‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفاهيم دخيلة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفاهيم دخيلة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 يناير 2015

كـذبـــــة اسمـــــــها «الإرهــــــــــــاب» (1)


بسم الله الرحمن الرحيم 
 
تتعدد وتتنوع أساليب ووسائل وخطط الغرب الخبيثة (الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها) في حربه على الإسلام ودعاته، وهو يستميت في ذلك ليحول دون عودة الإسلام ودولته دولة الخلافة الراشدة الثانية التي أظلَّ زمانها بإذن الله تعالى. فها نحن نراه يطلق سمومه ممثلة بمصطلحات ومفاهيم يصنعها صناعة في الغرف المعتمة والمشبوهة من وراء الكواليس كفكرة حقوق الإنسان، وسياسات السوق، والحوار بين الأديان، والأصولية، والعولمة، والوسطية، وأخيراً وليس آخراً: الإرهاب. نعم إنه المصطلح والفكرة والواقع الجديد الذي صنع منه صانعوه وأعد له معدوه وأخرج له مخرجوه لأن يلعب في فيلم الكاوبوي الأميركي دور الشبح والجن الذي يؤرق ويقضُّ مضاجع العالم، فتكون النتيجة احتلال مزيد من بلاد المسلمين، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والشباب، وهدم وتدمير للشجر والحجر، ويكون هذا (الإرهاب) حجة وذريعة لاستعباد العباد واحتلال البلاد اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وفكرياً. لقد بات الإرهاب الواقع الجديد القديم، والذي مازال حتى الساعة يقطف الغرب ثمرته ويضرب به البلاد والعباد، هذا وقد تناولت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المحلية والدولية مصطلح الإرهاب لترسخ هذا المصطلح خدمة للأنظمة ومن ورائها الغرب الحاقد. وفي هذا المقال لن نسلط المجهر سوى على مصطلح الإرهاب الذي بات سرطاناً وجب على الأمة استئصاله واستئصال أمه المبدأ الرأسمالي واجتثاثه من جذوره واستبداله بمبدأ الإسلام؛ لتتعافى الأمة وتصبح خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ولكن كيف يتسنى لنا ذلك؟
وعلى ذلك، فسنبحر في هذا البحث ونتعمق في عدة محاور فيه تتمثل بـ: 1- تعريف الإرهاب لغة وشرعاً. 2- نشأة الإرهاب والغاية منه. 3- ماذا استفاد الغرب من فكرة الإرهاب؟. 4- صور من الإرهاب الغربي. 5- أسباب إخفاق الثورات. 6 - عوامل نجاحه 

ودعمه. 7- كيفية مواجهة الإرهاب ( فكراً وواقعاً) وعلاجه .

1- تعريف الإرهاب لغة وشرعاً:
الإرهاب لغةً: رَهِبَ بالكسر يَرهَبُ رهْبَةً ورُهباً بالضم ورَهَبَا بالتحريك أي خاف. ورهب الشيء رهباً ورهباً ورهبة: خافه. ويقال: رهبوت خير من رحموت، أي لأن تُرهب وتُخف خير من أن تُرحم.
والرهبة: الخوف والفزع، ترهب الرجل إذا صار راهباً يخشى الله، والراهب: المتعبد في الصومعة.
والإرهاب شرعاً: لا يوجد معنى في الشرع في الآيات والأحاديث يصرفه عن معناه في اللغة، وبالتالي يكون لغة وشرعاً بنفس المعنى، قال تعالى:((وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُون)) . أي فإياي فخافون. وقال تعالى: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)). أي يدعوننا قربة إلى الله وخوفاً من الله تعالى من الآخرة. وفي الحديث: «عليكم بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي» يريد أن الرهبان وإن تركوا الدنيا وزهدوا فيها وتخلوا عنها فلا ترك وزهد ولا تخلٍّ أكثر من بذل النفس في سبيل الله، وكما أنه ليس عند النصارى عمل أفضل من الترهب، ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد؛ ولهذا ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله.
والإرهاب اصطلاحاً: هناك اصطلاح للإرهاب اصطلح عليه الغرب وأخفى غايته من هذا المصطلح الخبيث، والذي أصبح واقعاً 

 متجسداً في حياتنا ويعني به: قتل المدنيين وتخويفهم وإفزاعهم بدافع وغرض سياسي.

2- نشأته والغاية منه:
نشأ الإرهاب كمصطلح أسوة بأخواته فيما تقدم كالوسطية والعولمة والأصولية في الغرب، وبحسب الحاجة إليه وضعت الغاية له. أما مصطلح الإرهاب فقد نشأ في عام 1979م بعد مداولات ونقاشات بدأت منذ ما قبل عقد أو عقدين من ذلك التاريخ حتى توصلت إليه الاستخبارات الأميركية والبريطانية في ندوة عقدت لهذا الغرض، وقد سنت تشريعات وقوانين لتحديد الأعمال التي يمكن أن توصف بالإرهاب، وأنواع الحركات التي يطولها المصطلح بعيداً طبعاً عن إرهاب الدول الكبرى؛ لأنه حينها لا تكون له جدوى وفائدة، لأن واضعيه يريدون أن يخدم توجهات ومصالح هذه الدول الكبرى والمستعمرة للوصول إلى المزيد من خنوع وخضوع المسلمين للغرب، وهذا ما أدى بهم إلى جعل (الإرهاب) كلمة ضبابية يسهل اللعب بها هي وأخواتها بحيث يكون كل منها له مأربه ومقصده الاستعماري. فالإرهاب هو الكلمة التي لم يكن لها واقع، فأوجد لها الغرب واقعاً لتخدم مصالحه. وكذلك سواء أكانت الغاية من المصطلح الاستعمار الفكري أم الثقافي أم الاقتصادي أم السياسي... فهي تحقق له غاية، فما هي غايته؟
إن الغاية من أي فكرة أو أي عمل يعرف إما من الخبرة السياسية والمعلومات السابقة المربوطتين بالواقع المعاش، وهي أفضل من معرفتها عن طريق النتائج التي تتلو تنفيذ وتطبيق هذه الفكرة والعمل؛ لأنه حينها تكون قد وقعت الفأس بالرأس؛ لذلك كانت الطريق الأول أفضل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإفشال ما يمكن إفشاله من مشاريع قد تؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، فيا ترى: ما المصلحة والفائدة المرجوة لدى الغرب من استخدام هذه الفكرة؟ وأليست دول الغرب هي المستفيد الأول، وعلى وجه الخصوص أميركا. فماذا استفاد الغرب من شبح ما سماه بـ«الإرهاب»؟


3- ماذا استفاد الغرب من مصطلح «الإرهاب» فكراً وواقعاً:
لقد استفاد الغرب، وعلى رأسه أميركا، من استخدام مصطلح «الإرهاب» وتجلت هذه الاستفادات بـ:
1- احتلال أميركا للعراق ومن قبل أفغانستان، ونهب وسلب ثرواتهما، وفرض سيطرتها على ما حولها من بلاد وعباد.
2- هجوم أميركا على بعض البلاد الإسلامية مثل باكستان واليمن بطائرات بدون طيار، وهو انتهاك للبلاد والعباد والبشر والشجر والحجر، وفرض إرهابها على هذه البلاد وقاطنيها بإذلالهم بهذه الضربات، وكذلك على جيران هذه البلاد على طريقة المثل القائل: «اضرب المربوط يخاف السائر».
3-فرض ضغوط سياسية واقتصادية على البلاد التي يوجد فيها ما يسمى بالإرهاب، وربطها باتفاقيات ومعاهدات تزيد من سيطرتها على هذه الدول؛ وذلك بإرسال قوات لتلك البلاد، وإقامة قواعد عسكرية فيها، وإرسال جيشها إليها بحجة التدريب ومكافحة الإرهاب والمساعدة في ذلك (وهو في ذلك احتلال عسكري ) وكذلك شراء وكسب قواد الجيوش لصالحها، وبيع هذه البلاد أسلحة بمبالغ هائلة وفي كثير من الأحيان أسلحة فاسدة لتكدس وتصدأ دون استخدام سوى على شعوبها، فمنذ متى لم تُحارِب هذه البلاد أعداءها؟؟ مرت عقود وعقود دون حروب، فما فائدة هذه الأسلحة سوى انتفاع الغرب منها، وقمع الشعوب بها، وإرسال خبراء (جواسيس) لتشتري الذمم وتحول الولاءات والعمالات لصالحها.
4-الضغط على هذه البلاد وإخافة دعاتها ومفكريها وأحزابها وإجبارهم على السير معها في فكرة ما يسمى بالإسلام المعتدل الذي يعترف بأجندة الغرب من الديمقراطية وحوار الأديان والحريات العامة، ويرضى بالغرب ويوجد له مبررات مفتراة من القرآن والسنة، والتلبيس على الناس بهذه الدلائل التي لا محل لها في الإسلام، وربط إقامة الخلافة الراشدة ورفع راية العقاب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإرهاب رغم أن المطلبين شرعيان وليسا مرتبطين بالحركات التي تتخذ العنف طريقة للتغيير بل بحزب التحرير الذي يدعو لهذا الهدف العظيم منذ أن نشأ في الخمسينات في عام 1953م، ولكن الإعلام المأجور للغرب لا يظهر هذا بل يكتمه، ويعتم على هذه الحركة الصافية النقية التي تدعو للإسلام النقي الصافي ولا تستخدم العنف تأسياً بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم لتحقيق هذا الهدف العظيم، والذي يتوجب على كل مسلم أن يسعى لإيجاده في الواقع، فهو فرض، وفيه إنقاذ للأمة والعالم مما يعانيه من شقاء الرأسمالية. نعم إن الإعلام الفاسد يظهر الحركات الفاسدة ابتغاء تشويه الإسلام النقي وحملته مما يدل على أن هذه الحركات أعدت وجهزت لتقوم بدور مرسوم لها، سواء أكان ذلك بعلم أم بجهل منها، فتجد أميركا والغرب من ورائها ضالتها وذريعتها لاحتلال البلاد الإسلامية.
5- العمل على ضرب الإسلام النقي الصافي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بما تقوم به بعض الحركات من تفجير وأعمال عنف حيث ترفع شعارات حقة مثل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله (راية العقاب)، ومن المناداة بإقامة الخلافة الإسلامية الراشدة رغم أنها حق؛ إلا أن من يرفعها هم من يقومون بهذه الأعمال (العنف) فيشوهون هذه الراية وهذه الأعمال العظيمة التي يدعو لها دعاة الخلافة فيخلط الحابل بالنابل، والزبد بما ينفع الناس، وفكر الحق بفكر الباطل.
6- ربط أشخاص عملاء للغرب وللاستخبارات الأميركية ليقوموا بأعمال العنف هذه في بلاد المسلمين لتمتلك أميركا حجتها لضرب هذه الجهة في أي بلد وفي أي مكان وأي زمان بحجة الإرهاب؛ فيكون العالم كله قرية خاضعة لها بحجة هذا المصطلح الخبيث، فيفرض الغرب أوامره على البلد، فإذا كان تابعاً لها سكتت عنه، وإذا لم يكن كذلك ضغطت عليه بهدف أن يصبح موالياً لها، أو يحقق بعض مطالبها.
7- العزوف من قبل المسلمين عن أن يعملوا للتغيير مع الحركات الإسلامية عامة، لاعتبارهم أنها شوهت الإسلام، فتلك تقوم بالعنف، وتلك تجامل وتداهن وتعترف بالديمقراطية، وتلك ترفع شعارات الموت للأعداء وتقتل المسلمين، وتلك تهتم بالسنن وتترك الفروض وتسمي الحاكم ببلاد المسلمين بولي الأمر... وجل هذه الحركات لا تفهم الإسلام فهماً صحيحاً، ولا تطرح مشروعاً لحل المشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية والعالم؛ وهذا ما أدى إلى نفور الناس والأمة من هذه الحركات وخاصة تلك التي ترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ومن ثم تقوم بالعنف فتشوه صورة وفكرة كل من يحمل هذا الراية العظيمة، سواء أكانت طريقته حقاً أم باطلاً.
8- محاولة إيجاد ما يسمى بالإرهاب الفكري وإلصاقه بدعاة الإسلام السياسي (الخلافة الراشدة) الذي يدعو إلى إيصال الإسلام لسدة الحكم، وتطبيقه في مناحي الحياة، وإيقاف التبعية للغرب وجعل الأمة مستقلة عنه، بل قائدة للأمم الأخرى...
يحارب هذا المشروع ويتهم ليُحْمَل المسلمون على نبذ الجهاد وجعله جهاد دفع وإلغاء جهاد الطلب (الفتوحات الإسلامية) الذي لولاه لما كنا مسلمين، وقبول العلمنة والديمقراطية والانتخابات وحصر الإسلام فقط في العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وما يؤكد هذا هو ما دعت إليه السعودية مؤخراً من سن قانون يجيز اعتقال وتجريم كل من يدعو إلى الإسلام السياسي ليصبح في لائحة الإرهاب حسب قانونها امتثالاً لأوامر أميركا، وهذا قد أتى بعد الزيارات المتبادلة للمسؤولين الأميركان والسعوديين كزيارة أوباما للسعودية مؤخراً قبل شهر؛ ويمكن القول إن جهود الغرب وعملائهم من حكام المسلمين تنصب الآن على محاربة الإسلام السياسي الذي يعمل لإقامة الخلافة الراشدة، وهم في سبيل ذلك يطورون قوانينهم باستمرار حتى تلاحق هؤلاء أولاً بأول، ومن أساليب تطويرها المستحدثة إيجاد تلك الحالة الشاذة من الدعوة إلى الخلافة...
9-ضرب الإسلام السياسي الذي ينافس الرأسمالية ويهدد زوالها رغم أنه لا توجد له دولة. فبالدعوة إلى «محاربة الإرهاب» تستبق دول الغرب، وعلى رأسها أميركا، الأحداث وتضع معوقات ومزالق لتحول دون عودة الخلافة أو تأخير عودتها؛ فتشوهه من خلال الـ C.I.A وشركة البلاك ووتر الأمنية التابعة لأميركا؛ فتقوم بأعمال العنف هي وعملاؤها ومرتزقتها من جنسيات مختلفة من تفجير وقتل، وإظهار أن من يقوم بهذه الأعمال هم مسلمون ليلصق بالإسلام؛ فيكون رد الفعل عند الغرب ضرب البلاد الإسلامية محل إقامة هؤلاء الذين قاموا بالعنف.
10- إيجاد حالة من التوتر والبغض بين الجيش والأمة من جراء قيام الجيش بحملات تفتيش وقصف وقتل بالأسلحة والطائرات بطيار وبدون طيار ضد من يقوم بالتفجيرات والعنف؛ فيوقع فيها ضحايا وأبرياء ومدنيين ما يؤدي إلى أن ينقم أهالي الضحايا على هذه الحركات وعلى الجيش ليقوم أهالي الضحايا بالانتقام من الجيش، وكذلك تنشأ فتنة بين الناس على أساس العرق والطوائف والديانات والقوميات كما حدث في العراق بسبب هذه العمليات التي يجريها الجيش.
11- إنشاء منظمات والإيعاز إلى مراكز أبحاث، وتقديم ندوات وبرامج ثقافية وإخراج أفلام بعدة لغات تركز على خدمة أميركا وتعريفها لـ»لإرهاب» ويحدث هذا بدعم مالي منها.


