السبت، 17 يناير، 2015

كـذبـــــة اسمـــــــها «الإرهــــــــــــاب» (1)


بسم الله الرحمن الرحيم 
 
تتعدد وتتنوع أساليب ووسائل وخطط الغرب الخبيثة (الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها) في حربه على الإسلام ودعاته، وهو يستميت في ذلك ليحول دون عودة الإسلام ودولته دولة الخلافة الراشدة الثانية التي أظلَّ زمانها بإذن الله تعالى. فها نحن نراه يطلق سمومه ممثلة بمصطلحات ومفاهيم يصنعها صناعة في الغرف المعتمة والمشبوهة من وراء الكواليس كفكرة حقوق الإنسان، وسياسات السوق، والحوار بين الأديان، والأصولية، والعولمة، والوسطية، وأخيراً وليس آخراً: الإرهاب. نعم إنه المصطلح والفكرة والواقع الجديد الذي صنع منه صانعوه وأعد له معدوه وأخرج له مخرجوه لأن يلعب في فيلم الكاوبوي الأميركي دور الشبح والجن الذي يؤرق ويقضُّ مضاجع العالم، فتكون النتيجة احتلال مزيد من بلاد المسلمين، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والشباب، وهدم وتدمير للشجر والحجر، ويكون هذا (الإرهاب) حجة وذريعة لاستعباد العباد واحتلال البلاد اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وفكرياً. لقد بات الإرهاب الواقع الجديد القديم، والذي مازال حتى الساعة يقطف الغرب ثمرته ويضرب به البلاد والعباد، هذا وقد تناولت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المحلية والدولية مصطلح الإرهاب لترسخ هذا المصطلح خدمة للأنظمة ومن ورائها الغرب الحاقد. وفي هذا المقال لن نسلط المجهر سوى على مصطلح الإرهاب الذي بات سرطاناً وجب على الأمة استئصاله واستئصال أمه المبدأ الرأسمالي واجتثاثه من جذوره واستبداله بمبدأ الإسلام؛ لتتعافى الأمة وتصبح خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ولكن كيف يتسنى لنا ذلك؟
وعلى ذلك، فسنبحر في هذا البحث ونتعمق في عدة محاور فيه تتمثل بـ: 1- تعريف الإرهاب لغة وشرعاً. 2- نشأة الإرهاب والغاية منه. 3- ماذا استفاد الغرب من فكرة الإرهاب؟. 4- صور من الإرهاب الغربي. 5- أسباب إخفاق الثورات. 6 - عوامل نجاحه 

ودعمه. 7- كيفية مواجهة الإرهاب ( فكراً وواقعاً) وعلاجه .

1- تعريف الإرهاب لغة وشرعاً:
الإرهاب لغةً: رَهِبَ بالكسر يَرهَبُ رهْبَةً ورُهباً بالضم ورَهَبَا بالتحريك أي خاف. ورهب الشيء رهباً ورهباً ورهبة: خافه. ويقال: رهبوت خير من رحموت، أي لأن تُرهب وتُخف خير من أن تُرحم.
والرهبة: الخوف والفزع، ترهب الرجل إذا صار راهباً يخشى الله، والراهب: المتعبد في الصومعة.
والإرهاب شرعاً: لا يوجد معنى في الشرع في الآيات والأحاديث يصرفه عن معناه في اللغة، وبالتالي يكون لغة وشرعاً بنفس المعنى، قال تعالى:((وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُون)) . أي فإياي فخافون. وقال تعالى: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)). أي يدعوننا قربة إلى الله وخوفاً من الله تعالى من الآخرة. وفي الحديث: «عليكم بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي» يريد أن الرهبان وإن تركوا الدنيا وزهدوا فيها وتخلوا عنها فلا ترك وزهد ولا تخلٍّ أكثر من بذل النفس في سبيل الله، وكما أنه ليس عند النصارى عمل أفضل من الترهب، ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد؛ ولهذا ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله.
والإرهاب اصطلاحاً: هناك اصطلاح للإرهاب اصطلح عليه الغرب وأخفى غايته من هذا المصطلح الخبيث، والذي أصبح واقعاً 

 متجسداً في حياتنا ويعني به: قتل المدنيين وتخويفهم وإفزاعهم بدافع وغرض سياسي.

2- نشأته والغاية منه:
نشأ الإرهاب كمصطلح أسوة بأخواته فيما تقدم كالوسطية والعولمة والأصولية في الغرب، وبحسب الحاجة إليه وضعت الغاية له. أما مصطلح الإرهاب فقد نشأ في عام 1979م بعد مداولات ونقاشات بدأت منذ ما قبل عقد أو عقدين من ذلك التاريخ حتى توصلت إليه الاستخبارات الأميركية والبريطانية في ندوة عقدت لهذا الغرض، وقد سنت تشريعات وقوانين لتحديد الأعمال التي يمكن أن توصف بالإرهاب، وأنواع الحركات التي يطولها المصطلح بعيداً طبعاً عن إرهاب الدول الكبرى؛ لأنه حينها لا تكون له جدوى وفائدة، لأن واضعيه يريدون أن يخدم توجهات ومصالح هذه الدول الكبرى والمستعمرة للوصول إلى المزيد من خنوع وخضوع المسلمين للغرب، وهذا ما أدى بهم إلى جعل (الإرهاب) كلمة ضبابية يسهل اللعب بها هي وأخواتها بحيث يكون كل منها له مأربه ومقصده الاستعماري. فالإرهاب هو الكلمة التي لم يكن لها واقع، فأوجد لها الغرب واقعاً لتخدم مصالحه. وكذلك سواء أكانت الغاية من المصطلح الاستعمار الفكري أم الثقافي أم الاقتصادي أم السياسي... فهي تحقق له غاية، فما هي غايته؟
إن الغاية من أي فكرة أو أي عمل يعرف إما من الخبرة السياسية والمعلومات السابقة المربوطتين بالواقع المعاش، وهي أفضل من معرفتها عن طريق النتائج التي تتلو تنفيذ وتطبيق هذه الفكرة والعمل؛ لأنه حينها تكون قد وقعت الفأس بالرأس؛ لذلك كانت الطريق الأول أفضل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإفشال ما يمكن إفشاله من مشاريع قد تؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، فيا ترى: ما المصلحة والفائدة المرجوة لدى الغرب من استخدام هذه الفكرة؟ وأليست دول الغرب هي المستفيد الأول، وعلى وجه الخصوص أميركا. فماذا استفاد الغرب من شبح ما سماه بـ«الإرهاب»؟


