذلك أعطى رأيه. و هذا يبين لنا أن هناك فرق بين الأفكار المتعلقة بالعقائد والأحكام الشرعية وبين الأفكار المتعلقة بالعلوم والفنون والصناعات والاختراعات وما شابهها فالأفكار المتعلقة بالعلوم والفنون وما شاكلها يجوز أن يقررها العقل ما لم تخالف الإسلام كما يجوز أخذها حتى من غير المسلمين وأما الأفكار المتعلقة بالعقائد والأحكام الشرعية فلا يجوز للعقل إلا أن يكون لها خادما أي أن دوره فيها هو فهم الحكم من مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب وسنة او مما ارشد اليه الكتاب والسنة، و لا يجوز على الإطلاق أن يؤخذ من غير الإسلام و إن ما يدعم هذا ما رواه مسلم من ان النبي صلى الله عليه وسلم قال"انما انا بشر مثلكم اذا أمرتكم بشيء من أمور دينكم فخذوا به واذا أمرتكم بشيء من أمور دنياكم فانما انا بشر"وما روى عن عائشة وانس معا ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا يصلح، قال فخرج شيصا"اي بسرا رديئا"فمر بهم فقال ما لنخلكم ؟ قالوا قلت كذا وكذا قال"‎انتم أدرى بأمور دنياكم".

وجوب اقتران العمل بالدعاء

لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر بين العمل و الدعاء، فقد نظم الجيش و حرضه على القتال و في نفس الوقت رفع يده إلى السماء يطلب المدد من الله و يلح في الدعاء، حيث يقول سبحانه:( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) و هذا من لطف الأدب مع الله، إذ لا يجوز للمرء أن يطلب أي عطاء من الله دون أن يسعى إليه سعيه و يبذل فيه جهده. و لذلك كان على المسلمين أن يدركوا أن فلسطين و سائر بلاد المسلمين لا تحرر بالدعاء وحده، بل بجيش يقوده أمير صالح كعمر و صلاح الدين، و أن الخلافة الإسلامية لا تقوم بالدعاء و إن كان رجاء الخير خير بل لا بد أن يقترن به عمل فكري و سياسي ضخم يستهدف الأمة الإسلامية بمجموعها و يتأسى فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة الكرام.

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

قال تعالى: ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

و تبقى هذه الحقيقة القرآنية الخالدة أن النصر ليس مرده إلى العدد والعدة بل مرده إلى الله وحده فهو سبحانه مالك الملك، و هو المحيي و المميت و هو المعز و المذل، قال تعالى: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وما على المسلمون إلا الأخذ بشروط النصر المطلوبة شرعاً كالتقوى والصبر عند اللقاء وذكر الله و الاتصال به عند القتال وطاعة الله ورسوله و تجنب الشقاق و النزاع و الصبر على تكاليف المعركة و الحذر من البطر و الرياء وإعداد القوة اللازمة، قال الله تعالى: {بلى إن تتقوا وتصبروا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين}، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين)، وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}.

بقلم : شاكر حليم

الجمعة، 21 مايو 2010

زينب بنت جحش (رضي الله عنها)


بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أمهات المؤمنين (6)

زيد بن محمد

هو زيد بن حارثة بن شرحبيل وقصته طريفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة زينب بنت جحش (رضي الله عنها) وكذلك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
كان طفلاً صغيراً وقع في السبي، حين أغارت طائفة من قطّاع الطرق والصعاليك على القافلة التي كان زيد فيها مع أمه... وقد قصدت زيارة أهلها، فأخذ منها، وبيع في أسواق مكة، واستقر في بيت خديجة (رضي الله عنها)، وحين تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهدته إليه. وأخذ أهله يبحثون عنه في كل مكان، ثم عرفوا أنه عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في مكة فجاءوا لفدائه والعودة به، فلما دخلوا الدار عرفوا بأنفسهم وغرضهم وأثنوا على طيب عنصر النبي عليه الصلاة والسلام وكريم محتده، فأخرج إليهم زيداً ثم سأله: أتعرف هؤلاء؟
قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي...
ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أتريدون خيراً مما تطلبون؟ قالوا: وما هو؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أخيِّر...، فإن اختاركم فهو حر، وإن اختارني فاشهدوا أنه مني بمنـزلة الوالد، يرثني وأرثه... فقالوا: لقد أنصفت.
وحين خيّر زيد في ذلك قال: أنا لست بالذي أختار عليك أحداً. فخرج أهله من عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم مطمئنون واثقون من حسن اختياره، وطيب مقامه. وكان ذلك قبل البعثة النبوية، ولقد أشهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك أهل مكة، إذ نادى به على الملأ من قريش، عند الكعبة، ليعرف القاصي والداني ذلك.
ومنذ ذلك الحين أصبح زيد بن حارثة يعرف بزيد بن محمد، وكان التبني عادةً ساريةً وعرفاً متبعاً في الجاهلية، واستمر الأمر على ذلك زمناً حتى أنزل الله تعالى حكمه في كتابه (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) [الأحزاب 5]، فعاد زيد إلى نسبه الأصلي الأول، وظل على ولائه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مخلصاً محباً وفياً أميناً مسلماً مؤمناً تقياً.
والنسبة للآباء أولى وأجدى، وأضمن لسلامة الأحساب والأنساب في المجتمعات الإنسانية حتى لا تضيع أو تضل في متاهات الصلات البشرية.