4-صور من الإرهـــــاب الغـــربي :
عرَّف الغرب الإرهاب كما يريد وكما يشاء وفق مصالحه التي تعكس مبدأه القائم على فصل الدين عن الحياة. فبحسب تعريفه، الإرهاب هو القيام بقتل وإفزاع مدنيين بدافع سياسي. فلماذا عُرِّف بهذا التعريف؟ أليس لمصلحتهم؟ وهل يطبَّق هذا التعريف على الناس جميعاً سواء وافق مصالح الغرب أو تعارض معه، أو هناك ازدواجية في التعريف فينطبق على جهات ولا ينطبق على غيرها؟!.
نعم، إن الغرب عرَّف الإرهاب بهذا التعريف ليوافق مصلحته، ومصلحته هي القضاء على الإسلام العدو اللدود له بعد الاشتراكية، رغم أنه ليس له دولة، فما بالنا لو كان لنا دولة خلافة؟! لذلك كان المقصود بهذا الإرهاب الإسلامَ. وهو قد أوجد جماعات لتقوم بأعمال تشوِّه الإسلام، وتقوم بأعمال عدوانية يجد الغرب فيها ذريعة ليضرب الإسلام وبلاده ويحتلها. فبدون هذه الذرائع لا يتسنى له ذلك، وتأكيد هذا الكلام ما خرج من أفواه الغرب نفسه، فقد صرّح ريتشارد مايرز رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية من خلال شهادته أمام لجنة شؤون القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: «إن الإرهابيين في العراق يريدون إقامة خلافة إسلامية والعودة للقرن السابق» وكذلك تصريح جورج بوش في 8/10/2005م حيث قال» «يعتقد المقاومون المسلمون أنهم باستيلائهم على بلد واحد سيقودون الشعوب الإسلامية ويمكنونهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة، ومن ثم إقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من أسبانيا إلى إندونيسيا». وفي مؤتمر صحفي مطوَّل عقده بوش يوضح كيف أنه متابع لما وصل إليه ملف الخلافة عند دعاتها ما أكده في مؤتمره الذي عقده في 11/10/2006م حيث قال: «إن وجود أميركا في العراق هو لمنع إقامة الخلافة الإسلامية التي ستمكن من بناء دولة قوية تهدد مصالح الغرب وتهدد مصالح أميركا في عقر داره. إن المتطرفين المسلمين يريدون نشر أيديولوجية الخلافة التي لا تعترف بالليبرالية والحريات؛ ولهذا يريدوننا أن نرحل؛ ولكننا باقون حتى لا نندم. وليعلم الشعب الأميركي حينئذ أن وجودنا في العراق كان يستحق المغامرة والرهان. هؤلاء المتطرفون يريدون إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم وإقامة دولة الخلافة. إن مغامرة الرحيل من العراق خطرة جداً إنها تعني التخلي عن جزء من المنطقة للمتطرفين الراديكاليين الذين سيمجدون النصر على الولايات المتحدة، وستمنحهم هذه المنطقة التي نخليها الفرصة للتآمر والتخطيط بمهاجمة أميركا، واستغلال الموارد التي ستمكنهم من توسيع رقعة دولة الخلافة» الله أكبر، الله أكبر، ماذا بعد هذا التصريح من عداء؟! ألد أعداء الإسلام بوش يصرح بهذا التصريح، فماذا بعد هذا التصريح من حقد على الإسلام، يا أمة الإسلام؟! فأين عقول المسلمين؟ وأين التدبر لخطورة هذا الكلام؟ أليس بوش هو الذي حدَّد أن عدوه الإسلام عندما قال إنها «حرب صليبية» قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ. نعم هناك رجال يعملون لهذه الخلافة، وهي لن تأتي من الله إلا بعد الإخلاص والوعي والسعي والتضحية والصبر... ولكن المدقق والممعن للنظر والمتدبر لهذا التصريح من بوش يجد أنه يؤكد على أن إحلال الواقع الذي يحاول أن ينكره ويرفضه، وهو الخلافة، قادم، وما هي إلا مسألة وقت. ألم يذكر أنها دولة قوية تهدد أميركا في عقر دارها؟ الله أكبر على الظالمين  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . ومن هنا كان من الطبيعي أن يبقى بوش في العراق خشية إقامة الخلافة لأنه بإقامتها سيكون زوال استعماره وزوال حضارته. وستكون نتيجته كما صرح «حتى لا نندم». ثم ألم يمدح حكام البلاد العربية بقوله: «ويمكنونهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة» وبقوله: «هؤلاء المتطرفون يريدون إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم»؟ وهل يمدح هذا العدو اللدود للإسلام إلا من يحمل عقيدته وسياسته وفكرته وينفذ أوامره؟ وهل يمجد الكافر إلا عميله المنافق، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ. لقد وصف بوش هذه الدول، دول الضرار، بالاعتدال فأي اعتدال هذا؟ إنه السير وفق نهجه وعكس أحكام الإسلام؛ إذ التطرف والأصولية والراديكالية حسب وصف بوش هي بالسير وفق أحكام الإسلام؟ وإذا لم يكن بوش وأشباهه هم أعداء الله والإسلام فمن هم هؤلاء إذن؟! ألم يذم بوش الراديكاليين والمتطرفين ويتخذهم أعداء عندما قال إنهم سينتصرون على أميركا من خلال زيادة مواردهم والتي ستمكنهم من اتساع رقعتهم حسب وصفه؟ فأين أنتم أيها المسلمون من هذا العداء الصريح؟.


إن هذا يذكرنا بتكذيب وتشويه وحرب كفار قريش لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم عندما كانوا يقولون إن محمداً يزعم أنه يكلَّم من السماء. فلمَ لا يحوِّل الصفا والمروة ذهباً؟. وكذلك عندما كان يجادل أُبَيّ بن خلف بعدما جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَمَا أَرَمَّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا وَيُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ». وكذلك الحال مع بوش، فهو يستهزئ ويشوِّه ويشنُّ حربه على الإسلام ويعمل على الصد عن الخلافة؛ لكن وعد الله وعد نافذ وأمره غالب... إن الله أنطق بوش بما أنطقه ليكون دافعاً لحمَلة الحق ودعاة الإسلام والخلافة لأن يجدُّوا من أجل السير من أجل تحقيق الغاية العظمى إرضاءً لله سبحانه وتعالى بإقامة الدين والخلافة الراشدة بعونه وحده.
إن «الإرهاب» الذي يقصده الغرب هو عينه الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لمن الطبيعي أن يحارب بهذه الشراسة والحقد لأنه المنافس الحضاري الجدي لحضارته المتهاوية، وهو بعد أن قضى على الشيوعية فلا يريد دولة خلافة جامعة للمسلمين مستقلة عنه بل دولاً تابعة ضعيفة يسهل السيطرة عليها في كل مواردها السياسية والاقتصادية والفكرية والعسكرية ليحركها كيفما شاء ومتى شاء كما يفعل الآن حيث يسخرها لأهدافه في حربه على «الإرهاب» حسب التعريف المطاطي له، والذي لا يعد إرهاب الدول نحو المسلمين إرهاباً، بل دفاعاً عن النفس تجاه اعتداء الإرهابيين. ومن الجرائم الجسام العظام التي ارتكبتها الدول بحق الإسلام والمسلمين ولم تعدّ إرهاباً، بل اتهم الإسلام والمسلمون فيها بأنهم هم الإرهابيون نذكر:
1-قتلُ دكتاتور عصره الهالك ستالين لـ (11) مليون مسلم في روسيا وحدها.
2- احتلالُ يهود لفلسطين وارتكاب أبشع المجازر بحق أبنائها داخل فلسطين وخارجها من مثل مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها 3500 ضحية.
3- مذابحُ أهل البوسنة في يوغسلافيا كمذبحة مسجد فوجا (12) ألف شهيد. و6 آلاف مسلم في جسر فورا.
4-قتلُ المسلمين الإيغور في الصين منذ عام 1945م، وقتل العلماء وإتلاف المساجد وتعطيلها.
5-قتلُ المسلمين بالحبشة على يد الطاغية هيلاسيلاسي حتى أحرق الشيوخ والأطفال والنساء بالنار والبنزين في قرية جرسم. وقتل 1000مصلٍّ في رمضان بالرصاص من قبل اللعين منغستو مريام بمدينة رايرادار بإقليم أوجادين.
6- مذابح المسلمين في الفلبين وقتل وحرق وبقر البطون، والذبح بالخناجر وقطع الرؤوس وانتهاك الأعراض.
7-مذابح المسلمين في الهند في أحمد آباد في عام 1970م التي راح ضحيتها 15 ألف مسلم باعتراف إنديرا غاندي وحرق 300 مسلمة، ومذبحة آسام الشهيرة التي راح ضحيتها 50 ألف مسلم على يد ا لهندوس.
8- حرق المسلمين في تايلاند حيث أحرق 100 مسلم شاب.
9-مأساة قتل المسلمين في كشمير حيث تم تقريباً قتل 44000 مسلم، وجرح ،67000، واعتقال 40000 وهدم قرابة 129000 منزل ومسجد، واغتصاب آلاف النساء.
10-مأساة المسلمين في تايلاند وبورما وليبيريا وسريلينكا وكوسوفا والشيشان وإندونيسيا وأفريقيا الوسطى... حيث قتل مئات الآلاف وأحرق الآلاف و تم فصل الرؤوس عن الأجساد واغتصاب النساء...
11- مجازر عدو الله بشار في سوريا التي وصلت إلى أكثر من 250 ألف مسلم، والسكوت العالمي على هذه المجازر لأنها ترتكب بحق المسلمين. ألا يعد هذا كله إرهاباً وإجراماً؟!. نعم، إن الغرب الحاقد يغمض عينيه ويغفل عن هذا كله ولا يصفه إرهاباً، إنها مآسٍ تدمي القلوب وتفطر الأكباد. إلا أنه لا يكفي أن يتألم القلب وتدمع العيون ونملأ الدنيا عويلاً وصراخاً إن لم نحرك ساكن النفوس، ونجعل من كل ذلك ناراً تحرق كل باطل، ونوراً يعيننا على التغيير فتبرأ ذمتنا أمام الله، عسى أن يطفئ ذلك غضب الله علينا بعد أن قصرنا طوال هذه السنين.
إن أميركا وحدها قامت باعتقال رئيس دولة بنما وحاكمته وسجنته، وقاتلت في فيتنام (15) سنة وارتكبت هناك أبشع الجرائم، وقصفت ليبيا مرتين، وضربت أفغانستان واحتلتها، وضربت ملجأ العامرية الذي استشهد فيه أكثر من (300) فرد حينها معظمهم أطفال، وضربت هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية حيث قتل فيها 200 ألف شخص، وغزت كوبا في خليج الخنازير، وقتلت أكثر من مليوني عراقي، ألا يُعدُّ هذا كله إرهاباً في حق الإنسان الذي تدعي، زوراً وبهتاناً، المحافظة على حقوقه!
وهكذا نرى أن أميركا والغرب أصحاب غرض في حربهم على الإرهاب بحيث ينصب جله على الإسلام الحق وعلى أصحاب المشروع الإسلامي، ويتغاضى عن إرهاب الدول التي تسير وفق مفهومها للإرهاب. وإلا فلماذا اعتبرت أميركا تفجير مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي في أوكلاهوما إرهاباً عندما حسبته من فعل المسلمين، ولكن عندما تبين لها أن وراءه منظمات أميركية غيرت رأيها وأصبح عملاً إجرامياً، وليس بإرهابي. وكذلك اعتبار أميركا لحركة ثوار نيكاراغوا حركة مقاومة، وكذلك جيش التحرير الأيرلندي، بينما تعتبر على النقيض من ذلك الحركات الجهادية الإسلامية حركات إرهابية... هذه هي الازدواجية في المعايير، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل دلالة واضحة على حربها الضروس على الإسلام، وعلى استخدام الإرهاب تارة وتعطيله تارة أخرى وفق مصالحها. أي إن «الإرهاب» هو الذي لا يتماشى مع مصالحها. والـ «لا إرهاب» هو الذي يسير وفق مصالحها. نعم هذه هي عدالة أميركا التي تقود العالم بمبدئها الرأسمالي الكافر الظالم!


بقلم: أ.ع  
المصدر: مجلة الوعي

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

الديمقراطية والإسلام.. توأمان أم ضدان



بسم الله الرحمن الرحيم


نتناول في هذا البحث علاقة الشورى بالديمقراطية؟ وهل هناك حقاً ثمة تطابق بينهما، تجعل الديمقراطية جزءا من الإسلام أو العكس؟

إنّ واقع الديموقراطية هو حكم الشعب الذي يقابل حكم الله حتماً، وليس حكم الفرد كما يتصور البعض، إذ أنّ مصطلح الحكم يأخذ وجهين، الأول هو التشريع، وهو الذي يمنح من خلاله الناس حق الاستفتاء والتصويت على القوانين مباشرةً أو بإنابتهم عنهم من يقوم لهم بالتشريع لهم، والثاني هو التنفيذ وهو ما لا يتصور حصوله من قبل شعبٍ من الشعوب أصلاً، إذ أنّ الذي ينفذ الأحكام ويفصل بين الناس هو جهات مختصة، كالوزراء والقضاة وأجهزة الدولة المختلفة، وهذه الجهات تتأهل لذلك من خلال دراساتٍ أكاديمية ومعرفية وخبرات فنية، وبهذا كان حكم الشعب في الفلسفة الديموقراطية هو مقابل حكم الله، هذا هو واقعها وهذا هو ما يؤكده السياق التاريخي والإجرائي لها حتى يومنا هذا.

واستناداً إلى ما سبق نجد أنّ الديمقراطية تتناقض مع جوهر الإسلام الذي يحصر التشريع بالله تعالى حيث يقول "إن الحُكمُ إلا لله" وبذلك لا يكون هناك داعي للاستطراد في بحث بقية الفروع، لأن تباين جذري العقيدتين، الديمقراطية والإسلام، وتضادهما يغنيان عن بحث التفاصيل.

إلا أن إصرار البعض على دمقرطة الإسلام وإقحامها فيه، يضطرنا للتعرض لبعض أهم تلك الاعتراضات، بغية إزالة كل لبس يشوب حقيقة المسألة.

وعليه، فقد التبس ارتباط الديمقراطية بالإسلام لدى البعض، من خلال وجود مفهوم الشورى، والذي يعتبر واحداً من الأحكام الشرعية التي تضبط علاقة الحاكم بالأمة. وبما أن الحكم على الشيء هو فرع عن تصوره، كان لزاماً توضيح واقع الشورى من الجانب الذي يشير إلى شبهة ذلك الارتباط، من غير الغرق في تفاصيل كثيرة ليست ذات صلة وثيقة بالبحث.

فالشورى هي أخذ الرأي، وتكون ملزمة في حالات، وهو ما يهمنا هنا، لأن الديمقراطية تتحدث عن فكرة إخضاع الحاكم لرأي الأمة. ومن خلال قراءة متفق عليها بين كل من اطلع على الفكر الإسلامي يجد أنه لا شورى في الأحكام الشرعية الأربعة، أي في الواجب والمندوب والمكروه والحرام، ولذلك يبقى أخذ الرأي محصوراً في الدائرة الخامسة وهي المباح.

كما يؤخذ الرأي من الجهة المتعلق بها، كأصحاب الاختصاص والخبرات فيما هو مرتبط بالأمور العلمية والتقنية والفنية وفي الإدارة والتصميم، وهذا ما فعله النبي الكريم في معركة بدر حيث نزل عند رأي الحباب بن المنذر في ترتيب وضع تمركز الجيش، وعند رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وهما رجلان فقط، لكنهما من أهل الاختصاص، وقد اكتفى برأييهما دون إجراء مباحثات ومناقشات واسعة في ذلك مع جمهور الصحابة. كما يكون رأي عامة الناس في بعض القضايا المتعلقة بشأنهم كجماعة ملزما، كحال نزول النبي الكريم عن رأيه الذي يرجحه هو في غزوة أحد، إبان مشاورته لأهل المدينة بقتال قريش خارج المدينة أو داخلها. كما ترك الإسلام للحاكم تبني ما يراه مناسباً في قضايا كثيرة وألزم الأمة بطاعته، حتى تشكلت القاعدة الدستورية "رأي الإمام يرفع الخلاف" و "رأي الإمام نافذ" استناداً للنصوص الكثيرة المتضافرة، والتي عطفت طاعة ولي أمر المسلمين الشرعي، في طاعة الله، على طاعة الله ورسوله، كما في قوله تعالى " (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )".

ومن التجني اختصار الديمقراطية بالشورى أو العكس. فالديمقراطية هي وجهة نظر متكاملة في الحياة، وهي فكرةٌ أساسية عن الحياة، لا تترك شيئا من أمورها إلا وتمنح الإنسان حق إبداء رأيه فيه والتعليق عليه ونقده، فلا قداسة لشيء البتة سوى رغبات الشعب، وتلزم الأكثرية (ولو شكلياً) الحاكم، سواء من خلال استفتاء عام أو بأغلبية برلمانية (نسبية) في كافة القضايا. فيما تعتبر الشورى حكماً شرعياً فرعياً، لا يحلل ولا يحرم ولا دور لها البتتة خارج دائرة الإباحة، التي تحكمها تفاصيل سبق وتطرقنا لبعضٍ منها أعلاه.

وخلاصة القول هي: إن الإسلام يخضع الإنسان لقاعدة "الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع" وأن بغض الإنسان أو حبه لأمر ما لا يعنيان الشيء الكثير، حيث يقول الله تعالى (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وأن إجماع الغالبية العظمى من الناس على أمرٍ ليس مبرراً لقبوله حيث يقول الله تعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ).

أما بالنسبة لحق انتخاب الأمة لحاكم عام لها، ولممثلين ينوبون عنها يتولون شئون محاسبة الحاكم ونصحه وتقويمه وتسديد أداء الدولة وأجهزتها، إنمّا هو حكم شرعيٌ استمد من الشريعة نفسها وليس من رغبات الناس، يقول النبي الكريم (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه) ويقول ( لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمّروا عليهم أحدهم)، فقد أناط الشرع سلطة انتخاب الحاكم بالناس أي بالأمة. كما بين شرعية جواز النيابة وتمثيل الآخرين حيث طلب ذلك النبي الكريم صراحة من وفد المدينة، عندما سألهم أن يخرجوا له منهم اثني عشر نقيبا يكونون كفلاء له على قومهم. وأما المحاسبة والتقويم فتدخل ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمن التعاون على البر والتقوى ... وهي عبارة عن أحكام شرعية منضبطة بأدلتها المستقاة من الكتاب والسنة ومحددة بكيفيات وترتيبات معينة.

كما أن النصح والتسديد والتقويم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هي أحكامٌ شرعية منفصلة عن حكم الشورى، وهدفها ضمان أمثل تنفيذ للإسلام وإحسان رعاية شؤون الأمة به، وليس النزول عند رغبة الأكثرية! يقول النبي الكريم "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا فى نصيبنا خرقاَ ولم نؤذِ مَنْ فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاًَ، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً".

