‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيمانيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيمانيات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 31 يناير 2013

مع الحديث الشريف


بسم الله الرحمن الرحيم


جاء في صحيح الإمام مسلم في شرح النووي "بتصرف" باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة".

حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير قال يحيى: أخبرنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان قال: سمعت جابرا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".

قوله - صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم الشرك والكفر بالواو. ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة أن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه. ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم.

إن الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي فرض واجبة على كل مسلم عاقل بالغ ذكرا كان أو أنثى، وإن ما نراه اليوم من ترك لها، فهو إما أن يكون كسلا وتهاونا، أو أن يكون إنكارا لوجوبها وجحودا لها، فأما تركها تهاونا وكسلا فهو فسق ومعصية يعاقب تاركها تعزيرا بعقوبة يراها الحاكم والقاضي زاجرة، وأما تركها جحودا وإنكارا فهو كفر وارتداد عن دين الله سبحانه، وهنا يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.

أما الحديث "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" فيحمل على التغليظ الشديد على من ترك الصلاة، فهو مثل ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم:" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فالكفر يُطلق على الخروج من الملة وعلى أفعال محرمة لا تُخرج من الملة، وكلمة " الكفر" الواردة في الحديث تُصرف إلى المعنى اللغوي فقط.

أيها المسلمون: وسواء كان تارك الصلاة فاسقا عاصيا أو كافرا منكرا لها، فإن ما نراه اليوم من أبناء المسلمين من ترك للصلاة، يجعلنا نقف أمام هذا الواقع متسائلين: لماذا يترك أبناؤنا هذه الفريضة؟ وهل كانت الأمة في سالف عهدها تاركة للصلاة كما هي الآن؟ الجواب ببساطة: لا، لم تعهد الأمة هذه الظاهرة من قبل، فقد كانت الصلاة جزءا من مكونات حياتها، ولا حياة لها دون الصلاة، ذلك عندما كان هناك من يرعاها ويأخذ بيدها، ويحاسبها إن قصرت في هذا الركن وغيره، أما وقد تغيرت الحال كما ترون، وأصبحت دولتها دولا، وأصبح حاكمها حكّاما، يأتمرون بأوامر أسيادهم في البيت الأبيض والكرملن وعواصم الكفر لندن وباريس، فإن الأمر اختلف بالكلية، حيث أصبحوا يحاسبون من يصلي لا من يترك الصلاة، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

فيا أيتها الأمة الكريمة، يا من أكرمك الله بهذا الشرف العظيم، " الصلاة" هذا هو أس الداء في حياتك، الحكام الخونة العملاء الذين باعوا أبناءك للأعداء، وحاربوهم باسم الحكم والرعاية، ها هم الحكام اليوم يقتلونهم لأنهم أدركوا هذه الحقيقة، فخرجوا عليهم في ثورات لا تُبقي ولا تذر، يطلبون تحكيم القرآن، فهبي للمشاركة في هذا الفرض العظيم، فرض إسقاط الكفر وأذنابه، والإتيان بحاكم، بخليفة لكل المسلمين، نبايعه على السمع والطاعة، على تطبيق فرض الصلاة، على تطبيق القرآن العظيم.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم آمين آمين.

بقلم: أبو مريم


الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

أثر الروح عند المسلمين وأثر فقدانها في الحضارات الأخرى


بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله الذي أنزل إلينا هذه الحضارة صافية نقية من فوق سبع سماوات فتعرضت لجميع مناحي الحياة فعالجتها، وإلى الإنسان وحاجاته فأشبعتها. الحمد لله الذي عرفنا إلى نفسه من خلال عقيدة عقلية. حكم العقل بصحتها، فبعد أن تتالت النصوص النقلية لتحديد علاقة الخــالق بالمخــلوق، وذلك أن الإنسان وما حوله في هذا الوجود مخلوق لخالق واجب الوجود، واستطاع العقل أن يقف على هذه الحقيقة ويقرها، فكانت الناحية الروحية عند المسلمين جلية واضحة في أبهى صورها، وهي حقيقة راسخة لا ريب فيها، وهي أن الكون وما عليه من إنسان وحياة مخلوق لخالق. فكانت هذه الصلة بين الإنسان وخالقه هي الناحية الروحية عند المسلمين، وكانت هي الأساس الراسخ لإدراك الصلة بالله أنها صلة عبد بمعبود، فكان إيماناً نابعاً عن إدراك، لا إيماناً شعورياً في مهب الريح. 


فإدراك هذه الصلة، أي إدراك كون الأشياء مخلوقة لخالق هو الروح. وأن هذه الروح ليست من الإنسان و لا جزءاً من تركيبه، وإنما من الإدراك نفسه، ومن خلال هذا الإدراك يتقيد المؤمن بكل ما جاء به الوحي من عند الله من أفكار وأحكام طائعاً لله عز وجل وحده لأنه أدرك أنه عبد له وحده. فوجود هذه الروح عند المؤمن يشكل الضابط الأساسي في تقيده بالأحكام الشرعية بشكل ثابت و مستمر، فتجعل سلوكه الدؤوب في إشباع جوعاته سلوكاً منضبطاً بالوازع الداخلي، ومنطلقاً من إيمانه بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء 1] وذلك رغبةً في نيل رضوان الله ودخول جنته وهروباً من عذابه.

فما أعظم هذه الروح عند المؤمنين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن التابعين وغيرهم ممن تربوا في ظل خلافة تنمي عندهم هذه الروح وتحرسها من الضعف والضياع! فقد كان لها الأثر الكبير في بناء شخصيات عظيمة متميزة وبناء مجتمعات راقية يشار لها بالبنان.

وقد أثبت التاريخ الإسلامي على مر العصور أثر هذه الروح في بناء الشخصية الإسلامية المتميزة ذات اللون الواحد والطابع المحدد، وذلك من خلال التزامهم بأوامر الله التزاماً ثابتاً مبنياً على إدراك الصلة بالله عزّ وجل طمعاً بنيل رضوانه سبحانه لا لتحقيق مصلحة دنيوية أو منفعة زائلة، وإنما طاعة لله دون الالتفات إن كان في ذلك ضرر أو نفع، فكان الخير ما أرضى الله والشر ما أسخطه. 

فقد التزم المسلمون بأوامر الله جميعها ولو خالفت أهواءهم، وأقلعوا عن عادات أحبوها وأسرت قلوبهم طوال جاهليتهم؛ فلم يكن ذلك إلا بفضل هذه الروح، فلم يكن الامتناع عن شرب الخمرة مثلاً إلا طاعة لله واستجابة لأوامره، فلم يكن ذلك لمذاق سيئ أو لغلاء سعر أو غيره، وكانت هذه الطاعة مبنية على إدراك الصلة بالله عز وجل، فما أن حرم شربها حتى جرت الخمرة في شوارع المدينة، هكذا كان التزام المسلمين بأوامر الله، وخاصة في زمن الصحابة الكرام وزمن من جاء بعدهم من التابعين، وهكذا يجب أن يكون (إن شاء الله تعالى) التزام الأمة في ظل الخلافة الراشدة القادمة، فتجعل أبناءها متصلين متواصلين مع ربهم، وتكون هذه الروح سبباً أساسياً في بناء شخصياتهم، وقوية حاضرة في كل لحظة من حياتهم، فيتمثل فيهم قوله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام 162].
إن غياب هذه الروح و ضعف الإدراك للصلة بالله عز وجل ولو لفترات بسيطة، تضعف المسلم في تقيده بأوامر الله وتجعله عرضة لحبائل الشيطان وعرضة للزلل؛ لأن هذه الروح ليست جزءاً من تركيب الإنسان أو المسلم وإنما هي طارئة عليه آتية من الإدراك ذاته، ولكن المؤمن الحق سرعان ما يفيء إلى أمر ربه فيجدد هذا الإدراك ويستحضر هذه الروح من جديد، فيرجع إلى إيمانه وتقواه، فها هي الغامدية في لحظة غياب هذه الروح وضعف هذا الإدراك فعلت ما فعلت من معصية، و لكنها عند تفعيل هذا الإدراك، أي تجديد هذه الروح أصرت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطهرها بإقامة حد الرجم عليها، خوفاً من عذاب الله، وقد أصرت على ذلك طيلة ثلاث سنوات، ولم يستطع الشيطان أن يردها عن ذلك، فما أعظم هذه الروح! وما أعظم هذه التقوى! عندما تكون مبنية على إدراك الصلة بالله (عز وجل)، أي مسيرة بهذه الروح!

ولا يغيب عن أذهاننا أثر هذه الروح على ترابط وتراحم المجتمع المسلم، و ذلك من خلال تقيد أبناء هذا المجتمع بالتراحم و التكافل والإيثار وغيره تقيداً دائمياً غير منقطع، ذا وتيرة واحدة طاعة لله وطمعاً بالأجر والثواب من عنده، وذلك أثراً لوجود هذه الروح، فيتسابقون على كفالة اليتيم طمعاً بالأجر والثواب من الله عز وجل لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» (رواه أحمد وأبو داود) وأشار بالسبابة والوسطى، كما ويؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وذلك كما آثر الجرحى في جيش المسلمين كلٌ أخاه على نفسه في شرب الماء، رغم عطشهم حتى استشهدوا جميعاً دون أن يشرب أحد منهم . فكان ذلك أيضاً بفضل وجود هذه الروح العظيمة عندهم، كما أن حرص المسلمين على أن لا يبات جار أو قريب جوعان لأثر لهذه الروح تقيداً منهم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» (رواه أحمد)، وإن وجود هذه الروح يجعل المسلمين في جد واجتهاد وطاعة وانضباط وإخلاص، في كل مجال من مجالات حياتهم ومن ضمنها طاعة الحاكم الذي يحكم بالإسلام حيث طاعته من طاعة الله، فيثمر ذلك في تقدم وازدهار وتطور الدولة والمجتمع؛ ليكون مجتمعاً ربانياً متميزاً يتمثل فيه وصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه مسلم)؟ فكيف ينطبق هذا الوصف على واقعه إن لم تكن هذه الروح موجودة وحاضرة عند أبناء المجتمع المسلم حيث يتقيدون بأحكام الله سراً وعلانية، رغبة في ما عند الله ورجاء رضوانه؟ فكان عزوف المسلمين عن الغيبة والنميمة هو عزوف متصل بهذه الروح، استجابة لأمر الله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [الحجرات 12]، وكان انصراف المسلمون عن النميمة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»، وكان الالتزام بصلة الرحم لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وانتهوا أيضاً عن قذف المحصنات الغافلات خوفاً من الله تعالى لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور 23]، فكل ذلك وغيره كان بفعل هذه الروح التي تجعلهم متصلين مع الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، ولهذا كانت العلاقات التي تربط أفراد المجتمع المسلم علاقات متينة مبنية على أساس واحد وهو خشية الله عز وجل، فكان مجتمعاً راقياً مصطلحاً مع نفسه، صادقاً مع ربه، يحكمه الوازع الداخلي، ويقوم على تقوى الله عز وجل النابعة بشكل مستمر من وجود هذه الروح أي هذا الإدراك القوي المتين. 

لقد كان السواد الأعظم من هذه الأمة يتمتعون بهذه الروح، وعلى هذه الدرجة من التقوى، فقصة بنت بائعة اللبن لأعظم دليل على ذلك، فما أعظم هذه الروح عند هذه المؤمنة البسيطة، فهي من عامة الأمة، ولعلها فقيرة أو يتيمة لكنها كانت بهذه التقوى النابعة من الإدراك المتواصل بخالقها. 

أليس هذا طبيعياً لمن تربى على مائدة الخلافة الراشدة! خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فشاء الله أن يَسمعها سيدنا عمر، عندما قالت مقولتها، فشاع صيتها ووصلنا خبرها، ولكن هناك الكثير الكثير من أبناء ذلك المجتمع الذين هم بنفس الروح والإدراك، ولكن لم يسمعهم ابن الخطاب أو غيره، فلم يصلنا خبرهم، ولكن المقطوع به أن السواد الأعظم من أبناء تلك الأمة كان لديهم نفس الروح، وسيعود ذلك إن شاء الله في ظل الخلافة الإسلامية الراشدة التي تقوي هذه الروح وتحرسها، وتربي أجيالاً على مائدة التقوى، فيظهر عندها رجال أمثال الخلفاء الراشدين وغيرهم، ويكون أفراد المجتمع بسواده الأعظم كبنت بائعة اللبن، مجتمعاً متميزاً يعيش لله ويموت لله.

وقد فرضت الشريعة الإسلامية الكثير من التشريعات بهذا الخصوص، فالتزم بها المسلمون بشكل ثابت بفضل وجود هذه الروح، فكان مجتمعاً متميزاً بعلاقاته وأفراده وحكامه، حيث كان تمثل هذه الروح عند ولاة الأمر كالخلفاء الراشدين واضحاً متميزاً، فلم يكن هناك فرق بين حاكم ومحكوم أمام شرع الله، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يرى الفاحشة بأم عينه فيثور ويغضب لله ولكنه لا يستطيع البوح باسم الفاعل أو عقابه لغياب شهوده الأربع، فكان ذلك التقيد بالحكم الشرعي من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أثراً لوجود هذه الروح، فلم يتجاوز أوامر الله رغم كونه رأس الهرم، كما تجلت هذه الروح العظيمة عند الصحابة بمن فيهم سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وهم يشكلون الوسط السياسي آنذاك، فلم يكونوا أقل التزاماً بأوامر الله من أمير المؤمنين حيث قال له سيدنا علي (رضي الله عنه): «والله لو كشفت الفاعل دون شهود لأقمنا عليك حد القذف يا أمير المؤمنين»، علماً أن الصحابة وعلي بن أبي طالب يعرفون قدر عمر بن الخطاب ويصدقونه، فهو الإمام التقي العادل الورع، ولكن وجود هذه الروح كان سبباً في تقيدهم جميعاً وحرصهم على أوامر الله عز وجل.

فما أروع هذا التقيد بأحكام الله كأثر كبير لوجود هذه الروح عند الحاكم والمحكوم في مجتمع متجانس يُحكم بنفس النظام الذي يؤمن به! فكان هذا التقيد بأحكام الله حامياً للمجتمع من كل سوء، وموفراً للأمة الأمن والأمان بشكل دائم، وما كان ذلك إلا أثراً وثمرة لوجود هذه الروح عند أبناء الأمة الإسلامية، لا فرق بين حاكم ومحكوم، وبهذه الروح تتحقق جميع القيم بالمجتمع الإسلامي بشكل متوازن، فتتحقق القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية وكذلك القيمة المادية.
و تتجلى هذه الروح عند المسلمين حتى في حملهم لدعوة الإسلام، فعندما خرجوا من الجزيرة العربية فاتحين البلاد وحاملين عقيدة الإسلام كانوا مسلحين بهذه الروح متقيدين بأحكام الله، فلم يخرجوا لاستعمار البلاد والعباد أو لنهب خيرات الأمم، وإنما خرجوا حاملين لواء الهداية طاعة لله وأملاً بنيل الشهادة أو النصر. فهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح (رضي الله عنه) يرجع الجزية لأهل حمص وهم نصارى، وذلك عندما اضطر للانسحاب من المدينة تطبيقاً لأحكام الله وبفضل هذه الروح، وقد اعتنق أهل إندونيسيا الإسلام بفضل أخلاق التجار المسلمين، الذين كانوا يرتادون بلادهم، وذلك بسبب تطبيقهم لأحكام الله في تجارتهم بفضل وجود هذه الروح لديهم، فكانت هذه الأخلاق ناتجة من ربط كل سلوك لديهم بعقيدتهم فكان هذا الربط هو الإدراك ذاته والروح عينها.

كما كان وجود هذه الروح عند أبناء الأمة الإسلامية في ظل دولة الإسلام سبباً في بروز العديد من العلماء المسلمين في شتى أنواع العلوم. شرعية كانت أو دنيوية، فلم تكن جهودهم إلا تقرباً من الله عز و جل لا تقرباً من أمراء أو حكام طمعاً بمال أو جاه، بل كان معظمهم يحرص على بعده من الأمراء والمناصب الهامة بالدولة حتى لا يشوب عمله وجهده أي شائبة من عرض الدنيا، بل يريدونها خالصة لوجه الله؛ وذلك لإدراكهم الصلة المستمرة بالله عز وجل. فقد رُوي عن أحد علماء الأمة أن والدته كانت تؤكله بيدها أثناء عمله الدؤوب حرصاً منه على عدم ضياع الوقت، فلو كان عمله من أجل دنيا يصيبها لما كان ذلك الحرص، ولكنهم كانوا لا يرجون في أعمالهم وعلمهم إلا وجه الله، فدل ذلك دون أدنى شك على إدراكهم العظيم الصلة بالله عز وجل، فلم تكن هذه النهضة العلمية في العصور الإسلامية السابقة إلا ثمرة لقوة هذه الروح لدى أبناء الأمة، حيث خاضوا شتى الميادين رابطين علمهم وعملهم بعقيدتهم تقرباً إلى الله، فبرعوا وأنجزوا، و سيعود ذلك قريباً بإذن الله في ظل خلافة راشدة ترعى شؤون الأمة بأوامر الله، وتهيئ كل الظروف للأجيال القادمة التي تنشأ وتتربى على مائدة الولاء والطاعة لله وحده، ويكون إدراكهم للصلة بالله عز وجل، قوياً متواصلاً، فيرهنون حياتهم للإسلام والمسلمين طاعة لله عز وجل، فيعيدون أمجاد أسلافهم في شتى الميادين، نسأل الله أن يكون ذلك قريباً.

كما ساهم وجود هذه الروح لدى المسلمين من حيث التزامهم بأوامر الله عز وجل مساهمة كبيرة في نمو الاقتصاد في الدولة الإسلامية، فشكل ذلك جانباً روحياً فريداً من نوعه في الاقتصاد الإسلامي حيث تفتقر إلى ذلك كافة الأنظمة الاقتصادية في العالم على مر التاريخ، فقد كان لتحريم كنز المال وتقيد المسلمين بذلك دون رقيب سوى الله عز وجل الأثر الكبير في اقتصاد الدولة الإسلامية، حيث كانت أموال الأمة في استثمار مستمر؛ فساعد ذلك كثيراً في عدم ظهور البطالة لتوفر فرص العمل في الدولة، كما حد ذلك من الحاجة والعوز، فما كان ذلك الالتزام إلا طاعة لله عز وجل وخوفاً من معصيته كأثر واضح لقوة هذه الروح لديهم. كما كان لالتزام المسلمين بالعبادات المالية الواجبة منها والمندوبة، سراً وعلانية، طاعة لله وتقرباً منه، أثر عظيم لتواصل إدراكهم لصلتهم بالله عز وجل، فتنافس المسلمون في ذلك للحصول على الأجر والثواب أضعافاً مضاعفة، إيماناً بقوله عز وجل: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 261]، ولم يكن هذا إلا للتقيد بشرع الله ولم يكن هذا الإنفاق نفاقاً أو رغبة في سمعة أو جاه، ولكن كان أكيداً بفضل هذه الروح، فتمثل قوله عز وجل في نفوسهم وسلوكهم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [البقرة 264]، ألم ينفق سيدنا عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) قافلة ضخمة طاعة لله وتقرباً من الله عز وجل ورغبة بدخول الجنة رغم أنه من المبشرين بالجنة، فلم تكن هذه البشرى من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مدعاة للتقاعس، فمن أدرك هذه الصلة بالله عز وجل ووجدت عنده هذه الروح لا يسعه إلا أن يبذل الغالي والنفيس، ابتغاء مرضاة الله، فلم يكن هذا الصحابي الجليل ليطمع في سمعة أو جاه، و إنما كانت تجارة مع الله، وما أجملها، وما أسماها من روح! فكيف يكون هناك فقر أو عوز وأبناء هذه الأمة يتحلون بهذه الروح العظيمة وهذا الإيمان الراسخ! يتقون الله ولو بشق تمرة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (البخاري ومسلم)، حتى أصبح الإنفاق في سبيل الله عند أبناء هذه الأمة سجية لا حدود لها.