3- ماذا استفاد الغرب من مصطلح «الإرهاب» فكراً وواقعاً:
لقد استفاد الغرب، وعلى رأسه أميركا، من استخدام مصطلح «الإرهاب» وتجلت هذه الاستفادات بـ:
1- احتلال أميركا للعراق ومن قبل أفغانستان، ونهب وسلب ثرواتهما، وفرض سيطرتها على ما حولها من بلاد وعباد.
2- هجوم أميركا على بعض البلاد الإسلامية مثل باكستان واليمن بطائرات بدون طيار، وهو انتهاك للبلاد والعباد والبشر والشجر والحجر، وفرض إرهابها على هذه البلاد وقاطنيها بإذلالهم بهذه الضربات، وكذلك على جيران هذه البلاد على طريقة المثل القائل: «اضرب المربوط يخاف السائر».
3-فرض ضغوط سياسية واقتصادية على البلاد التي يوجد فيها ما يسمى بالإرهاب، وربطها باتفاقيات ومعاهدات تزيد من سيطرتها على هذه الدول؛ وذلك بإرسال قوات لتلك البلاد، وإقامة قواعد عسكرية فيها، وإرسال جيشها إليها بحجة التدريب ومكافحة الإرهاب والمساعدة في ذلك (وهو في ذلك احتلال عسكري ) وكذلك شراء وكسب قواد الجيوش لصالحها، وبيع هذه البلاد أسلحة بمبالغ هائلة وفي كثير من الأحيان أسلحة فاسدة لتكدس وتصدأ دون استخدام سوى على شعوبها، فمنذ متى لم تُحارِب هذه البلاد أعداءها؟؟ مرت عقود وعقود دون حروب، فما فائدة هذه الأسلحة سوى انتفاع الغرب منها، وقمع الشعوب بها، وإرسال خبراء (جواسيس) لتشتري الذمم وتحول الولاءات والعمالات لصالحها.
4-الضغط على هذه البلاد وإخافة دعاتها ومفكريها وأحزابها وإجبارهم على السير معها في فكرة ما يسمى بالإسلام المعتدل الذي يعترف بأجندة الغرب من الديمقراطية وحوار الأديان والحريات العامة، ويرضى بالغرب ويوجد له مبررات مفتراة من القرآن والسنة، والتلبيس على الناس بهذه الدلائل التي لا محل لها في الإسلام، وربط إقامة الخلافة الراشدة ورفع راية العقاب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإرهاب رغم أن المطلبين شرعيان وليسا مرتبطين بالحركات التي تتخذ العنف طريقة للتغيير بل بحزب التحرير الذي يدعو لهذا الهدف العظيم منذ أن نشأ في الخمسينات في عام 1953م، ولكن الإعلام المأجور للغرب لا يظهر هذا بل يكتمه، ويعتم على هذه الحركة الصافية النقية التي تدعو للإسلام النقي الصافي ولا تستخدم العنف تأسياً بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم لتحقيق هذا الهدف العظيم، والذي يتوجب على كل مسلم أن يسعى لإيجاده في الواقع، فهو فرض، وفيه إنقاذ للأمة والعالم مما يعانيه من شقاء الرأسمالية. نعم إن الإعلام الفاسد يظهر الحركات الفاسدة ابتغاء تشويه الإسلام النقي وحملته مما يدل على أن هذه الحركات أعدت وجهزت لتقوم بدور مرسوم لها، سواء أكان ذلك بعلم أم بجهل منها، فتجد أميركا والغرب من ورائها ضالتها وذريعتها لاحتلال البلاد الإسلامية.
5- العمل على ضرب الإسلام النقي الصافي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بما تقوم به بعض الحركات من تفجير وأعمال عنف حيث ترفع شعارات حقة مثل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله (راية العقاب)، ومن المناداة بإقامة الخلافة الإسلامية الراشدة رغم أنها حق؛ إلا أن من يرفعها هم من يقومون بهذه الأعمال (العنف) فيشوهون هذه الراية وهذه الأعمال العظيمة التي يدعو لها دعاة الخلافة فيخلط الحابل بالنابل، والزبد بما ينفع الناس، وفكر الحق بفكر الباطل.
6- ربط أشخاص عملاء للغرب وللاستخبارات الأميركية ليقوموا بأعمال العنف هذه في بلاد المسلمين لتمتلك أميركا حجتها لضرب هذه الجهة في أي بلد وفي أي مكان وأي زمان بحجة الإرهاب؛ فيكون العالم كله قرية خاضعة لها بحجة هذا المصطلح الخبيث، فيفرض الغرب أوامره على البلد، فإذا كان تابعاً لها سكتت عنه، وإذا لم يكن كذلك ضغطت عليه بهدف أن يصبح موالياً لها، أو يحقق بعض مطالبها.
7- العزوف من قبل المسلمين عن أن يعملوا للتغيير مع الحركات الإسلامية عامة، لاعتبارهم أنها شوهت الإسلام، فتلك تقوم بالعنف، وتلك تجامل وتداهن وتعترف بالديمقراطية، وتلك ترفع شعارات الموت للأعداء وتقتل المسلمين، وتلك تهتم بالسنن وتترك الفروض وتسمي الحاكم ببلاد المسلمين بولي الأمر... وجل هذه الحركات لا تفهم الإسلام فهماً صحيحاً، ولا تطرح مشروعاً لحل المشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية والعالم؛ وهذا ما أدى إلى نفور الناس والأمة من هذه الحركات وخاصة تلك التي ترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ومن ثم تقوم بالعنف فتشوه صورة وفكرة كل من يحمل هذا الراية العظيمة، سواء أكانت طريقته حقاً أم باطلاً.
8- محاولة إيجاد ما يسمى بالإرهاب الفكري وإلصاقه بدعاة الإسلام السياسي (الخلافة الراشدة) الذي يدعو إلى إيصال الإسلام لسدة الحكم، وتطبيقه في مناحي الحياة، وإيقاف التبعية للغرب وجعل الأمة مستقلة عنه، بل قائدة للأمم الأخرى...
يحارب هذا المشروع ويتهم ليُحْمَل المسلمون على نبذ الجهاد وجعله جهاد دفع وإلغاء جهاد الطلب (الفتوحات الإسلامية) الذي لولاه لما كنا مسلمين، وقبول العلمنة والديمقراطية والانتخابات وحصر الإسلام فقط في العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وما يؤكد هذا هو ما دعت إليه السعودية مؤخراً من سن قانون يجيز اعتقال وتجريم كل من يدعو إلى الإسلام السياسي ليصبح في لائحة الإرهاب حسب قانونها امتثالاً لأوامر أميركا، وهذا قد أتى بعد الزيارات المتبادلة للمسؤولين الأميركان والسعوديين كزيارة أوباما للسعودية مؤخراً قبل شهر؛ ويمكن القول إن جهود الغرب وعملائهم من حكام المسلمين تنصب الآن على محاربة الإسلام السياسي الذي يعمل لإقامة الخلافة الراشدة، وهم في سبيل ذلك يطورون قوانينهم باستمرار حتى تلاحق هؤلاء أولاً بأول، ومن أساليب تطويرها المستحدثة إيجاد تلك الحالة الشاذة من الدعوة إلى الخلافة...
9-ضرب الإسلام السياسي الذي ينافس الرأسمالية ويهدد زوالها رغم أنه لا توجد له دولة. فبالدعوة إلى «محاربة الإرهاب» تستبق دول الغرب، وعلى رأسها أميركا، الأحداث وتضع معوقات ومزالق لتحول دون عودة الخلافة أو تأخير عودتها؛ فتشوهه من خلال الـ C.I.A وشركة البلاك ووتر الأمنية التابعة لأميركا؛ فتقوم بأعمال العنف هي وعملاؤها ومرتزقتها من جنسيات مختلفة من تفجير وقتل، وإظهار أن من يقوم بهذه الأعمال هم مسلمون ليلصق بالإسلام؛ فيكون رد الفعل عند الغرب ضرب البلاد الإسلامية محل إقامة هؤلاء الذين قاموا بالعنف.
10- إيجاد حالة من التوتر والبغض بين الجيش والأمة من جراء قيام الجيش بحملات تفتيش وقصف وقتل بالأسلحة والطائرات بطيار وبدون طيار ضد من يقوم بالتفجيرات والعنف؛ فيوقع فيها ضحايا وأبرياء ومدنيين ما يؤدي إلى أن ينقم أهالي الضحايا على هذه الحركات وعلى الجيش ليقوم أهالي الضحايا بالانتقام من الجيش، وكذلك تنشأ فتنة بين الناس على أساس العرق والطوائف والديانات والقوميات كما حدث في العراق بسبب هذه العمليات التي يجريها الجيش.
11- إنشاء منظمات والإيعاز إلى مراكز أبحاث، وتقديم ندوات وبرامج ثقافية وإخراج أفلام بعدة لغات تركز على خدمة أميركا وتعريفها لـ»لإرهاب» ويحدث هذا بدعم مالي منها.


4-صور من الإرهـــــاب الغـــربي :
عرَّف الغرب الإرهاب كما يريد وكما يشاء وفق مصالحه التي تعكس مبدأه القائم على فصل الدين عن الحياة. فبحسب تعريفه، الإرهاب هو القيام بقتل وإفزاع مدنيين بدافع سياسي. فلماذا عُرِّف بهذا التعريف؟ أليس لمصلحتهم؟ وهل يطبَّق هذا التعريف على الناس جميعاً سواء وافق مصالح الغرب أو تعارض معه، أو هناك ازدواجية في التعريف فينطبق على جهات ولا ينطبق على غيرها؟!.
نعم، إن الغرب عرَّف الإرهاب بهذا التعريف ليوافق مصلحته، ومصلحته هي القضاء على الإسلام العدو اللدود له بعد الاشتراكية، رغم أنه ليس له دولة، فما بالنا لو كان لنا دولة خلافة؟! لذلك كان المقصود بهذا الإرهاب الإسلامَ. وهو قد أوجد جماعات لتقوم بأعمال تشوِّه الإسلام، وتقوم بأعمال عدوانية يجد الغرب فيها ذريعة ليضرب الإسلام وبلاده ويحتلها. فبدون هذه الذرائع لا يتسنى له ذلك، وتأكيد هذا الكلام ما خرج من أفواه الغرب نفسه، فقد صرّح ريتشارد مايرز رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية من خلال شهادته أمام لجنة شؤون القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: «إن الإرهابيين في العراق يريدون إقامة خلافة إسلامية والعودة للقرن السابق» وكذلك تصريح جورج بوش في 8/10/2005م حيث قال» «يعتقد المقاومون المسلمون أنهم باستيلائهم على بلد واحد سيقودون الشعوب الإسلامية ويمكنونهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة، ومن ثم إقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من أسبانيا إلى إندونيسيا». وفي مؤتمر صحفي مطوَّل عقده بوش يوضح كيف أنه متابع لما وصل إليه ملف الخلافة عند دعاتها ما أكده في مؤتمره الذي عقده في 11/10/2006م حيث قال: «إن وجود أميركا في العراق هو لمنع إقامة الخلافة الإسلامية التي ستمكن من بناء دولة قوية تهدد مصالح الغرب وتهدد مصالح أميركا في عقر داره. إن المتطرفين المسلمين يريدون نشر أيديولوجية الخلافة التي لا تعترف بالليبرالية والحريات؛ ولهذا يريدوننا أن نرحل؛ ولكننا باقون حتى لا نندم. وليعلم الشعب الأميركي حينئذ أن وجودنا في العراق كان يستحق المغامرة والرهان. هؤلاء المتطرفون يريدون إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم وإقامة دولة الخلافة. إن مغامرة الرحيل من العراق خطرة جداً إنها تعني التخلي عن جزء من المنطقة للمتطرفين الراديكاليين الذين سيمجدون النصر على الولايات المتحدة، وستمنحهم هذه المنطقة التي نخليها الفرصة للتآمر والتخطيط بمهاجمة أميركا، واستغلال الموارد التي ستمكنهم من توسيع رقعة دولة الخلافة» الله أكبر، الله أكبر، ماذا بعد هذا التصريح من عداء؟! ألد أعداء الإسلام بوش يصرح بهذا التصريح، فماذا بعد هذا التصريح من حقد على الإسلام، يا أمة الإسلام؟! فأين عقول المسلمين؟ وأين التدبر لخطورة هذا الكلام؟ أليس بوش هو الذي حدَّد أن عدوه الإسلام عندما قال إنها «حرب صليبية» قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ. نعم هناك رجال يعملون لهذه الخلافة، وهي لن تأتي من الله إلا بعد الإخلاص والوعي والسعي والتضحية والصبر... ولكن المدقق والممعن للنظر والمتدبر لهذا التصريح من بوش يجد أنه يؤكد على أن إحلال الواقع الذي يحاول أن ينكره ويرفضه، وهو الخلافة، قادم، وما هي إلا مسألة وقت. ألم يذكر أنها دولة قوية تهدد أميركا في عقر دارها؟ الله أكبر على الظالمين  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . ومن هنا كان من الطبيعي أن يبقى بوش في العراق خشية إقامة الخلافة لأنه بإقامتها سيكون زوال استعماره وزوال حضارته. وستكون نتيجته كما صرح «حتى لا نندم». ثم ألم يمدح حكام البلاد العربية بقوله: «ويمكنونهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة» وبقوله: «هؤلاء المتطرفون يريدون إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم»؟ وهل يمدح هذا العدو اللدود للإسلام إلا من يحمل عقيدته وسياسته وفكرته وينفذ أوامره؟ وهل يمجد الكافر إلا عميله المنافق، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ. لقد وصف بوش هذه الدول، دول الضرار، بالاعتدال فأي اعتدال هذا؟ إنه السير وفق نهجه وعكس أحكام الإسلام؛ إذ التطرف والأصولية والراديكالية حسب وصف بوش هي بالسير وفق أحكام الإسلام؟ وإذا لم يكن بوش وأشباهه هم أعداء الله والإسلام فمن هم هؤلاء إذن؟! ألم يذم بوش الراديكاليين والمتطرفين ويتخذهم أعداء عندما قال إنهم سينتصرون على أميركا من خلال زيادة مواردهم والتي ستمكنهم من اتساع رقعتهم حسب وصفه؟ فأين أنتم أيها المسلمون من هذا العداء الصريح؟.