فمهمة الحاكم المبايع من قبل الأمة وكذلك الممثلين لها هو إبقاء كيان الدولة مسيساً بالشريعة منفذاً لها على اعتبارها تعلو ولا يعلى عليها وهي السيد في المجتمع، وأنّ أية رعاية لشؤون الناس ومصالحهم ينبغي ضبطها بما يرشد إليه الإسلام نفسه، ولذلك كانت بيعة الأمة لحاكمها مشروطة بالحكم بكتاب الله وسنة نبيه. أولا ينسف هذا مفهوم السيادة للأمة، أوليس هذا بالنقيض مما هو عليه النظام الديموقراطي!؟

ولا ينبغي أن ينصرف ذهن القارئ إلى أن هذا يعني ترسيخاً للاستبداد وتكريساً للدكتاتوية في المجتمع الإسلامي، إذ أن الإسلام قد جعل الشرع السيادة للشرع لا للحاكم، وأوجب على الناس الاحتكام إليه، وهو فوق الحاكم والمحكوم وبينهما، وينبغي خضوعهما له سويةً، وكان الحاكم نائباً ووكيلاً عن الأمة في تنفيذ الشرع وليس سيدا وصيّا على المجتمع أو على الأمة، وكانت صلاحياته منضبطة بمدى ارتباطه بعقد البيعة الشرعي، وعلى هذا الأساس يفهم قول الخليفة أبو بكر الصديق (أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أطعت فأعينوني، وإن عصيت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم). وكذلك تنص القاعدة الإسلامية المعروفة على أنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الله).

مما يلفت النظر إلى أن موضوع الحاكم الفرد المستبد لا مكان له في المجتمع الإسلامي من حيث نظام الحكم في الإسلام، اللهم إلا إذا حصل انحراف عن منهج الله، وعندها ينبغي تقويم الخلل بمعالجته وتصويبه، كما هو شأن أي نظام يقع فيه مثل ذلك. ومن هنا جاءت الأحكام الشرعية التي تتناول معالجة كفر الحاكم أو خروجه عن الشريعة ومتى يخلع من منصبه أو ينخلع، ومتى يعزل من منصبه أو يخرج عليه لعدم استمرار شروط صحة ولايته.

ولذلك ينبغي اتخاذ الآليات المناسبة وتبني الأساليب والوسائل السليمة التي تحفظ العدل في الأمة، وتمنع الجور من الاستمرار، وتضمن استقرار الإسلام كسيد في المجتمع، وهذا مما يلزم الإبداع فيه، لأن انحراف الحاكم قد يجرف الأمة إلى الهاوية، إن استهانت بحقوقها واستهترت بواجباتها، ولم تتدارك التقصير من جانب الحاكم في رعاية شؤونها بحسب الإسلام، وعليه كان لا بد من الاستفادة من كل المعطيات الحديثة من وسائل وأساليب وتقنيات تضمن الأداء الحسن للحاكم والمحكوم، فيما ينطبق عليه قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

ولا يعني هذا إلغاء النظام الإسلامي واستبداله بنظام آخر بحجة الاستفادة مما توصلت إليه البشرية، فنظام الحكم في الإسلام عبارة عن أحكام شرعية ينبغي الانضباط بها وتجسيدها كما جاءت، والمطلوب هو اتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى ذلك لا إلى نقيضه. كما أنه ينبغي إدراك أن أي نظام سياسي في الدنيا معرضٌ طالما أن منفذيه هم من البشر للتعرض لهزات أو لخللٍ ما، سواء لهشاشة محتواه أو لسوء تنفيذه أو لكليهما، بما في ذلك النظام الديمقراطي نفسه، وما أكثر وقوع ذلك فيه. وتكون معالجة ذلك برد الأمور لنصابها والاستفادة من الثغرات التي تقع لإيجاد ما يقلل من تعرض النظام السياسي لمثلها.

وبذلك يتضح أن نظام الحكم في الإسلام هو تلاحم بين الحاكم والمحكوم لضمان إحسان تطبيق شرع الله ومنهجه. وكون أن الإسلام أجاز انتخاب الحاكم من قبل الأمة مباشرة أو من يمثلها من أهل الحل والعقد، كما هو حاصلٌ في النظام الديمقراطي الرأسمالي أو النظام الاشتراكي الشيوعي أو حتى في نظام دولة الفاتيكان حيث يجتمع الكرادلة من أنحاء مختلف العالم لاختيار البابا، فإن ذلك لا يلغي كل تلك الفوارق الشاسعة بين تلك المبادئ والإسلام، ولا يعقل دمجهم سوية بحال لتشابههم في جزئية، فيصبح أحدهما جوهر الآخر رغماً عن أنفه. كما لا يمكن جعل المبدأ كله يأخذ بحالٍ حكم واحدٍ من أحكامه الفرعية، إذ أن في ذلك تعسفاً في الفكر، وإخراجاً للأشياء عن حقيقة ما هي عليه.

ومن هنا يظهر مدى التباين بين الديمقراطية والشورى من حيث أصل ما بنيتا عليه أو من حيث دلالاتهما ومعنى الالتزام بهما.

بقلم: م. حسن الحسن

الخميس، 8 يوليو 2010

(الوحدة الوطنية) مفهوم غربي بديل لمفهوم وحدة الأمة الإسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ الصراع بين الإسلام والكفر منذ بعثة الإسلام. وسيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعبر ثلاثة عشر قرناً من هذا الصراع، اعترى المسلمين بعض الضعف في القوة أدى إلى هزيمتهم عسكرياً في بعض المواقع، إلى أن تم أخيراً هدم دولة الإسلام وتمزيق العالم الإسلامي على أيدي الكفار وعملائهم من أبناء المسلمين، وتم تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة ذليلة، وأصبح لكل واحدة منها رئيس ووزراء ودستور ونشيد وطني وجيش.

لقد وقع المسلمون في صدمة عنيفة نتيجة هذه الهزيمة المنكرة، وأصبح هناك فراغ فكري في العالم الإسلامي؛ لذلك بدأت تظهر مصطلحات جديدة صاحبت هذا التغيير في واقع الأمة لتحل مكان المفاهيم التي كانت سائدة في ظل دولة الإسلام. ولسد هذا الفراغ بدأت تظهر أدبيات ومصطلحات جديدة نابعة من مفهوم واحد، هو مفهوم الوطن كبديل لمصطلح دار الإسلام.
وبذلك نشأ مصطلح الوطنية والمواطنين والمواطنة والمجتمع المدني لتنظيم العلاقات وتحديدها، وقبل ذلك ظهرت مصطلحات أخرى مثل الثورة والتحرير والمقاومة والاستقلال والقومية والاتحاد والوحدة. هذه المصطلحات والمفاهيم استخدمت لهدم دولة الإسلام، ووجدت الأوطان وهي جمع كلمة وطن، وبدأ العمل الدؤوب لإيجاد محتوى ثقافي جديد تتطلبه المرحلة الجديدة، مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر؛ لتكتمل حلقاته وتحافظ على هذه الأوطان وعلى التمزق والفرقة.

ومصطلح الوطن هذا تم أخذه من التجربة الأوروبية حيث كانت هذه الدول تتصارع فيما بينها لفترة طويلة تدافع عن أوطانها، فتم أخذ هذا المفهوم على علاّته دون بحث أو تدقيق فيه بمؤامرة كبيرة من عملاء الاستعمار حكاماً وعلماء، وأخذوا يبحثون له عن محتوى ثقافي كبير للمحافظة على كياناتهم ولحرف المسلمين عن الصواب، وقد سادت هذه المفاهيم لفترة زمنية على بعض فئات المجتمع، وأصبحت لها مدلولات درّست في الكتب، وكتب عنها الشيء الكثير، وتغنى بها الشعراء، كل ذلك من خلال برامج أعدت بدقة وإحكام لضمان حملها من قبل الناس.

غير أن بعض الواعين في الأمة تصدوا لهذه الحملات و بينوا زيفها ومصادرها، وأنها حرب تضليلية شعواء على الإسلام والمسلمين؛ لأنها مخالفة لما يحمله المسلمون من أفكار ومفاهيم إسلامية، و طرحت كبديل لمفهوم الخلافة ودار الإسلام والدولة الإسلامية والخلافة الراشدة.

غير أن وسائل الإعلام نجحت إلى حد ما ومن خلفها الحكام في ترويج مصطلح الوطن والمواطنين، وأصبحت قضايا الوطن ومصلحته وهموم المواطن والمواطنين وحقوق الوطن وحاميه أصبحت طاغية على تصريحات المسؤولين والكتاب لمساعدة القيادة السياسية في مسيرة الإصلاح و مصلحة الوطن كما يدعون، وقالوا: إن من لا وطن له لا دين له.

ويلاحظ أن مصطلح الوطن هذا لم يوجد عندنا كمسلمين، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة كمصطلح له مدلول خاص، ولكنه ورد في اللغة ككلمة عربية تدل على واقع معين. فقد ورد في لسان العرب: الوطن هو المنـزل الذي نقيم به وهو موطن الإنسان ومحله، وأوطن: أقام، وواطنه: اتخذه وطناً، وأوطن: اتخذ محلاً ومسكناً يقيم فيه، وقد وردت كلمة مَواطن في القرآن الكريم لمعنى مشهد الحرب قال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة 25] فالأصل أن لا يتعدى استخدام هذه الكلمة مكان السكن. فلا يجوز لكلمة وطن أو ما ينتج عنها أن تتعدى أكثر مما استخدمت له من قبل واضعيها أصحاب اللغة، أما ما نتج من مشتقات لكلمة وطن فقد اختلف في تعريفها، وتم الخلط بينها والتخبط في استعمالاتها، وحاول الكتاب وضع تعريفات للوطن والمواطن والمواطنين والوحدة الوطنية، غير أنهم اختلفوا كثيراً في تحديد تعريف جامع مانع لها، وحاول الكتاب وعلماء السلطة تعريف هذه الكلمات ووضع معان اصطلاحية لها مدعومين من قبل الفئة الحاكمة حيث اعتبروا الوطن مصدراً لعزة النفس، وأن الوطن للجميع حتى يكون الجميع للوطن، وأن قوة الوطن تكمن في السيادة والحرية.

وقد ذهبوا لأبعد من ذلك في تأويل أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم), وأن ما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نموذجاً لمجتمع المواطنة الحقة بغض النظر عن المعتقدات الخاصة بالمواطن, فقالوا إنه وضع دستوراً ينظم العلاقات بين مواطني المدينة وكانوا مختلفي الأعراق. ومن بنودها أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس؛ وبذلك أسس أول مجتمع مدني إنساني في التاريخ.

وقالوا إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أول وطني حيث قال عندما هاجر من مكة فيما أخرجه الترمذي وأحمد: «واللهِ إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» وإنه وضع قواعد المواطنة. هذا ما طرحه الكتّاب واستدلوا على وجود هذه المصطلحات لأسلمتها.

وبالتدقيق فإنه لا يفهم من الحديث لا مفهوم سياسي للوطن ولا للوطنية ولا للمواطنة، ولا يوجد أي ارتباط لهذه الكلمات مع الحديث الشريف. فالحديث الشريف يدل على واقع مكة ومكانتها من ناحية شرعية لربطها بالعقيدة الإسلامية، ولو كان للوطن مفهوم سياسي لرجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمكة وسكنها بعد أن فتحها ملتزماً بذلك.

أما خطر مفهوم الوطن وما ينتج عنه فهو ظاهر في الأمور التالية:
1- إيجاد رابطة جديدة تسمى رابطة الوطن أو الرابطة الوطنية أو الوحدة الوطنية بدل رابطة العقيدة الإسلامية والوحدة على أساس الإسلام.
2- نشوء مصطلحات جديدة مخالفة لشرع الله مثل الأخوة مع النصارى والأخوة الإنسانية.
3- إقصاء المصطلحات الإسلامية جانباً مثل الجهاد والعزة ودار الإسلام ودار الحرب والكفار والجزية، ووضع مصطلحات بديلة عنها.
4- إن مفهوم الوطن يركز إمكانية محاربة الآخر بسلاح الوطن وباسم الوطنية، وهذا يبيح للمسلم قتل أخيه المسلم باسم الحفاظ على الوطن أو الاستقلال.
5- تكريس تمزيق بلاد المسلمين والحيلولة دون وحدة بلاد المسلمين بدولة واحدة.
6- محاربة أي عمل من شأنه أن يطبق الإسلام في الحياة.
7- إلغاء فكرة الجهاد ونشر الإسلام.
8- أدى استخدام مفهوم الوطن كأساس إلى اختزال بعض قضايا المسلمين مثل احتلال أرض المسلمين وتحويلها إلى قضية أرض أو وطن تنسحب منها (إسرائيل).
9- أدى اعتماد مفهوم الوطن إلى كبت عملية التغيير باختلاق تهمة الخيانة للوطن والعمالة للأجنبي.
10- أدى مفهوم الوطن إلى رفع شعارات بديلة مثل: الله، الملك، الوطن.

أما الوحدة الوطنية فلقد كثر الحديث عنها في وقتنا الحالي، خاصة في لبنان وفلسطين والعراق ومصر، حيث تدعو المعارضة إلى حكومة وحدة وطنية، وفي العراق يتحدثون عن الوحدة الوطنية في مواجهة تقسيم بلادهم، وفي فلسطين كذلك يتحدثون عن الحوار الوطني والوحدة الوطنية، والتي تبدو وكأنها الدواء لكل داء، فما هو مفهوم الوحدة الوطنية هذه؟
إن مفهوم الوحدة الوطنية مكون من لفظين: الوحدة: وهي لفظة عربية، وهي كلمة محببة إلى النفس، نادت بها الشريعة الإسلامية لوصف الأمة الإسلامية.

أما كلمة الوطنية فهي كلمة نابعة من مفهوم الوطن الذي نشأ من التجربة الأوروبية، ظهر في أوروبا مصطلح الوحدة القومية منذ القرن الثامن عشر وهي رابطة لمجموعة بشرية تجمعها عدة أمور مثل اللغة والجنس والعرق والثقافة. وكان أول ظهور للوحدة القومية في الثورة الفرنسية وفي حرب الاستقلال الأميركية. فساهم ذلك في تشكيل الأنظمة الغربية الموجودة حالياً.
ومع التطور الذي شهدته أوروبا تطور مفهوم الوحدة القومية ليصبح مفهوم الوطن والوحدة الوطنية التي حلت مكان الوحدة القومية. يقول الكاتب الفرنسي جان جاك روسو: إن الرابطة الوطنية النابعة من الرابطة القومية تنشأ عبر التفاعل بين الشعب وعدو له.

وعبَّر المفكر الألماني يورجن هايبرماس عن الوحدة الوطنية أنها الرابطة الناشئة من اندماج إرادة مشتركة بين الأفراد تثبتها حقوق وواجبات دستورية.

أما في الدول القائمة في العالم الإسلامي فقد وضع مصطلح الوحدة الوطنية مستنداً إلى المفهوم الأوروبي استناداً كلياً, وعلى غرار ما وضعه الاستعمار من حدود سياسية قائمة على أنقاض الدولة العثمانية.
وقد عرف الدكتور عبد الله آل مبارك الوحدة الوطنية بأنها اتحاد مجموعة من البشر في الدين والاقتصاد والاجتماع والتاريخ في مكان واحد.

أما الكاتب الفلسطيني فيصل الحوراني فينطلق من الواقع المأساوي للشعب الفلسطيني الذي يربط الوحدة الوطنية بدحر الاحتلال، بغض النظر عن المنطلقات والمفاهيم.

أما الكاتب العراقي أحمد النقشبندي فيربط الوحدة الوطنية باعتبارات ناشئة عن معطيات جغرافية وثقافية ولغوية، ويربطها بأفعال ناجمة عن الشعور الصادق بالمسؤولية تجاه المجتمع؛ لأن الكل مسؤول مسؤولية تضامنية تجاه الوحدة الوطنية.
أما الكتّاب والمفكرون ذوو الاتجاه الإسلامي مثل حمزة منصور فقد قالوا في الوحدة الوطنية إنها فريضة شرعية وضرورة حياتية، ولكنها ليست بمعزل عن الوحدة العربية والإسلامية. ويستشهد حمزة منصور على موقع جبهة العمل الإسلامي على شبكة الإنترنت أن فرضية الوحدة الوطنية آتية من قوله تعالى ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران 103] وقوله تعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران 104] وقوله تعالى ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة 2] وحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان» (رواه مسلم) وقد أورد شواهد للدلالة على الوحدة الوطنية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
1- شارك في حلق الفضول
2- كتب وثيقة المدينة لتنظيم حياة مجتمع متعدد الديانات والأعراق.
3- أعطى الأولوية للرحم والجوار.
4- تدرج في الأولوية إزاء الغزو الأجنبي، فالأولوية للبلد الذي تعرض للغزو ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
5- موقف حسن البنا في الوطنية حيث قال: «إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها، أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته، والمسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعاً لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض من رب العالمين».

هذا ما قاله الكتّاب في الوحدة الوطنية ومجمل قولهم يدل على أنهم لم يدققوا في مفهوم الوحدة الوطنية، ولم يقفوا على دلالاته ونشأته، وبذلك تم مدح هذا المفهوم واستخدامه والتركيز عليه، وهذا مخالف للواقع. فكلامهم مرفوض جملةً و تفصيلاً. أما من قال بأن الوحدة الوطنية هي فرض مستدلاً على قوله بآيات من كتاب الله فهو استدلال في غير مكانه, وليّ لأعناق النصوص وتحميلها أكثر مما تحتمل, ومخالف لشرع الله. فموضوع الآيات التي تم الاستدلال بها بعيد جداً عن مفهوم الوحدة الوطنية، فآية ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ [آل عمران 103] أمر بالالتزام بشرع الله، وهو أمر للمسلمين بعدم التفرقة، والوحدة على أساس الإسلام؛ فلا يمتّ للوحدة الوطنية بصلة. أما آية ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ [آل عمران 104] فهي أمر بتأسيس حزب أو جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وليس لها علاقة بالوحدة الوطنية لا من قريب ولا من بعيد. أما الحديث فإنه يأمر بوحدة المسلمين على أساس الإسلام وليس على أساس الوطن، وحرمة تفرقة المسلمين. أما حلف الفضول فإنه لرد الظالم عن ظلمه وليس له علاقة بالوحدة الوطنية. أما موضوع الأولوية في رد العدو عن البلد المعتدى عليه فهو خاص بالجهاد ودفع العدو وليس له علاقة بالوحدة الوطنية. أما موقف حسن البنا الذي استدلوا به فهو كلام بشر وليس حكماً شرعياً ولا يوجد عليه دليل شرعي.