وهذا سيدنا عثمان بن عفان يجهز جيش العسرة على نفقته الخاصة، ويشتري بئر رومة من يهود المدينة المنورة بعشرين ألف درهم، و يسبلها ليشرب المسلمون منها بلا مقابل طلباً للأجر والثواب من الله عز وجل، ورغبة في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فما كان ذلك ليكون لولا هذه الروح. ويضع سيدنا أبو بكر الصديق ماله كله في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبإيمان راسخ مبني على إدراك وثقة بالله عز وجل يقول رداً على سؤال الحبيب (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَاذَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فيقول أبقيت لهم اللهَ ورسولَه، فلم يكن وجود هذه الروح لديهم لتجعلهم يخشون فقراً أو فاقة إيماناً بقوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 268] فكانوا بفضل هذه الروح كالريح المرسلة، هكذا كان وسيكون أبناء هذه الأمة بسبب هذا الإدراك، أي بسبب هذه الروح العظيمة.

إن هذه الأمة غنية ليس فقط لوفرة مواردها الطبيعية، وإنما أيضاً بتوفر هذه النفسيات العظيمة الملتزمة بشرع الله، كثمرة لوجود هذه الروح التي تجعل تقيدهم بشرع الله تقيداً ثابتاً دون حاجة لأي رقابة بشرية، وإنما بالوازع الداخلي المتمثل برقابة الله؛ فكان ذلك المحرك والمسير لهذا الالتزام.

ولا شك أن الشريعة الإسلامية زاخرة بالتشريعات التي يشكل التزام المسلمين بها إيماناً واحتساباً هذا الجانب الروحي في اقتصاد المسلمين، فنبذ المسلمون على سبيل المثال التعامل بالربا خوفاً من غضب الله وسخطه وتعاملوا بالقرض الحسن، وابتعدوا عن الاحتكار وغيرها من التشريعات، كما شكل هذا الالتزام بهذه التشريعات مع وجود هذه الروح الجانب الروحي في كل مجالات حياتهم. 

نعم؛ إن التشريعات الإسلامية تشريعات سماوية من لدن عليم خبير، ولكن لو طبقت هذه التشريعات نفاقاً دون وجود هذه الروح لما أثمرت في الفرد ولا في المجتمع، لأنه لن يربط عندها السلوك بالعقيدة. وكذلك لو طبقت هذه التشريعات في أنظمة أخرى منفصلة عن عقيدتها لما أثمرت ولما تشكل هذا الجانب الروحي لغياب الروح عند تطبيقها. ولذلك فإن العبرة ليست في نوع التشريع فحسب، وإنما أيضاً بوجود الروح عند الالتزام بها حيث يكون هذا الالتزام طاعة لأوامر الله، ورغبة بنوال رضوانه لا نفاقاً أو جرياً وراء منفعة، وعندها يكون لهذا الالتزام ثمرة في جميع مناحي الحياة بفضل هذه الروح.

إنه لشرف عظيم لأبناء هذه الأمة المخلصين أن يهبوا لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الإسلام استجابة لأوامر الله، فتعيد الأمة الإسلامية لسابق عهدها لتنهض بها وتكون قدوة لباقي الأمم، فتخلصهم من الكفر والضلال، لاسيما وأن بني الإنسان يعيشون في هذا الزمان في ظل فكرة فاسدة ألقت بظلال فسادها على البشرية كلها، فطال ذلك كل شيء في حياتها حتى الحجر والشجر، فلم تُبقِ ولم تذرْ، إنها الرأسمالية الكافرة الفاجرة، التي أفسدت حياة البشر، وأفسدت فطرة الإنسان وانحرفت بها عن جادة الصواب، حيث تحمل فسادها في ثنايا عقيدتها ونظامها ومقياس أعمالها، فكان من فساد عقيدتها بأنها لم تحدد علاقة الإنسان بخالقه، ولم تقف من هذه المسألة موقفاً جاداً لتقرر أن لهذا الإنسان خالقاً واجب الوجود، بل كان موقفاً هامشياً. فكانت الناحية الروحية عندهم، أي كون الإنسان وما حوله في هذا الوجود مخلوقاً لخالق، قضية فردية يعتقدها من يشاء وينكرها من يشاء، فبقيت الناحية الروحية قائمة على إحساس غريزي وليس على أساس فكري قائم على إدراك العقل لها والتدليل عليها والوقوف على حقيقتها، فكان التقديس عند أفرادهم ناتجاً عن إحساس غريزي بحت، فلا يوجد للعقل أي وجود، بل يستبعد العقل والإدراك، فكان هذا التقديس ليس إيماناً ولا ناتجاً عن إيمان، وإنما هو ضلال وكفر، وهو ليس عبادة لله، و إن توجه فيه صاحبه لله أو لفكرة الألوهية.

وبهذا يكون هذا النظام قد فقد إدراك الصلة بالله، أي فقد أفراده الروح في أعمالهم، لاسيما وأنهم استبعدوا حق الله في التشريع، وسيَّروا حياتهم حسب تشريع البشر؛ فكان العقل هو المشرع الوحيد عندهم، فلم يعد هناك أي روح في أفعالهم، ولم يعد هناك أي اعتبار لمرضاة الله، وانطلقوا في إشباع جوعاتهم من إملاءات غرائزهم دون أي وازع داخلي، فلم يعد هناك روح لربط سلوكياتهم بها حتى يكون لها أثر في بناء أفرادهم ومجتمعاتهم، بل أصبحت أعمالهم تربط بالمصالح والمنافع التي تحقق لهم إشباع جوعاتهم كيفما شاءوا، فأصبحت المنفعة مقياس أعمالهم، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المتع الجسدية هي السعادة بأعينهم، فأصبحوا كالأنعام يعيشون لشهواتهم بلا قيود، فسيطرت على مجتمعاتهم القيمة المادية وما نتج عنها من أنانية وجشع، فانعكس ذلك كله على نفسياتهم الخالية من الروحانية؛ فأحسوا بالشقاء وعدم الطمأنينة؛ فكثرت عندهم حالات اليأس والانتحار والأمراض النفسية، وضعفت عندهم مظاهر الأبوة والأمومة، فلم يعد تكوين الأسرة أمراً هاماً في حياتهم، وإن وجدت فهي أسر متفككة، كما انعكس ذلك أيضاً على المجتمع و أفراده، حيث أصبحت مجتمعاتهم متفككة لا ترابط بين أفرادها، و لا يلمس بها أي تراحم أو تكافل، فتلاشت منها القيمة الروحية والإنسانية حتى إن القيمة الخلقية أصبحت تحكمها المنفعة والمصلحة. ونتيجة لغياب هذه الروح وإشباعهم لغرائزهم البهيمية دون أية ضوابط انتشرت في مجتمعاتهم العلاقات غير الشرعية، فاختلطت الأنساب وامتلأت ملاجئهم باللقطاء، وتفشت بينهم الأمراض المعضلة، فكان ذلك عبئاً كبيراً على الدولة واقتصادها.

كما أن جشع هذه الدول واضح للعيان، ودليل على غياب الروح في علاقاتهم مع الأمم الأخرى، فهي قائمة على الاستعمار والاستغلال ونهب الثروات لتوفر لشعوبها رغد العيش على حساب الآخرين دون أي رادع. فأين هذا من الروح التي تمثلت في المسلمين عند فتوحهم للبلاد الأخرى، حيث لم يكن ذلك طمعاً بسيادة أو نهباً لثروة وإنما طاعة لله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟!

هذا هو حال الأنظمة الرأسمالية ومجتمعاتهما، ولا يسمح المقام للإسهاب في وصف شقائهم. ويكفي ما قال رب العزة عنهم وعن أمثالهم: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه 124]، فبئست العقيدة تلك، التي جرت الشقاء والويلات لمجتمعاتهم ومجتمعات الأرض كافة.

ولكن المحزن المؤسف أن نرى هذا الداء قد انتقلت عدواه إلى مجتمعاتنا؛ فغابت هذه الروح عند أبناء هذه الأمة وهم لا يزالون يعتقدون العقيدة الإسلامية، فضعف أو حتى انعدم إدراك الصلة بالله عز وجل، في معاملاتهم اليومية وفي مواقفهم تجاه قضاياهم، فلم تعد هذه الروح سمة واضحة في سلوكهم وتصرفاتهم، ولم يعد لها دور في العلاقات الاجتماعية. فقد نرى كثيراً من أبناء هذه الأمة يطبقون بعض الأحكام الشرعية دون ربط مع هذه الروح، أي دون إدراك الصلة بالله، وإنما عادة اعتادوها أو جرياً وراء مصلحة أو منفعة أو لاعتبارات أخرى، وقد غاب عن أذهانهم أن الأصل في التقيد والالتزام أن يكون طاعة لله أولاً وأخيراً، ورغبة في نوال رضوانه. ألا يعلم المسلمون أنه لا بد من التقيد بأحكام الله كأحكام شرعية منبثقة عن عقيدتهم! وأن يكون هذا التقيد طاعة لله دون أي اعتبار آخر، لقد غاب عنهم للأسف هذا الربط بالأساس الذي يأمر به الإسلام والذي بني كل من الفرد والأمة عليه. فمن لهذه الأمة سوى حملة دعوة تحمل ثقافة راقية خالصة من كل شائبة، وتنشر عقيدة عقلية وتدرك الصلة بالله، وتسير بفكر مستنير؟!

ولهذا، لا بد من وجود هذه الروح في حلنا وترحالنا، ليلنا و نهارنا، سرنا وعلانيتنا، ألسنا الأجدر والأولى أن تتمثل فينا هذه الروح وهذا الإدراك بعد كل هذه الثقافة الإسلامية النقية؟ فمن كان مسلماً فعليه أن يكون حامل دعوة بطبيعته مدركاً للصلة بالله عز وجل، فهذه أمور متلازمة وبها تقوم حجته على غيره. فلا بد أن تكون الهمم على هذا المستوى حتى نكون أهلاً لنصر الله، ونكون قادة لهذه الأمة، فإن الله لا ينصر أصحاب الهمم و النفسيات الضعيفة، فلا بد من ملازمة هذه الروح، وعندها يكون المسلمون وبخاصة حملة الدعوة منهم كبائع المسك، لا تفوح منهم إلا هذه الأفكار وتلك المفاهيم قولاً وسلوكاً، بناء على إدراك الصلة بالله عز وجل، فيكونون بذلك شامة بين الناس، ويكسبون ثقتهم، ولا يحق لهم النفخ في الكير ولو نفخة واحدة، فإنها لا تحرق الثياب فحسب وإنما تؤذي المحيطين بها أيضاً، وليعلم المسلمون أنهم ليسوا أحراراً ولا ملكاً لأنفسهم لأنهم أقروا بالعبودية لله عز وجل، كما أنهم قد خلعوا عباءة الحرية بالمفهوم الغربي على أعتاب هذا الدين بمجرد إدلاء شهادة أن (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فحذار أن يصدر منا، نحن حملة الدعوة، أي تحكم للمنفعة، أو العلاقات المصلحية في تصرفاتنا أو دعوتنا، أو أن تثور فينا مفاهيم الأعماق المهجورة المرفوضة لأي سبب من الأسباب، بل يحرص على التقيد بالحكم الشرعي ويحرص على عدم التجاوز له، فإن أحسنّا كان ذلك رصيداً مطلوباً لتحقيق الغاية، وإن أسأنا أسأنا لأنفسنا وللإسلام وعصينا الله عز وجل وحملنا وزراً عظيماً، فإن وزر من يعلم ليس كوزر من لا يعلم.

إننا قد خلقنا في زمن غاب فيه حكم الله في الأرض، لغياب الخلافة الإسلامية، وإننا لا شك نعاني الكثير من جراء ذلك، ولكن أيضاً فرصتنا لنعمل في صفوف هذه الدعوة بجد واجتهاد، دون ملل أو كلل، لتحكيم شرع الله في الأرض، فنفوز برضوان الله ومغفرته وجنة عرضها السماوات والأرض، فلا نضيع هذه الفرصة.
ألا نرضى أن يتمثل فينا قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الحديد 10]، ولذلك لا عذر لنا في تقاعس أو فتور همة، ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يَا حَارِثَه، عَرَفْتَ فَالْزَمْ» إننا والله قد عرفنا فهل التزمنا؟
 
فلنتق الله في أنفسنا وفي هذه الدعوة، وليراجع كل منا نفسه، فيجدد الهمم ويفعِّل إدراك الصلة بالله عز وجل، ويعقد العزم على نصرة هذا الدين.
ثبتنا الله وإياكم، وتقبل جهودكم، وسدد خطاكم، وجعل النصر قريباً على أيدي العاملين الواعين المخلصين بإقامة الخلافة الراشدة، إنه على كل شيء قدير 
وبالإجابة جدير.

المصدر: مجلة الوعي

الخميس، 13 يناير 2011

فريضة الحج دلالات و عبر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحج ركن من أركان هذا الدين العظيم، انبثق من عقيدته الراسخة السامية المتصلة بخالق السماوات والأرض، قال عليه الصلاة والسلام: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (متفق عليه).

ففي هذه الأيام العظيمة المباركة من شهر ذي الحجّة من كل عام، تتوجه قلوب المسلمين وعقولهم، ويتوافدون من كل فج عميق آمين بيت الله الحرام ومناسك الحج؛ قربة إلى الله العلي العظيم؛ معظمين شعائره،ذاكرين اسمه في أيام معدودات، ملبّين ومكبرين بصوت واحد نابع من قلب إيماني واحد: «لبيّك اللهم لبيّك، لبيّك لا شريك لك لبيّك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» و«الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد...» يلبسون ثياب الإحرام بيضاء ناصعة، نقيةً من أي دنس، ويسيرون في موكب واحد يؤدّون المناسك حول البيت وفي المسعى وفي عرفة ومزدلفة ومنى!!...

وفي هذا الموضوع لا نريد أن نفصّل في موضوع الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الفريضة من حيث الأعمال والأقوال والمناسك وشروط الاستطاعة وغير ذلك من أحكام، إنما نريد أن نقف على بعض الدلالات والعبر التي تنمّي وتعزّز الجانب النفسي، والجانب الدعوي عند حامل الدعوة من أجل التغيير .

وسنتناول هذا الموضوع بإذنه تعالى من عدة زوايا؛ الأولى: الرحمة الإلهية في موضوع التوبة النصوح وارتباط ذلك بنسك الحج. الثانية: معاني عظيمة في مناسك الحجّ. الثالثة: فوائد عظيمة في رحلة الحجّ. ومنها أن فريضة الحج تذكر المسلمين بفريضة الخلافة.

أما الزاوية الأولى وهي: (الرحمة الإلهية الواسعة، وقبول التوبة من عباده المؤمنين)؛ فإن الله عز وجلّ جعل من أسمائه الحسنى وصفاته العليا (الرحمن الرحيم)؛ قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف 156]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم)، وهو التواب الرحيم؛ يحبّ العبد التائب إليه من ذنوبه ومعاصيه، قال عليه الصلاة والسلام: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (رواه مسلم)، وقال أيضاً: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (رواه مسلم).
وقال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي وصححه) وفي حديث آخر: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (صحيح مسلم).
وقد جعل الحق تعالى الحج موسماً عظيماً للتوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى؛ فجعل الحج المبرور مكفراً للذنوب والخطايا، يرجع منه المسلم كيوم ولدته أمه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «... وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (رواه البخاري)، وقال: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رواه أحمد).

فالمسلم الذي يعزم على الحج يعزم على التوبة النصوح أولاً فيُقبل على الله عز وجل بقلب منفتح، راغباً إليه سبحانه، وراغباً عمّن سواه من كل مظاهر الدنيا وزينتها وبهرجها، راجياً عفوه وصفحه سبحانه وتعالى، وآملاً في قبوله في عباده المؤمنين الصالحين، وفي نفس الوقت عاقداً العزم على ترك كل الذنوب والخطايا بكافة أشكالها وألوانها؛ سواء أكانت فعل المحرمات، أم التقصير في الواجبات والفرائض!! ..

والمسلم الذي يعزم أداء هذه الفريضة العظيمة يبرئ ذمته من حقوق العباد قبل أن يضع رجله في الراحلة قاصداً بيت الله عز وجل، لأن حقوق العباد لا تسقط إلا بالمسامحة أو بالأداء، وبغير ذلك تبقى معلقةً في الذمة، وتُدخل صاحبها نار جهنم والعياذ بالله لأنها من الكبائر، قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء 31] وليست الكبائر كما يتصور البعض من المسلمين السبع الموبقات فقط وهي ما وردت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (رواه مسلم) فهذه هي أكبر الكبائر وليست جميع الكبائر. قال الإمام الشوكاني في تفسيره: أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب». (فتح القدير1/458).

فكم من مسلم يؤدي فريضة الحج ولا يدفعه أداء هذا النسك العظيم لأداء حق الله في إدراك ما قصر به من واجبات تجاه دينه وأمته، وهو يدرك ويعلم أنه واجب شرعي في رقبته!! وكم من مسلم يطوف ويسعى ويرفع كفيه للسماء وهو ظالم لحقوق العباد، ولا يحرك الحج شعوره نحو ذلك!!.. فمثل هؤلاء وأولئك لا يرجعون كيوم ولدتهم أمهاتهم، وإن كان قد أسقط فريضة الحج من عنقه، ولم يؤدِّ حجاً مبروراً كما ورد في الحديث، لأن الحج المبرور هو الذي يؤثر في صاحبه فينقّي نفسيته من طاعة الشيطان، ويدفعها نحو طاعة الرحمن في كل ما أمر، واجتناب كل ما نهى عنه وزجر ..
فالمسلم الذي يريد حجاً مبروراً بحقٍّ وحقيقة، ويريد أن يعود كيوم ولدته أمه أو كالثوب الأبيض الخالي من أي دنس، فإن عليه أولاً أن يعزم على أداء حق الله وحق الناس، وأن يقبل على الله بقلب سليم، ويتوب عما سلف توبة نصوحاً غير آسف على دنيا فانية أو متاع زائل أخذه بغير حقه، ويبحث عن الواجبات الشرعية التي قصر فيها وخاصّة ما يتعلق بأمة الإسلام، وإعادة الحكم بما أنزل الله تعالى، لأنه أوجب الواجبات ويترتب على تركه أو التقصير فيه إثم عظيم!

أما الزاوية الثانية في هذا الموضوع فهي: (المعاني العظيمة التي يتعلمها المسلم أثناء رحلة الحج في المناسك)؛ وأول هذه المعاني العظيمة ما يتعلق بالطواف بالبيت الحرام، حيث يتذكر المسلم عظمة الله عز وجل، لأن هذا البيت هو بيت الله في الأرض، وقد بنته الملائكة، وهو أول بيت وضع للناس كما ورد في قوله عز وجل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران 96-97].

فعندما ينظر المسلم إلى هذا البيت ويرى كيف يطوف الناس حوله، مع أنه حجارة صماء لا تضر ولا تنفع، يتذكّر كيف تطوف ملائكة السماء بالبيت المعمور وتطوف بالعرش، فيستشعر المسلم عظمة الخالق جلّ جلاله، ويستشعر معنى الطاعة والانقياد له سبحانه ويتذكر كيف أن الملائكة العظيمة تهلّل وتسبح بحمده سبحانه ليل نهار لا تفتر أبداً، وهي تطوف بالعرش الكريم!!..

ومن المعاني العظيمة في الطواف اجتماع قلوب المسلمين من كل لون وجنس على هذا النسك في دائرة واحدة، في مكان واحد يردّدون نفس الكلمات والمعاني؛ في تمجيد الله عز وجل، وهذا مدعاةٌ لتذكّر معنى وحدة الأمة رغم كلّ دعوات الفرقة والتفريق التي تصيبها.