إن هذا يذكرنا بتكذيب وتشويه وحرب كفار قريش لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم عندما كانوا يقولون إن محمداً يزعم أنه يكلَّم من السماء. فلمَ لا يحوِّل الصفا والمروة ذهباً؟. وكذلك عندما كان يجادل أُبَيّ بن خلف بعدما جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَمَا أَرَمَّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا وَيُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ». وكذلك الحال مع بوش، فهو يستهزئ ويشوِّه ويشنُّ حربه على الإسلام ويعمل على الصد عن الخلافة؛ لكن وعد الله وعد نافذ وأمره غالب... إن الله أنطق بوش بما أنطقه ليكون دافعاً لحمَلة الحق ودعاة الإسلام والخلافة لأن يجدُّوا من أجل السير من أجل تحقيق الغاية العظمى إرضاءً لله سبحانه وتعالى بإقامة الدين والخلافة الراشدة بعونه وحده.
إن «الإرهاب» الذي يقصده الغرب هو عينه الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لمن الطبيعي أن يحارب بهذه الشراسة والحقد لأنه المنافس الحضاري الجدي لحضارته المتهاوية، وهو بعد أن قضى على الشيوعية فلا يريد دولة خلافة جامعة للمسلمين مستقلة عنه بل دولاً تابعة ضعيفة يسهل السيطرة عليها في كل مواردها السياسية والاقتصادية والفكرية والعسكرية ليحركها كيفما شاء ومتى شاء كما يفعل الآن حيث يسخرها لأهدافه في حربه على «الإرهاب» حسب التعريف المطاطي له، والذي لا يعد إرهاب الدول نحو المسلمين إرهاباً، بل دفاعاً عن النفس تجاه اعتداء الإرهابيين. ومن الجرائم الجسام العظام التي ارتكبتها الدول بحق الإسلام والمسلمين ولم تعدّ إرهاباً، بل اتهم الإسلام والمسلمون فيها بأنهم هم الإرهابيون نذكر:
1-قتلُ دكتاتور عصره الهالك ستالين لـ (11) مليون مسلم في روسيا وحدها.
2- احتلالُ يهود لفلسطين وارتكاب أبشع المجازر بحق أبنائها داخل فلسطين وخارجها من مثل مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها 3500 ضحية.
3- مذابحُ أهل البوسنة في يوغسلافيا كمذبحة مسجد فوجا (12) ألف شهيد. و6 آلاف مسلم في جسر فورا.
4-قتلُ المسلمين الإيغور في الصين منذ عام 1945م، وقتل العلماء وإتلاف المساجد وتعطيلها.
5-قتلُ المسلمين بالحبشة على يد الطاغية هيلاسيلاسي حتى أحرق الشيوخ والأطفال والنساء بالنار والبنزين في قرية جرسم. وقتل 1000مصلٍّ في رمضان بالرصاص من قبل اللعين منغستو مريام بمدينة رايرادار بإقليم أوجادين.
6- مذابح المسلمين في الفلبين وقتل وحرق وبقر البطون، والذبح بالخناجر وقطع الرؤوس وانتهاك الأعراض.
7-مذابح المسلمين في الهند في أحمد آباد في عام 1970م التي راح ضحيتها 15 ألف مسلم باعتراف إنديرا غاندي وحرق 300 مسلمة، ومذبحة آسام الشهيرة التي راح ضحيتها 50 ألف مسلم على يد ا لهندوس.
8- حرق المسلمين في تايلاند حيث أحرق 100 مسلم شاب.
9-مأساة قتل المسلمين في كشمير حيث تم تقريباً قتل 44000 مسلم، وجرح ،67000، واعتقال 40000 وهدم قرابة 129000 منزل ومسجد، واغتصاب آلاف النساء.
10-مأساة المسلمين في تايلاند وبورما وليبيريا وسريلينكا وكوسوفا والشيشان وإندونيسيا وأفريقيا الوسطى... حيث قتل مئات الآلاف وأحرق الآلاف و تم فصل الرؤوس عن الأجساد واغتصاب النساء...
11- مجازر عدو الله بشار في سوريا التي وصلت إلى أكثر من 250 ألف مسلم، والسكوت العالمي على هذه المجازر لأنها ترتكب بحق المسلمين. ألا يعد هذا كله إرهاباً وإجراماً؟!. نعم، إن الغرب الحاقد يغمض عينيه ويغفل عن هذا كله ولا يصفه إرهاباً، إنها مآسٍ تدمي القلوب وتفطر الأكباد. إلا أنه لا يكفي أن يتألم القلب وتدمع العيون ونملأ الدنيا عويلاً وصراخاً إن لم نحرك ساكن النفوس، ونجعل من كل ذلك ناراً تحرق كل باطل، ونوراً يعيننا على التغيير فتبرأ ذمتنا أمام الله، عسى أن يطفئ ذلك غضب الله علينا بعد أن قصرنا طوال هذه السنين.
إن أميركا وحدها قامت باعتقال رئيس دولة بنما وحاكمته وسجنته، وقاتلت في فيتنام (15) سنة وارتكبت هناك أبشع الجرائم، وقصفت ليبيا مرتين، وضربت أفغانستان واحتلتها، وضربت ملجأ العامرية الذي استشهد فيه أكثر من (300) فرد حينها معظمهم أطفال، وضربت هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية حيث قتل فيها 200 ألف شخص، وغزت كوبا في خليج الخنازير، وقتلت أكثر من مليوني عراقي، ألا يُعدُّ هذا كله إرهاباً في حق الإنسان الذي تدعي، زوراً وبهتاناً، المحافظة على حقوقه!
وهكذا نرى أن أميركا والغرب أصحاب غرض في حربهم على الإرهاب بحيث ينصب جله على الإسلام الحق وعلى أصحاب المشروع الإسلامي، ويتغاضى عن إرهاب الدول التي تسير وفق مفهومها للإرهاب. وإلا فلماذا اعتبرت أميركا تفجير مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي في أوكلاهوما إرهاباً عندما حسبته من فعل المسلمين، ولكن عندما تبين لها أن وراءه منظمات أميركية غيرت رأيها وأصبح عملاً إجرامياً، وليس بإرهابي. وكذلك اعتبار أميركا لحركة ثوار نيكاراغوا حركة مقاومة، وكذلك جيش التحرير الأيرلندي، بينما تعتبر على النقيض من ذلك الحركات الجهادية الإسلامية حركات إرهابية... هذه هي الازدواجية في المعايير، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل دلالة واضحة على حربها الضروس على الإسلام، وعلى استخدام الإرهاب تارة وتعطيله تارة أخرى وفق مصالحها. أي إن «الإرهاب» هو الذي لا يتماشى مع مصالحها. والـ «لا إرهاب» هو الذي يسير وفق مصالحها. نعم هذه هي عدالة أميركا التي تقود العالم بمبدئها الرأسمالي الكافر الظالم!


بقلم: أ.ع  
المصدر: مجلة الوعي

القدس بين تاريخين


 بسم الله الرحمن الرحيم




 إن الكثير من الكتاب والمؤلفين والمحاضرين والمفكرين المعاصرين ، يتناولون القدس من جانبها المادي والواقعي ، دون أن يربطوها بجانبها الروحي الذي قرر لها مكانتها وقدسيتها . وهم بذلك إنما ينهجون نهج المفكرين الغربيين ، وينطلقون من وجهة نظرهم عن الحياة ، وهي عقيدة فصل الدين عن الحياة . يتناولون القدس تاريخيا من البدايات الأولى عبر حقب متناهية في القدم ، مرورا بمسيرة الأقوام والشعوب والدول التي تعاقبت على تواجدها في القدس ، ابتداء باليبوسيين حيث كانوا هم البناة الأول لهذه المدينة ، وكانت تسمى (يبوس) نسبة لهم ، وذلك قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد . 

 ويقتضينا البحث أن نأتي إلى نبذة تسلسل تاريخية مختصرة توضيحا لتبيين الحقائق ، وتثبيت الثوابت ، وإزالة الغموض . لقد استنجد أحد رجال السلطة اليبوسيين بالفرعوني تحتمس الأول سنة 1550 قبل الميلاد ، فدخلها الفراعنة آنذاك . وفي زمن رعمسيس الثاني وابنه مرن بتاح سنة 1350 قبل الميلاد ، دخل اليهود فلسطين من جانبها الجنوبي ، حيث انفلق أمامهم البحر بقيادة سيدنا موسى عليه السلام ، ولكنهم تاهوا في الصحراء حيث إنهم رفضوا الدخول كما أمرهم ، وتذرعوا بأن فيها قوما جبارين . فتاهوا في صحراء سينا مدة أربعين سنة . وبعد انقضاء مدة التيه هذه ذهبوا إلى جبال آدوم ومؤاب في شرقي الأردن ، ثم دخلوا أريحا وأحرقوها ، ثم احتلوا الجلجال وشيلوه وشكيم ، وكلها جعلوها طعمة للنيران . كل ذلك من هذه الأقوال يعتمد المؤرخون في توثيقه على أسفار التوراة وبعض النقوش والكتابات الحجرية . 