زينب فتاة قريش

وكانت زينب بنت جحش بن رئاب المخزومية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب الهاشمية عمة رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)، وكانت زينب...، زينة فتيات مكة تتباهى بأصالة أرومتها، وطيب عنصرها فقد جمعت المجد من طرفيه قمّة في فصاحة اللسان، وذروة في الفضائل والأخلاق.
أسلمت وآمنت وبايعت، وظلّت عزباء... إذ ردت كثيراً من الأيدي التي تقدمت لها، لأنها لا تجد في من رغب بالزواج منها تكافؤاً اجتماعياً.

زواجها من زيد

بعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبني المجتمع المدني على أسس جديدة، فيها الثورة على كل الأعراف الجاهلية، وقيمها الزائفة... أراد أن يبني المجتمع على قاعدة صلبة في الإخاء الإنساني في الله، بحيث تكون بشرية الإنسان والفرد وتقواه مع الله هي مؤهلاته فقط، لا ماله، ولا حسبه، ولا بأسه وسلطانه... فبدأت الأخوة في الله تأخذ سبيلها، وتمضي نحو غايتها.
خطب زينب عدة رجال فأرادت أن تستشير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك فأرسلت إليه أختها تسأله عنهم فقال لها: أين هي ممن يعلمها كتاب الله وسنة رسوله؟
فقالت: ومن هو يا رسول الله؟
قال: زيد بن حارثة
فغضبت أختها غضباً شديداً وقالت: يا رسول الله، أتزوج ابنة عمتك مولاك؟ ولما أخبرت زينب بذلك غضبت أشد من غضبها وقالت أشد مما قالت. كما كره أخوها عبد الله أن تُزفَّ أخته الشريفة الحسيبة النسيبة إلى مولًى من الموالي، ومع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحدث عن أصل زيد الصريح أباً وأماً، وعن مكانته في الإسلام، إلا أن زينب قالت: لا أتزوجه أبداً. حينئذٍ نزل في زينب وذويها قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [الأحزاب 36].
ورضيت زينب بقضاء الله تعالى ورسوله، وقبلت أن تتزوج عبداً وهي الشريفة سليلة المطَّلبيِّين، فقد كانت مؤمنةً فاضلةً، وكانت تعلم أن على المؤمنين أن يقبلوا بقضاء الله سواءٌ أوافق هواهم أم لا.
وتزوج زيدٌ زينبَ، وأكد الإسلام من خلال زواجهما أن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لحر على عبد إلا بالتقوى، وأن الناس لآدم، وأن آدم من تراب.

الحياة الزوجية

وكان زيدٌ أفطس الأنف، ولم يكن جميلاً، فلم ينشرح له قلب زينب، ولم تشعر تجاهه بالمودة والحب، وهي التي لم تكن مقتنعةً بهذا الزواج من بدايته، وما قبلته إلا بعد نزول قوله تعالى، لذا لم يكتب لبيتهما السعادة، وأحس زيد نفوراً من زوجته، وأبت على زيد كرامته وعزة نفسه، وهو ربيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن يرتبط بزوجة لا ترغب فيه، فذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكوها ويعرض نيته في تطليقها، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مالك يا زيد، هل رابك منها شيء؟
فقال زيد: لا والله يا رسول الله، ما رابني فيها شيء، ولا رأيت إلا خيراً، ولكنها تتعاظم علي لشرفها، وإن فيها كبراً، وتؤذيني بلسانها.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا زيد، هذه زينبُ، يسر الله لك زواجها، وعسى أن يصلح حالها لك بعد ذلك، فأمسكها عليك واتق الله لئلا تصمها بأنها لا تحسن عشرة الأزواج، وثب إلى رشدك ولا تنقض أمراً أبرمته.
ولكن زينب كانت كارهةً العيش مع زيد، وكانت كرامة زيد تأبى عليه أن يفرض نفسه عليها فرضاً، فهي لا ترغب فيه، فكيف تقبل نفسه العيش معها كرهاً وهو الأبي الفاضل، لذا ظل يتردد على رسول الله يطلب منه الموافقة على طلاقة من ابنة عمته زينب.

خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها

ووقع الطلاق بين زيد وزينب، وانقضت أيام عدتها، وتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لخطبتها، فأرسل زوجها السابق زيد بن حارثة يخطبها له، فذهب إليها زيد، ووقف وظهره إلى الباب، وقال لها: يا زينبُ، بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطبك. وصمتت زينب ولم تنبس ببنت شفة، بل قامت إلى صلاتها، وراحت تصلي لله بقلب ملؤه الخشوع والإيمان بقضائه وقدره.
ومرت أيام قليلة، وبينما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث إلى عائشة يوماً، إذ جاءه الوحي بقول الله عز وجل: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) [الأحزاب 37]. وأسرع البشير إلى زينب حين تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الآية الكريمة، فلما سمعت قول الله وأمره بتزويجها من رسول الله، تركت ما بيدها وقامت إلى صلاتها شكراً لله وحمداً له. وهكذا زوج الله سبحانه وتعالى زينب (رضي الله عنها) من نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص قرآني بلا ولي ولا شاهد، وكانت السيدة زينب (رضي الله عنها) بعد زواجها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول لهن: أنا أكرمكن ولياً، وأكرمكن سفيراً، زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

الأمر بالحجاب

أما وليمة العرس التي أولمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند زواجه من زينب، فقد ذبح فيها شاةً ودعا إليها ما يزيد على سبعين رجلاً من جلة أصحابه وكبار إخوانه، حتى قيل إنه لم يبقَ في المسجد يومها أحد إلا وحضر الطعام...، وأكلوا جميعاً باسم الله.
مكث الحاضرون المدعوون في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقتاً طويلاً أطول من اللازم ومن المألوف، يتحدثون ويتسامرون، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشغول بينهم وبين زوجته زينب حتى أنه تأذى من ذلك، ولكنه أخفاه في نفسه وفي هذا نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا).

صيام شهرين

قالت زينب (رضي الله عنها): لما جاء الرسول بتزويج رسول الله إياي جعلت لله علي صوم شهرين. فلما دخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كنت لا أقدر أن أصومها في حضر ولا في سفر تصيبني فيه القرعة، فلما أصابتني القرعة في المقام صمتهما.

مفاخرتها نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعجابها بنفسها

كان قد سبق لنا القول عن إعجاب زينب بنفسها، في الجمال والمال والحسب، وكان ذلك من أعراف الجاهلية والسبب المباشر في تأخر زواجها. ولقد كان من هموم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بناء الشخصية الإسلامية أن يقتلع من النفوس تلك الرواسب وينقيها، ويهذبها، ويهديها سواء السبيل. كما أننا عرفنا أن من أسباب تزويج زينب (رضي الله عنها) من زيد بن حارثة المولى، كسر حدة تلك الظاهرة لدى زينب، ولكنها خفت ولم تنته، وما اضطربت حياتها مع زيد (رضي الله عنه) إلا بسبب ذلك. ثم بعد زواجها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجدت نفسها ضمن مجموع من لآلئ السمط الثمين، من أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن)، ولا تعدو أن تكون واحدة منهن. لكن عامل الغيرة في الكيان الأنثوي يقبع إلى حين، فإذا ما تبدت الفرصة تحرك وأعلن عن نفسه. فيروى أنه جرت ذات يوم ملاحاة بينها وبين عائشة (رضي الله عنهما) التي كانت تغار منها غيرة شديدة، فقالت زينب: «إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنهن تزوجهن، وزوجهن الأولياء، وزوجني اللهُ رسولَه، وأنزل في الكتاب يقرأ به المسلمون، لا يبدل ولا يغير».