هذا ما قاله بعض الكتّاب في الوحدة الوطنية، أما واقعها فيدل على أنها رابطة نابعة من مفهوم الوطن كما ذكرنا, الناشئ من التجربة الأوروبية، وهي تربط بين أبناء القطر الواحد على أساس مكان السكن، بغض النظر عن الدين والمبدأ، وتسمح بأن يتحد الكافر والمسلم والبوذي والنصراني واليهودي. وكذلك تجعل الكافر أخاً للمسلم في أخوة جديدة أوجدها مفهوم الوطن الذي يتطلب إيجاد قواسم مشتركة بين الفرقاء والأحزاب. فالوحدة الوطنية تفرض التخلي عن جزء أساسي من الثوابت والقناعات ليقبل الطرف الآخر، فالنتيجة حل وسط يرضي الجميع بغض النظر عن الدين والشريعة. وغالباً ما توجد هذه الرابطة عند وجود عدو يعتدي على هذا البلد ولا تلبث أن تزول عند زوال السبب فيه، فهي رابطة مؤقتة، وهي موجودة أيضاً عند الحيوان كما هي عند الإنسان، فهي رابطة غريزية هابطة حيوانية لا تصلح لبني البشر، كما أنه لا يوجد لها نظام حياة لمعالجة مشاكل الإنسان منبثق عنها، وكذلك فإن الوحدة الوطنية تضفي الشرعية عن كل ما ينتج عنها، وهي تعني التخلي عن عقيدة الولاء والبراء، وتعني اعتبار الأخوة في الوطن فوق كل اعتبار.

وعلى هذا فلا حجة لأحد ولا دليل على وجود الوحدة الوطنية وعلى استخدامها كرابطة تصلح لبني البشر؛ فلا يجوز الدعوة أو الترويج لها ولا استخدامها كمصطلح شرعي. قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات 10] وهذا حصر للرابطة بين المسلمين، وهي الرابطة على أساس الإسلام وليست الرابطة الوطنية.

كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رفض كل الحلول الوسط مع الكفار, ولو كان الأمر في الحلول الوسط مشروعاً لتوحد الرسول مع قريش وحدة وطنية بدل الحرب بينهم. لكن الواجب هو الدعوة إلى الوحدة الإسلامية لأن وحدتنا على أساس الشريعة هي الأساس الذي أمرنا به الإسلام.

وأخيراً فإن التعلق بمفهوم الوطن وما نتج عنه من وحدة وطنية، ومحاولة فرضها على أمتنا الإسلامية، والتركيز عليها من قبل الحكام وأعوانهم وأسيادهم، ليدل على الهجمة الشرسة التي تلف أمتنا من كل جانب. ولكن هؤلاء راهنوا على فرض هذه المفاهيم, بيد أن انتشار أفكار الإسلام ومشاعره، ووجود حملة الدعوة العاملين على نشرها، سيقضي بإذن الله على كل هذه الأفكار الدخيلة، ويُحل مكانها الأفكار والمفاهيم الإسلامية.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

موسى عبد الشكور الزغير

المصدر: مجلة الوعي

السبت، 3 يوليو 2010

حوار الحضارات بين التضليل والمؤامرة



بسم الله الرحمن الرحيم


يحاولُ الغرب الدخول إلى أفكار المسلمين بطرق شتى ووسائل متعددة، ومن ذلك ترويجه للأفكار الدخيلة كفكرة حوار الحضارات، ويوظف لهذه الأفكار رتلاً من الكتاب والعلماء والإعلاميين، فتُعقد لمناقشتها الندوات والمحاضرات، وتُبث لأجلها العديد من البرامج الدينية والثقافية، والكل يستشهد بالتسامح الديني الإسلامي المسيحي، أو بالتسامح مع الآخر، بحيث تبدو الفكرة - كفكرة حوار الحضارات- نبتاً طبيعياً في حضارة الإسلام، وتظهر بالمقابل فكرة الصراع الحضاري فكرة طارئة وغريبة على الإسلام والمسلمين.

لا شك أن هناك كتاباً غربيين كثراً يقفون مع فكرة حوار الحضارات، وهناك فريق منهم، وإن كان قليلاً، يريد لهذه الفكرة أن تنجح لأنها في ظنه تعني الوفاق العالمي، وتؤدي إلى احترام الخصوصيات الثقافية، وتثمر تعاوناً بناء بين أبناء الحضارات المتنوعة، ويرى هذا الفريق أن مسيرة الحضارة الإنسانية مسيرة تراكمية، فكل حضارة قادمة لها جذور في حضارة سابقة عليها، ويعتقد هؤلاء النفر أن فكرة صراع الحضارات فكرة مدمرة للكيان البشري، ونافية للوحدة الكونية الإنسانية، وتولد مشاكل وصراعات دموية في كل أنحاء العالم.

وهؤلاء الكتاب أو المفكرون لا حول لهم ولا قوة إلا قلمهم الذي ينبض بأحاسيسهم ومشاعرهم التي تفيض على شكل أمنية للخلاص من الصراعات العالمية المحتدمة، ولكن أمثال هؤلاء ليس لهم مكان في السياسة العالمية أو رسم الخطط الاستراتيجية لدولهم، ولذا فإن دعواتهم فردية وستظل فردية ليس لها من الواقع إلا حبرها الذي كُتبت فيه، وستذهب أمنياتهم قرباناً على مذبح السيطرة الكولونيالية الجديدة!

وعلى النقيض من ذلك، ترى مجموعة من الكتاب الفاعلين أمثال هنتنغتون وفوكوياما والساسة الغربيين عامة ينطلقون من فكرة صراع الحضارات وإلغاء الآخر، والدعوة إلى عدم التساهل معه، وتحريم مخاطبته أو إقامة علاقات معه من أي نوع كان، وتمارس هذه الفئة كل السبل لإلغاء كل خصوصية ثقافية له، وقد شكلت ظاهرة العولمة بأبعادها المختلفة، السياسية والاقتصادية وبالطبع الثقافية، قاعدة تنطلق منها الأفكار المعادية لما عداها، مدعومة بسياسات وخطط استراتيجية، تنفذ على المدى البعيد، وتستهدف هذه العولمة العالم كل العالم بأفكارها لتصهره كله ببوتقة واحدة، وتستهدف فيما تستهدف جعل الناس عبيداً مستهلكين للبضاعة الغربية والفكر الغربي الثقافي الاستهلاكي، حتى وصل الأمر إلى تشييء الإنسان واعتباره سلعة، هذا ما يريده المتحكمون في الصراع الدولي، أن يكون الناسُ كلُ الناس تبعاً لجهة واحدة، الكل يخدم بالسخرة، والكل يتلو التعاليم الرأسمالية الجديدة، عندها يُنادى الآخرون للحوار الحضاري، ووقتها لن يكون لحوار الحضارات معنى سوى أن تتخلى كل أمة من الأمم المستهدفة عن حضارتها ومكوناتها الثقافية لصالح فكرة وثقافة أخرى، وإن بقي شيء من الثقافة الأم فلا يعدو كونه ابتهالات روحية فردية محصورة بين أسوار المعابد والصوامع والأديرة والمساجد.

التاريخ الإسلامي وصراع الحضارات:

جاء الإسلام بحضارة جديدة، وعندما يقال حضارة جديدة أي مفاهيم جديدة عن الكون والإنسان والحياة، تستند إلى مجموعة من الأفكار العقدية تعطي سمتاً للمسلم، ولذا قيل: الحضارة الإسلامية، أي مجموعة البنود الثقافية التي تشكل حياة المسلمين، كما هو الحال عند الحديث عن الحضارة الرأسمالية، فهي مجموعة أفكارها الحضارية عن كل ما يحيط بها، ولذا فإن الحضارة تعني من جملة ما تعني: أسلوب العيش وطراز التفكير وأبجدية الحياة.

ومن هنا يلاحظ أن الإسلام عندما حل في مجتمع جديد، له عقائده وسلوكياته وتشريعاته الأخرى، حاربها الإسلام، ولم يحاورها من أجل أن يصل مع أتباعها إلى منتصف الطريق، بل أراد منهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقولوا كلمة تجعلهم يسودون العرب والعجم، أن ينطقوا بـ(لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وأن يتركوا عبادة الأصنام، ويتلقوا عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تعاليم الإسلام الجديدة، وذاك الأعرابي الذي قدم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسأله، ما المطلوب منه إن هو آمن، فأجابه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يجعله ملتزماً بالإسلام، وهذا يقتضي بطبيعة الحال ترك ما كان عليه، ولو استعرضتُ محطات دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحواراته المتعددة مع المشركين في مكة لتبين أن فكرة منتصف الطريق غير ذات قيمة شرعاً، وغير متحققة بطبيعة الحال.

وأما القرآن الكريم فقد خاطب الناس بما خاطبهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسفه المعتقدات والأحلام، وعاب عليهم ما هم عليه من حياة جاهلية، ولم يطلب منهم الاتفاق على بعض الأمور لتسيير أمور الحياة، بل كان يطلب منهم التدبر في خلق الله ليؤمنوا إيماناً عقلياً صادقاً يجعلهم يتركون ما عداه، وأوضح ما يدل على ذلك من كتاب الله سبحانه وتعالى قوله في الآيات الأخيرة من سورة الأنبياء بعد إيراد عدة مواقف لأنبياء سابقين، وتشابه تلكم المواقف مع مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين، يقول تبارك وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [الأنبياء 107-112].

فقد جاء في تفسير قوله تعالى في الآية (109) ما نصه: «فإن أعرض هؤلاء عن الإسلام فقل لهم: أبلغكم جميعًا ما أوحاه الله تعالى إليَّ, فأنا وأنتم مستوون في العلم لمَّا أنذرتكم وحذرتكم, ولستُ أعلم -بعد ذلك- متى يحل بكم ما وُعِدْتُم به من العذاب؟»، إذاً لا تصالح، إنه الإيمان أو الكفر والعذاب والتوعد به

وتشهد حياة الصحابة رضوان الله عليهم بهذا، ففي مسيرة الصحابة ما يرفض فكرة حوار الحضارات، وما الفتوح الإسلامية إلا تجسيد لهذا الرفض، وما قصة ربعي بن عامر مع رستم الروم قائد الفرس إلا صدى لهذا المبدأ، ومما قال خير دليل على رفض فكرة الحوار الحضاري المزعومة، فقد قال (رضي الله عنه): «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد...».

وعليه، فإما الإيمان والإسلام والتقوى، وإما الكفر، ولا ثالث لهما، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال عند المسلم أو في الإسلام كما يشاع إلغاء الآخر، بل المقصود هو أن يفسح المجال بين الإسلام والناس ليحكموا به، فإن اقتنعوا وآمنوا فلهم ذلك، وإن لم يقتنعوا بتعاليم الإسلام فـ(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، ولكن لا بد من الحكم بالإسلام، هكذا هو الإسلام، وهكذا هي تشريعاته، وهكذا كانت سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا كانت سيرة الصحابة (رضي الله عنهم).

وقد انتهج التابعون النهج نفسه في حوار أصحاب الحضارات الأخرى في الأمصار المفتوحة، فالمسلمون ردوا الافتراءات عن الإسلام، وحاوروا عقلاء المخالفين، ليس لأجل الوصول إلى حل وسط، بل من أجل تبليغ القناعة العقلية بذلك، وأسلوب أبي حنيفة مع الدهريين في القصة المشهورة يؤكد هذا.

الممارسات الغربية وصراع الحضارات:

لعل أكثر ما يثير الاشمئزاز عند متابعة هذه القضية هو التناقض الصارخ بين الممارسات العملية للغرب وبين التنظير الكاذب لحوار الحضارات، فقد عقدت غير ندوة لتسويق فكرة حوار الحضارات، وأن هناك نقاطاً مشتركة كثيرة بين البشر، وكان في مقدمة ذلك ما يعرف بمؤتمرات حوار الأديان، ولكن بالمقابل ترى أن الغرب يهاجم المسلمين وحضارتهم وينتقص منها ومن رموزها، ولعل ما شهدته الصحافة العالمية من الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيفية تعامل الإعلام الغربي معها، وليس هذا وحسب، فقد وصلت الأمور إلى القتل والتصفية الجسدية كما حصل مع تلك المرأة المسلمة مروة الشربيني، التي قتلت تحت أعين السلطة والأمن الألمانيين في موقع من المفترض أنه موقع له أهمية اعتبارية عند أصحابه وله حرمته في قانونهم، عدا الاحتلالات العسكرية والهيمنات الاقتصادية على بلاد المسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان، وعدم التورع عن انتهاك سيادة الدول المسماة مستقلة، فترى القصف اليومي لمواقع في وزيرستان وغيرها، كل ذلك لا شك أنه يفضح المستور ويكشف وجه الحقيقة عارياً وصادماً للواهمين، ويكذب ديباجة حوار الحضارات المنمقة بكل فكرة شوهاء.

ومن جهة أخرى، لم يحاول الغرب تغيير الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين، سواء في كتبه ومناهج مدارسه التعليمية، أم في برامجه الإعلامية، بل ظلت الصورة سوداء قاتمة، يأتوننا بوجه غير الوجه الذي هم عليه في الحقيقة، وعندما تدرك أن أكثر الكتاب شعبية في الغرب هو ذلك الكاتب الذي يكيل التهم والشتائم للإسلام والمسلمين وللرسول (صلى الله عليه وسلم)، متذرعاً دائماً بحرية التعبير والاعتقاد، على حين أن حرية التعبير تعد جريمة عند مناقشة المحرقة النازية لليهود، والتشكيك في ملايينهم (الستة) الذين قضوا نحبهم في هذه المحرقة. كل ذلك يدعوك لنبذ هكذا حوار حضارات، وتكون مجبراً على أن تقف ضد كل محاولة من هذا القبيل، لأنها ستكون مشبوهة.

وعلى الرغم من أن العالم تروج فيه مبادئ وثقافات كثيرة : فهناك الشيوعية، والكنفوشية والرأسمالية والإسلام، ولكن لماذا لا يراد إلا حوار حضارة الإسلام مع الحضارة الرأسمالية، لقد بات واضحاً أن حوار الحضارة ليس فكرة جدية، وإن كان لها مناصرون، بل هي خدعة وكذبة كبرى تمارسها علينا دوائر صنع القرار الغربي، ونحن بحكم ضعفنا السياسي نريد أن نثبت أن الإسلام يقبل الآخر. ثم إن هذه الدوائر تصور أن معارضة فكرة حوار الحضارات نابعة من نظرية المؤامرة في محاولة لتحجيم من يطرح مقولات مخالفة لما هو سائد في الساحة الفكرية والثقافية.

إن من يتجرد من كل هوى يرى أن فكرة حوار الحضارات غير ممكنة فعلاً، فعلام نريد أن نلتقي؟ وهل الإسلام يقبل أفكاراً أخرى، وهو الدين الحق والمنهج الشامل، الذي قال الله فيه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة 3]، فإذا أردنا أن نأخذ من حضارة الآخر هل نأخذ صناعاته؟ وهل صناعاته هي حضارته؟ وهل يتحتم علينا إذا أخذنا صناعاته أن نتلبس بأفكاره؟

هذا ما يروج له بعض المفكرين الحداثيين: كيف تعادي الحضارة الغربية وتركب سيارتها وطائراتها وتستخدم حاسوبها؟ وما شاكل ذلك، ونسوا أو تناسوا أن العلم عالمي ويجوز أخذه من أي مصدر كان، فلا يقال سيارة رأسمالية أو طائرة شيوعية، ولكن يقال فكرة شيوعية عن فكرة صراع الطبقات أو ارتباط التغيير بوسائل الإنتاج، أو ما عدا ذلك من أفكار الرأسمالية كالحرية الشخصية، والدين لله والوطن للجميع...

وفي الخلاصة إن فكرة حوار الحضارات وهم وإيهام وقع فيه المفكرون أو أرادوا إيقاع الأمة فيه، وإنه لثابت قطعاً أن فكرة صراع الحضارات فكرة حتمية موجودة في كل الحضارات، ولا تكاد تسلم منها حضارة قديماً وحديثاً، وهذا ليس عيباً فيها، بل إنها من طبيعة الأفكار ومن خصائصها بين البشر أن تظل في أخذ ورد، ولا مندوحة عن ذلك، وهي ظاهرة مستمرة، ولن تتوقف سواء في ظل الدولة الإسلامية أو في غيابها، وهي تتخذ أشكالاً متعددة، ولن يكون الحوار الفردي أو المؤتمرات هما الشكلين الوحيدين، بل إن الكتب والأفلام والندوات واللقاءات والمحاضرات... والقرارات السياسية الصادرة من الحكام والمرتبطة بدوائر الغرب السياسية والثقافية هي جزء وشكل ووسائل وأساليب لفرض فكرة حوار الحضارات لمصلحة الغرب.