 ثم بعد ذلك جاء الأشوريون على ما كان يسمى مملكة إسرائيل وتغلبوا عليهم زمن سخاريب الأشوري . وبعد مضي فترة من الزمن دب الضعف في صفوف الأشوريين فجاء البابليون واحتلوا فلسطين ، وأخذوا القدس ، ثم نفاهم نبوخذ نصر إلى بابل واستعبدهم هناك وانقرضت مملكة يهوذا سنة 586 قبل الميلاد . وأما الحقبة التي تلي ذلك فهي مجيء الفرس ، وتغلب كورش الكبير الفارسي على البابليين سنة 538 قبل الميلاد ، وظلت تدفع الضرائب إلى الفرس ؛ بعدها جاء الإسكندر المقدوني اليوناني سنة 332 قبل الميلاد ، أخذها من الفرس ، وكان ملك الفرس يومئذ (دارا) . أما في عهد الرومان : فقد هاجمها القائد الروماني (بومبي) سنة 603 قبل الميلاد واحتلها . وفي زمن خليفته هيرودس وُلد السيد المسيح عليه السلام . ثم جاء بيلاطس (يوينتوس) وكان واليا على إدارة القدس على عهد الرومان ، وفي زمنه قام بمطاردة السيد المسيح وادعوا صلبه . وكذبهم القرآن الكريم في دعواهم هذه ، حيث رفعه الله إليه ، ونجاه من كيدهم . أما في العهد البيزنطي : فعندما تبوأ العرش الإمبراطور هرقل سنة 610 – 640م زحفت جيوش كسرى ملك الفرس غربا وبعد استيلائها على سوريا ، زحفت إلى فلسطين ، وفي سنة 614م احتلت القدس ، وذبحت (90) ألفا من المسيحيين . ولكن هرقل عاد واستجمع قواه وانتصر على الفرس سنة 627 للميلاد ، ودخل هرقل مدينة القدس سنة 629م . وفي هذه الفترة ظهر الإسلام . ووصل كتاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه فيه إلى الإسلام ، وكان في مدينة حمص آنذاك .

 وإلى هنا انقضى تاريخ وجاء تاريخ :

 أما التاريخ في حقبه الأولى ، وحتى مجيء الإسلام ، فإنه يعتمد على مصادر غير موثقة ، واستنتاجات عن أساطير كما يعتمد المؤرخون في توثيق الكثير من هذه الحقب على أسفار التوراة . ولكن لا ننسى أن أسفار التوراة ذاتها تحتاج إلى توثيق . لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنهم حرفوها وزادوا عليها وحذفوا منها ، ما يجعل منها مصدرا غير موثق . يأتي المؤرخون على سرد هذه المسيرة التاريخية ليثبتوا أن العرب كانوا سابقين إلى تواجدهم في القدس وفي فلسطين بفترة طويلة . حيث إن اليبوسيين هم كنعانيون ، وهم من أصل سامي أي ساميون . والعرب هم شعب من الشعوب المتعددة التي اعتنقت الإسلام ، وانصهروا في بوتقة العقيدة الإسلامية ، لتتكون منهم ومن غيرهم الأمة الإسلامية .

 وتعريف الأمة : هي مجموعة من الناس تعتنق عقيدة واحدة ينبثق عنها نظام يعالج شؤون الحياة . وهذا التعريف لا ينطبق على الشعب العربي ، لأنهم لا يملكون عقيدة خاصة بهم . فالعرب قوم ، والقومية ليست بعقيدة ، وإنما هي أحاسيس وعواطف تتحرك فطريا ، فلا تعطي فكرا ولا ينبثق عنها نظام . أما توثيق التاريخ ، وما هو التاريخ الذي يعتد به ، وما هو التاريخ الذي يرد ولا يعتمد ، أي لا يكون محل ثقة فإن هذا يعتمد على المصادر التاريخية التي يمكن أن تتخذ مصدرا للتاريخ .

 للتاريخ ثلاثة مصادر هي : الآثار ، والكتابات الشخصية أو ما يسمى المذكرات الشخصية ، والرواية . 

 أما المصدر الأول وهو الآثار – وهذا هو المرجع اليوم لكل الكتابات التي كتبت عن العصور السالفة أي ما قبل الإسلام – فإن الآثار في حد ذاتها إنما تعطي فكرة مجزوءة عن حقبة محددة ، وأكثر ما يظهر فيها هو إبراز الناحية الوثنية ، أو ملامح عن بعض المعتقدات المحرفة . فهذا المصدر التاريخي لا يكون موثقا في دلالته ، ودلالته تكون استنتاجية وحسب ميل المؤرخ الذي اعتمد عليها . وما نراه اليوم من هجمة فيها المغالاة إلى حد بعيد على التنقيب عن الآثار وإبرازها ، ووضع التفسيرات التي يريدونها لها سواء في الأردن أو سوريا أو العراق أو مصر أو اليمن ، أي في بلاد المسلمين بالذات . فهنا تكتشف آثار كنيسة أو دير ، وهناك تكتشف بعض الرسوم أو الكتابات على أوراق البرديّ أو النقوشات التي لها علاقة بمعتقد من المعتقدات المحرفة أو المعتقدات البائدة التي لم يبق لها وجود إلا في الآثار فقط كالفرعونية . فإنها وإن كان يظهر أن المراد من إبرازها هو من أجل السياحة أو بعض الدراسات العلمية ؛ ولكن الحقيقة التي لا بد من تأكيدها أن المراد من ذلك كله هو إبراز الناحية الوثنية ، وبالأخص ما له علاقة بالعقيدتين اليهودية والنصرانية . وهذا كله يشير إلى أن هناك خلفيات سياسية مقصودة ، لا محل لذكرها الآن . 

 أما المصدر الثاني للتاريخ وهو الكتابات الشخصية والمذكرات الشخصية ؛ فإنها في غالب الأمر تكون خاضعة لسنة المدح أو القدح . فلا يخلو الكاتب من أن يكون إما مادحا وإما قادحا . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى : فإن الكاتب ينتابه الغلو في تفسيره لبعض الأحداث السياسية ، والمعارك القتالية ، فيفرغ ما وسعه من جهد لتزيين الأمر أو تقبيحه ، ومن رفع مقام الأشخاص الذين يكتب عنهم ، أو يحط من شأنهم . وقد تجلى هذا عند الكتابة عن الدولة العثمانية ، وحكم الأتراك (أي دولة الخلافة) فإنهم يبرزونها في أبشع صورها من الظلم والفساد والتأخر . كما ظهر تزويرهم للتاريخ في كتابتهم عن جمال باشا ووصفه بالسفاح ، لماذا ؟ لأنه أعدم من أسموهم بالأحرار العرب . وذلك لأنهم أغمضوا بصائرهم عن السبب الذي دعا جمال باشا لإعدامهم . وقد سموهم أحرارا لأنهم ناهضوا دولة الخلافة ، ودعوا إلى اللامركزية وإلى الاستقلال أي الانفصال عن جسم الدولة ، لأنها تركية وهم عرب . أي كانت هذه النظرة من زاوية قومية والدعوة إلى القومية محرمة في الإسلام . فهم بذلك خالفوا أحكاما شرعية كثيرة . كما تغاضى المؤرخون عن السبب المباشر الذي حمل جمال باشا على إعدامهم وهو اتصالهم بالدولتين البريطانية والفرنسية للمجيء لإنقاذ العرب من ظلم الأتراك (كما يقولون) أي كانوا يدعون إلى مجيء حملات صليبية جديدة . وقد اكتشفت أسماؤهم في القنصلية الفرنسية في بيروت ، وتواقيعهم على العرائض التي يطلبون فيها المجيء من بريطانيا وفرنسا . وهذا أمر موثق لا مرية فيه . ويظهر ذلك واضحا أيضا عند كتاب القصة ، حيث يطلقون لمخيلاتهم العنان في الوصف والربط والبناء والصياغة والسبك . 

وبهذا الصدد فإنني أتوجه بكلمة فيها لفتة إلى كتاب القصة والرواية أنهم وإن كانوا يبدعون في ذلك : فإن الأمة الآن في حاجة ماسة إلى العمل للنهضة والتغيير ، ولا يكون هذا إلا بالعمل الفكري الجاد الذي يتناول واقع الأمة الإسلامية ، وطراز العيش الذي تعيشه اليوم والتبعية المطلقة التي تقوم عليها اليوم من حيث هي جماعات أو أنظمة وحتى الأفراد . تبعية تظهر في كل أمورها وشؤونها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وأنظمة الحكم القائمة فيها على صعيد أكثر من خمسين كيانا . فالأمة الإسلامية اليوم ، لم تتسلم من الجيل السابق أفكارا تتعلق بالنهضة لتقيلها من كبوتها ، وتعيدها إلى مصاف الدول التي تمتلك الإرادة في إصدار القرارات الذاتية . ولا تتمتع بالسيادة التي تخولها تنفيذ القرارات السياسية . كما أنها لم تنتج هي الآن أفكارا من ذلك النوع الذي يتعلق بنهضتها وسيادتها ؛ وإنما هي تعيش عالة وتندفع تقليدا للغرب سواء في ثقافته عامة أو في معالجته لشؤون حياته أفرادا وجماعات . والمحصلة النهائية أنها لا تمتلك طريقة تفكير منتجة يشع تأثيرها ، ويتسع مداها حتى تدخل كل بيت ، وتطال كل شرائح المجتمع ، ويتركز وجودها في الأجهزة التنفيذية .. فصحة الفكر من صحة مصدره ، وصدق التشريع من صدق مشرعه . لا بد أن يكون هناك أصل ثابت يصدر عنه التشريع ، ولا بد أن يكون هناك أصل ثابت يصدر له التشريع ، حتى يتم التساوق بين حكمة المشرع وفطرة المشرع له . ووجهة النظر في الحياة وما ينبثق عنها من تشريعات ومفاهيم وما ينبني عليها من أفكار هي التي تشكل لون المجتمع ، وطراز العيش ، ونوعية النظام ، ووجهة النظر في الحياة هي التي تفسر معنى السعادة ، وتصور الحياة الدنيا على حقيقتها وهذه كلها في مجموعها هي الحضارة .  فلا بد أن ننفض عنا غبار التقليد للغرب ، ونريح عن كواهلنا نير التبعية التي نتلذذ بها . وأن ننبذ كل ما له علاقة بوجهة النظر الغربية ، وهي فصل الدين عن الحياة ، ونعود إلى النبع الصافي الذي ينبثق عنه وجهة النظر الصحيحة عن الحياة وهي العقيدة الإسلامية . هذا ما أردت أن ألفت نظر الكتاب والمفكرين اليوم إليه . هذه الناحية جديرة بالاهتمام والاهتمام بها والعمل لها فرض على كل مسلم ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) . 