المتصدقة

كانت شهرة زينب (رضي الله عنها) بشأن الصدقة أكثر منهن جميعاً، فما كانت لترضى أن تبيت درهماً في دارها قبل أن تتصدق به على من هو بحاجة إليه، تنفق كل ما يصل إلى يدها من عطاء تقرباً إلى الله تعالى، واقتداءً بسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
يروى أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أرسل إلى أم المؤمنين زينب بالذي لها من الصلة والرزق، فلما أدخل عليها قالت: غفر الله لعمر، غيري من إخواني كان أقوى على قسم هذا مني. فقالوا هذا كله لك، قالت سبحان الله، ثم استترت بثوب وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً وقالت لبرة بنت نافع: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان، من أهل رحمها وأيتامها. حتى بقيت تحت الثوب، فقالت لها برة. يا أم المؤمنين، غفر الله لك، والله لقد كان لنا في هذا حق... فقالت لكم ما تحت الثوب، قالت برة: فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهماً. ثم رفعت زينب يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا...
ويروى أن عطاءها بلغ اثني عشر ألف درهم، لم تأخذ مثله إلا في عامها هذا، وفرقته على اليتامى والمساكين والمحتاجين.
لقد كانت جميع زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصات على البر بالمساكين والمحتاجين،لا يدخرن وسعاً في الإنفاق والبذل، راجيات من الله أن يتقبل صدقاتهن أحسن القبول.

المتصدقة بالأكفان

ولما حضرتها الوفاة في العام العشرين من الهجرة، وكانت قد بلغت الثالثة والخمسين من عمرها، أرسل لها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بخمسة أثواب من الخزائن، يتخيرها ثوباً ثوباً، فكفنت فيها، وتصدقت أختها (حمنة) عنها، كما أوصت، بكفنها الذي أعدته لتكفن فيه. وبهذا التصرف تعطي زينب أم المؤمنين (رضي الله عنها) للمؤمنين والمؤمنات من بعدها خير المثل وأعظمه، في احتساب ماديات الدنيا كلها عرضاً زائلاً تبتغي به الدار الآخرة، التي هي أخلد وأبقى.

الصلاة عليها ودفنها

روى القاسم بن عبد الرحمن فقال: لما توفيت زينب بنت جحش أم المؤمنين (رضي الله عنها) وكانت أول نساء النبي لحوقاً به (وقد سبق أن قلنا أن سودة بنت زمعة هي أول نسائه لحوقاً به وهو أولى) فلما حملت إلى قبرها، قام عمر (رضي الله عنه) إلى قبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني أَرسَلتُ إلى النسوة –يعني أزواج النبي- حين مرضت هذه المرأة: أن من يمرضها ويقوم عليها؟ فقلن: نحن، فرأيت أن قد صدقن، فأرسلت إليهن حيث قبضت: من يغسلها ويحنطها ويكفنها؟ فأرسلن: نحن، فرأيت أن قد صدقن. ثم أرسلت إليهن: من يدخل قبرها؟ فأرسلن من كان يحل له الولوج عليها في حياتها، فرأيت أن قد صدقن، فاعتزلوا أيها الناس، فنحاهم عن قبرها، ثم أدخلها رجلان من أهل بيتها وكان عمر (رضي الله عنه) هو الذي صلى عليها، وتبع جنازتها حتى البقيع، وانتظر حتى فرغ من حفر القبر تكرمةً لها، واعترافاً بفضلها ومكانتها.
فرحم الله أكرم النساء ولياً وسفيراً.

محمد الشمالي - لبنان

المصدر: مجلة الوعي

هند بنت أبي أمية (أم سلمة) (رضي الله عنها)


بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أمهات المؤمنين (5)