ومن معاني الطواف أيضاً تذكّر معنى الذنوب، وما تفعله في القلوب وذلك عندما ينظر إلى الحجر الأسود (الأسعد) ويتذكّر قصة هذا الحجر وكيف سوَّدته ذنوب العبادْ بعد أن نزل من الجنة أبيض من اللبن الصافي، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)، ويتذكر أيضاً أن الذنوب تسوّد قلب الإنسان كما سودت الحجر الأسود؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ، (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)» (أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح).

ومن معاني الطواف كذلك النظر إلى المسلمين وقد تجرّدوا من كل شيء من زينة الدنيا، وصاروا بلونٍ واحدٍ، وبلباسٍ واحدٍ هو لباس الإحرام، لا فرق بين عجمي أو عربي ولا بين فقير أو غني.. الجميع حالهم واحدٌ في ظلّ رحمة الله تعالى وعبادته!!..

أما السعي بين الصفا والمروة فإن فيه معاني عظيمة وذلك بتذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع زوجته هاجر وولده إسماعيل، وكيف أحضرهما إلى هذه البقعة الخالية من أي أثرٍ للحياة؛ وذلك امتثالاً لأمر ربه عز وجلّ!، وكيف أن هاجر عليها السلام قد اطمأنت إلى أمر الله وذلك عندما أراد إبراهيم الرجوع وقد وضع معهما قليلاً من الزاد والماء، فقالت: إلى أين يا إبراهيم؟ قال: إني عائد يا هاجر!!، فقالت وإلى من تتركنا في هذه البقعة القفراء يا إبراهيم؟؟!، قال: إن الله معكما يحفظكما ويرعاكما، وهو خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بكما مني!! قالت: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟! قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا الله. اذهب يا إبراهيم في رعاية الله وحفظه!..
أما المعنى الثاني في هذا المسعى فهو: شفقة الأمّ على ولدها، وسعيها بين الصفا والمروة لإنقاذ طفلها من الهلاك، وهذا فيه تذكيرٌ بحقيقة شفقة الأم على ولدها، وتعلق قلبها به، ومدعاة لتذكّر معنى البرّ لهذه الأم التي تضحي من أجل إنقاذ ابنها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (رواه مسلم)... وقال عليه الصلاة والسلام: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم). والمعنى الثالث هو رحمة الله عز وجل بالناس في تفجير الماء من بين قدمي إسماعيل عليه السلام، وإنقاذ حياته وحياة أمه في معيّته!... فماذا كان سيحصل لهاجر ولإسماعيل لو لم يفجّر الله عز وجل الماء من هذه البقعة القفراء؟!

وفي هذا أيضاً تذكّر لمعنى الرحمة الإلهية بهذا الولد الصغير؛ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (رواه مسلم).
أما الوقوف بعرفة فإن فيه معاني عظيمة أيضاً تتمثل أولاً في تذكّر معاني المحشر والمنشر حين يقف الناس في صعيد واحد بين يديه سبحانه ينتظرون الحساب، ويتذكر المسلم أيضاً معاني الوحدة لهذه الأمة التي يحاول حكام المسلمين تفريقها حتى في هذا المكان بتخصيص مكان لكل دولة على حدة، لا تختلط مع الآخرين!!..، والأصل أن يختلط المسلمون جميعاً عرباً وعجماً ليعرفوا أنهم أمة واحدة من دون الناس، ويسمعوا همومهم وقضاياهم والمخاطر التي تحيط بهم كأمة واحدة، ويتشاوروا في كيفية حلّ هذه القضايا.. فالأصل في المسلم في هذا النسك العظيم أن يختلط مع المسلمين ولا ينحصر في خيمة واحدة كما يريد له الحكام المجرمون.

ومن المناسك أيضاً رمي الجمار في ثلاثة مواضع: العقبة الصغرى، والوسطى، والكبرى، وأن لهذا النسك دلالات ومعاني عظيمة في إعلان الحرب على الشيطان بعد أن أدى المسلم أغلب مناسك الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة ومزدلفة؛ وأول هذه المعاني هو: عصيان الشيطان، وإعلان الحرب عليه وعلى أتباعه وأشياعه من بني البشر، مستعيناً بالله عز وجل، حيث يقول المسلم عند كل جمرة يرميها: بسم الله؛ أي أستعين بالله عزّ وجل في هذه الحرب ومعصية الشيطان، والله أكبر ؛ أي أكبر منك أيها الشيطان، وقادر عليك وعلى أشياعك وأتباعك من الإنس والجن!!..

وأثناء هذا العمل العظيم يتذكر المسلم تضحية إبراهيم عليه السلام بفلذة كبده إسماعيل عندما أخذه ليذبحه في هذا المكان، وكيف تصدّى له الشيطان، وحاول صدّه عن هذه الطاعة الكبرى، فتصدّى إبراهيم له بالحجارة يرجمه في كل مرة عند موضع الجمرات الثلاث، وبعد ذلك أنعم الله عزّ وجل على ذريته من بعده، وعلى البشرية جميعاً بالفداء العظيم بدل إسماعيل عليه السلام ، وظلت هذه السنّة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي شعيرة الأضحية والنحر في يوم العيد (عيد الأضحى).

الزاوية الثالثة في هذا الموضوع هي فوائد عظيمة في رحلة الحج هذه:
ومن هذه الفوائد العظيمة:
1- فريضة الحج تذكر المسلمين على وجه الأرض بفرضية الخلافة الإسلامية وفرضية العمل لها، فعندما ينظر المسلم ويرى هذه الجموع من المسلمين ويتفكر في حالها؛ كيف فرّقها الكفار إلى أعراق ودول، وأنسوها أنها أمة واحدة من دون الناس بأمر المولى عز وجل في قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء 92]، وبعمل رسولها عليه الصلاة والسلام استجابة لمعنى هذه الآية؛ حيث وحّدها في دولة واحدة في المدينة المنورة، وقال وهو يكتب وثيقة المدينة ( الموادعة): «أمتي أمة واحدة من دون الناس». وقال : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ويرد عليهم أقصاهم. وهم يَدٌ على من سواهم. ألا، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عَهْد في عهده» (رواه أبو داود والنسائي).
فالذي أوصل الإسلام إلى كل هذه الشعوب؛ من الأتراك والفرس والأفارقة والمغول والأوروبيين، وغير ذلك من أجناسٍ وألوانٍ شتّى هي دولة الإسلام، وجيوش الفتح التي انطلقت من عقر هذه الدولة ترفع راية الإسلام، وشعار الله أكبر، فأصبحت كل هذه الأعراق في ظل دولة واحدة؛ من غانا جنوباً إلى فرغانا شمالاً، ومن جاكرتا شرقاً إلى طنجة على المحيط الأطلسي غرباً، ثم تفرقت هذه الدول كما كانت قبل الإسلام، وتبعثرت إلى دول ودويلات في ظل غياب دولة الإسلام، على أيدي أعداء الأمة من الكفار الغربيين والشرقيين!!
فالخلافة فرض تقوم به كل الفروض على وجه الأرض بما فيها فرضية الحج هذه التي يؤديها المسلمون من كل حدب وصوب من أقطار المعمورة. فالأصل في هذه الفريضة أن تُؤدّى في ظل خليفة المسلمين كما كان يحصل في عهد الخلفاء الراشدين، حيث كان الخليفة هو أمير الحج بنفسه في أغلب الأحيان، أو يبعث أميراً نائباً عنه اسمه (أمير الحجّ)!!

ولو ألقينا نظرة سريعة على أعداد المسلمين المحرومين من أداء هذه الفريضة لرأينا أنهم بالملايين، ومنهم من يموت وفي نفسه شوقٌ لأداء هذا الفرض العظيم، ولم يستطع إلى ذلك سبيلاً بسبب العراقيل والموانع السياسية التي يضعها الحكام أمامهم!!.
وهذا يذكر المسلمين بمعنى قوله عز وجل: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج 41]. فحتّى العبادات بمفهوم هذه الآية ومنطوقها تحتاج إلى دولة ومكنةٍ وقوة، وبغير ذلك لا يمكن تطبيقها ولا أداؤها أداءً كاملاً .

2- الحج يعلّم المسلم دروساً في البذل والتضحية والصبر وهو نوع من أنواع مجاهدة النفس، وقد ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه جهاد المرأة، لأن فيه تحمل مشاق كثيرة !! فالمسلم يبذل من خاصّة ماله في الراحلة وفي النفقة ذهاباً وإياباً وفي مناسك الحجّ، ويضحّي بوقته وعمله، ويفارق أهله وولده ودياره من أجل عبادة الله وإرضائه عز وجلّ، ويتعلم في رحلة الحج دروساً في مجابهة الصعاب والصبر عليها، لأن هذه الرحلة شاقّة وطويلة وخاصة لأغلب المسلمين ممّن يفدون على الرحمن من مناطق بعيدة مثل باكستان والهند وإندونيسيا وجمهوريات روسيا، وغيرها من مناطق بعيدة وفقيرة في نفس الوقت.
وهذا الدرس في البذل والتضحية والصبر ينفع المسلم في أداء الواجبات الشرعية الأخرى؛ فإذا كان بخيلاً مثلاً في أداء الزكاة تصبح عنده القوّة والجرأة والتضحية لإخراج الزكاة؛ لأن نفسيته قد تمرّنت على التضحية والبذل، وإن كان جباناً لا يقوى على مفارقة الأهل للجهاد، فإن نفسيته قد تدرّبت على ذلك، فيخرج مجاهداً غير آبه بالصعاب والعقبات.
3- الحج رحلة إيمانية عظيمة تشحن صاحبها بالتقوى، والعزيمة على عدم الرجوع إلى الذنوب بعد أن حباه الله بالخلاص منها. لذلك خاطب الحق تعالى الحاجّ العائد إلى موطنه بعد رحلة الحج بقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) [البقرة 200] أي فليكن الله في قلوبكم بعد الحج كما كان في قلوبكم في المناسك، وعظّموه في جميع الأحكام كما عظمتموه في المناسك.. وهذا هو حال العبادات جميعاً، ففي الصيام قال الحق تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة 183]، وفي الزكاة قال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة 103]. وفي الصلاة قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة 153] وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت 45].
فكثير من الناس ينشرح صدره ويعود إلى رشده بعد هذه الرحلة العظيمة وقد تحقّق منها الخير الكثير له بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.
نسأله تعالى أن يكرم الحجيج بحجّ مبرور وأن يعيدهم إلى ديارهم مغفوراً لهم كيوم ولدتهم أمهاتهم..
كما نسأله تعالى أن يكرم أمة الإسلام بخليفة يجمع شملها عرباً وعجماً في خلافة راشدة على منهاج النبوة إنه سميع قريب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر : مجلة الوعي

الأحد، 12 سبتمبر 2010

الفرد والمجتمع تميزّ وسعادة


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الطريقة الخاصة بالمجتمع المسلم هي التي تضفي عليه صبغة هذا المجتمع ذو الطراز المتميز على هذا الفرد فيصبغ هذا الفرد بصبغة هذا الدين وصدق الله العظيم {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} البقرة138، فالصبغ المادي هو الذي يُلون الثياب بلونه وكذلك الدين صبغة، لان هيئته تظهر بالمشاهدة من اثر الطهارةِ والصلاة والصوم والحج والزكاه وغيرها في قوله تعالى {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم} الفتح29، فكان هذا الايمان الذي يحمله المسلم هو صبغة الله تعالى ليبين ان المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله لعباده وبين الدين الذي اختاره المبطل، ظاهرةٌ جلية كما تظهر المباينة بين الاصباغ لذي الحس السليـم الـذي يميز بين الصبغ الابيض والصبغ الاسـود.وصدق الله العظيم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الروم30، فالشرع يحافظ على كرامة الفرد ولا يمتهنها حتى يبقى الفرد واثقاً بنفسه من انه مكون اساسي ومهم وله اعتباره ومجاله الذي يُحترم من قبل المجتمع من ناحية عزته وكرامته.

ان الايمان حين يلامس شغاف القلب يرق هذا القلب رقة تؤثر في الجوارح تأثيراً مباشراً في قوله تعالى{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر23، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (الايمان ما وقر في القلب وصدقه العمل) فكان الانسجام والتناسق بين الاعتقاد وبين التصرف حاصل لا تعارض فيه ولا اختلاف وهذا الامر لا يوجد الا عند المؤمن فلا يحمل المؤمن الضدين بين اعتقاده وتصرفه وهذا هو المقصود بالتميز.

اما على مستوى المجتمع المسلم فإننا وكما نعلم ان المجتمع يتكون من افراد وافكار ومشاعر واحاسيس ونظام وهنا ايضاً تميز آخر في هذا المجتمع فكما ان الفرد المسلم يتميز عن غيره فكذلك المجتمع اذ لا تناقض ولا اختلاف ولا انحراف بين مكوناته فالنظام ايضا يصبغ المجتمع بصبغته، وهذا النظام من عند الله عز وجل وهذه القوانين ان شئت تسميتها فانها احكام شرعية نلتزم بها ونستقبلها ونتعاطى معها كما نتعاطى مع الصوم والحج وصدق الله العظيم {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} النساء82.

إن الاحكام الشرعية قد جاءت للعلاج وليس للتطبيب والفرق واضح بيّـن، فالعلاج: هـو الطريقة الشرعية للتعاطي مع كل امر او كل مشكلة ويؤخذ بالتسليم المطلق {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} الإسراء82، وأما التطبيب فإنه يخضع للتجربة ولنظرية الاحتمالات فقد ينجح ويحصل الشفاء وقد لا ينجح وهذا هو الفرق بين نظام انزله الله ونظامٍ وضعه البشر فلا يُسمع قول القائل بالتجربة الاسلامية واطلاقها كمفهوم فالاسلام لا يخضع للتجربه.

ان نظام الاسلام وأحكامه التي تضبط المجتمع وتصبغه لا تخضع للتخمين بل هي التي عينها الله عز وجل وهي السبيل القويم الموصل حتماً لنوال رضوانه في الآخره وللسعادة في هذه الدنيا في قوله تعالى{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الإسراء9، على عكس النظم والقوانين التي يفهمها البشر فما كان صالحا منها ليوم في نظرهم غير صالح في يومٍ آخر وما هو عدل بالنسبة للبعض هو ظلم بالنسبة للبعض الآخر، فترى ان من افراد المجتمعات الاخرى من لا يرى العدل في مجتمعه، ومنهم من يرى العدل في جانب ويرى الظلم في جانب آخر ومنهم من يرى العدل في زمن ولا يراه في زمنٍ آخر، بعكس المجتمع المسلم فإن الانسجام كله موجود بين النظام وبين افراد هذا المجتمع لانهم يعتقدون انهم يعبدون الله ويطلبون طاعته بتنفيذ امره ونهيه بتطبيق اوامره ونواهيه وهنا تكمن قوته.

نعم إن قوة الدولة لا تكمن في عدد جيشها او قوة الحاكم والملأ ولا تخضع قوةً وضعفاً تبعاً للغنى والفقر مطلقاً فكلها متغيرات والمتغير لا يعتبر قاعدةً يبنى عليها.

إن قوة المجتمع المسلم تنبع من انصهار الافراد بالافكار حتى يتوحد الجميع في قضية الفرح والحزن وتنبثق المشاعر والاحاسيس عن هذه الافكار وليس غيرها وأن يكون تطبيق الاحكام الشرعية هو مطلب الجميع طاعة لله عز وجل، وأن الدولة بنظر الافراد هي الاب والام.

إن القوة إن نسبت لغير الفكر فإنها تعتبر قوة نسبية أو تذوي إن أتى عليها الزمن، يعني أن مظهر القوة لا يعني وجودها حتماً بل إن مظاهر القوة في بعض الاحيان والحالات قد يعني الضعف او اخفاء هذا الضعف فالاتحاد السوفيتي مثلا كانت تبرز فيه مظاهر القوة لتخفي ضعف الفكر الموجود فهوى مرةً واحدةً دون سابق انذار وايضـا فرعون عندما كان في اوج قوته بنظـر نفسـه دفعته للقول ( انا ربكم الاعلى ) ثم اخبرنا ربنا عز وجل فقال {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأعراف130، واما القوة المعينة لنا من الله عز وجل فهي ان تحمل هذا الاعتقاد حملاً قوياً فلقد خاطب ربنا عز وجل موسى فقال {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} الأعراف145، وقوله تعالى {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ} البقرة93.

وهـذا ما تعلمنـاه من سيد الخلق من قوته في حمل دعوةِ الله حين حاربه أهله فقال ( والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ) فكانت قوته صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته مستمدة من الفكر الذي يحملونه اعتقاداً لا شك فيه يفيض على جوارحهم حتى يقول قائلهم :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي

فكانت قوة الدولةُ المستمدةُ من عقيدتها وشرع ربها قوة لا تضعف ولا يأتي عليها عامل الزمن بل هي قوة مضطردة يحملها الخلف عن السلف، تدفع للعمل بالإتجاه الذي يرضى عنه الله.

إن الإسلام مبدأ عقيدة وأحكام شرعية فلا يمكن الفصل بين هذه وتلك وهذا ما فهمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال ( والله لأحاربن من يفرق بين الصلاة والزكاة ) فكما ان العقيدة الإسلامية تصبغ المجتمع بصبغتها وكذلك الأحكام الشرعية فإنها تصبغ العلاقات بين الناس في المجتمع المسلم بصبغتها، إذ أنه لا يتأتى للمجتمع المسلم أن تكون العلاقات بين الناس فيه على غير أساس الأحكام الشرعية، فالبيع والاجارة والشركات والزواج وغيرها من العلاقات لا بد أن يكون ضابطها الأحكام الشرعية التي ينفذها الفرد على أساس أنها دين الله ويعبد الله بإتباعها، وكذلك لا يجوز للدولة التي تصف نفسها بالإسلامية إن طبقت غير شرع الله، فعلاقة الدولة بالرعية وعلاقة الرعية بالدولة وعلاقات الرعية بعضهم مع بعض لا تقوم داخل المجتمع المسلم إلا على أساس الأحكام الشرعية.

إن الأحكام الشرعية قد شرعها ربنا لتنظيم حياتنا وتحديد علاقاتنا حتى نحيا في هذه الحياة الدنيا ضمن دائرة مرضاته تعالى وطاعته، فلا توصف الأحكام بأنها شرعية إلا إذا كانت موصولة بالعقيدة، فقد توجد أحكام ولكنها لا تسمَّى شرعية لعدم إتصالها بالعقيدة والقانون الذي يفرضه الغاشم بقوته وقهره وبطش جنده لا يسمَّى شرعياً لإنقطاعه عن الوحي ولو كان خلف هذا القانون مشايخ السلطان وأتباعه.

إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية وإنها له وحده عز وجل وهي التي تؤثر في المجتمع قوةً وضعفا، وأن شرعه الذي سنه للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وهي التي يجب أن تحكم هذه الارض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، فالمسألة مسألة إيمان وكفر أو إسلامٍ وجاهلية ولا وسط في هذا الأمر ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله ولا يحرفونَ منه حرفا ولا يبدلونه، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله.

أما الناس فإما ان يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضائه في أمورهم فهم مؤمنون.... وإلا فما هم بالمؤمنين ولا وسط بين هذا الطريق ولا ذاك ولا حجة ولا معذرةَ ولا إحتجاج بمصلحة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية.... وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم او شريعة،وليس لأحد من عباده ان يقول إني أرفض شريعة الله أو أنني أبصر بمصلحة الخلق من الله..... فإن قالها بلسانه او فعلها فقد خرج من نطاق الايمان.

قال الطبري : إن رجلاً من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين يهودي خصومة في أرض فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان المنافق مبطلا فأبى من ذلـك وقـال : إن محمداً يحيف علينا فلنحكّم كعب ابن الأشرف فنزلت{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ{47} وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ{48} وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ{49} أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{50} إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{51} وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} النور: 47 - 52.