لذا يجب علينا، نحن الداعين إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية والساعين للتغيير، أن لا نغتر بدعاة حوار الحضارات مهما علت ألقابهم المزيفة، ومهما طال مدح المأجورين لهم، فهم ليسوا سوى أناس إما ضالين أو مضللين، دفنوا رؤوسهم في رمال الذل والهوان، وبالمقابل فإنه لمن الواجب علينا أن نعد للأمر عدته، فإن الحضارة الغربية التي تفوقت على المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، قد بدأ العد العكسي لها على كل الصعد، ولن تكون قادرة بإذن الله على أن تصرع أفكار الإسلام الربانية، فالعقيدة الإسلامية راسخة في العقول والقلوب، وهي لا تزال حية في النفوس، تجعل من يتمسك بها أصلب وأشد وأقوى، تبعاً لتلك الأفكار القوية والصلبة التي تسير حياته وتضبط سلوكياته، والتي ستتجسد عندما يأذن الله بالتمكين في دولة الخلافة الراشدة، تلك الدولة القريبة إن شاء الله، التي ستجعل صراع الحضارات يأخذ مداه الطبيعي المفضي إلى سيطرة الإسلام ليعم الأرض مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الجامع الذي يرويه ثوبان (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «زُوِيَتْ لِي الأَرْضُ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَصْفَرَ أَوْ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَقِيلَ لِي: إِنَّ مُلْكَكَ إِلَى حَيْثُ زُوِيَ لَكَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاثًا: أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي جُوعًا فَيُهْلِكَهُمْ بِهِ عَامَّةً، وَأَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَإِنَّهُ قِيلَ لِي: إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَإِنِّي لَنْ أُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِكَ جُوعًا فَيُهْلِكَهُمْ فِيهِ، وَلَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يُفْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي فَلَنْ يُرْفَعَ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِلِّينَ، وَسَتَعْبُدُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَسَتَلْحَقُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

فراس حج محمد/فلسطين

المصدر: مجلة الوعي

الجمعة، 2 يوليو 2010

دعاوى الإصلاح



الإصلاح كلمة جميلة سهلة الإخراج من اللسان، خفيفة الوقع على الأذن، تنشرح لسماعها الصدور، وتألفها القلوب؛ لأن الإصلاح موافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ولهذا قال نبي الله شعيب لقومه لما دعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن إنقاص المكاييل والموازين، وأمرهم بتوفيتها، قال لهم:"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " ولما كانت هذه الكلمة بهذه المنزلة، فقد ادعاها كثيرون: من يريد الإصلاح حقيقة ومن هم مقيمون على الفساد والإفساد، لكن هناك ضابطا يميز بين المدعين، إذ الإصلاح كله مضمن فيما جاء به الشرع، أو دل عليه وأرشد إليه، أو قبله، فمن زعم الإصلاح بما يخالف الشرع فهو مفسد، وإن زعم غير ذلك، ومن رام الإصلاح من غير أن يتخذ الشرع هاديا وإماما له فهو يمشي في عماية، لا يدري أية سكة سلك، فقد يسلك سكة للإصلاح، كما قد يسلك سككا للإفساد، ونهاية أمره التخبط والفساد؛ لأن العقول وإن اهتدت إلى ما فيه بعض الصلاح والإصلاح في بعض الأمور، لكنها لا تستقل بإدراك الصلاح كله في الأمور جميعها، فلا مندوحة لأحد يدعو إلى الإصلاح عن الرجوع إلى الشرع، والركون إليه، والانطلاق منه، وعلى هذا فإن كل دعوة للإصلاح مهما كان حجمها، وأيا كان مطلقها أو الصائح بها، أو الجهة التي تقف خلفها، إذا لم تكن قائمة على اتباع الشرع المنزل من رب العالمين جميعهم، فهي دعوة للإفساد، ومآلها إفساد المجتمع وتخريبه، ولذا فإن شعار " الدعوة للإصلاح " لا يصلح أن يرفعه بحق إلا من اتخذ الشريعة له قائدا وهاديا ودليلا، أما من لم يجعل الشريعة دليله وقائده وجعلها وراءه ظهريا، فإنه يقيم على الفساد وهو يظن أنه قائم على الإصلاح، ويدعو إلى الفساد وهو يزعم أنه من دعاة الإصلاح، وهذه هي حال المنافقين، فهم يفسدون ويزعمون أنهم مصلحون، قال الله تعالى" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" فهم قائمون على الفساد داعون للإفساد ويزعمون أن الصلاح في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، وهذا شأنهم في تغيير المعاني وقلب الأفكار وانعكاس المعايير، فتراهم يدعون إلى تماسك الشعوب وعدم تفتيتها ( وخاصة الشعوب التي تدين بأكثر من دين ) والحفاظ على الوحدة الوطنية ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إقصاء الشريعة الإسلامية وتحكيم القوانين الوضعية، وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى عدم التمييز بين طبقات المجتمع، وعدم التحيز لفئة ضد فئة أخرى، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى المساواة التامة بين الذكر والأنثى، حتى فيما فرقت فيه النصوص القطعية، وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى المحافظة على حقوق الإنسان وإعطائه الحرية، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إباحية مطلقة من كل قيد حتى يأتي الرجل الرجل والمرأة المرأة وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى التسامح وإشاعة ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر المختلف ثقافيا ويقولون: هذه دعوة للإصلاح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إذابة الفوارق بين المسلمين والكفار، وإضعاف معاني الولاء والبراء إلى حد الإلغاء وهذا هو الإفساد وتراهم يدعون إلى الاستفادة من الصور المعاصرة في كيفية تنمية رأس المال مع الأمان من تقلبات الأحوال والمعاملات الاقتصادية ويقولون: هذه دعوة للإصلاح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى التعاملات الربوية عن طريق البنوك التي يقوم أمرها على الربا، وهذا هو الإفساد، ولوظللنا نتتبع كثيرا من ألفاظهم التي يتلاعبون بها وجدناها لم تخرج عن حد الكلام الذي تكون حقيقته مخالفة لظاهره وهذا هو النفاق " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون"، فإذا أردت أن تفرق بين من تكون دعوته للإصلاح بحق، وبين من يدعو للإفساد تحت عباءة الإصلاح فانظر أين موضع الشريعة من دعوته تعرف ذلك.

محمد بن شاكر الشريف

الخميس، 18 ديسمبر 2008

قاعدة أهون الشرين



يستدل بعض المشايخ المعاصرين وغيرهم من المتصدّرين لبعض نواحي العمل الإسلامي بهذه الأقوال: أهون الشرين، أو أقل الضررين، أو أخف المفسدتين، أو درء المفسدة الأكبر بالمفسدة الأصغر، أو بما في هذا المعنى؛ لتبرير بعض المواقف والأعمال المحرَّمة سواء لأنفسهم أم لغيرهم من أولياء مصالحهم. وسنبين، بحول الله تعالى، في هذه المقالة حقيقة المعنى الشرعي لهذه الأقوال.
وقد كان الدافع لهذه المقالة الجهل الواقع في فهم هذه الأقوال، وتحريف الأحكام الشرعية من خلال تطبيقها في غير مواضعها؛ لذلك ينبغي قبل البداية الإشارة إلى بلاءٍ تعاني منه الأمة، وينبغي العمل على معافاتها منه، ونسأل الله تعالى العون.

إن هذا البلاء هو أن الأمة ابتليت بأشخاص حظهم من العلم قليل، وزادهم من التقوى ضئيل، يُـنَـصَّـبون على منابرها، ويتصدرون مجالس التعليم الفقهي، ويتسلمون مراكز البيان والتوجيه الشرعي، في ظل واقع يروَّج فيه للفكر الغربي ونُـظُـمه، وتوضع فيه مناهج التعليم الشرعي على أساس التوفيق بين أحكام الإسلام والقوانين الغربية بما يُرضي الحكام وأسيادهم، وفي ظل أوضاع يُـستبعد فيها العلماء الحقيقيون الورِعون، ويُـغَـيَّـبون؛ لأن مواقفهم لا ترضي الحكام ولا تناسب أنظمتهم وسياساتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وإذا كان من هم مفترضٌ فيهم أن يكونوا قادةً للأمة يدلونها على الخير لتقدم عليه، وينبهونها على مواطن الخطر لتحذره، والحرام لتحجم عنه، قد غلبَ على الكثير فيهم المقياس المادي النفعي، فبمنحةٍ ماديةٍ، أو بوظيفة أو منصب يخرجون الفتوى والبيان (الشرعي) بأن يشارك الناس في الانتخابات ولو كان إثماً، أو بأن ينتخبوا فلاناً ولو كان لا يقيم للشرع وزناً، أو بأن يؤيدوا ويساندوا هذه الفئة أو تلك ولو كانت ترى الإسلام إرهاباً أو تعدُّه تخلُّـفاً، أو بأن يشاركوا في هذا العمل أو ذاك ولو كانت شعاراته فسقاً وكفراً وراياته صليبيةً، بل صلبانَ مخنجرةً تقطر دماً، أو يدعون إلى التقارب بين الإسلام والكفر تحت عناوين الحوار بين الأديان، أو يطلقون على أصحاب القلوب الفاسدة والأيادي السوداء بأنهم أصحاب الأيادي البيضاء في خدمة الإسلام والمسلمين، ولو كانوا عملاء للكافر، ويفتحون البلاد قواعد عسكرية له؛ ليسيطر على البلاد والعباد، وينهب ثرواتها، ويأكل خيراتها، ويحارب الإسلام والدعاة إليه، تحت اسم الحرب على الإرهاب. إذا كانت هذه حال من يفترض فيهم أن يكونوا رواداً وفي طليعة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكم يكون إذ ذاك خطرهم عظيماً؟! وهل هم بهذه الحال دعاةٌ إلى الله أو عقبةٌ في طريق الدعوة؟ ! وهل هم عاملون لإنهاض الأمة أو هم معاول هدم في أيدي الحكام والسياسيين العلمانيين وأصحاب المال، يخدعون بذلك الأمة، ويفرغون جهودها، ويوهنون طاقاتها، في سياسات ومشاريع تخدم أعداء الأمة، بل قَـتَـلَـتَـهَـا؟!
وليعذرنا الشيخ الشهيد عبد القادر عودة وقد عنون لرسالته بـ(المسلمون بين جهل أبنائهم وعجز علمائهم)، فقد آل الأمر أيها الأخ الشهيد إلى العكس، فالمسلمون يعانون اليوم من عجز أبنائهم وجهل علمائهم.
نعم، جهل بالشرع، بل جهل بمعنى عقيدته، يُـنبئُ عنه ضعف حاد في الإيمان، نراه واضحاً في أقوال، ومواقف، وفتاوى، مخالفة للشرع. وقد صارت الشهادة في العلم الشرعي أداة استرزاق، وصارت المشيخة مهنة يؤكل بها، وصار موقف الحق عند أمثال هؤلاء المشايخ جهلاً وعدم فهم أو سوء تقدير لصعوبة الواقع، ومواقف غير عقلانية. وصار المحدِّد للحكم الشرعي وللموقف الشرعي -عندهم- هو مقدار ما يرجع على هذا الموجِّه، أو المعتلي للمنبر، من منفعة، أو مقدار ما يدرأ عن نفسه من ضرر. وانتشر لديهم مفهوم خاطئ وهو أننا ضعفاء وعاجزون، وعلينا أن نقبل بهذا الواقع؛ لأن الزمان ليس زماننا! وعلينا أن نحافظ على ما تبقى لنا ونرضى بما أُلقيَ إلينا من فتاتٍ أو يُـلقى، وإلا فالبديل أسوأ وأخطر!
لقد جمعوا بين الجهل واليأس فصاروا دعاة هلاك ومروجي فتنة، لقد صاروا تجربةً فاشلةً، ومثالاً فاسداً، وسبَّةً على الداعين إلى الإسلام، وحجةً عليهم، فما أعظمها فتنةً!
علماء بغير علم، يتعلمون الفقه من الواقع، ويستدلون عليه بهوى النفس، وربما بحكمة الزعيم، وليس بالقرآن والسنة، فما أعظمها فتنةً! يفتون بحسب ظروفهم وأوضاعهم، وبحسب مصلحة الجهة التي يوالونها، ويعلِّمون العقيدة علمَ كلامٍ، خاليةً من الإيمان، فما أعظمها فتنةً!
غلبت عليهم النفس الأمارة بالسوء، فنفوسهم يائسة، وخوفهم من العبد أكبر من خوفهم من رب العبد، ومقياسهم كمْ، فما أعظمها فتنة!
إن من كانت هذه أحوالهم، وأصرُّوا عليها، فالأمة -بصحوتها الصاعدة- ستلفظهم وتتعافى من الثقة بهم وتأنف الرجوع إليهم، كما تعافت قبل ذلك من الثقة بأسيادهم، وأخرجت من قلبها كلَّ أثر لولاء لهم أو انتظار خير منهم.
أيها العلماء: إن الدور الذي ينبغي أن يكون منوطاً بكم كبير، والمسؤولية التي ينبغي أن تكون على عواتقكم كبيرة، وقد حُمِّلتموها فاحملوها، ولا تكونوا كالذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، وإن تتولوا يستبدل الله بكم قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وستقفون يوم القيامة بين يدي الجبار، وستُسألون، فبماذا ستجيبون؟ إنه لأمر عظيم لا يهوِّن من شأنه أن تحسبوه هيناً، أو أن تمروا عليه بسرعة. فارجعوا إلى كتابكم وتدبروا فيه معنى الإيمان، وبادروا إلى قول الحق وموقف الحق. وإن الصحوة قد نالت من الأمة ونالت الأمة منها، والأمة تبحث عن روّادها لتنقاد لهم في مسيرة إعزاز دينها وإعزازها، وفي مسيرة الشهادة على البشرية. فاحذروا أن تكونوا عقبةً في طريق دولة الأمة، أو أن تكونوا أدواتٍ ومروجين لسياسيين علمانيين وفسقة أو لآخرين بائسين، ولا تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم:  أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ  [الجاثية 23].
إن الله تعالى هو النافع وحده، وهو المعز والمذل، وهو الرافع والخافض، فتدبروا معنى الإيمان ومعنى التوكل على الله في المواقف، كل المواقف، وأفتوا الناس حينئذٍ بحكم الشرع وعلِّموهم كما يعلمكم الشرع، حينئذٍ تكونون علماء حقيقيين ورواداً صادقين للأمة، والفظوا من بين صفوفكم الجواسيس، والدجالين، والمنحرفين، والمرتزقة.

أما فيما يتعلق بالقواعد المذكورة آنفاً، الأخذ بأهون الشرين وما في معناها، فإن العلماء الذين يأخذون بها، يدركون ضوابطها ومواضع إعمالها، فلا يصح أن يؤخذ نص القاعدة وكأنه شرعي مطلق، أو يأخذ مبتوراً عن شروط تطبيق القاعدة، ثم تعطى بناءً عليه فتاوى تُـبَـرَّرُ بها الأعمال المحرمة ويخدع بها الناس.
والقاعدة الشرعية ليست نصاً شرعياً، وإنما هي حكم شرعي؛ لأن نصها صياغة بشرية، صاغه فقيه أو مجتهد. والنصوص الشرعية هي نصوص القرآن والسنة فقط. ولكن كان من الأدق أن يطلق عليها اسم قاعدة شرعية، وليس حكماً شرعياً؛ لأنها في واقعها قاعدة إضافةًً إلى كونها حكماً، أي أنها تتسم بالعموم أو بالكلية؛ لأنها تنطبق على أفراد كثيرة بناءً على لفظ عام، أو على جزئياتٍ كثيرة بناء على علة؛ وعلى ذلك فإذا حصل خلاف في القاعدة أو في تطبيقها فيجب الرجوع إلى المصادر، أي النصوص الشرعية التي استنبطت منها القاعدة، فهي التي تبيِّـن معنى القاعدة، وحدود تطبيقها ومواضعه، وحالات الاستثناء منها أو تخصيصها.
وهذه القاعدة المذكورة أعلاه بنصوصها المختلفة، عند العلماء الذين يأخذون بها، ترجع إلى معنى واحد، وهو جواز الإقدام على أحد الفعلين المحرّمين، وهو الفعل الأقل حرمة منهما، وهي ليست مطلقةً بهذا المعنى، وإنما مقيدة فيما إذا كان المكلَّف لا يسعه إلا القيام بأحد الحرامين، ولا يمكنه أن يترك الاثنين معاً؛ لأن ذلك متعذر أي خارج عن الوسع، أو في حالة يسعه فيها ألا يقدم على أيٍّ من الحرامين، ولكنه إذا فعل ذلك فسيقع الحرامان معاً، أو سيقع أشدهما حرمةً، أو سيقع حرامٌ أشد من الاثنين، فهذه من شروط أو ضوابط إعمال هذه القاعدة. ولإعمالها ضوابط أخرى تختلف بحسب اختلاف المسائل أو الأوضاع، ويتحدد الفقه فيها في كل مسألةٍ على حدة.
أما مستند هذه القاعدة فهو المعلوم ضرورة من الدين أن الحرام يُـترك والواجب يُـفعل، فإذا كثرت الأفعال المحرمة فيجب تركها كلها سواء كانت اثنتين أم أكثر، وإن كثرت الواجبات فيجب فعلها كلها سواء كانت واجبين أم أكثر، وكذلك يقال في المكروهات والمندوبات مع فارق أن المكروه يُـكره ولا يحرم، والمندوب يُـستحب ولا يجب.
وإنما يقولون بجواز الإقدام على أقل الحرامين مع أنه حرام، وبأفضلية الإقدام على أقل المكروهين مع أنه مكروه شرعاً، وبتعبير آخر أخف المفسدتين أو الشرين أو الضررين، أو يقال بدرء المفسدة الأعظم بالمفسدة الأخف، فيما لو كان لا يمكن درء المفسدتين معاً أو كان درؤهما معاً يؤدي إلى مفسدة أعظم. قال تعالى:  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  [التغابن 16] وقال:  لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  [البقرة 286]. ومن هذه النصوص يتبين معنى هذه القاعدة وكيفية تطبيقها؛ وبناءً عليها -أيضاً- يقال بفعل الأوجب ولو عن طريق ترك الأقل وجوباً إذا تعذر إيقاع الواجبين معاً، أو يقال جلب المصلحة الأكبر بترك المصلحة الأصغر. وينبغي أن يلاحظ أن لفظ المصلحة والمفسدة هنا لا يطلق بمعنى المنافع والمضار بحسب الأهواء وحظوظ النفس، وإنما بحسب ما طلبه الشرع أو نهى عنه. قال الغزالي: «أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع. ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهي: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم»1.