سبق أن ذكرنا في العدد (263) أم سلمة نسبها وإسلامها زواجها من عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرضاعة، وتحدثنا عن هجرتها هي وزوجها إلى الحبشة ثم عودتهما بعد إسلام عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنهما)، ثم هجرتهما إلى المدينة، وكيف فرق قومها بينها وبين زوجها وابنها، ثم كيف هاجرت هي وابنها وحدهما إلى المدينة، وكيف قام عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار بإيصالها إلى المدينة بخُلُق قلَّ نظيره، ثم ذكرنا كيف رفضت الزواج من كبار الصحابة، أبو بكر وعمر، ثم تزوج منها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهكذا أصبحت أماً للمؤمنين، إلا أن هناك أموراً يجب ذكرها تحقيقاً لكونها أماً للمؤمنين. وبما أننا نسير بالترتيب في ذكر أمهات المؤمنين، فإننا سنكتفي بذكر بعض الخير لها ونحن نعلم أن خيرها أكثر بكثير...
لقد كان من إكرام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأم سلمة (رضي الله عنها) أنه كان إذا صلى العصر دخل على أزواجه واحدة واحدة، مبتدئاً بأم سلمة لأنها أكبرهن ثم يختم بعائشة.
وكانت (رضي الله عنها) من النساء العاقلات الناضجات اللواتي يدركن الأمر إدراكاً صحيحاً، ويقيّمن الأحداث والوقائع تقييماً سليماً، فعاشت في بيت النبوة مقدرة وجودها حريصة على مكانتها، مراعية لجانب المودة والألفة مع أخواتها أمهات المؤمنين. ولهذا كله كانت منـزلتها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عظيمة رفيعة.
وحدث في يوم الحديبية أن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بعد أن فرغ من توقيع الصلح مع وفد قريش أن ينحروا الهدي ثم يحلقوا فلم يقم منهم أحد بذلك. وردد ذلك ثلاث مرات دون أن يستجيب أحد إلى طلبه، فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من صدود الناس وإعراضهم، بادي الحزن والأسى... فقالت:
يا رسول الله... أتحب ذلك، اخرج فلا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنتك، وتدعو حالقك فيحلقك... فاستصوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأيها، واستحسن مشورتها... لأن ذلك سيكون حافزاً فعلياً على تحرك الناس والاقتداء برسول الله.
فقام وخرج ولم يكلم أحداً من الناس كلمة واحدة، فنحر بدنته، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وراح بعضهم يحلق للبعض الآخر... وتزاحموا على ذلك حتى كادوا يتساقطون.
وهكذا كانت (رضي الله عنها) في كثير من المواقف، لا تحسم أمراً إلا عن نضج، وعمق تفكير، ولقد حفظت في ذاكرتها كثيراً مما حدّث به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فروت عنه بأمانة الناقل ووعي السامع.

بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

وبعد أن لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى أقامت أم سلمة (رضي الله عنها) ترقب مجريات الأمور، وتطور الأحداث والوقائع، فتدلي برأيها في كل شأن حفاظاً منها على استقامة الناس وعدم انحرافهم، وخاصة أصحاب السلطان من الخلفاء والولاة، داعية إلى الخير والوفاق والمحبة والسلام. ولقد روى بعض المؤرخين أنها دخلت على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في زمن خلافته، وحدثته ناصحة له فقالت: «يا بني، ما لي أرى رعيتك عن جناحك نافرين؟! لا تعفُ طريقاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبها، ولا تقتدح بزند كان عليه الصلاة والسلام أكباه (لم يخرج ناره). وتوخَّ حيث توخى صاحباك أبو بكر وعمر فإنهما ثكما (قاما) ولم يظلما. هذا حق أمومتي عليك، قضيته إليك، وإن عليك حق الطاعة».
فأجابها (رضي الله عنه): «أما بعد، فقد قلتِ فوعيتُ، وأوصيتِ فقبلتُ» وحين قتل (رضي الله عنه) حزنت لفقده واستشهاده على الصورة المؤلمة التي حدثت، فدخل عليها رجل من بني تميم يسألها عن عثمان فقالت: شكا الناس ظلمهم منه فاستتابوه، فتاب وأناب، حتى إذا صيروه كالثوب الأبيض من الدنس، عمدوا إليه فقتلوه.
وحين عزمت عائشة (رضي الله عنها) على الخروج إلى البصرة يوم وقعة الجمل كتبت إليها أم سلمة وكان مما قالت لها: «...ولو علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن النساء يحتملن الجهاد لعهد به إليك... جهاد النساء غضُّ الأطراف، وضم الذيول، وقصر المودة... وأقسم لو قيل لي: يا أم سلمة، أدخلي الجنة، لاستحييت أن ألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هاتكة حجاباً ضربه عليّ،... فاجعليه سترك، وقاعة البيت حصنك».

آخر العهد بالدنيا

ظلت (رضي الله عنها) أماً للمؤمنين... ترفع عنهم بلسانها غائلة الظلم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وتنافح عنهم جور السلطان ما أمكنها، وتصدع بكلمة الحق لا تخشى فيها لومة لائم. ولما كان شهر ذي القعدة من العام التاسع والخمسين للهجرة، دب الفناء إلى أوصالها، وأسلمت الروح راضيةً مرضيةً. فصلى عليها أبو هريرة (رضي الله عنه) ودفنت في البقيع، وقد تجاوزت الرابعة والثمانين من عمرها. رضي الله عن أم المؤمنين هند بنت أبي أمية أم سلمة الزوجة الوفية، والمجاهدة الصابرة، والعالمة الجليلة، والمحدثة الأمينة، حاملة راية الحق والعدل.