إن دافع تقوى الله عند المؤمن داخل المجتمع المسلم يجعله يقف عند حدود الله فلا يتجاوزها طاعة له عز وجل وليس خوفا من غاشم... في إطار علاقته مع نفسه وعلاقته مع غيره وعلاقته مع الدولة، وكذلك الامر بالنسبة للدولة فإن علاقتها مع الرعية لا تقوم على أساس القمع والبطش وإنما تقوم على أساس الرعاية والحفظ، فأمير المؤمنين يسوس رعيته لما ينفعهم في الدنيا ويصلح شأنهم، وليدخلوا الجنة في أخراهم وليس كما نرى اليوم من أن مغتصب السلطة الغاشم يأخذ الناس بالبطش والتنكيل ليطيعوه خوفاً ولا يعبأ بهم أدخلوا النار ام دخلوا الجحيم فالمهم عنده أن لا يخرجوا عليه وأن ينقادوا له.

فكان الامر داخل المجتمع الاسلامي يختلف اختلافاً بعيداً عما نراه ونعيشه اليوم فهم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه عكرمة عن ابن عباس (المسلمونَ تتكافئ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرد على أقصاهم ) هذا بالنسبة للأفراد وأما بالنسبة للخليفه فيقول الماوردي ( إن الخلافة موضوعة لخلافة النبوة.... موضوعة لحراسة الدين والدنيا..... وهي نظام واجب بالإجماع، وأول إختصاصٍ للخليفةِ حفظ الشرع، فتعيين الإمام واجب على الجماعة الاسلامية).

إن أمير المؤمنين بوصفه ولي أمر يرعى الشؤون ليوصل من يرعاهم من المسلمين لجنة عرضها السموات والارض وهذه هي السعادة بنيل رضوانه عز وجل – ولا ينصب همه لكي تستقيم له أمور دولته أو تستقر حالته ولا يعنيه أشقيت به الرعية أم سعدت، بل إنه يرعى شؤون حياتهم في الدنيا بأمر الله ونهيه لتستقيم امور آخرتهم، فزجره... لجبرهم في الآخرةِ وليس لعذابهم وقهرهم وإفقارهم في الدنيا.

إن عمل أمير المؤمنين الذي يرعى الشؤون لتحقيق السعادة لرعيته في الدنيا والآخرة، ليس كعمل مدرب فريق الرياضة، فالمدرب ينصب كل همه على أن يفوز فريقه بغض النظر عن كون اللاعبين سعداء أم تعساء في بيوتهم حافظوا أم خالفوا الأحكام الشرعيه صاموا أم لم يصوموا فلا تهمه هذه الامور مطلقا بل إن كل همه أمر واحد هو فوزهم في المباراة وبعد ذلك فلا ضير عنده إن ذهبوا الى الجحيم.

أما أمير المؤمنين الذي هو الراعي الذي يذود عن غنمه ويرعاها ليس لأجل حليبها ولحمها ونتاجها.... بل يرعاها لتستقيم على منهج الله، فإنه يعبد الله برعايتهم وهم يعبدون الله بطاعته.

إن السعادة للمسلم لا تتحقق إلا داخل دولته وفي كنف الخليفة فإنها في الدنيا السعي في طريق طلبها بالتقيد بأمر الله ونهيه وإقامة شرعه والوقوف عند حدوده والرضى بقضاءه والصبر عند البلاء وشكره على نعمه ودوام الدعاء والتضرع له حتى إذا وصلنا إلى الآخرة كان رضاه عنا هو السعادة التي ليس بعدها سعادة وهي النعيم المقيم الدائم الذي لا يزول.

إن هناك فرق بين طلب رضوان الله ونيل رضوانه فالسعادة في الدنيا كذلك غير السعادة في الآخرة.... وهنا لابد أن ندرك أن طلب رضوان الله في الدنيا بالتزام أمره ونهيه هو السير في الطريق الموصلة لرضوانه عز وجل، إذ أن رضوانه لا يناله أحداً إلا عبر هذا الطريق وصدق الله العظيم {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد28، وهذه هي سعادة الدنيا لأن الله جل وعلا قد هدانا للطريق الموصل لنيل رضوانه.

إن رضى المسلم واطمئنان قلبه هو أصل سعادة المؤمن في الدنيا ولا يكون هذا الأمر إلا في كنف أمير المؤمنين فكان العمل لإيجاد الخلفيه طلباً لنيل رضوان الله عز وجل، فلا يهنأ المؤمن ولا يسعد ولا يطمئن قلبه وهو يحكم بغير ما أنزل الله ولا يطمئن قلبه ولا يسعد وهو يرى دماء المسلمين تسيل بسبب وبغير سبب في الصباح والمساء.

ومع الأسف فإن كثيراً من الناس يجهلون طريقها ويخطئون في طلب السعادة من غير أسبابها ووسائلها فيقعون في متاهات كثيرة وتخونهم الأماني فلا يجدونَ ما ينشدون وتتكشف لهم بعد فوات الأوان أنهم كانوا يطلبون الشراب من السراب، ويرجونَ الأمن من متن العباب وبدا لهم أنهم كانوا يحرثون في الماء ويبذرونَ في الهواء

فمن تصور أن السعادة بالمال أو الجاه أو بكثرة الولد أو بالمجد حتى إذا ظفر بما تصوره سعادة لم يكن إلا شقاءَّ أو زيادة أعباء وما أحسَّ لا بهناءة عيش ولا اطمئن له قلب.

ان المؤمن الذي أدرك وآمن أن الجنة قد حفَّت بالمكاره وأن النار قد حُفَّت بالشهوات ليدرك وهو يسير في طريق السعادة لنيل رضوان الله أن المكاره التي تُلمُّ به والأذى الذي يصيبه لا يخرجه عن كونه سعيداً بالطريق التي يترسمها لأنه قد أدرك أن لذة السعادة بإطمئنان قلبه لقضاء الله عز وجل يهوّن عليه هذا الاذى.

الكاتب: جواد عبد المحسن الهشلمون

الأربعاء، 19 أغسطس 2009

حول معنى السعادة !



يُسَرُّ المرء عندما يحقق نجاحاً في دراسته أو في عمله أو في أي شأن ذي قيمة لديه، فيما يصيبه إحباط وربما انهيار في حال إخفاقه. وعهد الناس مذ وجدوا الانتقال بين حالات متفاوتة من الاضطراب والقلق أو الاستقرار والطمأنينة بحسب تعرجات مسيرة الحياة وتناوب الأيام والأحداث عليهم بحلوها ومرها.
يستوي في ذلك الغني والفقير والشريف والوضيع بشكل يتناسب مع وضع كل منهم. إلا أن البحث عما يسعد الإنسان وعما يحد من مواجعه ويبدد حالات الأرق والقلق لديه كانت ديدن الإنسان في كل زمان ومكان، لا سيما في الزمن الحالي. حيث علت القيمة المادية كل قيمة أخرى وبات تحصيل السلطة والثروة السبيل الوحيد لتحقيق السعادة، لما يكفلانه من إشباع نهم النفس ونزواتها وتحقيق الرفاهية والاستقرار لصاحبها.


إلا أنه سرعان ما ينكفئ هذا التصور الساذج (عن كيفية تحقيق السعادة) على عقبيه حين نرى مشهد البؤس الذي يصيب الكثيرين من أصحاب الجاه والمال من أثرياء ومشاهير. فبينما يقترف بعضهم جرائم مخزية وبشعة يدنى لها جبين الآدميين، يعجز آخرون منهم عن مجابهة الحياة فيقدمون على الانتحار. وقد ملأت أخبار هؤلاء كتب التاريخ وصفحات الجرائد والمجلات منهم: نيرون روما وهتلر ومارك أنطونيو وإرنست همنغواي ومارلين مونرو وداليدا وغيرهم كثير، يمكن قراءة أسمائهم في موسوعات أشهر المنتحرين.

في هذا الإطار نجد أن ذلك المفهوم الشائع (عن تحقيق السعادة من خلال السلطة والثروة) دافعه غرائزي بالأساس، فشهوات الإنسان ورغباته وضعفه أمام مظاهر الحياة المختلفة وحاجته إلى الكساء والإيواء والحماية تستدعي ذلك بشكل أو بآخر.

وهو ما قد يؤدي إلى الخلط بين مفهوم السعادة لدى الإنسان وبين ما يحقق إشباع رغباته، وكأنهما شيء واحد.

ومما يعزز ذلك المفهوم مصاحبة عملية إشباع جوعات الإنسان تحقيق لذة حسية (كالجنس) أو إخماد ألم (كالجوع) أو تنفيس لاحتقان جراء الكبت والحرمان، ما يدفع المرء إلى اللهاث وراء ما يفتقده أو يتلذذ به أو يضع حداً لآلامه، ويجعله يتصور بأن مجرد إدراك تلك الأشياء سيحقق له السعادة حتماً، وبأن السلطة والثروة هما السبيل الملموس لضمان تحقيق كل ذلك.

ولشدة رواج ذلك المفهوم بين الناس وتأثرهم به، غاب عنهم أن اقتصار الإنسان على الإشباع المادي والغرائزي هو شأن كافة الحيوانات، مع فارق أن الأخيرة لا تسأل عن السعادة أو التعاسة، إنما تصارع من أجل البقاء. ما يعني أنَّ اقتصار الإنسان على النمط المادي من الحياة يسقطه إلى درك البهيمة ويفقده آدميته وأبعاد وجوده ككائن مفكر.

وهذا ما هو حاصلٌ في عالمنا المعاصر إلى حد بعيد، حيث تحول الإنسان إلى وحش سيطر عليه حب الأنا، مما أفقده توازنه وأوهمه بأنه في حرب ضد كل من حوله لتحقيق ذاته، غير متورع عن سحق أقرب الناس إليه، على اعتبار أن قانون الغاب هو السائد، وأن الأقوى والأمثل هو من يستحق الحياة دون غيره. إلا أن هذا النمط من العيش سرعان ما يصيب صاحبه بالنكد والسأم والشقاء ويجعله ينشد سلوك أي طريق يخرجه من دوامة الفراغ والتيه اللذين يغشيان حياته ولو كان بارتكاب مزيد من الشنائع بحق نفسه أو بحق الآخرين.

مرة أخرى، لو كان النهم والاستغراق بالإشباع المادي كاف لتحقيق السعادة، لما وجدنا أولئك المترفين المتخمين بإشباع الشهوات الجسدية مصابين بحالات اكتئاب تجعل منهم زبائن دائميين لدى أطباء النفس والمشعوذين.

وفي حالات أخرى، تجدهم يتحولون إلى ممارسات شاذة يأنف اقتراف مثلها الحيوانات فضلاً عن الأسوياء من البشر. وهي ظواهر منتشرة في المجتمعات التي تُعرِّفُ السعادة بأنها تحقيق أكبر قدر من المتع الجسدية وتتفاخر بكونها مجتمعات الرفاهية المنشودة، كالسويد والدانمرك وفنلندا وسويسرا واليابان. وبهذا يظهر جلياً فشل نموذج التغول في الإشباع المادي بشأن تحقيق السعادة للإنسان ليتجلى بأنه مجرد وهم لا أكثر، كما يكشف عن زيف ما يشاع من اقتران الثراء بالسعادة حتماً، ويؤكد وجود أبعاد أخرى لدى الإنسان لا بد من مراعاتها حتى تتحقق الطمأنينة لديه في الحياة.

على النقيض من ذلك، يذهب أصحاب الفلسفات الحالمة إلى أن تحقيق السعادة يكمن في الابتعاد ما أمكن عن إشباع الإنسان لرغباته واستبدالها بتحصيل الحكمة وتغذية العقل بالمعرفة والعلوم المختلفة للسمو بالنفس الإنسانية عن لوثات المادة والارتفاع بها عن البهيمية. وبالاستقراء نلحظ أنه لطالما أدى هذا التوجه بأصحابه إلى نتائج معاكسة في الأغلب، مما يفضي إلى مثالية كاذبة، لا تنسجم مع تركيبة البشر، تلك التي تُعتبر الشهوات والرغبات والطموحات المادية من خصائصها الظاهرة.

وبالتالي فإنها بدل أن تعالج مشكلة الغرق في عالم الشهوات تعقدها وربما أدت إلى النقيض من مبتغاها. حيث إن تجاهل حاجيات البشر وعدم تلبية رغباتهم بشكل يتناسب مع طاقاتهم وإمكانياتهم يؤدي بالبعض إلى حالة من التقوقع واللجوء إلى "زوايا" معتمة يعتزلون فيها الحياة، فيما يندفع البعض الآخر إلى البحث عن طرق ملتوية لإشباع نهم النفس وما يتجدد فيها من شهوات ورغبات فطرية جراء الكبت والحرمان المتولد تلقائياً عن الامتثال لمثل هذه الفلسفة.

إن هاتين الفلسفتين، المادية والحالمة، تكشفان عن حاجة ماسة للتعامل مع الإنسان بواقعه لا بافتراضات عنه أو بردود فعل إزاء ما ينتابه من حالات عابرة. وفي هذا السياق، فإن المُسَّلمَ به هو أن الإنسان كائن مفكر يمتلك مشاعر ورغبات ودوافع غرائزية، ينبغي التعامل معها وفق ما يحقق الانسجام بينها جميعاً. من هنا فإنه لا يمكن بحال إهمال آلة التفكير لدى الإنسان أي عقله، ذلك الذي يبني التصورات والمفاهيم عن الأشياء، وإلا تشتت شأن صاحبه وبات في حيرة واضطراب من أمره.

وكذلك فإن إرغام النفس على اقتراف ما تأنفه أو تنفر منه يصيب صاحبها بالضيق والأسى والاشمئزاز. كما أن عدم إشباع رغبات الإنسان بشكل يتناسب مع طاقات صاحبها يؤدي إلى كبت واضطراب غير مأمون العاقبة لديه. وعليه فإن تكوين شخصية إنسانية مستقرة متصالحة مع نفسها رهن بالتعاطي مع الإنسان كما هو حتى يحظى براحة البال والطمأنينة ما أمكن.

ولبناء رؤية واضحة عن كيفية التعاطي مع الإنسان، ولتحديد كيفية بناء الإنسان لشخصيته، لا بد من تبلور الأفكار الأساسية الكبرى لديه حول الحياة، تلك التي تفسر له سبب وجوده ومماته ومآله بشكل يقيني، لِتُلقيَ تلك الأفكار بدورها الضوء على نمط العيش المفترض للإنسان بالاستناد إلى المفاهيم الصادقة التي من شأنها تبديد هواجسه وإزالة أسباب القلق التي تعتريه. إلا أن نجاح الإنسان في ذلك يبقى رهن تجسيده تلك القناعات في واقعه، بغض النظر عن حجم المعوقات التي تواجهه، ما يجعله إنساناً سوياً منسجماً مع نفسه قادراً على مواجهة تحديات الحياة باعتماد حقائقها، غير آبه بأوهام الآخرين عن السعادة الزائفة، متوقفاً بذلك عن الحيرة والارتباك والاضطراب الذي يصيب الآخرين بسبب لهاثهم وراء الأوهام.

ميدل ايست اونلاين

بقلم: حسن الحسن

الخميس، 18 ديسمبر 2008

الصبر... الزاد في خضم المرحلة (2)


الدين يقوم على أكتاف أولي العزمات:


اعلموا أن الدين يقوم على أكتاف أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبداً على أكتاف المترخصين والمترفين، وحاشاه أن يقوم على أكتافهم، فالدين العظيم لا يقوم إلا على أكتاف العظماء من الرجال. والمسؤولية الجسيمة، التي ناءت بحملها السموات والأرض، لا يمكن أن يقوم بها إلا أهلها، ورجالها. كيف يقوم الإسلام دون عزمة كعزمة "أنس بن النضر" الذي قال فيها: «لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرينَّ الله ما أصنع»، فشهد أحداً، وقاتل، حتى وجد بجسده -وهو ميت- بضع وثمانون طعنة وضربة، حتى إن جسده قد مزق تمزيقاً فلم يعرفه أحد سوى أخته، عرفته ببنانه. إن العزمة التي نريدها منك أخي المسلم عزمة شاملة، عزمة في العلم والعمل، عزمة في الدعوة والجهاد، عزمة في الإيمان واليقين والصبر والرضى، عزمة في الحسبة والصدع بالحق، عزمة في إصلاح النفس وهداية الخلق. إننا لا نريدها عزمة تقتصر على مجال واحد، بل نريد ذلك الذي سمت همته في شتى مجالات العمل الإسلامي، وليس في مجال دون مجال، أو في ناحية على حساب أخرى، وإنما نريدها عزمة كاملة شاملة تامة، وإنني لم أجد في ذلك المعنى أبلغ مما قاله "ابن القيم"، رحمه الله، في كتابه القيم طريق الهجرتين وباب السعادتين «ومنهم جامع المنفذ السالك إلى الله في كل وادٍ، والواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبْلَةَ قلبه ونصب عينيه، يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علمٌ وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي، حيث كانت، وأين كانت، جالبة ما جلبت، مقتضية ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها، والقيام بأدائها، مراقباً له فيها، عاكفاً عليه بالروح والقلب والبدن السر، قد سلمت إليه المبيع منتظراً منه تسليم الثمن. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].