وبناء على ما سبق، فإن استخدام هذه القواعد للإفتاء بفعل المنهي عنه في غير هذه الحالات هو فتوى بغير ما أنزل الله، ولا يقول بذلك أحد من العلماء الصادقين، قال : «من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض» أخرجه السيوطي في (الجامع الصغير) وقال حسن؛ وعلى ذلك فإن قول من يقول انتخبوا فلاناً وإن كان علمانياً كافراً أو فاسقاً، أو أيدوا فلاناً ولا تؤيدوا الآخر؛ لأن الأول يساعدنا والثاني لا يساعدنا، أو ما شاكل ذلك، وسواء أكان القائل شيخاً، أم عالماً، أم لم يكن، هو قولٌ مردودٌ شرعاً، ولا يصح الاستناد فيه أو في مثله إلى هذه القواعد، وإنما الذي يقال هنا: إن الأمرين المعروضين أمامنا محرَّمان، فلا يجوز انتخاب العلماني ولا يجوز توكيله أو إنابته لتمثيل المسلم في الرأي؛ لأنه لا يلتزم بالإسلام، ولأنه يقوم بأعمال محرَّمة لا يجوز للموكِّـل أن يقوم بها كالتشريع والمصادقة على مشاريع محرَّمة، وكالمطالبة بالمحرمات والقبول بها والسير فيها، وبالجملة فهو ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر؛ ولذلك فلا يجوز انتخاب أي منهما؛ لأن انتخاب هذا أو ذاك حرام. وترك انتخاب هذا أو انتخاب ذاك داخل في الوسع. ولا يقال مثلاً: إن لم ننتخب ونساعد في إنجاح فلان فسينتخب غيرنا شخصاً أكثر ضرراً. لا يقال ذلك مثلما أنه لا يقال: إن لم نفتح الخمَّـارة نحن ونتقوَّى بمكاسبها فسيفتحها غيرنا (سيفتحونها هم) ويكسبون هم. وإنما السبيل هنا أن يُـترك الحرامان، وأن يُـدعى الآخـرون إلى أن يلتزموا أيضاً بترك المحرمات، فإن فعلوا كان خيراً لهم وإن لم يفعلوا كان شراً لهم. قال تعالى:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [المائدة]. وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن قيس بن أبي حازم قال: «قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله  يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب». وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي أمية الشعثاني قال: «أتيتُ أبا ثعلبة الخُـشَـني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  قال: أما واللهِ، لقد سألت عنها خبيراً. سألتُ عنها رسول الله  فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوْا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شحاً مطاعاً، وهوًى متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوامِّ، فإن من ورائكم أياماً، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم»، وفي لفظ: «قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم».
فمن هذه النصوص يتبين أن الحرامين يتركان، ويؤمر الناس بترك الحرام. ولا تنطبق هنا قاعدة أهون الشرين.
وإنه لمن المهازل أن يعترض هنا، ومن قِـبَـل مشايخ، بقولٍ سخيف: «يعني نقعد، لا نعمل شيئاً!» والجواب: إذا كنت بين أمرين إما أن تعمل حراماً وإما أن لا تعمل شيئاً ولا ثالث لهما، أي لا تستطيع أن تعمل خيراً، فالواجب أن تقعد وتكف أذى نفسك عن الناس، ولسانك عن تحريف الدين. قال : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» رواه الشيخان. والأصل أن تقوم ولا تقعد، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسعى لوجود من يستحق أن يُـنتخَـب، أو أن تسعى لتغيير الأوضاع كلياً؛ لأن الواجب هو أن لا تَحكُـمَ أو تُـحكَم إلا بالإسلام، وأن لا تحتكم إلا إلى الإسلام. فقم لرفع شأن أمتك:  إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  [الرعد 11].
إن هذا الموضع وأمثاله لا تنطبق عليه هذه القواعد، والذين يطبقونها في مثل هذه المواضع ينطبق عليهم قوله تعالى:  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ  [المائدة 52].
وإن مثال ما يطبق فيه هؤلاء المخطئون هذه القواعد هو كأن يُـعرضَ على المكلَّف طعامان أحدهما فيه ميتة والآخر فيه لحم خنـزير، فهل معنى القاعدة هو أن يبحث المكلف عن أقلهما حرمةً ثم يأكله، أو أن كليهما طعام حرام وعليه تركهما؟ نعم، كلاهما حرام، وعليه أن يجد طعاماً مما أحل الله أو فليصبر.
وأما العلماء الذين يأخذون بهذه القواعد، المدركون لحقيقتها، فهذه أمثلة من تطبيقاتهم لها:
1- إذا ما وصل الإنسان إلى حد الاضطرار الذي يخشى معه فوت الروح، وعند ذاك فإذا وجد حرامين فعله بالأقل حرمةً وإذا وجد حلالاً فلا.
إن هذه القواعد ليست معقدة ولا غامضة، وإنما هو البلاء المذكور، بلاء الجهل واليأس وقلة الدين. وسأذكر فيما يلي مثالين لتطبيق هذه القواعد لأجل مزيد من الوضوح، ثم أذكر أمثلةً مما ذكره بعض الأئمة ليكون القارئ على بيِّـنة من الأمر وطمأنينة.
2- إذا تعسَّـرت ولادة الأم ووقع العجز عن إنقاذ الأم والجنين معاً، واحتاج الأمر إلى قرار سريع: إما إنقاذ الأم وهذا يقتضي موت الجنين، وإما إنقاذ الجنين وهذا يقتضي موت الأم. وإذا تُـرك الأمر ولم يُـعمل على موت أحدهما لإنقاذ الآخر، أو إحياء أحدهما بموت الآخر، فقد يؤدي إلى موت الاثنين. ففي مثل هذه الحالة يُـقال بأهون الشرين، أو أقل الحرامين، أو أخف المفسدتين، وهو أن يقدم على الفعل الذي ينقذ المطلوب إنقاذه وهو الأم، ولو كان هذا الفعل نفسه قتلاً للآخر.
وينبغي أن يلاحظ هنا أن تعيين الفعل الأقل حرمةً لا يرجع إلى هوى أو مشيئة وليِّ أمر الأم والطفل، وإنما يرجع إلى الشرع، فكما أن الشرع هو الذي يبين ما هو حلال وما هو حرام، فهو أيضاً الذي يبين أيهما آكد في الشرع.
3- أن يتعرض شخص للهلاك غرقاً أو قتلاً من قِـبَـلِ شخص آخر، أو للإصابة بأذىً بليغٍ في بدنه وأعضائه، أو أن يُـعتدى على امرأة بالزنا، بحضور مكلَّـف يستطيع منع هذه المنكرات وعليه صلاة مفروضة قد يفوت وقتها، فإما أن يمنع ذلك الحرام فيفوته أداء الواجب، وإما أن يؤدي الواجب في وقته فيقع ذلك الحرام، والوقت لا يتسع لفعل الأمرين معاً. فهنا يأتي تطبيق القاعدة، وتكون الموازنة أيضاً من قِـبَـلِ الشرع الذي جعل رفع تلك المحرمات المذكورة آكد من أداء الواجب المذكور، ولو أمكن فعل الواجبين معاً لوجبا. ولا يقال: نفعل الأوجب ويجوز القعود عن الأقل وجوباً.
وكما مَرَّ آنفاً فإن الموازنات بين الأحكام ترجع إلى الشرع. وللفقهاء فيها قواعد للقياس، والمشابهة، والتقدير، والمقارنة. ولا يسعنا الدخول فيها وإنما أشير إلى ذلك بما يلفت النظر، وتفاصيل ذلك في الفقه، وربما كانت صعبة المورد ولكنها عذبة المذاق.
فحفظ نفسين أولى من حفظ نفسٍ واحدة والثلاثة أولى وهكذا، وحفظ النفس مقدم على حفظ المال، وحفظ دار الإسلام داخل في حفظ الدين وهو أَوْلى من حفظ النفس والمال، وكذلك الجهاد والإمامة العظمى فهما داخلان في حفظ الدين من أوَّل وأَوْلى الضرورات، وفي الموازنة بين الإكراه على الزنا والقتل اختلاف والله أعلم. قال الشاطبي في الموافقات: «إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياؤها أَوْلى، فإن عارض إحياؤها إماتة الدين كان إحياء الدين أَوْلى، وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتد وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة»2. وقال الغزالي في المستصفى: «ونحن نعلم أن الشرع يؤْثِـر الكليَّ على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد... فإن قيل: فتوظيف الخراج (الضرائب) من المصالح، فهل إليه من سبيل أو لا؟ قلنا: لا سبيلَ إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات (رواتب) العسكر، ولو تفرّق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيفَ دخول الكفار بلاد المسلمين، أو خيفَ ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد المسلمين، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج؛ لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصدَ الشرعُ دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم (أي من الأغنياء الذين فرضت الضريبة في أموالهم) قليل بالنسبة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكةٍ يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور»3.
وهذه أمثلة أخرى ذكرها الإمامان الغزالي وعز الدين بن عبد السلام، رحمهما الله، يظهر فيها كيفية إعمال قاعدة أهون الشرين عندهما، ويظهر فيها أيضاً موازنات بين الأحكام. قال العز في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام: «إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فإن تساوت يُـتَـوَقَّـف، وقد يُـتَـخَـيَّـر، وقد يُـخْـتَـلَـف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين مفاسد المحرمات والمكروهات»4. ثم ذكر أمثلة فقال: «أن يُـكرَهَ على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قُـتِـلَ، فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك؛ لقدرته على درء المفسدة؛ وإنما قُـدِّم درء القتل بالصبر على القتل لإجماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل»5. فهذا مثال واضح في أنه اختيار لأخف المفسدتين أو الحرامين لأنه لا فكاك له من أحدهما، ولو أمكنه منع المفسدتين لوجب عليه ذلك.
وقال في مثال آخر: «وكذلك لو أكره بالقتل على شهادة زور أو على حكم بباطل، فإن كان المكره على الشهادة به أو الحكم به قتلاً، أو قطع عضو، أو إحلال بضع محرم، لم تجز الشهادة ولا الحكم؛ لأن الاستسلام للقتل أولى من التسبب إلى قتل مسلم بغير ذنب، أو قطع عضو بغير جرم، أو إتيان بضع محرَّمٍ. وإن كانت الشهادة أو الحكم بمالٍ، لزمه إتلافه بالشهادة أو بالحكم حفظاً لمهجته كما يلزمه حفظها بأكل مال الغير. وكذلك من أكره على شرب الخمر أو غَـصّ ولم يجد ما يسيغ به الغصة سوى الخمر، فإنه يلزمه ذلك؛ لأن حفظ الحياة أعظم في نظر الشرع من رعاية المحرمات المذكورات»6. وقال في مثال آخر: «إذا اضطر إلى أكل مال الغير أكله؛ لأن حرمة مال الغير أخف من حرمة النفس، وفوات النفس أعظم من إتلاف مال الغير ببدل، وهذا من قاعدة الجمع بين المصلحتين وبذل المصلحة الأخرى»7.
ومن أمثلته أيضاً: «إذا وجد المضطر إنساناً ميتاً أكل لحمه؛ لأن المفسدة في أكل لحم ميت الانسان أقل من المفسدة في فوت حياة الإنسان»8. ومنها: «إذا وقع رجل على طفل بين الأطفال إن قام على أحدهم قتله وإن انفتل إلى آخر من جيرانه قتله، فقد قيل: ليس في هذه المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ولم ترد الشريعة بالتخيير بين هاتين المفسدتين. فلو كان بعضهم مسلماً وبعضهم كافراً فهل يلزمه الانتفال إلى الكافر لأن قتله أخفُّ مفسدةً من قتل الطفل المحكوم بإسلامه؟ فالأظهر عندي أنها تلزمه؛ لأنا نجوِّز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز مثل ذلك في أطفال المسلمين»9. أما قوله إن المسألة باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، فهو لجهة أن الأطفال جميعاً متساوون نظرياً، فإذا وقعت الحادثة فسيكون فيها من الحيثيات ما يُـرجعَ مناط الحكم فيها إلى أوصاف أخص من مجرد عموم كونهم أطفال أو أي عموم آخر فيها. وهذه المسألة أول من أوردها -والله أعلم- هو إمام الحرمين الجويني في كتابه غياث الأمم عند التياث الظلم، وذكر أنها ليست لها في الشريعة حكم، مع أنه أكد في كتابه نفسه أنه ما من واقعة إلا ولها في الشريعة حكم.
ومن أمثلة العز بن عبد السلام أيضاً: «إذا اغتلم البحر بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان؛ لتخف بهم السفينة، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة؛ لأنهم مستوون في العصمة، وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال، ثم الحيوان؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس»10. ومن أمثلته: «لو أكره بالقتل على إتلاف حيوان محترم من حيوانين يَـتَـخَـيَّـر بينهما». «ولو أكره على شرب قدح خمر من قدحين يتخير بينهما». «ولو وجد حربيَّـين في المخمصة فإن تساويا تخير في أكل أيهما شاء، وإن تفاوتا بأن كان أحدهما أجنبياً والآخر أباً، أو ابناً، أو أماً، أو جدةً، كره أن يأكل قريبه ويدع الأجنبي، كما يكره أن يقتله في الجهاد. ولو وجد صبياً أو مجنوناً مع بالغ كافر أكل الكافر بعد ذبحه وكف عن الصبي والمجنون، لما في أكلهما من إضاعة مالِـيَّـتِـهما على المسلمين، ولأن الكافر الحقيقي أقبح من الكافر الحكمي»11. ومن أمثلته أيضاً: «قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال مفسدة لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار بحيث لا يمكن دفعهم إلا بقتلهم». «قتل من لا ذنب له من المسلمين مفسدة إلا إذا تترس بهم الكفار وخيفَ من ذلك اصطلام المسلمين ففي جواز قتلهم خلاف؛ لأن قتل عشرة من المسلمين أقل من مفسدة قتل جميع المسلمين»12. وللغزالي تفصيل في هذا المثال الأخير حيث يقول: «إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضاً، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعاً أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل»13.
فهذا المثال واضح في أن الوضع الذي يُـلجأ فيه إلى العمل بأخف الحرامين أو المفسدتين هو وضع العجز عن تجنب الحرامين جميعاً أو منعهما جميعاً، انظر قوله: «فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً» وقوله «فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على القليل».
ثم يقول الغزالي: «وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة، فبنا غِـنْـيَـةٌ عن القلعة»14.
بهذه الأمثلة التي ذكرها بعض الأئمة على إعمال قاعدة أهون الشرين يتبين معنى القاعدة ومواضع إعمالها، ويتبين أيضاً كيفية الموازنة بين المصالح والمفاسد، كما ويتبين مقدار البلاء الذي ترزح تحته الأمة في ظل أقوال وتوجيهات تصدر باسم العلم والفقه، وما هي إلا دلالة على الانحطاط الذي أصاب الأمة بسبب هيمنة عدوها وزبانيته عليها؛ ولذلك وجب التنبيه إلى الخطأ في إعمال هذه القاعدة وإلى خطأ الموازنات غير الشرعية التي تقلب أحكام الشريعة رأساً على عقب. ولعل من هؤلاء المخلصين من يتنبه إلى مقدار خطئه وخطره على أمته، فيسعى إلى التوبة مما باء به، ويقرر التخلص مما يحوك في صدره، والله من وراء القصد.

محمود عبد الكريم حسن

المصدر: مجلة الوعي

الجمعة، 10 أكتوبر 2008

الوسطية




هل تؤخذ أحكام الإسلام باختيار الوسط بين حكمين ؟
لم ترد كلمة ( وسطية ) أو كلمة ( وسط ) وصفا للإسلام أو لأحكام الإسلام في القران الكريم أو السنة النبوية , وإنما كثر استعمال هذا الوصف في العصر الحديث , استغلالا لبعض النصوص ووضعها في غير موضعها , وفهمها فهما مغلوطا واستنتاج نتائج خاطئة منها , ومن ثم تعميمها .
وقد تم توظيف هذا المصطلح ( الوسطية ) لتبرير فتاوي ومواقف لعدد من المشايخ والمتصدرين للفتيا في العالم الإسلامي , احلوا بها الحرام , وحرموا بها الحلال , وما الفتوى بحل بعض انواع الربا ومنع الجهاد , وإباحة قتال المسلم مع الكفار لأخيه المسلم إلا أمثلة قليلة على سوء استغلال هذا المصطلح الحادث .