المصدر : مجلة الوعي

حفصة بنت عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)


بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أمهات المؤمنين (4)

نسبها ومولدها (رضي الله عنها)

هي حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل العدوية القرشية.
وحفص على التذكير من أسماء الأسد، وبالتأنيث أنثاه، وكثيراً ما كان ينادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمر (رضي الله عنه) بقوله يا أبا حفص.
وأمها زينب بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون أحد السابقين إلى الإسلام في مكة.
أصيلة الحسب والنسب، وفي الذروة من قريش مكانةً، ولدت كما تذكر روايات التاريخ قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمس سنوات، ويؤرخون لمولدها ببناء قريش للكعبة بعد أن جرفها السيل. وعلى هذا يكون مولدها في نفس تاريخ مولد فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

نشأتها

نشأت حفصة (رضي الله عنها) في بيت عمر بن الخطاب نشأة كريمة عزيزة، تحترم الأب وتخشاه في آن معاً لما كان عليه من شدة وقسوة وغلظة في جاهليتها!!
وتعلمت حفصة القراءة والكتابة منذ نعومة أظافرها، على نهج الأشراف والسادة، وبرعت في ذلك وتفوقت على قريناتها.
مرت أعوامها الأولى أثناء فتوتها وصباها وهي ترى بأم عينها وتسمع أنباء الصراع العنيف بين الفئة المؤمنة بقيادة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الكثرة الكافرة بقيادة الصناديد من قريش ومن بينهم والدها عمر...، ولكنها لم تكن تدرك أو تتأثر إلا في حدود طاقة عقلها ووجدانها.

إسلامها

عاد الأب عمر ذات يوم إلى داره بوجه غير الذي خرج به في الصباح، وبلسان ولهجة غير ما كان ينطق من قبل... إنه متهلل الوجه يشع نوراً وحبوراً، طلق المحيا، مبسوط اللسان بالكلام اللين الذي يقطر رقة وعذوبة. لا شك أن تغييراً كبيراً قد حدث..! وعرف أهل الدار بإسلام عمر ففرحوا وانشرحت صدورهم. وازدادوا فرحاً بالتغيير..! لقد زالت عن سماء الدار سحابة التجهم، وانطلقت في أرجائه بسمة الرضى.

زواجها الأول

وخطبها إلى أبيها خُنَيْسُ بن حُذافة السَّهْميّ الشاب المسلم المؤمن فرحب به عمر وأكرم وفادته. وعلى بركة الله انتقلت حفصة من دار أبيها إلى دار زوجها خُنيس وعاشا معاً في وفاق ومحبة ووئام.
لقد عاشت حفصة زوجة تعرف حقوق وواجب الزوجية، تقدر المسؤولية، وتضطلع بأعباء بيت الزوجية وواجباته وترعى كل أموره بحكمة المرأة الناضجة العاقلة رغم سنها المبكرة. وكانت حفصة (رضي الله عنها) تقدر في زوجها خُنيس سابقته في الإسلام، فهو من الأوائل الذين حملوا الدعوة في قلوبهم وتشعبت بها أرواحهم وجاهدوا من أجلها بأموالهم وأنفسهم تقرباً إلى الله عز وجل. لقد كان خنيس (رضي الله عنه) من مهاجري الحبشة الهجرة الأولى، لذا كان حبها عظيماً، ومنزلته من قلبها في الصميم.

حفصة المهاجرة

ثم كان الحدث العظيم في حياة المسلمين... وهو هجرتهم من مكة إلى المدينة حيث أخذت الدعوة مساراً جديداً ومفترقاً هاماً وفاصلاً. فهاجرت حفصة مع زوجها خنيس (رضي الله عنها) منتظمين في ركب المسلمين وموكب المؤمنين.