 وأما المصدر الثالث للتاريخ فهو : الرواية . وعلى هذا قام تاريخ الأمة الإسلامية … ابتداء بنقل اللغة العربية وتدوينها رواية يتحرى فيها الدقة في صياغة النص المروي وهو ما يسمى المتن ، كما يتحرى فيها أمور الرواة وحياتهم وصدقهم كما هو معروف في علم الجرح والتعديل . وكان هذا واضحا تمام الوضوح في رواية السنة المشرفة وتدوينها . وسار على هذا النهج كثير من المؤرخين الكبار مثل : الطبري وابن كثير وابن الأثير والذهبي والبغدادي وابن عساكر .

 جاء الإسلام رسالة من عند الله لينسخ ما سبقه من عقائد وأفكار وتشريعات

 1- يبدأ تاريخ القدس أولا من حيث قدسيتها ، فقد أثبت القرآن قدسية القدس أي ربطها بالعقيدة من حين نزول قوله تعالى : "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" هذا قبل أن يظهر أن هناك مسجدا ثالثا وهو مسجد المدينة المنورة ، مسجد هجرته صلى الله عليه وسلم . وزاده الله قدسية أن بارك حوله ، فكان موضع الإسراء المذكور في الآية الكريمة ، وكان هو منطلق العروج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء . وجرت الأمور على طبيعتها ، واستقر الأمر لرسول الله في الجزيرة بأسرها ، وسارت الفتوحات سيرها الطبيعي ، وتسلم عمر بن الخطاب رضي الله مفاتيح القدس من البطريرك صفرونيوس في حين كانت محاصرة بالجيوش بقيادة أبي عبيدة رضي الله عنه سنة 15 للهجرة سنة 636 للميلاد . ومن قدسية القدس أنها ظلت ستة عشر شهرا قبلة للمسلمين في صلاتهم حتى تحولت القبلة إلى الكعبة . رب سائل أو معترض يقول : إن قدسية القدس قديمة قبل مجيء الإسلام بقرون … ودليل ذلك قول الله تعالى : "وإذ قال موسى لقومه … يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين" نقول : إن الله أثبت هذا ثم نسخه ، ينسخه لجميع الشرائع السابقة ، فاليهود والنصارى مأمورون ومخاطبون باعتناق الإسلام .

 2- الأمر الثاني من تاريخ القدس : طبيعة الأمر الذي استقر عليه وضع القدس عندما تسلم مفاتيحها عمر رضي الله عنه ، أن أعطاهم وثيقة استقر عليها وضع القدس من حيث الأمان ، وصيانة معابدهم وأن أخذ عليهم عهدا أن لا يساكنهم فيها أحد من يهود ، على أن يدفعوا الجزية ومارس النصارى فيها حياتهم اليومية على هذا الوضع المنصوص عليه في العهد العمرية ، بهدوء وأمان واطمئنان ، وهذه العهدة موجودة حتى الآن يحتفظ بها البطاركة عندهم إلى يومنا هذا . ومنذ تلك الساعات أصبحت القدس أرضا إسلامية جرت عليها أحكام الإسلام وخضعت لسلطان الإسلام ، وأمانها بأمان المسلمين ، وسكانها يحملون التابعية الإسلامية وغدت دار إسلام ، ينافح دونها . وحمايتها والدفاع عنها واسترجاعها فيما لو طرأ عيها عارض أو تغلب عليها مغتصب إنما يكون فرضا على جميع المسلمين ، وإلى يوم الدين .

 3- قلنا إن ما قبل نزول آية : "سبحان الذي أسرى بعبده …" ومن قبل تسلم عمر مفاتيحها ، ما قبل هذا التاريخ لا يؤبه له ، ولا قيمة له عمليا ، سواء كانت مكانا للهيكل الذي يزعم اليهود ، أو مكانا للنصارى بوجود كنيسة القيامة ، أو ما أسموه القبر المقدس كنيسة نصف الدنيا . كل هذا أصبح الآن منسوخا لا اعتبار له ، ولا قيمة له ، وليس لهم إلا ما أعطاهم الإسلام من ممارسة عباداتهم وطقوسهم الدينية ، ولهم الأمان ما حافظوا على العهود والمواثيق ، لأن صاحب الحق في الإثبات والنسخ وهو الله تعالى قد نسخ كل ما مضى من تاريخ وما تعلق به من حقوق قد نسخها كلها وأثبت الحقائق التي ابتدأت من حين نزول الآية المذكورة زمنا وعملا . فأحكام أهل الذمة ، وأحكام الجزية ، وأحكام حقوق المعاهدين والمستأمنين ، كلها منصوص عليها بنصوص قطعية ، وطبقت عمليا من قبل الخلفاء والولاة والعمال والقضاة . مع التمكين التام للنصارى من مزاولة شعائرهم الدينية واحترام حقوقهم ، ورعاية شؤونهم ، والنظر في مظالمهم كالمسلمين سواء بسواء مع المحافظة وعدم العبث أو التعدي على أماكنهم الدينية .

 4- فترة ما قبل الحروب الصليبية : من طبيعة الأنظمة والقوانين التي تطبق وتنفذ على بني البشر ، يكون التطبيق لها وتنفيذها من قبل بشر أيضا ، فيخطئون ويصيبون ، وتمر فترات فيها إساءة في التطبيق ، وهذا تابع لاستقرار الفكر ونموه وازدهاره ، فإن كان القائمون على أمر الرعاية والتنفيذ لديهم الوعي والتقوى والإخلاص ، ووضوح الرؤية والرقي الفكري ، مع وجود الفكرة وطريقتها واضحة ومستقرة في المجتمع ، يكون هناك إحسان في التطبيق . والعكس بالعكس . لقد مرت فترات كان الصراع الداخلي فيها محتدما بين كثير من الفئات والجماعات المتعددة هنا وهناك مما أوجد التفسخ والاضطراب في المجتمع الإسلامي ، أي كان وقتئذ إساءة في التطبيق ورعاية الشؤون . 

 5- فترة الحروب الصليبية ومجيء صلاح الدين : تلك فترة عصيبة ، وأحداثها دامية ، لأنها خرجت في مجرياتها عن طور الإنسانية ، سواء من حيث دوافعها أو الحيز الذي أشغلته تاريخيا ، أو الظاهرة الوحشية والإجرامية التي جرت ممارستها من قبل الغزاة الغاشمين الحاقدين . بعد مقاومة عنيفة استمرت أشهر من قبل حامية القدس دخلها الإفرنج ، وأفرغوا سموم حقدهم وغيظهم ، فأبادوا كل من كان فيها من المسلمين قتلا وذبحا وتقطيعا وحرقا بالنيران ، وقد جمعوا من كان فيها من اليهود ووضعوهم في كنيس وأضرموا فيهم النيران . وجاء صلاح الدين ، ودخل القدس من الثغرة التي دخل منها غودفري . ولكنه لم يعمل السيف فيهم ، وإنما أخرجهم منها عن بكرة أبيهم ، دون أن تمس امرأة أو طفل أو شيخ بأذى . وساعد على الخروج من لم تمكنه أحواله . والمؤرخون النصارى والمسلمون جميعا ينددون بالغزو الصليبي ويصفونه بأنه نشاز في تاريخ الإنسانية ، كما يثنون على صلاح الدين وإنسانيته ، ورعايته للمغلوبين .

6- أما فترة الحكم العثماني أو ما يسمونه الحكم التركي ، فإن سليم الأول دخل هذه البلاد سنة 1517 ، ودخل مصر وبويع بالخلافة كما دخل المدينة المقدسة . إن المنشآت المقامة والماثلة الآن ، والأسوار والعمارات معظمها من فعل العثمانيين ، فكان اهتمامهم زائدا بها وفي هذا رد على من يتهمون العثمانيين الأتراك بأنهم غزاة محتلون . والحقيقة أن الخلافة العثمانية حمت بيضة الإسلام مدة أربعة قرون كاملة من سنة 1517 – سنة 1917 كما لا ننسى الفتوحات التي قام بها العثمانيون في أوربا لنشر الإسلام ، حتى طرقوا أبواب فينا ، واقتربوا من روما . وهذه منطقة البلقان تعج بالمسلمين الذين يضطهدهم الآن نصارى أوربا ، وأحداث البوسنة والهرسك وكوسوفا شاهدة على ذلك . في سنة 1882 أصدرت الحكومة التركية قانونا حرمت فيه الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وشراء الأراضي . إلا أنها عادت فعدلته لتدخل ستراوس الوزير الأمريكي المفوض في استامبول ، ومنحت اليهود حق الدخول إلى فلسطين والبقاء فيها ثلاثة أشهر بقصد العبادة ، ثم بعد ذلك عدلت هذا القانون وحددت الإقامة بشهر واحد ، ومن تأخر يلاحق ويبحث عنه حتى يخرج . ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 راح الأتراك يطاردون الصهيونيين . وأصدر جمال باشا بوصفه القائد للجيش الرابع المرابط في فلسطين أمرا منع فيه رفع العلم الصهيوني في أي أرض تقع تحت حكمه ، كما منع أي لافتة تكتب باللغة العبرية ، وصادر جميع الطوابع والأوراق المالية التي تخص الحركة الصهيونية ، وألغى جميع المؤسسات اليهودية التي تكونت في فلسطين ، بعد أن دخلتها خفية . وجاء في البيان الذي صدر يومئذ 25 كانون الثاني سنة 1915 أن الحكومة فعلت ذلك بناء على ما لديها من معلومات تثبت أن بعض العناصر تتآمر باسم الصهيونية لإقامة مملكة يهودية في فلسطين . 