ودعاة (الوسطية ) يروجون ( بكسر وشد الواو ) لهذا المصطلح على اعتبار انه مدح للاسلام واحكام الاسلام , ويجعلونه في مقابلة الغلو والتفريط ,اعتماد على ما استقر في نفوس الناس من رفض لهما , فيتجهون لقبول هذا الاطلاق , ويالفون نتائجه شيئا فشيئا.

تقول هذا جناء النحل تمدحــه ===== ولو شئت قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ===== والحق قد يعتؤيه سـوء تعبير

وحتى لا يقع المسلمين فريسة للاستخفاف بعقولهم من المتلاعبين بالنصوص , نبين معنى هذا المصطلح وواقعه وننزله منزله الذي يستحقه , وذلك بما يلي :

أولا : الوسطية نسبة إلى الوسط , والوسط في اللغة له عدة معاني , جاء في القاموس المحيط: ( الوسط محركة من كل شيء أعدله وكذلك جعلناكم امة وسطا أي عدلا خيارا ...) (.. وسط الشيء محركة ما بين طرفيه كأوسطه فإذا سكنت كانت ظرفا أو هما فيما هو مصمت كالحلقة فإذا كانت أجزاءه متباينة فبالاسكان فقط أو كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين والا بالتحريك ...) وقد جاءت كلمة وسط ومشتقاتها في القران الكريم والسنة المطهرة بهذه المعاني اللغوية , ومن ذلك قوله تعالى (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) [ البقرة : 143 ] .... وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم معنى كون امة الإسلام امة وسطا , وذلك في ما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: يا نوح. فيقول لبيك وسعديك، فيقول اللـه: هل بلغت قومك ؟! فيقول: نعم.. فيدعى قومه ويقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقول اللـه جل وعلا من يشهد لك يا نوح، فيقول نوح : يشهد لي محمد وأمته.. يقول المصطفى فتدعون فتشهدون بأنه بلغ قومه وأشهد عليكم فذلك قول اللـه تعالى (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ))
والوسط العدل
قال ابن حجر في الفتح قوله : ( الوسط العدل ) هو مرفوع من نفس الخبر , وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم ), وهذه الآية هي التي يستند إليها القائلون بان أحكام الإسلام وسط بين طرفين , ومنها ينطلقون في الترويج لرأيهم , والمدقق في الآية الكريمة لا يجد فيها أي تطرق لوصف الإسلام بالوسطية بالمعنى الذي يذهبون إليه , وإنما هي وصف للأمة الإسلامية التي كرمها الله تعالى بان جعلها شاهدة على الناس بان الرسل قد بلغو رسالات ربهم , والشاهد لا تقبل شهادته إلا إذا كان عدلا , وهذا ما فسرها به صلى الله عليه وسلم حجة .
ولا يقال بان وسطية الأمة مستمدة من وسطية الإسلام , ولهذا قلنا بان الإسلام دين الوسطية , لا يقال هذا , لان المقصود بوسط الواردة في الآية غير ما يقصدون بالوسطية فوسط في الآية معناها العدالة , وفي إطلاقاتهم ما بين طرفين , والفرق بين الأمرين ظاهر فلا يستدل باحدهما على الآخر لمجرد اتفاق المبنى.

والعدالة التي جعلها الله تعالى صفة لازمة لأمة الإسلام , وهي مقتضى إتباعهم للإسلام وتقيدهم به , وعدم إتباعهم لأهوائهم , وقد روى مسلم قال (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) فمخالفة أحكام الإسلام تنفي العدالة الأزمة لإداء الشهادة .,
ثانيا : يقولون الدعاة إلى للوسطية : ( إننا استقرينا أحكام الإسلام فوجدنا قائمة على التوسط والاعتدال , روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى".
وروى النسائي عن إبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وعن أبي هريرة رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: ( إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
وروى ابن ماجة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( غداة العقبة لابن عباس هات اللقط لي فلقط له ثلاث حصيات من حصا الخذف وقال بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ), وهذه الأحاديث تبين أن الوسطية هي المنهج الذي يحث النبي صلى الله عليه وسلم على السير به , والذي كان يسير عليه صلى الله عليه وسلم في دعوته وفي سلوكه .) وهذه مغالطة كبيرة وذلك لان قول عائشة رضي الله عنها ( بين أمرين ) يعني من أمور الدنيا , يدل عليه قولها ( ما لم يكن إثما ) لان أمر الدين لا إثم فيها ,كما أن أيسر الأمرين ليس هو أوسطهما قطعا , فهو دليل على أن التوسط بين أمرين أو خيارين ليس من هديه الدائم صلى الله عليه وسلم , وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين يسر ..) لا يعني أن اختيار الحالة الوسط مطلوب لأنها حالة وسط , بل الحديث يأمر بالالتزام بأحكام الإسلام كما هي دون زيادة أو نقصان وهذا ( فسددوا وقاربوا ) أي ألزموا السداد وهو الصواب , واعملوا بالأكمل فان لم تستطيعوا فقاربوا, وهذا دليل بات على أن المطلوب هو الالتزام بالإسلام كما هو بغض النظر عن كون الأمر المطلوب هو أوسط حالاته أو أعلاها أو أدناها , وهنا مكمن الداء عند دعاة الوسطية لأنهم يجعلونها مطلوبة لذاتها , ويجعلونها نهجا ثابتا في جميع الحالات , ويبنون الاحكام عليه , وهذا يجعل الاحكام تابعة للأهواء والعقول , وليست مأخوذة من الإسلام .
ثالثا : يستدل دعاة الوسطية بقوله تعالى : (" والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" (67 سورة الفرقان).
وقوله سبحانه وتعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقد ملوما محسورا) على أساس أن الآيتين تجعلان الإنفاق المحمود هو حالة وسط بين حالتين . ومن يمعن النظر يجد أن الإنفاق المذموم وهو الإسراف معناه الإنفاق في الحرام قل أو كثر , فالتحريم ليس مسلطا على كم المنفق قليل أم كثير , وإنما على ما انفق من مال فيه حرام أو حلال , وكذلك التقطير هو ترك الإنفاق في واجب سواء كان قليلا أم كثيرا ,فمن أين جاء فيهم الوسطية من الآية , وقد ينفق المسلم جل ماله في الجهاد أو الصدقة أو حمل الدعوة الإسلامية , فهل يكون مذموما؟, وكذلك النهي عن كل البسط , فالمنهي عنه ليس هو بسط اليد في الإنفاق وإنما كل البسط ,أي التجاوز في الإنفاق بحيث ينفق في حرام , ويفهم من الآية أن كثرة الإنفاق ليست حراما , وإنما الحرام الإنفاق في الحرام قل أم كثر .

وعلى هذا لا دليل لدعاة الوسطية في الآية . ومع هذا فان الأمر باختيار حالة وسط في أمر معين لا يمكن تعميمه على غيره ,كما انه لا يصلح أن يكون علة للأحكام حتى يقاس عليه . وعلى هذا فان دعوى الوسطية في الإسلام بمعنى اختيار الحالة الوسطى بشكل دائم لا أساس لها من الصحة , ولا يجوز أن تبنى عليها الاحكام الشرعية , فتكون مصدرا للترجيح أو لاستنباط , ثم يوصف المخالفون بالتطرف والغلو , وتعرض الاحكام الناتجة عن مجرد بحث عقلي لا مساس له بالإسلام على أنها الإسلام الوسط , كان للإسلام ثلاثة أحوال يتخير منها الناس ما يروق لهم .

رابعا : فان قيل إننا نعني في الوسطية الاعتدال , وهو المطلوب شرعا , فنقول الاعتدال لغة : توسط حال بين حالين في كم أو كيف , وكل ما تناسب فقد اعتدل , وكل ما أقامته فقد عدلته . واعتدال استقام واستوى . هذه هي معاني الاعتدال لغة فان كان المعنى بالاعتدال الالتزام بالأحكام الشرعية والاستقامة عليها والإتيان بها على الوجه الذي شرعه الله , فلا داعي للإتيان بألفاظ تحتمل معاني كثير والاختباء خلفها , وترك الألفاظ الواضحة . فما هي الفائدة من اصطلاح لا يتفق على معناه , ويستغله بعض المنتسبين للعلم لتحريف أحكام الإسلام والتلاعب بها , ألا نخشى أن ينالنا نصيب من قوله تعالى : ( وان منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ).
أيها المسلمون :
إن كل من يقرا القران الكريم ويقرع سمعه قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلمو تسليما ) وقوله سبحانه : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) يناى بنفسه عن الخوض في أحكام الله وآياته , ويقف عند حدود ما انزل الله ,ويعلم انه عبد الله , وانه في اشد الحاجة لشرع الله ودينه ولو خالف هواه , ولهذا فإننا ندعوكم للتخلص من كل فكر وقول يراد منه تمييع أحكام الإسلام , ويراد به فضكم عن سبيل الله بشعارات وأسماء شتى وقد اتضح الأمر لكل ذي عينين .
التطرف :
التطرف ليس له دلالة شرعية , لان هذه اللفظة لم ترد في النصوص , ولا استعملها فقهاء الإسلام ,ولذا فانه ليس لها سوى الدلالة اللغوية فحسب ,فإذا أردنا أن نستعمله في الشرع لقلنا : إن التطرف هو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع , أي مخالفة أحكام الإسلام .

هذا هو التطرف , فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض, أو يطوف طواف العمرة عشر أشواط , أو يحرم أكل العنب لان منه تصنع الخمر , أو يوجب على نفسه لبس الخشن من اللباس تقربا إلى الله , أو يحرم العمل السياسي ويقصر الإسلام على العقائد والعبادات والأخلاق وبعض المعاملات أو يمتنع عن الزواج لأنه يلهي عن العبادة وقيام الليل , كل هؤلاء يعتبرون متطرفين ومتنطعين لأنهم جاوزوا حدود الأحكام الشرعية المشروعة .

وليس من التطرف تمسك الشخص أو الجماعة برأي أو حكم في أي شان من شؤون الحياة , وفي كيفية حمل الدعوة الإسلامية ما دام الحكم أو الرأي أو الفكر مأخوذ باجتهاد صحيح , وليس من التطرف الدعوة لجهاد الكفار وإخراجهم من بلاد المسلمين, فالمسلمون جميعا ملزمون بالتقيد بأحكام الإسلام ,والإتيان بها كاملة وفق ما شرعه الله لعباده دون زيادة فيها أو نقصان , والوقوف عند حدود الله فيها وعدم تجاوزها حتى لو ناقضت مصالحهم وأهوائهم وعاداتهم , ورغبات حكامهم , وقوانينهم ودساتيرهم , فدين الله أحق أن يتبع , وحدود الله يجب أن تصان , وأحكام الإسلام يجب أن تطبق بالحكم , وان يدعى لها , وان يتكتل المسلمون عليها وان يعملوا لإعادتها إلى الحياة . قال تعالى : " واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك ."

وكل من يقوم بذلك فهو ملتزم ومتمسك ومعتدل , أما من يخالف هذا هو المتطرف والمخالف والإثم , قال تعالى:" تلك حدود الله فلا تعتدوها , ومن يتعدى حدود الله فأولئك هم الظالمون ".

فعلى المسلمين أن ينتبهوا لهؤلاء المضلين المحرفين المغرضين , وان لا يخدعوا بأقوالهم ولا بما يلقونه إليهم بل يلقونه في وجوههم , ويتمسكون في كتاب الله وسنة رسوله , فهما الحكم والفيصل , لا يزوغ عنهما إلا هالك .

نظرة في مفهوم «التجديد والتسامح»