قولوا للمنافقين:


سيقول لك المنافقون والذين في قلوبهم مرض: أتطنون أن شيئاً مما تريدونه سيتحقق؟ وهل تظنون أن الخلافة الإسلامية، أو حتى الدولة الإسلامية، ستقوم؟ إن ذلك لا يمكن أن يحدث، وهو أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، وهل ستسمح أميركا وروسيا وأوروبا و(إسرائيل) بذلك، وهم الأعداء الألداء للإسلام ودولته! وسيقولون لكم: إنما تسعون إلى سراب، وأنتم مغرورون قد غركم دينكم، فإذا قالوا ذلك فتذكروا قول الله عز وجل: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 49]. قولوا لهم: إن الخلافة الإسلامية ستعود، مهما كانت الصعوبات والتحديات، قولوا لهم: إن قيام الدولة الإسلامية أمر لا شك فيه، ولو بعد حين، وإن نصر الله آت لا محالة، وقولوا لهم: بل إن الله سيفتح على المسلمين روما كما وعد رسول الله ، في صحيح الحديث، وكما فتحت القسطنطينية من قبل. قولوا لهم: إننا نأمل من نصر الله بما هو أبعد من ذلك، إنما نرجو من الله أن يفتح الكرملين والبيت الأبيض، ومعنا وعد الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. أما متى يكون ذلك؟ فهذه ليست مهمتنا، ولم يكلفنا الله بها، وإنما كلفنا بالعمل للدين، والذود عن الشريعة، واستفراغ الوسع في ذلك، وبذل أقصى الجهد، أما النتائج فهي إلى الله عز وجل. فعليك بذر الحب لا قطف الجنى، والله للساعين خير معين. قولوا لهؤلاء كما قال يعقوب، عليه السلام، لبنيه، بعد أن فقد ولديه معاً: ﴿إِنِّي لأََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]. قولوا لهم: رغم كل هذه الابتلاءات والشدائد، فإننا نجد ريح الفرح والنصر والتمكين، وعودة الخـلافة الإسلامية، لولا أن تفندون.
لقد قال المنافقون للصحابة بعد غزوة أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم. وهذه الكلمات سيقولها المنافقون لأهل الإيمان، في كل زمان ومكان، إذا أصابت للعاملين للإسلام مصيبة، أو وقع لهم مكروه، أو تعرضوا للسجن والتعذيب، أو القتل والجراح، سيقولون عندها: دعوكم مما أنتم عليه وارجعوا عنه، فإن هذا الدين هو الذي سبب لكم كل هذه المصائب، وهو الذي أضاع مستقبلكم وألقاكم في غياهب السجون، وشردكم في البلاد، فاتركوا هذا الذي سبب لكم كل هذه المصائب تسلموا وتغنموا، فإذا قالوا ذلك قولوا لهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾[إبراهيم: 12]، وقولوا لهم: ﴿قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].
وسيقول لكم المنافقون والذين في قلوبهم مرض، مثلما قالوا عن أصحاب الرجيع، الذين غَدَرَ بهم المشركون وقتلوهم جميعاً، لقد قال المنافقون يومها: ياويح هؤلاء المفتونين، الذين هلكوا هكذا! لا هم أقاموا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم -يقصدون رسول الله -. وهذه الكلمات ستقال لكم هذه الأيام كلما قتل بعض الإخوة، أو سجنوا، أو شردت أسرهم، عندها سيقول الذين في قلوبهم مرض: لا هم قعدوا وسلموا، ولا هم استطاعوا أن يزيلوا المنكرات والموبقات، وسيقولون: لا هم قعدوا واهتموا بمستقبلهم ومصالحهم، ولا هم أقاموا دولة الإسلام. فإذا سمعتم ذلك فتذكروا أن القرآن قد قال عن قائل هذه العبارة: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]، وهذا الوصف لا ينطبق عليه بعينه فحسب، بل ينسحب منه إلى كل أتباعه، وأشباهه، ومن يقول بقوله في كل زمان ومكان، وإذا سمعتم ذلك، فقولوا لهم: إن هدفنا إقامة الدين، أما إقامة الدولة فهي طريقة إقامة الدين.
وقولوا لهم قول الصديقة العظيمة "خديجة ابنة خويلد" لرسول الله : «أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً»، ونحن نقول لكل من يعمل للإسلام، مخلصاً للّه في عمله: ما دمتم على الحق فأبشروا، فوالله لا يخزيكم الله أبداً. إنكم لتصلون أرحامكم وتذودون عن الشريعة، وتدافعون عن الفضيلة، وتحاربون الرذيلة، وتدعون إلى الله على بصيرة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتقومون الليل وتصومون النهار، و، وإذا سمعتم ذلك فتذكروا قول أجداد هؤلاء المنافقين ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 168 - 169] وقولوا لهم: إن "ورقة بن نوفل" ذلك الشيخ الكبير كان يمر على "بلال بن رباح" وهم يعذبونه، وهو يردد مراراً وتكراراً - في ثبات أعظم من الجبال-: «أحدٌ أحد» فيقول لهم "ورقة": «أحدٌ أحدٌ والله يا بلال، أحلف بالله فإن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً». فتأملوا هذا الفهم العميق للإسلام من ذلك الشيخ الذي لم يدرك من القرآن الكريم وأحاديث الرسول ، قبل أن يموت، إلا الشيء اليسير! ولكنه نقاء القلوب وإخلاصها وتجردها عن الهوى وخلوها من النفاق.
ننتظر منكم نصر الإسلام، إننا ننتظر الآن ممن يعملون للإسلام -وخاصة الشباب منهم- يوماً ينصرون فيه الإسلام وأهله، إننا ننتظر منهم يوماً كيوم "أبي بكر" في الردة، و"خالد بن الوليد" في اليرموك، و"سعد" في القادسية، و"صلاح الدين" في حطين، و"قطز" في عين جالوت، و"محمد الفاتح" في القسطنطينية، و"سليمان الحلبي" مع كليبر، إننا نريد أن تقر أعيننا -ولو للحظات قبل أن نموت- برؤية الخلافة الإسلامية، ونرى أعلامها ترفرف على المشارق والمغارب، ونرى ظلالها الوارفة تملأ الدنيا عدلاً وحقاً ونوراً وهدىً، نريد ذلك اليوم الذي كان ينظر فيه خليفة المسلمين إلى السحابة ويخاطبها بقوله: أيتها السحابة، شرّقي أو غرّبي فسوف يأتيني خراجك، ولقد صدق في مقولته وقد امتد ملك الإسلام شرقاً وغرباً حتى بلغ أقصى المشارق والمغارب وقتها، ووصل سلطان الخلافة إلى كل هذه الأصقاع، فملأها بالخير والهدى والنور.
إننا لفي شوق عظيم لذلك اليوم الذي يفتح الله فيه على المسلمين رومية «روما»، معقل النصرانية في العالم، والتي بشر رسول الله بفتحها، بعد فتح القسطنينية، وقد فتح الله القسطنطينية، (أستانبول) على يد الأمير والسلطان العظيم "محمد الفاتح" الذي مُدِح في الحديث المعروف: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وقد كان السلطان الفاتح يتجهز لفتح رومية بعد فتح القسطنطينية، مما جعل أوروبا كلها تعيش في قلق ورعب وفزع دائم، ولم يهدأ لها بال إلا بعد أن وافته المنية قبل أن يتم مشروعه العظيم، وأبلغ دليل على هذا الرعب والهلع، أن كنائس أوروبا عامة وروما خاصة ظلت تدق أجراسها ثلاثة أيام متصلة، فرحاً بموت ذلك السلطان المسلم العظيم، إننا ننتظر مثل هذه الأيام على أحر من الجمر، إن انتصار الإسلام هو أغلى ما يتمنى المرء أن تقر به عينه في الدنيا، إننا نستشعر الآن أن حسنة الدنيا التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾[البقرة 201] ليست هي الزوجة الصالحة، إنما هي نصرة الإسلام والدين -كما قال بعض العلماء- وأكرم بها من حسنة. إن هذه الحسنة تزيل كل هم، وتذهب كل غم وحزن، ولو فقد الواحد في سبيلها أهله وولده وماله وجاهه، إننا في شوق عظيم ليوم ينصر الله فيه دينه، فيعز أولياءه وحزبه، أكثر من شوقنا لزوجاتنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا. إننا في شوق عظيم لكي تقر أعيننا ليوم مثل ذلك اليوم الذي اقتحم فيه "عقبة بن نافع" المحيط الأطلسي بقوائم فرسه قائلاً: والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لغزوتها في سبيل الله، وقال وهو ينظر نحو السماء: يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، إننا ننتظر منكم يوماً من هذه الأيام، فهل تلبون هذا الرجاء؟ وتستجيبون لهذا النداء؟


وآلمني وآلم كل حرٍّ

سؤال الدَّهر: أين المسلمونا؟
ترى هل يرجع الماضي؟ فإني --- أتوق لذلك الماضي حنينا

أبو إبراهيم - غزة

انتهى

المصدر: مجلة الوعي

الصبر... الزاد في خضم المرحلة (1)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...
الله سبحانه الحكيم، يضع الشيء في موضعه، فلا يعطي منحة الاجتباء، والحفظ، والنصر، إلا لمن يستحقها. أما من ليسوا أهلاً لها، فليس لهم إلا الخذلان.
نعوذ بالله من الهوان على الله. لكن النفس تعاند، والشيطان يوسوس، والدنيا تزخرف، والهوى كثيراً ما يغلب. وهذه كلها قد أقبلت تريد أن تحول بين العبد، وبين ما فيه نجاته، وفلاحه، وفوزه في الدنيا والآخرة. وهذه الأربعة هي حقاً أعدى أعدائنا، فمتى قهرنا: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى، كنا على قهر أعدائنا من الإنس أقدر، وإن قهرتنا هذه الأربعة، فقد استوينا وأعداءنا في المعصية، وبقي لهم فضل قوتهم، فانهزمنا. وكلماتنا التي نسطرها إنما هي نصائح تعين على التغلب على النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. فانظر فيها أخي الداعية، فما أردناها إلا دلالة على الخير، سداً لثغرة قد رأيناها، أو تصحيحاً لخللٍ، أو دلالة على معروف. ودورنا أن نقول وننصح، لكن الثغرة لن تسد، والخلل لن ينصلح، والمعروف لن يتحقق، إلا بالعمل، وهذا دورك أخي الكريم، ودورنا جميعاً. فالكلمات لا تراد لذاتها، وإنما لفهمها، والعمل بها ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 105].

سيزول الألم ويبقى الأجر إن شاء الله

اعلم أخي -رحمك الله- أنه ستواجهك مصاعب جمة، ومتاعب كثيرة، وابتلاءات عديدة، وأنت تسير في طريق الحق، وتنشغل بالعمل للإسلام.
فإذا ما ثبتّ على الحق، وصبرت على الابتلاء، فإن الألم سيزول، والتعب سيذهب، ويبقى لك الأجر والثواب إن شاء الله. ألا ترى أن الصائم الذي يصوم في حر القيظ، يذهب ألم جوعه وعطشه، مع أول رشفة ماء يرتشفها، وهو يردد قول النبي الكريم : «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله..». فمع دخول أول قدم لك في الجنة سيزول عنك كل تعب لاقيته، وكل هم أصابك، وكل جرح جُرِحْتَه، أو كلم كُلِمْتَه في سبيل الله، ويقال لك: هل رأيت بؤساً قط؟ فتقول -بعد أن تغمس في الجنة غمسة-: لا والله يا رب! ما رأيت بؤساً قط.
سئل الإمام أحمد: متى يجد المؤمن طعم الراحة، قال: عندما يضع أول قدم له في الجنة.
لقد تبدد تعبك وألمك، بل تحول إلى فرحة وسعادة وهناءة، فقد ثبت لك الأجر والثواب، وزادك الله من فضله، وأكرمك كرماً يليق بوجهه سبحانه، فحينئذ تتمنى أن لو كنت بذلت أكثر، وتعبت أكثر وأكثر في سبيل دينك، وسهرت أكثر وأكثر من أجل ربك، وسافرت وتركت من الدنيا أكثر، وضحيت في سبيل الله أكثر وأكثر مما ضحيت، بل تتمنى -كما يتمنى الشهيد- أن لو عدت إلى الدنيا لتقتل في سبيل الله، ثم تحيا ثم تقتل، ثم تحيا ثم تقتل، لما رأيت من فضل الله، وإكرام الله للشهداء.

كيف تثبت في الابتلاء

سيقول لي البعض: إنني حديث العهد بالالتزام بالإسلام، وأخاف أن لا أثْبُتَ أمام الابتلاءات الكثيرة، أو أن لا أصبر عليها، فأقول لمثل هذا الأخ قول النبي : «ومن يتصبر يصبره الله»، وقوله : «ومن يتحرَّ الخير يُعْطَهُ، ومن يتق الشر يوقَه» فمن تعاطى أسباب الصبر رزقه الله الصبر، ومن تعاطى أسباب الوهن، والجزع، والخذلان، أصيب بما تعاطى أسبابه، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[آل عمران: 117].
فعليك أخي المسلم بالمصابرة، فصابر نفسك فترة من الزمان، ستجد أنها أصبحت بعد ذلك من النفوس الصابرة، بل الراضية إن شاء الله... أما إذا اشتدت عليك المتاعب، وازداد عليك البلاء، وكثرت عليك المصائب، وحدثتك نفسك الأمارة بالسوء أن تركن إلى الدنيا -ولو لفترة- أو وجدت نفسك الأمارة بالسوء تمردت عليك، فعليك أن تسوس هذه النفس حتى تسلم قيادها لك، ويسلس أمرها معك، وتستجيب لأمر الله وهي راضية بعد أن كانت كارهة. إذا أردت ذلك فقل لها: يا نفس قد قطعت جزءاً كبيراً من مشوارك وسيرك إلى الله، فلم يبق إلا اليسير، فاصبري عليه يا نفس، لا تضيعي سابق عملك الصالح، وسهر الليالي والأيام، وتعب السنوات في سبيل الله، في لحظة طيش. إنها لصبر ساعة، فلتصبريها، فمقام البلاء كمقام الضيف، فيا سرعة انقضاء مقامه، ويا لذة مدحه وثنائه في المحافل على المضيف الكريم، ويا أقدام الصبر اعملي، فما بقي إلا القليل. وعليه أن يفعل مع نفسه كما فعل "بشر الحافي" مع أحد تلامذته الذين سافروا معه، فعطش الرجل في الطريق، فقال له نشرب من هذا البئر، قال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال: البئر الأخرى، فما زال يعلل، كلما جاء إلى بئر قال له: البئر الأخرى، ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا.
وقد أعجبتني كلمة عظيمة للإمام أحمد، رحمه الله، فقد كان يردد: إنما هو طعام دون طعام، وشراب دون شراب، وإنها لأيام قليلة. وهذه الكلمات تحتاج إلى كثير من التدبر والتفكر، ثم يقف مع نفسه وقفة أخرى ليقول لها: أما ترين أهل الدنيا يصابون بمصائب وبلايا أكثر من مصابك بمرات، ثم هم لا يؤجرون على ذلك، ولا يرزقهم الله الصبر عليها، وهم عادة في هم، وغم، وضيق، واكتئاب، بل وجنون، من تلك المصائب؟ أما سمعت مرة بسيارة غرقت بأسرة كاملة، ماتوا جميعاً؟! فأين مصيبتك من مصيبة هؤلاء؟! إن أكثر ما تصابين به، أن يقتلك الأعداء وهذا شرف لك وليست مصيبة، بل هي حياة، وما أغلاها من حياة، ثم يقول لنفسه: ماذا يمكن أن يصيبك من عدوك؟! أن يسجنك شهراً، أو شهرين، أو عاماً، أو عدة أعوام، أو حتى العمر كله، فيكفيك شرفاً أنك قضيت عمرك في سبيل الله، ويكفيك شرفاً أن تكوني على درب يوسف، عليه السلام، وقد ارتمى في السجن بضع سنين! ولتقل لنفسك الأمارة بالسوء: يانفس، ألا ترين تلك الآلاف من الناس الذين يملأون السجون من أجل معصية الله؟! فكفاك شرفاً أنك ابتليت من أجل طاعتك لله عز وجل، فترين هذا وقد حكم عليه بالإعدام من أجل لحظة شهوة تافهة حقيرة، وهو يغتصب فتاة، وهذا من أجل أنس بالشيطان والمخدرات حكم عليه بالسجن المؤبد، وغيرهم كثير وكثير.
ولعل ذلك يكون سبباً في وصولك إلى درجات العابدين، فكم من أخ لم يعرف القيام حق معرفته إلا في الشدة. وكم من أخ لم يفقه القرآن، ويفهم مراميه، ويدرك حكمه الباهرة حق الإدراك، إلا في الشدة. وذلك فضلاً عن حفظه ودراسة تفسيره، وكل ذلك مضافاً إليه نيل درجات في علوم لا يتعلمها المرء من الكتب والصحف، وإدراك معان ما كان ليدركها، أو يتذوق حلاوتها، مهما قرأ عنها، أو درسها، أو حفظها، وذلك مثل معاني التوكل، والإنابة، والخشية، والتوبة، واليقين، والرضى.
ورحم الله شيخ الإسلام "ابن تيمية" الذي كان يقول: أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّى رحت فهي معي لا تفارقني. إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة

من ترفَّهَ وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة

ولتتذكر أخي قول "ابن الجوزي": «قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمَل في الطين أن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف، ولبس أجود ثيابه، فمن ترفّه وقت العمل، ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني فيما كلف.
فالدنيا كلها متاع زائل، ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، وعليه أن يردد بقلبه ولسانه قول سحرة فرعون -الذين غمر الإيمان قلوبهم- لفرعون العصر، وفرعون كل عصر: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].
وعليه أن يذكر نفسه أن هؤلاء الطواغيت، وإن ملأوا الدنيا ضجيجاً، وصياحاً، وتهديداً، ووعيداً للمؤمنين، فإن ذل المعصية، ونكدها، وغمها، لا يفارقهم أبداً، كما قال "الحسن البصري" فإنهم «وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية في وجوههم. أبى الله إلا أن يذل من عصاه».
وكل هذه المعاني لا يستشعرها ولا يعرفها حق المعرفة إلا أهل الإيمان، والصلاح، والمعرفة الحقة بربهم ومولاهم الحق، فهؤلاء يعلمون أن زمانهم وزمان الطواغيت ينقضي عن قريب، والمراحل تطوى، وللركبان في السعي الحثيث شرف الامتثال لمدرسة الابتلاء.
أخي الداعية، يا من شرفك الله بحمل دعوته:
يكفيك شرفاً إذا صبرت عند الشدائد والأهوال، وثبتَّ على الحق بعد الابتلاء تلو الابتلاء، (ونسأل الله العافية) أن تكون ضمن خريجي مدرسة الابتلاء العظيمة التي يتربى فيها الرجال تربية خاصة، ويصقلون فيها صقلا خاصاً، ويتخرجون منها وهم كالذهب الخالص لا تشوبه شائبة، قد صفت نفوسهم، وراقت قلوبهم، وحطت ذنوبهم، وقبلت توبتهم، وخشعوا، وخضعوا، واستسلموا لربهم، وتوكلوا عليه حق التوكل، ونفضوا أيديهم من سواه. فمن تخرج من مدرسة الابتلاء بنجاح أصبح إماماً من أئمة الدين، وقائداً من قادة الرشاد ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: 24]. فمن مدرسة الابتلاء تخرج "عمار بن ياسر" و"بلال بن رباح" و"صهيب" و"سلمان" و"خباب ابن الأرت" و"خبيب بن عدي" وغيرهم من الصحابة. ومن تلك المدرسة تخرج: "سعيد بن جبير" و"مالك ابن أنس" و"أبو حنيفة" كما تخرج منها أعظم تلامذتها في زمنه -والذي أضحى بعد ذلك من كبار أساتذتها- وهو الإمام "أحمد بن حنبل"، كما تخرج منها: "ابن تيمية" و"ابن القيم" و"السرخسي" وتكون من خريجي تلك المدرسة العظيمة، التي رائدها ومعلمها الأول: الرسول الكريم الذي كان يقول: «أوذيت في الله وما يؤذى أحد».
أترى لولا أن مشركي قريش استولوا على أموال "صهيب الرومي" أكان يحظى بدرجة: «أبا يحيى، ربح البيع». أترى لولا العذاب الذي ذاقه "آل ياسر" على يدي مشركي قريش أكانوا ينالون شرف: «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». ولولا تقطيع "أنس بن النضر" إرباً في غزوة أحد، أكان ينال شرف: «لو أقسم على الله لأبره». ولولا ذلك لما انبسط وجهه، وتحقق له ما أراد يوم حلف: واللهِ لا تكسر ثنية الرُبَيِّع. ولولا العذاب الذي ذاقه "بلال بن رباح" على يدي أمية ابن خلف وزبانيته، ما نال درجة: «بلال سيدنا». ولولا صبر "يوسف عليه السلام" في السجن، ما نال درجة: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 46]. ولولا صبر "أصحاب الرجيع" على ما لاقوه في سبيل الله، ما كانوا من أهل﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207]. ولولا صبر "معاذ بن جبل"، وبذله في سبيل الله، وإراقة دمه يوم الخندق، وحكمه العادل في بني قريظة، ما نال درجة: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد». ولولا بذل وعطاء وصبر "عبد الله بن حرام" في أحد، وقبل أحد، ما نال درجة قول الله: «ياعبدي! تمنَّ علي أعطك الحق». ولولا صبر وثبات "سيد قطب" في محنته وعند قتله، ما أصبح لكلماته أثر يذكر.
هناك ذنوب كبيرة لا تكفرها إلا الحسنات الكبيرة، أو الإبتلاءات الشديدة، فيقدر الله عز وجل على أوليائه الإبتلاء، ليكفر عنهم ذنوبهم صغيرها وكبيرها، دقها وجلها، أولها وآخرها، حتى لا تبقى لهم خطيئة، فيقبلون على ربهم وقد حطت عنهم خطاياهم. وأكرم بذلك من فضل, وأنعم بها من درجة عالية، ولعل هذا المعنى هو الذي أشار إليه الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». وهذا "خبيب بن عدي" يقول عند قتله:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
وهذا الصحابي "عبد الله بن جحش" يتنحى جانباً مع "سعد بن أبي وقاص" قبل غزوة أحد، ويتفقان على أن يدعو كل واحد منهما ويؤمن الآخر، فكان دعاء عبد الله بن جحش: اللهم ارزقني رجلاً شديداً حرده، شديداً بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً قلت: يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فيقول: صدقت. ما أعظم هذا الدعاء وما أروعه! إنها نفوس باعت كل شيء لربها، وتحول المرّ عندها حلواً. إنه لا يصدر إلا من رجل استعذب الطريق، وذاق حلاوته، فلا شيء يهمه سوى مرضاة ربه، ولا يهمه سوى أن يلقى الله وهو طائع له، مقتول في سبيله. إن هؤلاء وأمثالهم جديرون حقاً بتمكين الله لهم، ونصر الله لهم، واصطفائه لهم سبحانه.
وقد تحقق لعبد الله بن جحش ما أراد، فمات شهيداً في أحد، وجدع المشركون أنفه، ولعل البعض لا يعرف أن الصحابي الجليل عبد الله بن جحش، من أعظم بيوتات قريش، وهو ابن عمة الرسول ، إنهم قوم أحسوا أن سعادتهم لا تكون إلا في سيرهم في هذا الطريق، ولو مزقوا إرباً، ولو حاربوا الأبيض والأسود، ولو رماهم الناس جميعاً عن قوس واحدة، وإن فارقوا أوطانهم وأهليهم. وتشعر وكأنهم يرددون قول القائل: نحن في نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، لا يهمهم من أمر الدنيا شيء، ولا يشغلهم إلا هم العمل للإسلام، وتمكينه في الأرض، فتهتف قلوبهم: في سبيل الله ما أحلى المنون. وهؤلاء الذين ذكرناهم، استعذبوا الطريق، ووجدوا له حلاوة أذهبت ألم الطريق، ووعورته، وصعوبته، وعذابه، بل حولت العذاب عذباً، والمر حلواً، والصعب سهلاً، والغالي رخيصاً، فرضاهم في رضا مولاهم الحق، ومحبتهم للشيء هي من محبته سبحانه له .