الأرملة الحزينة

خاض المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدراً في العام الثاني من الهجرة، وانتصروا يومئذ بتأييد من الله تعالى على المشركين نصراً مؤزراً، وعادوا إلى المدينة التي استقبلتهم استقبالاً حافلاً عظيماً. فقد كان يومئذ أول صفحة في سفر الجهاد حيث تنكسب أعلام الجاهلية وفرغ كبرياؤها، وزلزلت أركان عنجهيتها، وبدت قريش أمام العرب مهينة ضعيفة هزيلة.
لكن الثأر حركها من رقدتها وأيقظ ما عفا من عزتها الجوفاء...، فصممت على إعادة الكرة، واستعادة الموقع والموقف كي تظل سيدة العرب بلا منازع، وتقضي حسب وهمها على بدعة الدين الجديد. فخرجت بجموعها وحشودها، وكل عزمها وحزمها إلى المدينة تريد المواجهة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عقر داره وحصنه الحصين..!
وكان ما كان من نتائج أحد! ووقع خنيس (رضي الله عنه) جريحاً، يعاني أشد المعاناة، ينزف وتتردد أنفاسه بطيئة في صدره، تنذر بدنو الأجل. فكان قلب حفصة يئن من الحزن، ويضج بالهم والغم...، وهي تلازم فراش خنيس، تمارضه وتسعى لإنقاذه. ولم يكونا قد رزقا بمولود، ذكر أو أنثى...
وأسرع ابن الخطاب (رضي الله عنه) إلى دار ابنته ليطمئن على ختنه...، ولكن سبق السيف العذل، ولم تفلح عقاقير الأطباء ولا معالجتهم في شفائه فقضى في ريعان شبابه.
وترملت حفصة (رضي الله عنها) وهي في سن مبكرة إذ كانت لا تعدو العشرين ربيعاً من عمرها. وانطوت حفصة على نفسها حزينة بائسة...، صابرة...، محتسبة فقيدها الغالي عند الله تعالى، وفي رحمته سبحانه، وأسلمت أمرها للباري عز وجل.

أحزان عمر

لقد تألم عمر (رضي الله عنه) كثيراً لفقدان خنيس وترمل حفصة...، فكان يزورها ويواسيها ويحاول أن يخفف عنها ما تعانيه، ثم يخرج من عندها وفي عينيه دمعة، وفي قلبه حسرة، وفي حلقه غصة. وفي ذات يوم، وقد بلغ الحزن مداه في نفسه، التقى في الطريق بعثمان بن عفان الذي كان قد فقدَ زوجته رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتشجع وعرض عليه الزواج من حفصة، فقال عثمان: مالي في النساء حاجة!
لم يقلها عثمان بجفوة أو غلظة، ولكن بإحساس مرارة الزوج الحزين، الذي لا يزال يعيش جو حبه لزوجته الحبيبة.
ثم لقي عمرٌ أبا بكر فعرض عليه نفس العرض، الزواج من حفصة، فسكت ولم يجب..! فغضب عمر كثيراً، وأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثورة بادية على محياه، حمرة الأسى تتقد في عينه، وحين استمع إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرف ما به قال له: يزوج الله تعالى عثمان خيراً من حفصة ويزوج حفصة خيراً من عثمان، فهدأ بعض غضبه (رضي الله عنه) وإن لم يدرك أبعاد هذه الكلمات، وخرج من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمل في قلبه بعض الطمأنينة.

خير من عثمان

الباب يقرع، إنه باب دار عمر بن الخطاب، والقارع هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والطلب هو زواجه عليه الصلاة والسلام من حفصة...!
ولقد كانت فرحة عمر أعظم من أن توصف، وأكبر من أن يخطها قلم... لقد أصبح سيد المرسلين وخاتم النبيين زوجاً لحفصة الأرملة الحزينة، تلك التي عرضها والدها على اثنين من أخلص أصحابه، وأصفى مقربيه، فرفض أحدهما وسكت الآخر.

توجيهات وتوصيات عمر (رضي الله عنه)

لقد كانت لحفصة رضي الله عنها شخصية قوية، حباها الله بالذكاء والفطنة، وكانت تناظر وتعارض كثيراً، كثيراً ما تستوقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمور تسأله فيها تستفهمه وتستوضحه. وكان أهل قريش شديدين على نسائهم، وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) منهم، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وجدوا نساءً يغلبن أزواجهن، وأخذت النساء تعلمن من نساء المدينة. وقد حدث أن غضب عمر يوماً على امرأته فإذا هي تراجعه وتجادله فأنكر عليها ذلك. فقالت له: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلق حتى دخل على حفصة فقال لها: أتراجعين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالت: نعم، قال: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قال: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. لا تراجعين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تسأليه شيئاً، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منك -يريد عائشة-.

حفصة من نسائه في الجنة

على الرغم من ذكاء وحكمة وفطنة حفصة إلا أنها تبقى شأنها شأن جميع النساء تغار على زوجها، فقد ذُكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطئ مارية، وقد كانت جارية له، في بيت حفصة وفي نوبتها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إلي شيئاً ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي وفي دوري وعلى فراشي، قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى، فحرّمها وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) [التحريم] الآيات كلها. وكان رسول الله قد قرر في ذلك الوقت أن يطلقها، فنزل جبريل عليه السلام وقال له: لا تطلق حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة.

بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

مرت حياة حفصة في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أحب ما تشتهي وتريد، وحفظت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام بعض أقواله الحميمة وتوجيهاته السامية، فسلكت مسلكها وعملت بمقتضاها، ووعاها صدرها وقلبها.
ولما دنت ساعة الفراق، ولحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى، بكته حفصة بدمع هتون، وقلب محزون، ولزمت دارها لا تفارقها أبداً، سوى الحج إلى بيت الله الحرام، وكانت العبادة سلوكها، والتصدق على الفقراء والمساكين عادتها.

في عهد الخليفتين

وأضحت حفصة أم المؤمنين (رضي الله عنها) في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) موضع تقدير واحترام، حُرمتها من حرمة بيت النبوة، حتى إن والدها الفاروق كان يعظم هذا المعنى ويقدس تلك المكانة، إكراماً ووفاءً للنبي الراحل إلى جوار ربه الكريم. إضافة إلى ذلك أن بيت حفصة وحجرتها (رضي الله عنها)، كانت مستودع ما كُتب من وحي وما نزل من آيات بينات... تصون ذلك وتحفظه. فقد اختارها أبو بكر (رضي الله عنه) عندما شرح الله صدره إلى جمع المصحف بعد أن استشرى القتل في القراء والحفظة أثناء حروب الردة، وخاصة يوم اليمامة... فكان لأم المؤمنين حفصة (رضي الله عنها) من الفضل ما يضاف إلى رصيدها العظيم في العلم والإيمان والخلق والعبادة والأمانة...

حفصة المحدثة (رضي الله عنها)

روت حفصة (رضي الله عنها) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمانة الناقل، وحفظ الواعي، كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة. وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين، كأخيها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة، وحارثة بن وهب، والمطلب بن أبي وداعة، وأم مبشر الأنصارية، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، وعبد الله بن صفوان، والحسيب بن رافع، وسوار الخزاعي، وغيرهم..
وكانت دارها في المدينة، محط أنظار كبار الصحابة يأتونها زائرين ومستفسرين، متعلمين وسائلين، واصلين أو موصولين.

أخلاقها وفضائلها

لقد شهد الوحي لحفصة بالمثل الأعلى في التدين والتقوى، حين قال جبريل عليه السلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها: إنها صؤوم قؤوم... ولقد حدثت جويرية عن أسماء عن نافع قال: ماتت حفصة حتى ما تفطر.
أما حجها فحدث ولا حرج. فقد حجت حجة الوداع مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم لما اختاره الله تعالى إلى جواره الكريم، كانت (رضي الله عنها) كلما أذَّن مؤذن الحج من كل عام، تهيأت لزيارة البيت العتيق، وأداء المناسك من طواف وسعي...، وغير ذلك، ثم التصدق على الفقراء والمساكين بلا حساب لأن ما عند الله تعالى خير وأبقى، فكان كلما يقسم لها فيء وكلما يأتيها أعطيات من الخلفاء تجعله في ميزان حسناتها يوم القيامة، بصرفه على الفقراء والمساكين والمحتاجين.

وفاتها (رضي الله عنها)

كانت (رضي الله عنها) لا تخرج من دارها إلا إلى المسجد لأداء الصلاة، أو زيارة قبر زوجها الحبيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو زيارة الوالد المسجى بجوار المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم تمسح دموعها، وقد استذكرت الأيام الخوالي، وتعود أدراجها إلى البيت يحتضنها بحنان وتدلف إليه بشوق.
وفي العام الخامس والأربعين من الهجرة، وافاها الأجل المحتوم، إثر إرهاق ومرض، ولبت نداء ربها وأسلمت الروح، وكانت جنازة مشهودة.
حملت على سرير في نعش إلى المسجد، كبار الصحابة يتبعونها بصمت وإجلال ووقار، وصلى عليها مروان بن الحكم، أمير المدينة في ذلك الحين.
وكذلك كان يتقدم الصفوف كالعادة الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي (رضي الله عنه). وروي أن مروان حمل بين عمودي سريرها من عند دار بني حزم إلى دار المغيرة بن شعبة، ثم حمله أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها.
ودفنت بالبقيع، وجلس مروان ينتظر حتى فُرغ من دفنها (رضي الله عنها) ونزل في قبرها أخواها عبد الله وعاصم ابنا عمر وكانت وفاتها (رضي الله عنها) من تلك السنة.
رضي الله عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب الصوامة القوامة وبارك مثواها، وأكرم نزلها، وألحقنا بها في الصالحين من عباده.

محمد الشمالي - لبنان

المصدر: مجلة الوعي