إن التاريخ الإسلامي والدين الإسلامي بشكل عام قد وقع ضحية حقد الغرب منذ عدة قرون. والذي كان كل همه تهميش المفاهيم الإسلامية وتمييع القيم الإسلامية وقراءة التاريخ الإسلامي بأبجدية غريبة عنه وبعقول غريبة ملوثة بالصليبية والصهيونية والاستشراق. والواقع أن أجدادنا قد صنعوا التاريخ وكتبوه لنا، ولكن الغرب هو الذي قرأه لنا وأدواتُه التي ربّاها، فصدّقناهم وائْتَمنّاهم، فكان مثلنا معهم كمثل من ائتَمَن الذئب على غنمه. ومن فَرْط غفلتنا وفجورهم وجدناهم اليوم هم الذين يكتبونه وهم الذين يقرأونه على هواهم تحت فِرْيَةٍ كبرى خرقوها لنا، وصدقناها أيضاً وهي الأمانة التاريخية والبحث العلمي والتجديد والتسامح، حتى أصبحنا نجد العجب العُجاب، وأضحى الدين والاحتكام إليه ضرباً من التخلف والجمود، وأصبحت التقوى تعني البلادة والغفلة. والمؤسف حقاً أن كثيراً من كُتّاب المسلمين قد سقطوا في فخاخ الغزو الثقافي هذه وصبّوا التاريخ الإسلامي المجيد وحقائقه الناصعة ومواقفه الرفيعة في قوالب صنعها لهم الغرب من مستشرقين ومبشرين؛ ولا شك عندي أن هذا كله قد حصل والمسلمون في سبات عميق، فلما أفاقوا من غيبوبتهم هذه وجدوا القوالب قد جهّزت لهم فتلقفوها تلقف الجاهل الغافل دون فحص ولا تدقيق، فكان عاقبتها أن فشا النفور من الإسلام وسهل التحلل من أحكامه، واستمرأ المسلمون التخلّي عنه واستبدلوا به أنظمةً وضعية وضيعة، باعتبار هذا تجديداً وتسامحاً وبحثاً علمياً بعيداً عن التعصب. هذه الكلمة التي أصبحت تهمة يحاول المسلمون دائماً التنصُّل منها.. وكلما ازدادوا نفياً لها واستبراءً منها أمْعن الغرب في إلصاقها بهم وتبكيتهم عليها، وهي، وغيرها من السموم المبثوثة بين المسلمين، نتائج حتمية لهجمة غربية صليبية صهيونية شرسة طالت عقول المسلمين حتى تمكنت منها وأقصت الإسلام عن الحياة، فغدت كلمة القومية تهز المشاعر أكثر من كلمة الإسلام. فخـفـت الـحـمـيـة الإسـلامـيـة وصار يعتبر السـخط من مهاجمة القرآن الكريم تعصباً وانْمَحت بذلك المشاعر الإسلامية، ولم يبق إلاّ بقايا مشاعر كهنوتية حُصِرت في المساجد، حتى هذه طالتها يد البطش.
وأكتفي بهذه الكلمات لأقول إن الثقافة الغربية لم تسقط علينا من السماء، ولا هي قدر داهمنا فجأة لم يكن بد من تجرعه. كلا، وإنما دخلت البلاد الإسلامية واستقرت في العقول عبر قنوات رسمية ومن خلال وسائط طبيعية مبرمجة وجهود مكثفة كانت وما زالت، حتى انطلت على الكثيرين وعُمِّيت على المفكرين، حتى وجدنا هذه الأيام من يحاول تأويل الإسلام ليوافق نظامَ الغربِ والتشريعَ الرأسمالي، وحتى شاع هذا في الأوساط الفكرية ووجدنا مفاهيم التجديد والتطوير ومسايرة العصر قد غدت دارجة على كل لسان. ثم خرج علينا كُتّاب مسلمون يصِفون الإسلام بالمرونة، ومنهم من قال: لا بد للإسلام من مسايرة الزمن!! والمقصود من مرونة الإسلام أن يقولوا الرأي الذي يريدونه ولو ناقض الإسلام، وأن يساير الأنظمة الغربية بصفتها هي السائدة اليوم، لذا يتوجب علينا أن نتطور حتى نستطيع العيش معهم! هذه النقولات وغيرها مما هو أفظع منها، أضحت مألوفة يعرفها القاصي والداني. فما الذي غيّر هذه العقول حتى انحرفت هذا القدر الهائل من الدرجات؟! إنها بلا شك حصاد معاول الهدم الثقافية التي طلعت علينا بمفاهيم التجديد والتسامح والصياغة الحديثة للتاريخ والإسلام!!
وكل هذا يعني فيما يعني أخذ الرأسمالية وما يسـمونها الديـمـقراطية واستبدالها بالإسلام لتصبح هي الدين العالمي الجديد. من هذه الكلمات التي تتردد كثيراً على الألسن «التجديد والتسامح» فما هي؟
لقد قال ذات مرة دكتور في مؤتمر عقد في أندونيسيا هو الدكتور تامبونان: (إن التجديد هو رسالة النصرانية). وسواء كان التجديد هو رسالة النصرانية أم لا فليس هذا هو الذي استوقفني، ولكن تكرار الكلمة في البلاد الإسلامية باستمرار دفعني إلى التوقف عندها طويلاً. فالمفترض في التجديد أنه الإتيان بكل جديد وإن كان على مثال سابق، ولكنه بثياب أحسن وجوهر أكثر نقاءً يتمشى مع الفطرة ويوافق العقل ويأخذ بالإنسان إلى الإحسان في كل شيء. ولكن الذي نراه في هذه الأيام النحسات أن معظم الرزايا العظام التي حطت على رؤوس المسلمين وهذا البلاء الشديد الذي مُنيت به الأمة الإسلامية قد وقع تحت ستار هذا الشعار الخبيث «التجديد». فحين تَمَّ القضاء على الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك، ثم نَبذَ هذا الإسلام وقال «لا نريد أن نحكم بكتاب ما زال يحدثنا عن التين والزيتون» وأتى ببهتان عظيم وجدنا الغرب قد هلّل له حين ذاك وقلده أوسمة كثيرة ولقَّبوه «رسول التجديد» أو شيئاً آخر من جنسه.
وعندما نادى المثقفون من العرب المضبوعون بالغرب ونظامه بما نادوْا به وخرجوا به عن الإسلام منحوهم نفس الأوسمة ولقبوهم نفس الألقاب وقالوا عنهم «أبطال التجديد». حينئذٍ وقَرَ في صدري وأنا أُراجع هذا كله وأنظر في التجديد الذي ذكره جناب الدكتور الأستاذ تامبونان أن كلمة التجديد تعني الإتيان بشيء غير الإسلام. وأن المجدد والبطل في نظرهم ليس هو المبدع في العلوم أو المتمسك بالقيم الإنسانية المثلى، أو الذي يحقِر الأنظمة العفنة إذا بان له عوارها ويأخذ بالطيب منها والتي ثبت صلاحها، كلا. بل هو الذي يأتي بشيء يبدل فيه من الإسلام أو يحرفه. وبمعنى آخر فإن التجديد هو الإتيان بالنصرانية أو الرأسمالية، إذ سواهما تخلف يقتضي تجديده. وأن اللحاق بهما والأخذ منهما أو بأحدهما قدر الاستطاعة هو البطولة بعينها، وهو المراد من كلمة التجديد. ولا أرى للكلمة معنى غير هذا عندهم أبداً. فلو كان المقصود بالتجديد هو إيجاد حلول للمشاكل المستجدة التي أحدثتها الحياة الحديثة مثلاً فلا يصح أن يطلق عليه اسم التجديد إذ هو اجتهاد والفرق بينهما واضح تماماً، فالاجتهاد هو الإتيان بالحكم الشرعي من أصوله الثابتة التي لم تتغير ولم تتبدل مذ أُنزلت، ولا يعني بأي حال من الأحوال الإتيان بشيء جديد لم يأت به الإسلام، وإنما يعني إيجاد الحلول للمشاكل المستجدة من قواعدها ونصوصها، وهذه لا تتبدل ولا تتغير ولا تقبل زيادة ولا نقصاناً، كما سلف. والتشريع الإسلامي هو وحده الذي بُني على أساس صحيح قطعي، ومعالجاته هي وحدها المطابقة للواقع والمتمشية مع الفطرة السليمة. أما تطابقه مع الواقع فهو جَعْلُه الواقعَ موضعَ التفكير لإصلاحه وتغييره إلى واقع سليم لا مَصْدرَ التفكير لمجاراته كما هو المطلوب منه اليوم أن يفعل.
ولقد ثبت عبر قرون خلت طُبِّق فيها الإسلام تطبيقاً كاملاً أنه وحده القادر على إعطاء الحل الأمثل لأية مشكلة دون أن يبعد عن أساسه وخطوطِه العريضة، لا كما تفعل الرأسمالية وغيرها من الأنظمة الوضعية، ولا يبقى الإسلام إسلاماً إذا أُريد له غير ذلك. ولا أرى والحالة هذه مكاناً لكلمة التجديد بمفهومها الغربي المستورد.
أما إذا كان التجديد في نظرهم هو التقدم العلمي كما أشرنا لَما أثار فينا الرغبة في التساؤل أبداً ولا الامتعاض، ولكنهم لا يعنون بهذه الكلمة أن يصبح الإسلام متجدداً بمعنى يبيح العلوم والبحث العلمي... كلا، وإلاّ لاتُّهموا بالغباء وقصر النظر حين لم يدركوا أن الإسلام هو الذي دعا إلى العلم والتعلم وكرّم العلماء ولم يحجر على عقولهم ولم يسجنهم! أو يحرقهم! بل دعا إلى التفكير وحض عليه، وكافأ عليه فيكون هو بالفعل بطل التجديد وهو الأحق بالأوسمة والأهل لكل إجلال وتعظيم. فقد كان عبر تاريخه الطويل الدينَ الوحيد الذي ميّز العلماء وأنزلهم منازل من نور. يقول الحق تبارك وتعالى: ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)) ويقول: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون... )).
بل إن الإسلام قد جعل اكتشاف أسرار الوجود وما أودعه اللـه فيه من قوى وأسرار قربة يتـقـرب بها العـبـد لربـه، إذا كانت خالصة لِوَجهه الكريم، وهو القائل عز وجل: ((.. إنما يخشـى اللـهَ من عباده العلماءُ)). وقال: ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ ثم اللـهُ ينشئ النشأةَ الآخرة..)).
إذن هم ليسوا من الجهل والغباء بحيث يظنون ذلك ويطالبون الإسلام بالتجديد، وهم يدركون تماماً أن نهضة أوروبا العلمية مدينة لعلوم المسلمين ولا كلام. فإذا كان التجديد ليس الإتيان بالعلوم والابتكارات وهم ما زالوا يطالبوننا به فماذا يكون إذن؟! ومن ظني أنه لم يبق من معنى للكلمة يذهب إليه كل فطِنٍ إلا ما ذهبنا إليه وبلغ قناعاتنا وهو أن التجديد الذي يدعوننا إليه هو التخلي عن الإسلام وأفكاره ومفاهيمه وأنظمته والأخذ بثقافتهم وحضارتهم.
والسؤال الذي يقفز إلى أذهاننا فوراً ولا ننتظر الإجابة عليه فهو ظاهر بين دفّتيْ رسالتهم إلينا، وهم لا يجهلونه فهو جزء من فكرهم وتاريخهم، فعلامَ يُنْكِرونه؟! أين هو التجديد في تعاليم المسيحية؟ وأين هو التجديد في مفاهيم الرأسمالية؟!
إن التـقـدم الذي شـهدته أوروبا ليس له علاقة بالنصرانية أبداً، وما ظهرت النهضة العلمية في أوروبا إلا من بعد ثورتها على الكنيسة؛ إن تاريخ أوروبا يحدثنا أنهم لم يستطيعوا التقدم قيْد أُنْملة إلا من بعد أن نفضوا عن كاهلهم نير الكنيسة وجعلوا الدين وراء ظهورهم «أعط ما لقيصر لقيصر وما للـه للـه».
فأين هي العلوم التي تجدَّدت على يد النصرانية؟! وقد كانت الكنائس وأربابها ينشرون الرعب ويحرقون العلماء ويضطهدون المفكرين ويَزُجُّون بهم في السجون، حتى يقول المفكر لصاحبه «أُنج جون فقد هلك جونيه». هذا إذا كان التجديد الذي يزعمونه هو التقدم العلمي والإبداع فيه، أما إذا كان التـجديد هو في الأنظـمة بشـكـل عام فأين هي الأنظـمـة والأحكام التي جاءت بها النصرانية؟ والحقيقة تقول إنها ليست من مستلزمات النصرانية، فلا وجه إذن لاختلاط الأمور. إن الذي نشاهده في العالم اليوم هو الرأسمالية بنظمها وثقافتها وحضارتها، فأين هي النظم والمفاهيم التي أتت بها الرأسمالية والتي تستحق أن تأخذ بها الشعوب أو تصلح للآدميين؟! أروني كيف احترمت الحضارة الغربية آدمية الإنسان، وهل حقاً رفَعَتْه أو ميَّزَته عن الحيوان البهيم؟ وما نراه اليوم في أوروبا يُندي الجبين ويستفزّ الرجل الحليم.
كلمة نسوقها إليهم وإلى المفتونين بزَبَدهم أن أقْصِروا.. قَدْ واللـه جاوزتم كل الحدود حتى طفح الكيل، فهلاّ وقفةً صادقة تقفونها مع آدميتكم التي بالَـغْـتُـم في إذْلالهـا؟.. لقد سقطت الأقنعة وسقطت معها المفاهيم المضلِّلة، ولم يبق للتجديد من معـنـى يُدْعى إليه الناس كافـة غيـر الأخذ بنظام الإسلام من جديد ليحكم البشرية كما حكمها أول مرة، وعزَّت به وامتلأت جنبات الأرض منه عدلاً ونوراً.
أما التسامح فهو في الأصل دعوة مسيحية صرفة تهمهم هم لما كان بينهم من صراع، وما عانوْه من فظائع الاقتتال الطائفي والتعصب. ولا شأن للمسلمين بهذا الشعار. فالشريعة الإسلامية لم تتبدَّل ولم تتغير منذ أُنزلت حتى يومنا هذا، وإلى أن يرث اللـه الأرض وما عليها، والتي تدعونا إلى احترام الأديان وأهلها وتوصينا بهم ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)).
ويدور في خَلَدِي أنها دعوة خبيثة قد خرجت من رحم خبيثة وتعدّت مفهومَها الذي وُجدت من أجله! لذا فلنستمع إلى هذا المؤرخ لعلّه يلقي الضوء على هذا الشعار بوضوح وصراحة، فيخرجنا من دائرة الظن هذه إلى اليقين. ذكر المؤرخ البرفوسور «برنارد لويس» خبير العلوم الشرقية في ندوة نُظّمت في فندق كونرار تحت رعاية وزارة الخـارجية والمجـلـس الأوروبي وجمـعـيـة الخمسـماية سـنة تحـت عنوان «العنصـرية واللاسامية» قال:
«إن فكر التسامح قد ولد في النصرانية على أثر الحروب الدينية في أوروبا والتي راح ضحيتها آلاف النصارى نتيجة الصراع الدموي بين الكاثوليك والبروتستانت، فالتسامح وهو الذي يعني فصل الدين عن أعمال الدولة، وباختصار هو العلمانية التي وُجِدت لحل مشكلة النصرانية. فهذه المشكلة لم تنشأ في البلاد الإسلامية، لأن الناس المنتسبين لأديان مختلفة في البلاد الإسلامية وجدوا إمكانية العيش هناك بصداقة وأخوّة وبدون صراع ونزاع. إن التسامح موجود في أصل الإسلام، وهو ليس فكراً قد طرأ عليه فيما بعد، وعندما يقول الإسلام ((لا إكراه في الدين)) فإنه يوضح بشكل جلي أهمية التسامح التي منحها. فإن غير المسلمين في حالة مطابقتهم لبعض المعايير المعينة يكون بإمكانهم العيش في هناء وراحة في البلاد الإسلامية. فإن التحديات لغير المسلمين كانت فيما يتعلق بالحكم وهي كتدابير واحتياطات. إن غير المسلمين لم يُبْعَدوا عن الحياة الثقافية والاقتصادية في المجتمع في عهد العثمانيين الذي لمعت فيه الحضارة الإسلامية. وقد خدموا في الحكم بأشكال مختلفة ولم يعاملوا قطعاً ولا في زمن كمواطنين من الدرجة الثانية، وكانوا يتمتعون بكافة الحقوق مقابل دفع الجزية. أ.هـ.» - جريدة تركيا الصادرة في منتصف يناير / 1995م.
يتضح لنا من هذا النص الصريح صِدْق ما ذهبنا إليه، وأن كلمة التسامح كلمة حق أُريد بها باطل، ثم فُصِّلت على مقاسنا نحن المسلمين. والسـؤال الذي لا بـد أن يسـألـه كـل مـسـلم وهو يستخف بمسبّباته:
على أي أَمر يريدوننا أن نتسامح؟ وديننا ثابت ثبوت الجبال لم يَلْحَقْه تغيير ولا تحريف، ولم يذكر لنا التاريخ أن خرجت فئة تدَّعي قرآناً جديداً أو طالبت بتغييره فعلام ومع من نتسامح؟! وأَيَّ سُور الكتاب يريدوننا أن نتسامح فيها فَنَرُدَّها على اللـه؟! وأي حدود اللـه يرغبون أن نُسقطها؟!
اللهم إلا أن يكون التسامح معهم هم، ونحن نراهم يفعلون الأفاعيل ويتقولون الأقاويل فنسكت ونطأطِئ رؤوسنا ثم نبتسم! أو نراهم يسفكون دماء المسلمين ويحرمونهم من التعليم ويحرضون عليهم حُكامهم ليذلّوهم ويطردوهم ويتخذوا معهم من وسائل الضغط وأساليب الإغراء والرعب ما لا يقرّه خُلُق ليكرهوهم على تبديل دينهم، فَنُغْمِض أعيننا عن جرائمهم هذه في أنحاء الأرض. وإن كنتم في ريب من هذا فاسألوا أهل إفريقيا والمستضعفين فيها.
هذا هو التسامح المطلوب بكل مبرراته ومسمياته وهو أمر مرفوض مردود عليهم أيضاً بقوة وأنفة وازدراء.. وهو إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الغرب ومنه أمريكا قوم لا يؤمَن جانبهم، وقد أصبح الإبقاء عليهم والعيش معهم تماماً كالمقيم وسط أفاعٍ لا يَأْمَن لسعها، أو كالمجاور لنار يتّقى شرها ويستكفى لذعها، ذلك أن العداء المتأصل في قلوبهم للإسلام والمسلمين ما زالت مراجله تغلي في صدورهم؛ رغم التسامح الفعلي الذي أبداه الإسلام معهم ومع جميع الشعوب التي عزَّت بالإسلام. ورغم المعاملة الكريمة التي عومل بها أصحاب الديانات ورغم النهضة العلمية التي ظهرت آثارها في أوروبا بفضل المسلمين وعلومهم ولولاها لما قامت نهضة أوروبا، رغم هذا كله فقد كفروا ما كان من إحساننا لهم وبسطوا لنا أَلْسِنَتَهم وأَقْلامهم وأَدواتِهم بالسوء: يطمسون معالم ثقافتنا وحضارتنا ويُزَوِّرون حقائقها ومحاسنها، ويغيرون على تاريخنا يشبعونه افتراءً وتلفيقاً، يتتبعون عوراته وأخبار السُّقّاط فيه والمجُاّن، يؤلفون فيها الرسالات ويذيعونها، كل ذلك بُغْية تدمير القوى الفكرية في الأمة وإبقاء البلاد بحالةِ تَخَلُّف وضياع، وتواصوا بذلك!! حتى تُحرم الأمة من العلوم والصناعات وخاصة الثقيلة منها، وفوق كل ذلك ومع هذا اللؤم والنكران طالبونا بالتجديد في ديننا والتسامح معهم في تدمير تاريخنا والتطاول على قرآننا!! أَرأيتم أوقح من هؤلاء بشراً وأَجرأ على خوض الباطل منهم؟!
وهل سجل التاريخ جُحوداً ونكران جميل أقبح من هذا؟ لقد علَّمنا رسولنا الكريم صلى اللـه عليه وآله وسلم أن من كتم علماً ألجمه اللـه يوم القيامة بلجام من نار. وعلّمنا ديننا الحنيف أن كتـمـان الشـكر لما وجب من الحق جحود، ودخـولٌ فـي كُـفْـر النعـم، الذي يعاقب اللـه عليه. فماذا علّمتهم الرأسمالية؟! وما الذي توارثوه من قيم وتعاليم؟!
ولكن لا عجب، فهذا هو الغرب وهذه هي خططه وأساليبه وأهدافه، فهل بعد هذا يبقى عذر لأحد إن لم يدرك أن ما أصاب الأمة من هزائم وما هي عليه من تشرذم إن هو إلا نتائج حتمية لتخليها عن إسلامها وسكوتها عن هدم حِصْنِها ومَلاذها: «الخلافة»، وهذه الحال ستلازمها ما لم تُؤْمن مرة أخرى بقـانـون الحركة في التاريخ المحكوم بسنن اللـه ((إن اللـه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
فمن تخلى عن موقعه مرة واحدة هان عليه التخلي عنه مرات ثم يهوي إلى الحضيض، يجثو على ركبتيه!! حتى لم يعد قادراً على التمييز بين المهانة والشهامة، وما يجب أن يؤخذ وما يجب أن يترك.. لقد آن الأوان أن نرفع عن أنفسنا الضيم، ونرفض هذه التبعية واستمراء الذل المهين. إن هذا التقهقر الذي تشهده بلاد الإسلام أمام مروّجي الفتن وعبيد الشهوات والعملاء عارٌ لَحِق هذه الأمة، فأين الحميّة الإسلامية وأين الأَنفة من مجانسة مثل هذه الأمم والتمسح بها والتذلل لها وطلب المغفرة منها! وهي التي غضب اللـه عليها فأذلها وأمرنا أن نحمل الدعوة لها لإنقاذها، فأين العزة التي منحها اللـه لنا؟! وأين ذهب فهمنا لقول الحق تبارك وتعالى: ((كنتم خير أمة أخرجن للناس..)) ((وللـه العزة ولرسوله وللمؤمنين..)) إنه لا يغسل عارهم هذا إلا نهوضنا في وجههم وأخذنا ديننا بقوة ننفض ما علق به من أتربة وعبث السنين فنركز على عقيدتنا لتأخذ مكانها من عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا، ونمحص تاريخنا ونحقق أحداثه بأنفسنا، فنحن أقدر وأجْدَر على فعْل هذا من غيرنا، لتعلو راية الإسلام من جديد ويعود الإسلام عزيزاً بإرادة جبارة، لا مجرد رغبة وشوق وأماني. والسلام على أهل الهدى والرشاد .