... يتبع

أبو إبراهيم - غزة

المصدر : مجلة الوعي

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

المــــــــــــوت

يُذكّرُني طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْراً


وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمْسِ
فَلَوْلا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلي


عَلَىَ إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكِينَ مِثْلَ أخِي وَلَكِنْ


أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسّي
فَقَدْ وَدَّعْتُ يَوْمَ فَرَاقِ صَخْرٍ


َبِي حَسَّانَ لَذَّاتِي وَأُنْسِي
فَيَا لَهْفِي عَلَيْهِ وَلَهْفِ أُمِّي


أيُصْبِحُ فِي الضَّرِيحِ وَفِيهِ يُمْسِي

بهذهِ الأبياتِ وَبأمثالِها رَثتِ الخَنْساءُ أخَاها صَخْراً، وَبكتْه حَتَّى فقدَتْ عَينَيْها مِن شِدّةِ البُكاءِ، جزِعَتْ، وَيئِستْ، وَتمنّت الْمَوْتَ، هَكَذَا رأت الخنساءُ الْمَوْتَ وَهَكَذَا تعامَلَتْ مَعَهُ.
وفي معركةِ القادسيةِ، وَفي مَوْقِفٍ مَهيبٍ، موقفُ القِتالِ وَالْمَوْتِ، وَقفتِ الخنساءُ وَقفةً عظيمةً مَعَ أبنائِها الأربعةِ وَقَالَتْ لَهُم: (إنَّكُم أسْلَمتم فلم تُبَدِّلوُاْ وَهاجرتم فلم تَثوُبوُاْ، ثمّ جئتُم بأمِّكم عجوزاً كبيرةً فوضعتموها بيَن يَديْ أهلِ فارسَ، إنكم لَبَنُو رجلٍ وَاحدٍ، كما أنكم بَنو امرأةٍ وَاحدَةٍ، مَا خنتُ أباكم، وَلا فَضَحْتُ خَالَكم، انطَلِقوُاْ فاشْهَدوُاْ أوّلَ القِتالِ وَآخرَهُ) وَاستشهدَ أبناؤهَا الأرْبعةُ فلمَّا بَلغَها ذَلِكَ قَالَت قولتها المشهورة: (الحمْدُ للـه الَّذِي شرَّفَنِي بقتلِهم، وَإنِّي أسألُه تعالى أن يجمعَني بهم فِي مُستقرِّ رحمتِهِ).

ما الَّذِي غَيَّرَ نظرةَ الخنساءِِ إِلَى الْمَوْتِ مِن الجاهليةِ إِلَى الإسلامِ؟ أفبعدَ فَقْدِ العينيِن لبُكاءِ الأخِ كانَ الفخرُ بموتِ الأبناءِ، وَبعدَ الجزعِ مِن الْمَوْتِ، كانَ التمَنِّي بِلِقائِهِمْ فِي الجنَّةِ، أيُّ انقلابٍ هذَا فِي الفكْرِ وَالنفسِ، وَأيُّ تغيرٍ هذَا الَّذِي يحوّلُ الإنسانَ مِن حياةٍ إِلَى حياةٍ، وَمِن تَصَوُّرٍ إِلَى تَصَوُّرٍ.

إنّه الإسلامُ بعقيدتِهِ التي جعلتْ الْمَوْتَ عندَ المسلمِ هوَ لقاءُ اللـه المنتظرُ ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللـه عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً)) وَمِنهم مَن يَنتظرُ، وَمِنهم مَن صدقَ مَا عَاهدَ اللـه عَلَيْهِ أيضاً، وَلكنَّه لَمْ يقضِ نحبَهُ بعدُ، فهُوَ يَنتظِرُ.
ومِنهم مَن يَنتظِرُ، نعم! يَنتظِرُ وَكأنّه يعيشُ فِي هذِهِِ الدُّنْيَا وَيُصَبِّرُ نفسَهُ عليهَا مُنتظراً أَجَلَه، لِيلحقَ بصحبِه ويلقى وجْهَ ربّه، وَلِم لا يَنتظِرُ وَهوَ الَّذِي صدَقَ معَ اللـه فِي عهْدِهِ، وَأقرّ اللـه لَهُ ولأمثالِهِ أنَّهم لَم يُبدِّلوُاْ تبديلاً، فهمُ الذينَ ظلُّوُاْ على العهدِ معَ اللـه لَم يُبدِّلوُاْ ولَم يُغيِّروُاْ، فمِنهم مَن رَحلَ قاضِياً أجلَهُ فِي الدُّنْيَا، ومِنهم مَن يَنتظرُ دُنوَّ الأجَلِ وقَد استعدَّ لهُ وتهيَّأَ.

ولا ينتظرُ لقاءَ اللـه مَن لَمْ يستعدّ لِهَذَا اللقاءِ ويتجهزْ لَهُ ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الّذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمّ تُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) فالذِي يفرُّ مِن الْمَوْتِ إمَّا أنّه لا يؤمنُ بلقاءِ اللـه، ويريدُ أنْ يتمتعَ فِي الدُّنْيَا بأكبرِ قسطٍ ممكنٍ وبأطولِ زمنٍ يقدرُ عليهِ، قَالَ تعالى: ((حتّى إِذَا جَاءَ أحَدَهُم الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحَاً فِيمَا تَرَكْتُ، كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلى يِوْمِ يُبْعَثُونَ. فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيِنُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِيِنُهُ فَأُوْلَئِكَ الذينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)).

وإمَّا أنّهُ مؤمنٌ ضَعُفَ تذكُّرُ اللـه واليومِ الآخرِ عِندَهُ، فهُوَ غافلٌ عَنْ آخرتِهِ، مُنْشَغِلٌ بِدُنْياهُ، فَإِذا جَاءَهُ الْمَوْتُ نَدِمَ وتَحَسَّرَ ((وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِيِنَ يَعْمَلُونَ السَيَئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنَي تُبْتُ الآنَ، وَلاَ الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً ألِيمَاً)). يُروَى أنّهُ لمّا حَضَرَتْ عَبْدَ المَلِكِ بنَ مَرْوَانَ الوفاةُ نظرَ إِلَى غسَّالٍ بجانبِ دمشقَ يلْوي ثوباً بيدِه ثمّ يَضربُ بهِ المغسَلَةَ، فقَالَ عبدُ الملكِ: لَيتَنِي كنتُ غسَّالاً آكلُ مِن كَسبِ يدِي يوماً بيَومٍ، ولَمْ آلِ مِن أمرِ الدُّنْيَا شيئاً، فبلغ ذَلِكَ أبَا حازم فقَالَ: الحمدُ للـه الَّذِي جعلَهُم إذَا حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ يتمَنَّوْنَ مَا نحنُ فيهِ، وإِذَا حَضَرَنَا الْمَوْتُ لَمْ نتمنّ مَا همْ فيهِ.

أيَّهَا الأُخْوَةُ الكِرَامُ:
إنَّ الإيمانَ بأنَّ سببَ الْمَوْتِ هُوَ انتهاءُ الأجلِ لَهُ لازِمَةٌ يجبُ ألاّ تنفصِلَ عنهُ، وهيَ ترقّبُ الْمَوْتِ فِي كلِّ لحظةٍ وفي كلِّ حينٍٍ، وما يَتبعُ هذَا الترقبَ مِن استعدادٍ وتهيُّؤٍ، يتناسقُ مَعَ الإيمانِ بالآخرةِ التي يُفتحُ البابُ لها بالْمَوْتِ، حيثُ لا عملَ ولا جهادَ ولا حملَ دعوةٍ، قَالَ رَسولُ اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم لعبد اللـه بن عمر: «إِذَا أصبحتَ فَلا تُحَدِّثْ نْفَسَك بِالمساءِ وإِذَا أمسيتَ فلا تُحَدِّثْ نْفَسَك بالصباحِ وَخُذْ مِن حَياتِكَ لِمَوْتِكَ ومِن صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللـه لاَ تَدْرِي مَا إِسْمُكَ غَدَاً»(1).

وقَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «الكيّسُ مَن دانَ نفسَه وعَمِلَ لِما بعدَ الْمَوْتِ، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواهَا ثمّ تمنّى على اللـه الأمانيَ» وفي الحديثِ الصّحيحِ لَمّا سألَ جِبريلُ عليهِ السلامُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَن الإحْسانِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أن تَعْبُدَ اللـه كأنّك تراهُ، فإن لمَ تكنْ تَراهُ فإنّه يَراكَ».

ولا قيمةَ للإيمانَ بالْمَوْتِ مَا لَمْ يُؤمنْ بالآخرةِ، فالْمَوْتُ هُوَ بدايةُ الطريقِ للحياةِ الآخِرَةِ، الحياةِ الأبديّةِ، الحياةِ التي يتقررُ فيها المصيرُ، فَإِمَّا نعيمٌ وإمّا جحيمٌ، فَمَن خافَ الْمَوْتَ وآمَنَ بأنَّ سببَهُ انتهاءُ الأجلِ، وَلَمْ يُراقبْ نفسَهُ وَلَمْ يحاسِبْها، وَلَمْ يتصوّرْ الآخِرَةَ تصوراً يَجعلُهُ مُستعداً للرّحيلِ إليْهَا فِي أيّةِ لحظةٍ، فَإنَّهُ لا تأثيرَ لإيمانِهِ هذَا عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ، وهو وإن تأثرَ فإنّ ذلكَ لاَ يَعْدُو أنْ يَكونَ مُجَرّدَ لَحَظَاتِ ندمٍ خاطفةً، لا تتبعُها محاسبةٌ ومراقبةٌ، ولِذا فإنّهُ سُرعانَ ما يَعودُ إلى سابقِ عهدِهِ، لِيَعْصيَ اللـه بعدَ زَوالِ أثرِ مَا ذُكّرَ بِهِ أَوْ سَمِعَهُ أَوْ شَاهَدَهُ.

قَالَ عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه فِي آخرِ خطبةٍ خطبَها فِي حياتِه: (إنَّ اللـه عزَّ وجلَّ إنمّا أعطاكُمُ الدُّنْيَا لِتطلُبوُاْ بِها الآخِرَةَ، ولم يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوُاْ إليْهَا، إنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى والآخرةُ تَبقى، فَلا تبْطِرَنّكُم الفانِيةُ ولا تشْغِلَنّكم عنِ الباقِيةِ، فآثروُاْ مَا يَبقَى عَلى مَا يَفْنىَ فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَإنَّ المَصيرَ إِلَى اللـه).

فالْمَوْتُ يُذَكِّرُنَا بِالآخِرَةِ، أَنْعِمْ بِهِ مِن مُذَكّرٍ، قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «أكثروُاْ مِن ذِكْرِ هَادِمِ اللذّاتِ»(2) وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَعْلَمُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْمَوْتِ مَا يَعْلَمُ ابْنُ آدَمَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِينِاً»(3) وقَالَ ابنُ عمرَ رضِيَ اللـه عنهُما: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عاشرَ عشرةٍ فقَالَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ: مَن أكْيَسُ النّاسِ وأَكْرَمُ النّاسِ يا رَسولَ اللـه؟ فقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ وَأَشَدُّهُمْ اسْتِعْدَاداً لَهُ، أوْلَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ، ذَهَبُوُاْ بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ»(4).

وقَالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ رضي الله عنه فِي إِحْدَى خُطَبِهِ: (إنَّ لِكُلِّ سَفَرٍ زَاداً لا مَحَالَةَ، فَتَزَوّدُواْ لِسَفَرِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَىَ الآخِرَةِ بِالتّقْوَى، وَكُونوُاْ كمَنْ عَاين مَا أعَدَّ اللـه مِن ثوابِه وَعقابِهِ تَرْغَبواْ وَتَرْهَبواْ، وَلاَ يَطُولنَّ علَيْكُمُ الأمَدُ فتَقْسُو قُلُوبُكُمْ، وتَنْقَادوُاْ لِعَدُوِّكُمْ، فإنّه واللـه مَا بَسط أملُ مَن لا يدري لعلّه لا يصبحُ بعدَ مسائِه ولا يُمسي بعدَ صباحِه، وربما كانتْ بينَ ذَلِكَ خَطَفَاتُ المَنايا، وكمْ رأيتُ ورأيتُم مَن كانَ بالدُّنْيَا مغتراً، وإنّما تقرّ عين مَن وثِقَ بالنّجاةِ مِن عذابِ اللـه تعالى، وإنّما يفرحُ مَن أمِنَ أهوالَ القيامةِ، فأمّا مَن لا يُداوي كلْماً إلاّ أصابَه جرحٌ مِن ناحيةٍ أخْرى فكيفَ يفرحُ؟ أعوذُ باللـه مِن أن آمرُكم بما لا أنْهى عَنهُ نفْسي فتخسرُ صفقَتي وتظهرُ عَيْبَتِي وتبدو مسكَنتي فِي يومٍ يبدو فيِه الغِنى والفقْرُ، والموازينُ فيه مَنصوبةٌ، لقدْ عُنيتم بأمرٍ لَو عُنيَت بهِ النّجومُ لانكدرتْ، ولو عُنيت بهِ الجبالُ لذابتْ، ولو عُنيت بهِ الأرضُ لتشققتْ).

وكانَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجمعُ كلَّ ليلةٍ الفقهاءَ، فيتذاكرونَ الْمَوْتَ والقيامةَ والآخرةَ، ثمّ يبكونَ كأنّ بيَن أيديِهم جنازةٌ، ورُوِيَ أنّه إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ عندهُ انتفضَ انتفاضَ الطّيْرِ، فيبكي حَتَّى تجري دموعُه على لحيتِه، وبكىَ ليلةً فبكىَ أهلُ الدارِ جَميعُهُمْ، فلمَّا تجلّت عنهُم العَبْرةُ، قَالَتْ لَهُ زَوْجُهُ فَاطِمَةُ: بِأبي أنتَ يا أميَر الْمُؤْمِنِينَ مِمَّ بكيتَ؟ قَالَ: ذكرتُ مُنصَرَفَ القومِ مِنْ بين يديِ اللـه تعالـى، فريقٌ فِي الـجـنَّـةِ وفريقٌ فِي السّعيرِ، ثمّ صَرَخَ وغُشِيَ عَلَيْهِ.

فذِكرُ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ بالآخرة، وفيه مِن الموعـظـةِ والتدبُّرِ الشيءُ الكثيرُ، دخلَ الحسنُ رضي الله عنه على رجلٍ يجودُ بنفسِه فقَالَ: (إنّ أمراً هذَا أولُّه لجديرٌ أن يُتقى آخِرُه، وإنّ أمراً هذَا آخرُه لجديرٌ أن يُزهدَ فِي أوّلِه).
ومَن تَصَور أن آخِرَتَه قَد تحين فِي أيةِ لحظةٍ، فإنَّه لا بدّ أن يستعدَّ لها أَيَّمَا استعدادٍ. لما حضرتْ أحمدَ بن خَضْرويّة الوفاةُ قَالَ لابنِه: (يا بُنيَّ، بابٌ كنتُ أدقُّه خمساً وتسعينَ سنةً هوَ ذا يُفتحُ الساعةَ لي، لا أدري أيُفتحُ بالسعادةِ أَوْ الشقاوةِ). ويُروى أنَّ أحدَ الصالحينَ احتُضِر، فبكت امرأته فقَالَ لها: مَا يُبكيك؟ فقَالَت: عليك أبكي، فقَالَ: إن كنت باكية فابكي على نفسِك، فلقد بكيتُ لِهَذَا اليومِ أربعينَ سنةً.

أرأيتَ يا أخي لو أنّ وراءَك سفراً بعيداً! أكنتَ تُهْمِلُ الاستعدادَ والتهيُّؤَ لهُ؟، فإنّكَ إنْ فعلتَ ذلكَ فأنتَ بين أحدِ أمرينِ: إمّا أنَّ السفرَ لا يَهُمُّكَ، ولا تَعْبَأُ بهِ، ولا تحسبُ لَهُ حساباً، وإما أنّك مهملٌ لا قيمةَ للزمنِ عِندَكَ. ومَا الْمَوْتُ إلاّ سَفرٌ كلّنا نؤمنُ بقُدومِه إيماناً لا يتطرقُ إليهِ ارتيابٌ. وكلُّ يومٍ يمضي علينا، نقتربُ فيهِ مِنَ الْمَوْتِ يوماً، فمَن بلغَ الثلاثينَ مِن عُمُرِه فقد اقتربَ مِنَ الْمَوْتِ ثلاثينَ سنةً، ومَنْ بلغَ الستينَ فقد اقتربَ مِنَ الْمَوْتِ ستين سنة، وهَكَذَا، فأيُّنا استعدَّ لِهَذَا السفرِ الَّذِي لا نعلم متى هو، وإلى أين سيكون فيه مصيرنا؟ وأيّنا تهيّأ للرحيلِ فِي أية لحظة... الآن.. أَوْ بعد قليل.. أَوْ فِي الغد.. أَوْ بعدِه.. إن هما إلاّ نَفَسَـيْـنِ نَفَسٌ تَأخـذُه ونفسٌ تخرجُه وأنتَ لا تعلمُ مَعَ أيّ النَفَسَيْنِ ستَخْرُجُ الرّوحُ. اللهم السلامةَ السلامةَ يوم لقاكَ.

إن الموت تذكرة تتبعها محاسبة ومراقبة، كانَ الربيع بن خيثم قد حفر فِي داره قبراً، فكان إِذَا وجد فِي قلبه قساوةً دخل فيه فاضطجع ومكث مَا شاء اللـه ثمّ يقول: ((ربِّ ارْجِعونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ)) يرددها، ثمّ يردُّ على نفسِه قائلا: يا ربيع ها قد رجعت فاعمل.
وليست التذكرةُ هيَ البكاءُ والنَّحيبُ ولَوْمُ النَّفسِ ساعةَ رؤيةِ المُحتَضَرِ، أَوْ الوقوفُ على الميتِ أَوْ زيارةُ المقابرِ فحسب، بلِ التذكرةُ فِي الْمَوْتِ أن يتصوّرَ المؤمنُ فِي أيةِ لحظةٍ أنَّهُ سيقابلُ ربَّه، وأنّه سينقطع عمله وسيُعدمُ التوبةَ، فيكون متيقظاً لنفسه حريصاً على طاعةِ اللـه مراقباً ربَّه فِي كلِّ لحظةٍ مِن لحظاتِ حياته، قَالَ أنس رضي الله عنه: سمعتُ عمر بن الخطابِ رضي الله عنه وقد دخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: (عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، بخٍ بخٍ، واللـه لتتقينَّ اللـه يا ابن الخطاب أَوْ ليعذبنَّك)، وقَالَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (مَن مقت نفسه فِي ذات اللـه آمَنَهُ اللـه مِن مقته).