 ومن مواقف السلطان عبد الحميد :

 يقول : إن الصهيونية لا تريد أراض زراعية في فلسطين لممارسة الزراعة فحسب . ولكنها تريد أن تقيم حكومة ، ويصبح لها ممثلون في الخارج . إنني أعلم أطماعهم جيدا ، وإنني أعارض هذه السفالة ، لأنهم يظنونني أنني لا أعرف نواياهم أو سأقبل بمحاولاتهم . وليعلموا أن كل فرد في إمبراطوريتنا كم يكن لليهود من الكراهية طالما هذه نواياهم . وإن الباب العالي ينظر إليهم مثل هذه النظرة . وإنني أخبرهم أن عليهم أن يستبعدوا فكرة إنشاء دولة في فلسطين ، لأنني لا زلت أكبر أعدائهم .

 ويقول الخليفة عبد الحميد رحمه الله في كتابه للشيخ أبي الشامات يبين له فيه سبب خلعه فيقول : … بعد هذه المقدمة .. أعرض هذه المسألة المهمة كأمانة في ذمة التاريخ : إنني لم أتخلّ عن الخلافة الإسلامية لسبب ما سوى إنني – بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون ترك) وتهديداتهم ، اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة ، الإسلامية ؛ إن هؤلاء الاتحاديين أصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين . ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف …

 ويقول هرتسل : بعث إلي السلطان وساما عالي الدرجة ، ومع الوسام جواب مفرغ في هذه العبارات : (بلغوا الدكتور هرتسل ألاّ يبذل بعد اليوم شيئا من المحاولة في هذا الأمر ، فإني لست مستعدا أن أتخلى عن شبر واحد من هذه البلاد لتذهب إلى الغير . فالبلاد ليست ملكي ، بل هي ملك شعبي ، وشعبي روّى تربتها بدمائه ، فليحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب) .

 7- القدس والاحتلال البريطاني : وجاء اليوم الذي عمل له من كانوا يسمون أحرار العرب بمناشدتهم لبريطانيا ، والتعاون معها للحضور سريعا لنجدتهم وتخليصهم مما يسمى ظلم الأتراك . وبدون متابعة ولا مقدمة أن تمهيد ، دخل اللورد اللبني القدس في 11/12/1917 ؛ دخلها ماشيا من باب الخليل ، وأعلن الأحكام العرفية ؛ وكان رئيس بلدية القدس هو موسى كاظم باشا الحسيني ، دخل اللبني الحرم ومعه كامل أفندي الحسيني مفتي فلسطين أخو الحاج أمين الحسيني . وعند دخول اللبني القدس ، أقيمت له منصة ووقف خطيبا وقال قولته المشهورة … (الآن فقط انتهت حلقة الحروب الصليبية) .

 وكانت بريطانيا قبل هذا التاريخ قد أعطت اليهود وعدا بإعطائهم فلسطين وطنا قوميا لهم ، وهو وعد بلفور . لقد أعلن الحسين بن علي ثورته على الأتراك بتاريخ 10/حزيران سنة 1916م هذه الثورة التي قال عنها اللبني في تقريره الذي رفعه إلى وزارة الحرب فور انتهاء القتال : (إن ثورة العرب ضد الترك قد ساعدت الحلفاء مساعدة كبيرة في الحصول على نتائج فاصلة في الحرب) . عندما وقعت اتفاقية (سايكس – بيكو) بين فرنسا وبريطانيا وتم تنفيذها ، واقتسام منطقة بلاد الرافدين وبلاد الشام بينهما ، كانت فلسطين مستثناة ، إذ جعل لها وضع خاص لتكون فيما بعد وطنا لليهود ، وجعلت بريطانيا من نفسها منتدبة على فلسطين لمدة خمسة وعشرين عاما من قبل عصبة الأمم ، من أجل تهيئتها وطنا لليهود ، أي لتنفيذ وعد بلفور ، فعينت عليها أول مندوب سام ، وهو هربرت صمويل يهودي صهيوني متعصب من سنة 1920 – سنة 1925 .

 بريطانيا هي رأس الأفعى ، وهي أم الخبائث ، وهي جالبة المصائب والكوارث للمسلمين جميعا ، وهي التي مزقت الأمة الإسلامية إلى أكثر من خمسين مزقة . بريطانيا هي التي تضع العراقيل للحيلولة دون عودة الخلافة . 

بريطانيا هي التي دفعت الدول الموقعة على اتفاقية الهدنة في رودس لتوقيعها . بريطانيا هي التي حاكت مؤامرة حرب حزيران سنة 1967 وتسليم الضفة الغربية لإسرائيل . 

 بريطانيا هي التي وضعت قانونا يسمى (قانون الحكر) سمحت بموجبه باستئجار أراضي الوقف الإسلامي لمدة (99) سنة ، والمباني التي يمتلكها الكثير من اليهود والنصارى أخذت أراضيها وأقيمت بموجب هذا القانون .

 بريطانيا هي التي سهلت هجرة اليهود إلى فلسطين ، وهي التي سمحت وساعدت وعملت على بيع الأراضي لليهود .

 بريطانيا هي التي طرحت بالقضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة ، وتولتها معها أمريكا ليصدر قرار تقسيم فلسطين سنة 1947 ثم يعلن قيام دولة لليهود سنة 1948 . وعندئذ غدت القضية تبحث دوليا . 

بريطانيا هي التي أبقت ما لديها من دبابات وسلاح لليهود عندما أنهت انتدابها وخرجت من فلسطين . بريطانيا (الصديقة) هي التي أسلمت الأمور لصنائعها وعملائها مطمئنة ليكملوا المسيرة التي يسمونها مسيرة السلام . ولكن لما كانت أمريكا تريد أن تخرج بريطانيا من مستعمراتها لتحل محلها ، أصبحت الآن تعمل جاهدة لتكون منطقة العالم الإسلامي (الشرق الأوسط) منطقة نفوذ خالصة لها ، وأدخلت قضية فلسطين داخل هذه الدائرة ، فهي تتطلع إلى الاستئثار بمنابع البترول ، كما تريد أن تستأثر بالمكاسب التي تنتج عن حل قضية فلسطين بإقامة قاعدة عسكرية لها في الجولان وغير ذلك .

 وهذه الأحداث الدامية تتتابع متسارعة لنكون نحن المسلمين وقودا لها . قضية فلسطين الآن قضية سياسية ، وهي بين طرفين : 
- الطرف الأول : هم المسلمون جميعا . 
- الطرف الثاني : النصارى ومعهم اليهود أو اليهود ومعهم النصارى.

 فهي إذا قضية المسلمين ؛ والمسلمون اليوم لا دولة لهم تمثلهم واليهود جراء المؤامرات الخيانية أصبحوا لهم دولة قوية . فعلى المسلمين وجوبا أن يعملوا على إقامة دولة لهم لتطبيق شرع الله ، ورفع راية الجهاد ، واسترجاع فلسطين ، ولن تكون هذه إلا دولة الخلافة الراشدة ، ولتكون عاصمتها القدس كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( … ثم تأوي الخلافة إلى القدس ، ويكون ثم عقر دارها ، ولن يخرجها منها أحد بعد ذلك أبدا . )

((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا .))

بقلم: ف.س

الاثنين، 29 يوليو، 2013

فبهداهم اقتده : رجل من أهل الجنة «عبدالله بن سلام»



بسم الله الرحمن الرحيم
كان الحُصينُ بنُ سَلامٍ حَبراً (رئيس الكهنة عند اليهود، والحبر: العالم المتبحر في العلم أيضاً) من أحبَارِ اليهودِ في يثربَ، وكان أَهلُ المدينَةِ على اختِلافِ مِللِهم ونِحلِهم (أديانهم) يُجلُّونَه ويعظِّمونه، فقد كان معروفاً بينَ النَّاسِ بالتُّقَى والصلاحِ وموصوفاً بالاستِقامَةِ والصِّدْقِ.