فمحاسبة النفسِ ومراقبتها عَن الزلل، نجاة للمؤمِن مِن عذاب اللـه، وقد شدّ العزم على أن يلقى اللـه طائعاً ملبياً، ملتزما بما أمره اللـه به، لَمْ يَمَلَّ ولم يكِلَّ ولم ييأس بل سار على صراط اللـه متحملا مفاتن الدُّنْيَا ومصائبها، زاهداً بما عند الخلق راغباً بما عند الخالق.
تلا رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (فمَن يرد اللـه أن يهديه يشرح صدره للإسلام (فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إن النور إِذَا دخل الصدر انفسحَ» فقيل: يا رَسولَ اللـه هل لذلك مِن علامة تُعرف؟ قَالَ: «نعم، التّجافِي عَن دار الغرور والإنابة إِلَى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله»(5) وقَالَ السدّي رحمه اللـه: ((الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيكم أحْسَنُ عَمَلاً)) أي أيّكُم أكثر للموت ذِكراً وأحسنُ لَهُ استعداداً وأشدُّ مِنه خوفاً وحذَراً).

فهلاّ عرضتَ نفسَك يا أخي على مَا كلّفك اللـه به بصفتك مسلماً أولاً، وحاملَ دعوة ثانياً، هلاّ سألت نفسك إن كنت قد أدّيت الحقّ أَوْ قصّرتَ فِي أدائِه؟ وهل أدركت أنّك أكثرُ النّاس هماً وأكثرهم تبعة، وانك أحوج النّاس فِي هذَا الزمن إِلَى محاسبة النفس وقهرها للقيام بما كلفك اللـه به مِن أعمال، وما أُلقي على كاهلك مِن مسئوليات؟

وهل أدركت يا أخي وأنت تحسب للموت حسابه، وتتذكر الآخِرَةَ، فتبكي خوفاً مِن عذاب النَّار، وتعمل رغبة فِي نعيم الجنَّة، هل أدركت يا أخي بأن مَا لديك مِن الفكر المستنير، والفهم الدقيق، والإخلاص الواعي لن يجعل مِنك صوفياً غافلا، أَوْ درويشا أحمقَ، أَوْ مُنزويا فِي الأركان والزوايا يبكي ويولول؟ ولا ينبغي لك ذَلِكَ، ولكن كُنْ حامل الدعوة الَّذِي باع نفسه للـه، القائد السياسي الَّذِي تُبكيه آيةٌ، ويهُزُّ مشاعرَه موقف.
أمَا علمت أن رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم كان أشد النّاس خوفا وأكثرهم بكاء، قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما: يا رسول اللـه شِبْتَ، فقال صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود وأخواتها: الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» وروى ابن النجار عن ابن عمر أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم سمع قارئا يقرأ ((إنّ لدينا أنكالا وجحيما)) فصعق صلى الله عليه وسلم أي أغمي عليه. وروي عنه أنه عندما كان صلى الله عليه وسلم يسير إِلَى مكة لفتحها وقد تدجج المسلمون بالسلاح، رأى قُبّرةً تطير فوق رأسِهِ وتصيح فبكى صلى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَن فجع هذِهِ بولدها، ردوُاْ عليها وليدها».

ولما نزل قوله تعالى: ((أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ولا تبكون)) بكى أهل الصُّفَّةِ حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول اللـه صلى الله عليه وسلم حسهم بكى معهم فبكى الصحابة كلهم ببكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يلجُ النَّار من بكى من خشية اللـه، ولا يدخل الجنَّة مُصِرٌّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء اللـه بقوم يذنبون فيغفر لهم»(6).

أمَا علمت أن عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مَعَ شدته فِي الحق وصلابته، وقوة بأسه، كانَ يخرُّ لسماع آية ويذرف الدموع عندما يُذَكَّرُ بالآخرة، وكان خاتمه قد كتب عليه (كفى بالْمَوْتِ واعظا يا عمر).
أمَا علمت أن أحد الصحابة قَالَ فِي أبي بكر الصديق: كنت إِذَا رأيته وهُوَ يعد الجيوش تظن أنّه لَمْ يتكل على اللـه أبداً، وكنت إِذَا رأيته وهُوَ يكثر مِن دعاء اللـه بالنصر وهُوَ يبتهل ويبكي، تقول: مَا أعدّ هذَا مِن عدة قط.
ألم تسمع قوله تعالى واصفا خير خلقه: ((محمد رَسولُ اللـه والذين مَعَهُ أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعا سُجَّدا يبتغون فضلا مِنَ اللـه ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وجوههم مِن أثر السجود ذَلِكَ مثلهم فِي التوراة ومثلهم فِي الإنجيل كزرع أخرج شَطْأَهُ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزُرَّاعَ ليغيظ بهم الكفار وعد اللـه الذين آمنوُاْ وعملوُاْ الصالحات مِنهم مغفرة وأجرا عظيما)).

أولئك هم القادة الذين أقاموُاْ الإسلام وجاهدوُاْ فِي سبيل اللـه حَتَّى لَقُوا ربهم، رهبان الليل فرسان النهار، قَالَ فيهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه واصفا: (واللـه لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانُوا يصبحون شُعْثاً غُبْراً، بينَ أعينهِم أمثالُ رُكَبِ المِعْزَى، قدْ باتوُاْ للـه سُجَّداً وقِياماً، يَتلونَ كِتابَ اللـه تعالى، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإِذَا أصبحوُا فذكروُا اللـه عز وجل، مادوُا كما يميد الشجر فِي يوم الريح، وهَمَلَتْ أعينهم حَتَّى تبل ثيابهم، واللـه لكأنّ القوم باتُوا غافلين).

قَالَ أبو عُبيدةَ الباجيّ: (دخلنا على الحسن فِي مرضه الَّذِي مات فيه فقَالَ: مرحباً بكم وأهلا، حياكم اللـه بالسلام وأحلّنا وإياكم دار المقام، إن صبرتم وصدقتم واتقيتم فلا يكن حظكم مِن هذَا الخبر رحمكم اللـه أن تسمعوه بهذِهِ الأذن وتخرجوه مِن هذِهِ الأذن، فإنّ مَن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد رآه غادياً ورائحاً لَمْ يضع لَبِنَةً على لَبِنَةٍ ولا قصبة على قصبة ولكن رفع لَهُ علم فشمر إليه، الوَحى الوَحى، النَّجَا النَّجَا، رحم اللـه عبداً جعل العيش عيشاً واحداً فأكل كِسرةً ولبس خِلقةً ولزِق بالأرضِ واجتهدَ فِي العبادة وبكى على الخطيئة وهربَ مِن العقوبة وابتغـى الرحـمـةَ حَتَّى يأتيهِ أجلُهُ وهُوَ على ذلكَ)(7).

إن الدُّنْيَا أيها الاخوة بمتاعها وفتنها تلهي المؤمِن مهما كانَ متاعها قليلا وفتنتها تافهة، وتشغله عَن آخِرتِه إن قبل هُوَ أن يلهى بها وينشغل بها عَن آخِرَتِه، قَالَ تعالى: ((اعلموُاْ أنّما الحياة الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فِي الأموال والأولاد كمَثَلِ غيثٍ أعجب الكفارَ نباته ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حُطاما وفي الآخِرَةِ عذاب شديد ومغفرة مِن اللـه ورضوان وما الحياة الدُّنْيَا إلا متاع الغرور. سابقوُاْ إِلَى مغفرة مِن ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمَنوُاْ باللـه ورسله ذَلِكَ فضل اللـه يؤتيه مَن يشاء واللـه ذو الفضل العظيم)).

وما الْمَوْتُ إلاّ الصاحب الصدوق الَّذِي يظل يذكّر المؤمِن بآخرتِهِ، وما دام المؤمِن يتذكر آخرتَهُ ويحسب حسابها فإنه إِلَى خير، وسيعيش حياته فِي رحاب تذكّر الآخِرَةِ والاستعداد لها، لذلك حثنا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم على تذكر الْمَوْتِ، والاستعداد لَهُ كما حثنا على زيارة القبور والسلام على أهلها فهي خير واعظ وخير مذكِّر.

عن أبي ذر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «زر القبور تذكر بها الآخِرَةَ، واغسل الْمَوْتَى فإنّ معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصلِّ على الجنائز لعل ذَلِكَ أن يحزنك فإنّ الحزين فِي ظل اللـه»(8).
وقَالَ ابن أبي مُلَيْكَةَ: قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «زوروُاْ موتاكم وسلموُاْ عليهم فإنّ لكم فيهم عبرة»(9).
ويروى عَن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كانَ إِذَا رأى جنازة قَالَ: امضوُاْ فإنّا على الأثر. وعن الضحاك قَالَ: قَالَ رجل: يا رَسولَ اللـه مَن أزهدُ النّاس؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ ينسَ القبرَ، وترك فضل زينة الدُّنْيَا، وآثر مَا يبقى على مَا يفنى، ولم يعدّ غداً مِن أيامه، وعدّ نفسه مِن أهل القبور».

ولنا فِي رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولنا فِي صحبه الكرام اهتداء ورشد، ولنا فيمَن سبقنا مِن الأخيار عبرة وعظة، فقد كانُوا يحرصون على تذكر الْمَوْتِ ليعينهم تذكره على الاستعداد للآخرة، وإِذَا جاءهم الْمَوْتُ وجدتهم بين باك على نفسه خوفاً ورهبة مِن عذاب اللـه، وبين محسن فِي اللـه أحسن الظن وراج مغفرته، وبين متهيئ كل التهيؤ ومستعد كل الاستعداد.

أما الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فقد ابتدأ استقباله للموت بالاستغفار لأهل القبور، وذلك فِي مرضه الَّذِي مات فيه، فعن أبي مُوَيْهِبَةَ مولى رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم قَالَ: (بعثنِي رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم مِن جوف الليل، فقَالَ لي: «يا أبا مُوَيْهِبَةَ إني قد أُمِرتُ أن استغفر لأهل البقيع، فانطلقْ معي» فانطلقتُ مَعَهُ، فلما وقف بين أظهرهم، قَالَ: «السلام عليكم أهل المقابر، لِيَهُنْ لكم مَا أصبحتم فيه مما أصبح النّاس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرُها أولَها والآخرة شر مِن الأولى» ثمّ أقبل عليّ فقَالَ: «يا أبا مُوَيْهِبَةَ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدُّنْيَا والخلد فيها، ثمّ الْجَنَّةَ، خيرت بين ذَلِكَ وبين لقاء ربي والْجَنَّةِ، فاخترت لقاء ربي والْجَنَّةَ» فقلت: بابي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدُّنْيَا والخلد فيها ثمّ الْجَنَّةَ، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لا واللـه يا أبا مُوَيْهِبَةَ، لقد اخترت لقاء اللـه والْجَنَّةَ» ثمّ استغفر لأهل البقيع ثمّ انصرف فبُدِئَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم بوجعه الَّذِي قُبِضَ فيه).

ولما اشتد به الوجع صلى الله عليه وسلم قَالَ للفضل وهُوَ معصوب الرأس مِن شدة الألم: «خذ بيدي يا فضل» فاخذ الفضل بيده حَتَّى جلس على المِنبر ثمّ قَالَ للفضل: «ناد فِي النّاس» فاجتمعوُاْ إليه، فحمد اللـه وصلى على أصحاب أحد، واستغفر لَهُم، واكثر الصلاة عليهم، ثمّ قَالَ: «أما بعد أيها النّاس، فإني احمد إليكم اللـه الَّذِي لا إله إلاّ هُوَ، وإنه قد دنا مِني حقوق بين أظهركم، فمَن كنتُ جلدت لَهُ ظهرا فهذا ظهري فَلْيَسْتَقِدْ مِنه، ومَن كنت شتمتُ لَهُ عرضا فهذا عرضي فَلْيَسْتَقِدْ مِنه، ألا وإنّ الشَّحْنَاءَ ليست مِن طبعي ولا مِن شأني، ألا وإنّ احبكم إليّ مَن اخذ مِني حقا إن كانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فلقيت اللـه وأنا أطيب النفس، وقد أرى أن هذَا غير مغن عني حَتَّى أقوم مرارا» ثمّ نزل صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، ثمّ رجع فجلس على المِنبر، فعاد لمقَالَته الأولى فِي الشَّحْنَاءِ وغيرها، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه، إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أعطه يا فضل»، ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أيها النّاس، مَن كانَ عنده شيء فليؤده، ولا يقل فَضُوحُ الدُّنْيَا، ألا وإنّ فَضُوحَ الدُّنْيَا ايسر مِن فَضُوحِ الآخِرَةِ»، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه عندي ثلاثة دراهم غللتها فِي سبيل اللـه، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ولِمَ غللتَها»، قَالَ الرجل: كنت إليها محتاجا، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «خذها مِنه يا فضل»، ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يا أيها النّاس، مَن خشي مِن نفسه شيئاً فليقم أَدْعُ لَهُ»، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه، إني لكذاب، إني لفاحش، وإني لنؤوم، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزقه صدقا وايمانا، وأذْهِبَ عنه النوم إِذَا اراد»، ثمّ قام رجل فقَالَ: واللـه يا رَسولَ اللـه إني لكذاب وإني لمنافق وما مِن شيء إلا جنيته، فقام عُمَرُ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فقَالَ: فضحت نفسك أيها الرجل، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بن الخطاب فضوح الدُّنْيَا اهون مِن فضوح الآخِرَةِ، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وصير امره إِلَى خير» .
وأوصى صلى الله عليه وسلم بالانصار خيرا فقَالَ: «اما بعد يا معشر المهاجرين، إنكم قد اصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد، على هيئتها التي هي عليها اليوم، والأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموُاْ كريمهم، وتجاوزوُاْ عَن مسيئهم».
ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إن عبدا مِن عباد اللـه خيره اللـه بين أن يؤتيه مِن زهرة الدُّنْيَا مَا شاء، وبين مَا عند اللـه، فاختار مَا عند اللـه»، فبكى أبو بكر ثمّ قَالَ: فديناك بأنفسنا وبآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا يا رَسولَ اللـه.

فتعجب النّاس من فعل أبي بكر وقوله، وقَالَ بعضهم: انظروُاْ إِلَى هذَا الشيخ، يخبر رَسولُ اللـه عَن عبد يُخَيَّر، ويقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، وقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم رادّا على أبي بكر: «على رسلك يا أبا بكر، انظروُا هذِهِ الابواب اللافظة فِي المسجد فسدوها، إلاّ مَا كانَ مِن بيت أبي بكر فإن أمنّ النّاس عليّ فِي صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلاً مِن العباد لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صحبة وإخاء ايمان حَتَّى يجمع اللـه بيننا عنده».

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي اللـه عنها: (رأيت رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قَدَحٌ فيه ماء، فيدخل يده في القدح ثمّ يمسح وجهه بالماء ثمّ يقول: «لا إله إلا اللـه، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت»، ثمّ نصب إصبعه وجعل يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، ثمّ أشخص بصره بسقف البيت وقال، اللهم الرفيق الأعلى فقبض ومالت يده في الماء).
ولما احتُضِر أبو بكر الصديق رضي الله عنه جاءت عائشة فتمثلت بهذا البيت:
لَعَـمْـرُكَ مَا يُـغْـني الثَراءُ عَن الفتى
إِذَا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ
فكشف أبو بكر عَن وجهه وقَالَ: (ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي ((وجاءت سكرة الْمَوْتِ بالحق ذَلِكَ مَا كنت مِنه تحيد)) انظروا ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي احوج إِلَى الجديد مِن الميت).
ولـمـا قَـالَـت عـائـشـة رضي اللـه عنها عند موته تمدحه:
وأبيض يَستسقى الغَمامُ بوجهِه
ربيعُ اليتامى عصـمـةٌ للأرامـلِ
قَالَ أبو بكر: ذاك رَسـولُ اللـه صلى الله عليه وسلم، ثمّ دخل عَلَيْهِ الصحابة وقد رقّوُا لما يجده مِن أثر السـم فقَالَوُا لَهُ: ألا ندعـو لك طبيبنا ينظر إليك؟ فقَالَ أبو بكر: قد نظر الي طبيبي وقَالَ: إني فعال لما أريد، ودخل عَلَيْهِ سلمان الفارسي رضي الله عنه يعوده فقَالَ: يا أبا بكر أَوْصِنا، فقَالَ الصديق: إنّ اللـه فاتح عليكم الدُّنْيَا فلا تأخذنّ مِنها إلاّ بلاغك، واعلم أن مَن صـلى الصبح فهُوَ فِي ذمة اللـه فلا تخفرن اللـه فِي ذمته فيكبك فِي النار على وجهك.
ولما ثقل أبو بكر رضي الله عنه أرسل إِلَى عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فأوصاه بوصية عظيمة قَالَ فيها: (إنّي اوصيك بوصية، إن أنت قبلت عني: إنّ للـه عز وجل حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنّ للـه حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنّه لا يقبل النافلة حَتَّى تؤدى الفريضـة، وإنّما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه فِي الآخِرَةِ باتباعهم الحق فِي الدُّنْيَا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنّما خَفَّتْ موازينُ مَن خفت موازينه فِي الآخِرَةِ باتباعهم الباطل، وخفته عليهم فِي الدُّنْيَا، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا.
ألـم تـر أنّ اللـه أنـزل آيـة الـرجـاء عند آية الشـدة، وآية الشـدة عنـد آية الرجاء، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون العبد راغباً راهباً لا يلقي بيديه إِلَى التهلكة، ولا يتمَنى على اللـه غير الحق.
فإن أنت حفظت وصيتي هذِهِ، فلا يكونن غائب أحب إليك مِن الْمَوْتِ، ولا بدّ لك مِنه، وإن أنت ضيعت وصيتي هذِهِ فلا يكونَنَّ غائب ابغض إليك مِن الْمَوْتِ، ولا بدّ لك مِنه ولست تعجزه) وكان آخر مَا قَالَه قبل خروج روحه رضي الله عنه: ربّ ((توفني مسلما وألحقني بالصالحين)).

أما عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنه فقد خرج قبل موته بأربعة أيام يطوف فِي السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا كثيرا، فقَالَ عمر: وكم خراجك؟ قَالَ: درهمان فِي كل يوم، فقَالَ عمر: وأَيْشٍ صِنَاعَتُكَ؟ فقَالَ أبو لؤلؤة: نجار، نقاش، حداد، فقَالَ عمر: فما أرى خَراجَك بكثيرٍ علىَ مَا تصنعُ مِن الأعمال، قد بلغني انك تقول لو أردت أن اعمل رحا تطحن بالريح فعلت، قَالَ: نعم، فقَالَ عمر: فاعمل لي رحا، فقَالَ الكافر: لئن سلمت لأعملنَّ لك رحاً يتحدثُ بها مَن بالمشرق والمغربِ، ثمّ انصرفَ عنه فقَالَ عمر: لقد توعدني العبد آنفا.
ثمّ انصرف عمر إِلَى مَنزله، فلما كانَ مِن الغد جاءه كعب الاحبار فقَالَ لَهُ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ: اعهد، فإنك ميت فِي ثلاثة أيام، فقَالَ عمر: وما يدريك؟ فقَالَ كعب: أجده فِي التوراة، فقَالَ عمر: ءآللـه إنك لتجد عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ فِي التوراة؟ فقَالَ كعب: اللهم لا، ولكني اجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى اجلك، فلما كانَ مِن الغد جاءه كعب فقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ ذَهَبَ يوم وبقي يومان، ثمّ جاءه مِن غد الغد فقَالَ: ذَهَبَ يومان وبقي يوم وليلة، وهي تلك الليلة إِلَى صبحتها، فلما كانَ الصبح خرج عمر إِلَى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا فإِذَا استوت جاء هُوَ فكبر، ودخل أبو لؤلؤة عَلَيْهِ لعنة اللـه فِي النّاس، وفي يده خنجر لَهُ رأسان نصابه فِي وسطه فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته، وهيَ التي قتلتهُ، وطار العلج لا يمر على أحد يمينا أَوْ شمالا إلاّ طعنه حَتَّى طعن ثلاثة عشر رجلاً فمات مِنهم تسعة، فلما رأى ذَلِكَ رجل مِن المسلمين طرح عَلَيْهِ برنسا فلما ظن العلج أنّه مأخوذ نحر نفسه.
أما عمر رضي الله عنه فإنه لما وجد حرّ السلاح سقط وقَالَ: أفي النّاس عبد الرحمن بن عوف؟ قَالَوُاْ نعم يا أمير الْمُؤْمِنِينَ هُوَ ذا، فقَالَ لَهُ عمر: تقدم فصل بالناس، فصلى عبد الرحمن بالناس وعمر طريح بجانبه، وكان الذي يلي عمر قد رأى مَا حصل، أما الذين في نواحي المسجد فلا يدرون مَا الأمر، غير أنَّهم فقدوُاْ صوت عمر فظلوُاْ يقولون: سبحان اللـه سبحان اللـه، فصلى عبد الرحمن بن عوف فيهم صلاة خفيفة، ثمّ احتُمِل أمير الْمُؤْمِنِينَ فأدخِل داره وقَالَ: يا ابن العباس انظرْ مَن قَتَلَني، فَغابَ عبدُ اللـه ساعةً ثمّ رجع فقَالَ: غلام المغيرة بن شعبة، فقَالَ عمر: قاتله اللـه، لقد كنت امرت به معروفا، ثمّ قَالَ: الحمد للـه الَّذِي لَمْ يجعل منيتي بيد رجل مسلم سجد للـه سجدة واحدة. وكان النّاس يومئذ كأن لَمْ تصيبهم مصيبة مِن قبل، فقائل يقول لا بأس عَلَيْهِ وقائل يقول أخاف عَلَيْهِ، وجاؤوه بنبيذ فشرب مِنه فخرج مِن جوفه مشكلا، ثمّ أتي بلبن فشرب مِنه فخرج مِن جوفه فعرفوُاْ أنّه ميت.
وبدأ الـمـهـاجـرون والأنصـار يدخلون عَلَيْهِ ليسلموُاْ ويودعوُاْ فدخل عَلَيْهِ مِن بينهم كعب الاحبار فلما رآه عمـر تذكر مقولته الآنفة فأنشد عمر قائلا:
فأوعـدني كـعـبٌ ثلاثـاً أعـدها
ولا شك أن القول مَا قَالَ لي كعبُ
وما بي حذار الْمَوْتِ إني لميت
ولكـن حـذار الذنب يـتـبـعـه الذنبُ
وكان ممَّن دخل عَلَيْهِ شاب من المسلمين فقَالَ لَهُ: أبشر يا أمير الْمُؤْمِنِينَ ببشرى مِن اللـه عز وجل، قد كانَ لك صحبة مِن رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم وقدم فِي الإسلام مَا قد علمت، ثمّ وليت فعدلت ثمّ شهادة، فقَالَ: أمير الْمُؤْمِنِينَ: وددت أنّ ذَلِكَ كان كفافاً لا لي ولا عليّ، فلما أدبر الرجل إِذَا إزاره يمس الأرض فقَالَ عمر: ردوُاْ علي الغلام، فقَالَ لَهُ: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
ولما دخل عَلَيْهِ عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه رآه يبكي فقَالَ: مَا يبكيك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، فقَالَ عمر: ابكاني خبر السماء، أيُذْهَبُ بي إِلَى الجنَّة أم الي النَّار، فقَالَ علي: أبشر بالْجَنَّةِ، فإني سمعت رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم يقول: «سيدا كهول أهل الجنَّة أبو بكر وعمر وأنعما» فقَالَ عمر: أشاهد أنت لـي يا عليّ بالجنّة؟ فقَالَ عليّ نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك أن رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم قَالَ: إن عمر مِن أهل الجنَّة.
ولما دخل عَلَيْهِ عبد اللـه بن عباس قَالَ لَهُ: أبشر يا أمير الْمُؤْمِنِينَ بالْجَنَّةِ، صاحبت رَسولَ اللـه، فأطلت صحبته، ووليت أمر الْمُؤْمِنِينَ فقويت وأديت الامانة، ومَصَّرَ اللـه بك الامصار، ودفع بك النفاق، وأفشى بك الرزق، فقَالَ عمر: أما تبشيرك لي بالْجَنَّةِ فواللـه الَّذِي لا إله إلاّ هُوَ، لو أنّ لي الدُّنْيَا وما فيها لافتديت به مِن هول مَا أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك فِي إمرة الْمُؤْمِنِينَ، فواللـه لوددت أني خرجت مِنها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر، وأما مَا ذكرت مِن صحبة رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم فذاك - أيّ فـذاكَ مَا أرجـوهُ. ثـمّ قَـالَ رضي الله عنه: أجلسوني، فلما جلس قَالَ لابن عباس رضي اللـه عنهما: أعد عليّ كلامك، فلما أعاده عَلَيْهِ قَالَ عمر: أتشهد بذلك عند اللـه يوم تلقاه، فقَالَ ابن عباس: نعم ففرح عمر بذلك.وهُوَ القائل رضي الله عنه: (لو نادى مناد فِي السماء: يا أيها النّاس إنكم داخلون الجنَّة كلكم إلاّ رجـلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هُوَ، ولو نادى مناد: أيها النّاس، إنكم داخلون النَّار إلاّ رجلا واحدا لرجوت
أن أكون أنا هُوَ).
ولما حانت وفاته رضي الله عنه قال لابنه: يا بني إذا حضرتني الوفاة فاحرفني واجعل يدك اليمنى على جبيني ويدك اليسرى على ذَقَني، فإذا قبضت فأغمضني، واقصدوا في كفني فإنه إن يكن لي عند اللـه خيرا أبدلني خيرا منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فاسرع سلبي، ولا تخرجن معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في، فإن اللـه هو أعلم بي، وإذا خرجتم بي فأسرعوا في المشي، فإنه إن يكن عند اللـه خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد القيتم عن رقابكم شرا تحملونه، ثمّ قال رضي الله عنه: ألصق خدي بالأرض، وكان رأسه في حجر عبد اللـه بن عمر، فوضع عبد اللـه رأس عمر على ساقه وقال: وما عليك إن كانَ فِي حجري أم على الأرض؟ فقَالَ عمر: ضع خدي على الأرض لا أم لك، ففعل عبد اللـه، فلما التصق خد عمر ولحيته بالارض قال رضي الله عنه: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر اللـه لك يا عمر، ثمّ قبض رضي الله عنه.

أما ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنه لما حصر في بيته، وكان صائما، أراد الإفطار فسأل محاصريه الماء العذب ليفطر فأبوا عليه وقالوا له: دونك ذلك الركي فافطر منه والركي ما تجمع فيه القمامة، فلم يفطر عثمان فذهبت امرأته نائلة بنت القرافصة لتبحث عن الماء، فوجدت أناسا سألتهم عن الماء العذب فأعطوها كوزا من ماء فجاءت عثمان وقد أذن الفجر بالطلوع فقالت له: هذا ماء عذب أتيتك به، فنظر رضي الله عنه فإذا الفجر قد طلع، فقال: إني أصبحت صائما، فقالت: ومن أين أكلت، ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول اللـه صلى الله عليه وسلم اطلع عَلَيّ من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال ياعثمان حصروك فقلت: نعم، قال: عطشوك؟ فقلت: نعم، فأدلى بالدلو وقال: اشرب يا عثمان فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي وكتفي، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: ازدد، فشربت حتى نهلت، ثمّ قال: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن شئت قاتلتهم فظفرت ونصرت عليهم، وإن شئت تركتهم فأفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده.
ودخل عليه كثير بن الصلت فقال له: ما أراني يا كثير إلا مقتولا يومي هذا، فقال كثير: ينصرك اللـه على عدوك يا أمير المؤمنين، أوقت لك في هذا اليوم شيء أو قيل لك شيء؟ فقال عثمان: لا، ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان وقت السحر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، ورسول اللـه صلى الله عليه وسلم يقول لي: يا عثمان لا تحبسنا، فإنا ننتظرك، فقتل في يومه ذاك.
ولما قُتِلَ رضي الله عنه عنه فتشوا في خزانته فوجدوا حقة فيها ورقة مكتوب فيها: (هذه وصية عثمان، بسم اللـه الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنَّة حق، وأن النَّار حق، وأن اللـه يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن اللـه لا يخلف الميعاد، عليها نحيا وعليها نموت، وعليها نبعث إن شاء اللـه).

وروي أنه لما كانت الليلة التي أصيب فيها عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه أتاه ابن السياج حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهُوَ مضطجع متثاقل، فعاد إليه الثانية وهُوَ كذلك، ثمّ عاد الثالثة فقام علي يمشي وهُوَ يقول:
شدّ حيازيمك للموتِ فإن الْمَوْتَ لاقيك
ولا تجزع مِن الْمَوْتِ وإن حــلّ بـنـاديــك
فلما بلغ الباب الصغير شد عَلَيْهِ عبد الرحمن بن ملجم فضربه فقَالَ علي: فزت ورب الكعبة، ولما حملوه قَالَ: مَا فُعل بضاربي؟ قَالَوُاْ: أخذناه، قَالَ: (أطعموه مِن طعامي، واسقوه مِن شرابي فإن انا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.
ثمّ أوصـى الحسـن أن يغسله وقَالَ: لا تُغالِ فِي الكفن، فإني سمعت رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغالوُا فِي الكفن فإنّه يسلب سلباً سريعاً، امشوُا بي المشيتين لا تسرعوُا بي، ولا تبطئوُا فإن كانَ خيرا عجلتموني إليه، وإن كانَ شرا ألقيتموني عَن أكتافكم).

ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه قَالَ: (انظروُاْ هل أصبحنا؟ فقيل: لَمْ نصبح، فظل يسألهم حَتَّى أتى الصبح فقيل لَهُ: قد أصبحنا، فقَالَ: أعوذ باللـه مِن ليلة صباحها إِلَى النار، ثمّ قَالَ: مرحبا بالْمَوْتِ زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنّى لَمْ اكن احب الدُّنْيَا وطول البقاء فيها لكريِ(10) الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر).

ولما حـضـرت بلالاً رضي الله عنه الوفـاة قَالَت امرأته: واحزناه فقَالَ: (بل واطرباه، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه).

أما أم المؤمنين عائشة رضي اللـه عنها فقد دخل عليها عبد اللـه بن عباس رضي الله عنه قبل موتها فأثنى عليها وقال: أبشري زوجة رسول اللـه، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء، فدخل عليها ابن الزبير رضي اللـه عنهما خلافه فقالت: أثنى علي عبد اللـه بن عباس ولم اكن احب أن اسمع احدا اليـوم يثني علي، لوددت اني كنت نسيا منسيا.

وقَالَ أبو مسـلم: جـئت أبا الدرداء رضي الله عنه وهُوَ يـجـود بنـفسه ويقول: (ألا رجل يعمل لـمـثـل مصـرعـي هذَا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذَا؟ ألا رجـل يعـمل لمثل ساعتي هذِهِ؟) ثمّ قُبض رحمه اللـه.

وبكى سلمان الفارسي عند موته، فقيل لَهُ مَا يبكيك؟ فقَالَ: (عهد إلينا رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذِهِ الأزواد) وقيل: إنّما كانَ حوله إجانة وجفنة ومطهرة مَا قيمته بضعة عشر درهما.

وبكى أبو هـريـرة رضي الله عنه قـبـل وفـاتـه فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي لبعد سفري وقلة زادي، أصبحت في صعود مهبطة على جنة ونار فلا أدري إلى أيهما يسلك بي(11).

وروى المزني قَالَ: دخلت على الشافعي فِي مرضه الَّذِي مات فيه فقلت لَهُ: كيف أصبحت؟ قَالَ: (أصبحت مِن الدُّنْيَا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى اللـه وارداً، ولا أدري أروحي تصير إِلَى الْجَنَّةِ فأهنئها، أم إِلَى النار فأعزيها) ثمّ أنشأ يقول:
ولمّا قسـا قلـبـِي وضـاقـتْ مذاهـبي جعلتُ الرجا مِنِّي بعفوِكَ سُلَّما
تعـا ظــمـنـي ذنْـبِـي فلـمّـا قَــرَنْــتُـه بعفوك ربِّي كانَ عفوُكَ أَعْـظَما
وما زلتَ ذا عفوٍ عَن الذنب لَمْ تزل تـجــودُ وتـعـفـو مِــنـَّــةً وتَـكَــرُّما

ولما ثقل الحسن بن علي رضي الله عنه دخل عَلَيْهِ الحسين رضي الله عنه فقَالَ: يا أخي لأي شيء تجزع؟ تُقدم على رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم وعلى عليّ بن أبي طالب وهما أبواك وعلى خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد وهما أماك وعلى حمزة وجعفر وهما عمّاك! فقَالَ الحسن: أقدم يا أخي على أمر لَمْ أقدم على مثله.

وروي أنه لما ثقل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه دعي لَهُ بطبيب فلما نظر إليه قَالَ: أرى أن الرجل قد سُقي السم ولا آمن عَلَيْهِ الْمَوْتَ، فرفع عمر بصره وقَالَ للطبيب: ولا تأمَن الْمَوْتَ أيضاً على مَن لَمْ يُسقَ السُّم! فقَالَ الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ؟ فقَالَ عمر: نعم قد عرفت ذَلِكَ حين وقع فِي بطني، فقَالَ الطبيب: فتعالج
يا أمير الْمُؤْمِنِينَ فإني أخاف أن تذْهَبَ نفسك، فقَالَ عمر: ربي خير مذهوب إليه، واللـه لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني مَا رفعت يدي إِلَى أذني فتناولته، ولما حضرته الوفاة بكى فقيل لَهُ: مَا يبكيك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ؟ أبشر فقد أحيا اللـه بك سننا وأظهر بك عدلا! فبكى ثمّ قَالَ: أليس أوقف فأُسْأَلُ عَن أمر هذَا الخلق، فواللـه لو عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي اللـه إلاّ أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما ضيّعنا؟ وفاضت عيناه ثمّ قَالَ: أجلسوني! فأجلسوه فقَالَ: أنا الَّذِي أمرتَني فقصرتُ ونهيتَني فعصيتُ - قَالَها ثلاث مرات - ثمّ قَالَ: ولكن لا اله إلاّ اللـه ثمّ رفع رأسه فأحدَّ النظر فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فقَالَ: إني لأرى خضرة، مَا هم بإنس ولا جنّ ثمّ قبض رحمه اللـه.

وحُكيَ عَن هارونَ الرشيدِ أنَّه انتقى أكفانَه بيدِه عندَ الْمَوْتِ، وكانَ ينظرُ إليها ويقولُ: ((مَا أغْنَى عني مالِيَه . هلك عني سلطانيه)).
وقيل فتح عبد اللـه بن المبارك عينيه عند الوفاة وضحك وقَالَ ]لمثل هذَا فليعمل العاملون[ ثمّ قبضت روحه.

كما رُوِيَ عَن حذيفة أنّه لما حضرته الوفاة قَالَ: (حبيب جاء على فاقة، لا افلح مَن ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر احب إليّ مِن الغنى، والسقم احب إِلَى مِن الصحة، والْمَوْتَ احب إِلَى مِن العيش، فسهل علي الْمَوْتَ حَتَّى ألقاك).

هذِهِ مواقفهم، وهذِهِ محاسبتهم لانفسهم، عاشوا في رحاب اللـه تعالى، ساروا على منهجه، واتبعوا رسوله، وظلوا يحاسبون أنفسهم ويراقبونها على كل صغيرة وكبيرة، حتى إذا جاء الموت احدهم تخاله عاصيا لم يطع اللـه في حياته، وذلك من شدة خوفهم من اللـه تعالى وشدة رجائهم بمغفرته، هَكَذَا يجب أن يكون المؤمِن الحق، رقيبا حسيبا على نفسه، فيلحقها قبل أن يفوت العمر، فلا فائدة للندم، ولا قيمة للحسرة.

إنكم يا حملة الدعوة، فِي شغل عظيم، ففي الوقت الَّذِي انصرف فيه النّاس إِلَى دنياهم انشغلتم أنتم بأخـراكم، وفي الوقت الَّذِي قل فيه العاملون، أخذتم أنتم على عاتقكم عبء النبوة، فسرتم لتحقيق مَا لَمْ يحققه مِن البشر غيركم إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وأحـباؤه وإن كانَ صحابته قد فضلوُاْ بالصحبة عليكم، فإنكم قد فضلتم على غيركم بالعمل لاعادة الإسلام دين اللـه وخاتم الرسالات إِلَى الأرض، لترضوُا بذلك ربكم، وتتبعوُاْ فيه نبيكم.

فاهنأوا إخوة الإسلام والدعوة بما أنتم فيه، وكونوُا حقا قوامين على أنفسكم وعلى بعضكم بما تحملون بين جنباتكم مِن مَنهج عظيم، وإرادة جبارة، وصبر وتحمل ينوء بالجبال الراسيات.

لعمري إنها أمانة، فإن تعاهدناها وقمنا بها خير قيام، فعسى ان نكون مِن إخوان الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الذين قَـالَ فيـهـم: «ليتني أرى إخواني وردوُا عليّ الحوض فأستقبلهم بالآنية فيها الشراب فأسقيهم مِن حوضي قبل أن يدخلوُا الجنَّة قَالَوُا»: أوَلسنا إخوانك؟ قَالَ:«لا، بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوُاْ بي ولم يروني، أنا لَهُم بالاشواق».

وعسى أن تكون كتلتكم من الذين قَالَ فيهم رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة، إن فِي كل طائفة مِن أمتي قوما شُعْثاً غُبْراً إياي يريدون وإياي يتبعون، ويقيمون كتاب اللـه، أولئك مِني وأنا مِنهم وإن لَمْ يروني». وقوله صلى الله عليه وسلم: «أوحى اللـه إِلَى موسى بن عمران أنّ فِي أمّة محمد لرجالا يقومون على كل شرف وواد ينادون بشهادة أن لا إله إلاّ اللـه، جزاؤهم عَلَىَّ جزاء الأنبياء».

اللهم أنت تعلم اننا مَا قلنا هذا إلاّ تلبية لامرك وما تذاكرنا لقاك إلا خوفا مِنك وما دعوناك إلا رغبة برضاك، فاجعل ذَلِكَ فِي ميزاننا يوم توزن الأعمال، وثبتنا على دينك والعمل برسالة نبيك وحبيبك حَتَّى نلقاك، وأعنا على فتن الدُّنْيَا، ولا تبتلينا فتفضحنا وإن ابتليتنا فثبتنا. والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الهـوامـش:
(1) رواه البخاري.
(2) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن.
(3) أخرجه البيهقي في الشعب.
(4) أخرجه ابن ماجه مـخـتصـراً وابن أبي الدنيا بكماله بإسناد جيد.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك.
(6) أخرجه البيهقي.
(7) أخرجه ابن حبان في الثقات وأبو نعيم في الحلية.
(8) أخرجه ابن أبي الدنيا والحاكم بإسناد جيد.
(9) أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلاً وإسناده جيد.
(10) أي لحفر الأنهار.
(11) أخـرجـه ابـن سـعـد عـن مـسـلـم بـن بـشـر وأبو نعيم في الحلية.