كان الحُصَينُ يحيا حياةً هادِئةً وادِعةً؛ ولكنَّها كانَت في الوقت نَفسه جادَّة نافِعة، فقد قسَّم وقتَه أقساماً ثلاثة: فَشَطرٌ في الكَنِيسِ (معبد اليهود) للوَعظِ والعبادَة، وشَطرٌ في بُستَانٍ له يَتَعهَّدُ نَخلَه بالتَّشذيبِ والتأْبير (تلقيح النخل وإصلاحه)، وشطرٌ مع التَّوراةِ (الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام) للتَّفَقُّهِ في الدين...
وكان الحصين كُلمَا قَرَأ التوراةَ وقَفَ طويلاً عِند الأخبَارِ التي تُبشرُ بظهورِ نبيٍّ في مَكَّة يُتَمِّمُ رِسالاتِ الأنبِياءِ السابقين ويَختِمُها، وكان يَستقَصي أوصافَ هذا النبيِّ المُرتَقبِ وعلاماتِه، ويَهتزُّ فَرحاً لأنهُ سَيهجُرُ بلَدَهُ الذي بُعثً فيه، وسَيتَّخذُ من يَثرِبَ مهَاجراً له (بفتح الجيم مكاناً لهجرته) ومُقاماً، وكان كُلمَا قَرأَ هذه الأَخبَارَ أو مَرّت بخاطِره يَتمَنّى على الله أن يَفسحَ له في عُمره حتى يَشهدَ ظهورَ هذا النبي المرتقب، ويسعَدَ بلقائه، ويكون أولَ المؤمنين به، وقد استَجابَ الله عزَّ وجلَّ دُعاء الحُصين بنِ سلامٍ، فأطال الله عمره حتى بُعِث نبيُّ الهدى والرحمةِ، وكُتبَ له أن يَحظى بِلقائِه وصُحبتِه، وأن يُؤمنَ بالحقِّ الذي أنزِلَ عليه...
فلنترُك للحُصينِ الكلامَ ليسوقَ لنا قصةَ إسلامِه فهو لها أروَى (أجود رواية)، وعلى حسن عَرضها أقدَر.
قال الحُصين بنُ سَلام: لَمَّا سمِعتُ بظهورِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخَذتُ أتحَرَى عن اسمِه ونسبهِ وصِفاتهِ وزماِنه ومكانِه وأطابِقُ بينها وبَينَ ما هو مَسطورٌ (مكتوب) عِندَنا في الكتب حتى استيقنتُ من نُبُوَّتهِ، وتثَبتُّ من صِدقِ دَعوتِه ثم كَتَمتُ ذلك عن اليهودِ، وعَقَلتُ (ربطت ومنعت) لِساني عن التكلُّم فيه، إلى أن كانَ اليَومُ الذي خَرجَ فيه الرسولُ عليه السلامُ من مكة قاصداً المدينةَ، فلما بَلغَ يثربَ ونَزَل بقُباءَ (قرية على بعد ميلين من المدينة) أقبَلَ رجُلٌ علينا وجَعلَ ينادِي في النَّاس مُعلِناً قدومَه، وكنتُ ساعتئذٍ في رأسِ نخلةٍ لي أعملُ فيها، وكانت عَمتِي خالِدةُ بنتُ الحارِثِ جالِسةً تحتَ الشجَرَةِ، فما إن سَمعتُ الخَبرَ حتى هتَفتُ: الله أكبَرُ..... اللهُ أكبَرُ، فقالت لي عَمَّتي حينَ سَمِعتْ تَكبيري: خَيبكَ اللهُ، واللهِ لو كُنتَ سَمعتَ بموسَى بنِ عِمرانَ قادِماً ما فَعلتَ شيئاً فَوق ذلك، فقلت لها: أي عَمَّة، إنه واللهِ أخو موسى بنِ عمرانَ، وعلى دينه، وقد بُعثَ بما بُعِثَ به، فَسكَتَتْ وقالت: أهو النبيُّ الذي كنتم تُخبروننا أنه يُبعثُ مُصدِّقاً لمن قبله ومُتمماً لرسالات ربه؟! فقلت: نعم، قالت: فذلك إذن، ثم مَضيتُ من تَوِّي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فرأيتُ الناسَ يزدَحِمُون بِبابِه، فزاحَمْتُهُم حتى صِرتُ قريباُ منه؛ فكان أول ما سَمعتُه منه قوله: “أيها النَّاسُ أفشُوا السَّلامَ، وأطعموا الطعام، وصَلوا بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ، تَدخُلوا الجَنة بِسَلامٍ”، فجعلتُ أتَفَرَّسُ فيه، وأتَمَلى منه، فَأيقَنتُ أنَّ وَجههُ ليسَ بِوجهِ كذابٍ، ثم دَنَوتُ منه، وشَهدتُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فالتَفَتَ إليَّ وقال: «ما اسمُك؟».فقلت: الحُصينُ بنُ سلامٍ.فقال: «بل عبدُ الله بنُ سلام». فقلت: نعم، عبد الله بن سلام... والذي بَعَثكَ بالحَقِّ ما أحِبُّ أنَّ لي به اسماً آخر بعد اليومِ. ثم انصرَفتُ من عندِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي ودعوتُ زَوجتي وأولادِي وأهلي إلى الإسلامِ، فأسلموا جميعاً وأسلمتْ معهم عمتي خالِدةُ، وكانت شيخَةً كبيرة،ثم إني قُلتُ لهم: اكتُموا إسلامي وإسلامكُم عن اليَهودِ حتى آذَنَ لكم !!فقالوا: نعم .ثم رجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَلتَ له: يا رسول الله، إنَّ اليهودَ قومُ بُهتانٍ وباطِلٍ، وإني أحبُّ أن تَدعُو وجُوههم (سادتهم) إليكَ، وأن تستُرني عَنهُم في حُجرةٍ من حُجُراتك، ثم تسألهم من مَنزِلتِي عِندهم قبل أن يَعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام، فإنهم إن عَلِموا أنَّنِي أسْلَمتُ عابوني، ورَمَوني بِكل ناقِصةٍ وبَهتُوني. فأدخلني رسول صلى الله عليه وسلم في بعض حُجُراتهِ، ثم دعاهم إليه وأخذَ يَحضُّهم على الإسلام، ويُحَبِّبُ إليهم الإيمانَ، ويُذَكرُهُم بِما عَرَفوه في كُتُبهم من أمرِهِ. فجعلوا يجادلونه بالباطل ويمارونه في الَحقِّ وأنا أسمَعُ، فلما يَئِسَ من إيمانِهم قال لهم: «ما مَنزلةُ الحصينِ بن سلامٍ فيكم؟» فقالوا: سيدُنا وابنُ سيدنا، وحَبرُنا وعالِمُنا وابنُ حبرِنا وعالمِنا.فقال: «أَفَرأيتُمْ إنْ أسلمَ أفَتُسلمون؟». قالوا: حاشا للَه، ما كان لِيُسلمَ... أعاذهُ اللهُ من أن يُسلمَ. فخرجتُ إليهم وقلت: يا معشرَ اليهودِ، اتَّقُوا الله واقبلُوا ما جاءَكم بهِ محمدٌ. فواللهِ إنكمْ لتعلمُون إنه لرسولُ الله، وتجدونه مكتوباً عندكمْ في التوراةِ باسمِهِ وصفتِهِ. وإني أشهَدُ أنَّه رسولُ الله وأؤمن به، وأصدِّقه، وأعرفُه، فقالوا: كذبت. والله إنَّك لشَرُّنا وابن شَرِّنا، وجاهِلنا وابنُ جاهِلنا، ولم يتركوا عَيباً إلا عابُوني به. فقلت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ألم أقل لك: إنَّ اليهودَ قومُ بُهتانٍ وباطلٍ، وإنهُم أهلُ غَدرٍ وفجورٍ؟؟
أَقبَلَ عبدُ الله بنُ سلامٍ على الإسلامِ إقبالَ الظامئ الذي شاقَه المَوردُ (لذَّ له المورد وطاب)، وأولِعَ بالقُرآنِ؛ فكان لسانُه لا يفتأ رطباً بآياتِه البينات، وتعلقَ بالنبيِّ صلواتُ الله وسلامُه عليه حتى غدا ألزمَ له من ظِلِّه، ونَذرَ نفسَه للعَملِ للجنَّةِ حتى بَشَّره بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بِشارةً ذاعَت بين الصَّحابةِ الكرامِ وشاعت، وكان لهذه البِشارة قِصةٌ رواها قَيسُ بنُ عُبادةَ وغيرُه.
قال الراوي: كنت جالساً في حلقةٍ من حَلقاتِ العِلمِ في مسجِدِ رسولِ الله في المدينة، وكان في الحَلقةِ شَيخٌ تَأنَسُ به النَّفسُ ويستروحُ به القلب، فجَعلَ يحدثُ الناسَ حديثاً حُلواً مؤثراً، فلما قامَ قال القوم: من سَرَّه أن ينظرَ إلى رَجُلٍ من أهلِ الجنةِ فلينظر إلى هذا .فقلت: من هذا؟ فقال: عبدُ الله بنُ سلامٍ، فقلتُ في نفسي: والله لأتَبَعنَّهُ ؛ فَتَبِعَهُ ؛ فانطلق حتى كاد أن يخرُج من المدينةِ، ثم دَخلَ منزلَه، فاستَأذَنتُ عليه ؛ فأذِنَ لي، فقال: ما حاجتُك يا بن أخي؟ فقلت: سمعتُ القومَ يقولون عَنكَ لما خرجتَ من المسجد: من سَرَّه أن ينظرَ إلى رَجُلٍ من أهلِ الجنةِ فلينظر إلى هذا .فمضَيتُ في إثرِكَ، لأقف على خبركَ، ولأعلَمَ كَيف عَرفَ الناسُ أنكَ من أهلِ الجنَّة. فقال: الله أعلمُ بأهل الجنَّة يا بُنيَّ .فقلت: نعم... ولكن لا بُد لما قالوه من سبب. فقال: هاتِ، وجَزاكَ الله خيراً. فقال: بينما أنا نائِمٌ ذات ليلةٍ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أتاني رجُلٌ فقال لي: قم، فَقمتُ، فأخَذَ بيَدِي، فإذا أنا بطرِيقٍ عن شمالي فهمَمتُ أن أسلكَ فيها.
فقال لي: دَعها فإنَّها ليست لك. فنظرتُ، فإذا أنا بِطرقٍ واضحةٍ عن يميني، فقال لي: اسلُكها فسلكتُها حتى أتيتُ رَوضَةً غناءَ واسعةَ الأرجاءِ كثيرةَ الخضرةِ رائعة النُّضرة، وفي وسَطِهَا عمودٌ من حديدٍ أصلُه في الأرضِ ونهايَتُه في السماء، وفي أعلاهُ حلقةٌ من ذهبٍ. فقال لي: ارقَ عليه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني وصِيفٌ (الخادم) فَرفَعنِي، فرقيت (فصعدت) حتى صِرتُ في أعْلَى العمودِ، وأخذتُ بالحلقةِ بيدي كلتيهما. وبقيتُ مُتعَلقاً بها حتى أصَبحتُ.
فلما كانت الغداةُ أتَيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَصَصتُ عليه رؤيايَ فقال: « أما الطريقُ التي رأيتَها عن شِمالكَ فهي طريقُ أصحَابِ الشِّمالِ من أهل النارِ. وأما الطريقُ التي رأيتها عن يمينك فهي طريقُ أصحابِ اليمينِ من أهْل الجنَّة. وأما الروضةُ التي شاقَتْكَ بخُضرتِها ونُضرتِها فهي الإسلام. وأما العمودُ الذي في وسَطِها فَهو عمودُ الدين. وأما الحَلقةُ فهي العُروةُ الوُثقى، ولن تَزَالَ مُستَمسِكاً بها حتى تموت»

جلنار زوجة قطز


بسم الله الرحمن الرحيم 


جلنار زوجة قطز

لا تقل واحبيبتاه.. ولكن قل: وا إسلاماه.. فصة العظيمة جلنار...زوجة العظيم السلطان محمود قطز 
..............
تحدثنا عن السلطان المسلم محمود المشهور بلقب قطز -بطل المعركة الحاسمة- عين جالوت التي انقذت امة الاسلام من خطر الابادة على يد التتار اشرس من عرفت تلك العصور مرارا.. ...وقلنا مرارا ان انه ليس صحيحا قول بعض المهزومين- او غير الواعين- فكريا، بان من المستحيل ظهور امثال عمر ين الخطاب من جديد...فالصواب هو ان عمر بن الخطاب ، ليس سوى ثمرة من ثمار شجرة الاسلام، التي تؤتي اكلها كل حين باذن ربها!!!!!ا
فمن اراد ان يصنع ابن خطاب اويكون كابن الخطاب فعليه الالتزام بفكرالاسلام كما التزم به العظيم عمر بن الخطاب،فعمر وخالد وابو عبيدة، والاف غيرهم لم يكونوا شيئا قبل الاسلام ، وعندما التزموا بالاسلام صاروا من اعظم العظماء، فالاسلام الذي صنع ابن الخطاب،هو نفسه من صنع العظماء من بعده كصلاح الدين ويوسف بن تاشفين، وكما صنع محمود بن سبكستين والسلطان محمود قطز ....وسيصنع من جديد آخرين.
وما قلناه عن شجرة الاسلام واثمارها لعظماء الرجال في كل حين، نقوله ايضا عن النساء، فسمية ام عمار ونسيبة ام عمارة والخنساء وكل العظيمات من الصحابيات هن ثمرات لشجرة الاسلام ، ولولا ايمانهن بعقيدة الاسلام والتزامهن بفكر الاسلام، لما كنّ اكثر من اعرابيات كملايين الاعرابيات اللواتي دخلن من باب الحياة ،وخرجن من الباب الاخر دون ان يشعر بهن احد، او يتركن اي بصمة من البصمات على صفحات التاريخ!!!!ا
ومن عظيمات النساء اللواتي صنعهن الاسلام-اي اثمرتهن شجرةالاسلام- بعد مئات السنين من زمن الصحابيات : العظيمة المشهورة بلقب جلنار-حب الرمان- زوجة السلطان قطز!!ا
وجلنار -واسمها الحقيقي جهاد- هي ابنة جلال الدين بن خوارزم شاه، وزوجة بطل معركة عين جالوت سيف الدين قطز وابنة عمه..

وقد عاشت جلنار حياةً عصيبة مليئةً بالأخطار والمواقف الحرجة، وتجاوزت كل مراحلها بصبر وعزة وثبات وإباء، لتواصل حتى النهاية الخالدة المؤثرة التي تركت بصمتها على صفحات التاريخ... ليحدثنا عنها باعظم فخار.
فقد فتحت جلنارعيناها على الحياة ،وحال الامة مزري كحالها هذه الايام او اسوا،فقد كان العالم الاسلامي انذاك يتعرض لحملات ابادة من قبل الصليبين والتتار ، وتحكمه طغمة حكام طغاة انذال اشبه ما يكونون بحكام بلاد الاسلام هذه الايام فهم اساد على الامة فئران امام الاعداء وعبيد لهم ومطايا وعملاء.

 وقد ترعرعت جلنار في جو الحرب والقتال، وعانت التشرد والأسفار هرباً من المغول، وطلباً للنجاة من اجرامهم الذي لم يكن يوفر امراة او طفلا او شيا كبيرا بل ان كالجراد او كالنار يلتهم كل ما يصادقه او يقف في طريقه.
وكان من اسوا ما تعرضت له انها تحولت من ابنة ملوك الى مجرد رقيقة اي جارية، حيث بيعت في سوق الرقيق كالمتاع مع أنها ابنة ملك كبير كُتبت عليه الهزيمة أمام التتار ليعاني هو وعائلته أشد المعاناة ..
وقد فرقت الأيام بينها وبين ابن عمها حيث عاش كل منهما في بيت أحد التجار أعواماً طويلة..ثم شاء الله تعالى أن يلتقيا في قصر الصالح نجم الدين أيوب عند زوجته شجرة الدر.

وفي قصر شجرة الدر عانت جلنار من العيش قي اجواءالفتن والمؤامرات ، لكن كل هذا لم يزدها الا صبرا وايمانا بقضاء الله وقدره،وأن الله لا بد ان يجعل لها من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا .
وسارت الايام وشاء الله ان تلتقي بابن عمها في ذلك القصر، ويهيئ الله تعالى لهما الزواج، ثم يهيئ لمحمود (قطز) مُلك مصر ومحاربة التتار..

وحصلت موقعة عين جالوت الشهيرة الحاسمة ، واوشك النصر ان يكون لامة الاسلام على امة الوحوش، وعندها حاولت مجموعة من التتار اغتيال قطز لعلهم يغرون من نتيجة المعركة في الوقت الضائع او في اخر اللحظات كما في مباريات كرة القدم .لكن البطل قطز نجح في قتل ثلاثة من مهاجميه ،وكاد فارس تتري رابع ان ينجح في طعن قطز من الخلف، فاذا به يفاجأ بفارس ملثم يضربه بالسيف فيرديه صريعاً، بعد أن تلقى منه ضربة قاتلة.. وما كان ذلك الفارس الملثم إلا جلنار زوجة القائد العظيم قطز.. جاءت إلى المعركة لتفديه بنفسها وتنقذه من القتل ليظل قائداً للمسلمين يقودهم نحو النصر النهائي على التتار الذين ارتكبوا بحق المسلمين من الفظائع ما لا يحيط به الوصف .

ومن شدة تاثره على زوجته الحبيبة انكب القائد على زوجته وهي تجود بروحها في سبيل الله صارخا : واحبيبتاه.. فتقول له: مه.. لا تقل واحبيبتاه.. ولكن قل: وا إسلاماه.. 
الله أكبر ..والله كلا قرات هذه العبارة الخالدة اقشعر لها بدني !!!ا

ما اعظمها من كلمة ينهي بها المرء حياته ..اي وهو في آخر رمق .. نعم .. وا إسلاماه .. فمن أجل نشره وإعلاء رايته نقاتل.. لا من أجل دنيا أو امرأة أو متاع زائل.. قل: وا إسلاماه .. وارفع بها صوتك عالياً ..
ونهض قطز-بعد سماع الامر- وجعل يصرخ في المسلمين.. وا إسلاماه.. صرخة مدوية زلزلت المكان، وجعلت المسلمين يهتزون ويشعرون بالقوة والعزة فينهضون لقتال أعدائهم بهمة ونشاط..
وينهزم التتار شر هزيمة، ويتبع المسلمون فلولهم حتى تتم إبادتهم والقضاء على شرورهم وأخطارهم إلى الأبد..
وتظل ذكرى جلنار عالقة في الأذهان، في صفحة تاريخية ناصعة مشرقة... تُبرز عظمة الفداء والوفاء، وتُظهر أروع صور التضحية النسائية المجيدة في تاريخ أمتنا الحافل بالصور العظيمة المشرقة ..
هكذا فلتكن النساء.. صبر على المعاناة، ورضا بالقضاء والقدر، واستعلاء على الألم، وتضحية في سبيل الله، ورعاية لحقوق الزوج الصالح، وافتداؤه بالنفس والروح..

صورةٌ نضعها بين يدي اخواتنا وبناتنا لعل البعض ممن فيهن الخير يجعلن من جلنار المثل الاعلى وليس من ليس والهام وشاهين وما شابه .. فبامثال ام عمارة وسمية ام عمار والخنساء وصلت الامة عنان السماء وبامثال لميس واردوغان الخسيس، انحطت الامة لى الدرك الاسفل !!!فهل من ذات عقل دين تؤثر فيها قصة جلنار ..فلعل وعسى ان يكتب لامتنا 
النهوض من جديد ...واستعادة الكرامة و العزة لامة الاسلام بعد ان افتقدناها منذ امد بعيد ؟؟؟!!

المصدر: مدونة قانتات

الأربعاء، 13 فبراير، 2013

المرأة بين أعلى درجات الرفعة في الإسلام وبين أسفل دركات الرأسمالية والأنظمة الوضعية




بسم الله الرحمن الرحيم


سعيد الأسعد – فلسطين


تخرج علينا بين الفينة والأخرى بعض الأقلام المسمومة والأصوات المأجورة للغرب الحاقد على الإسلام كحضارة تعطي المرأة حق قدرها لتنال تلك الأقلام والأصوات من رعاية الإسلام وحفظه للمرأة وتكريمه لها. وتحت عنوان : «المرأة في فلسطين معنَّفة: ضرب وإهانة وجنس بالإكراه وحرمان من الميراث» نشرت وكالة معاً الإخبارية تقريراً بتاريخ 25/6/2012م عن برنامج في لقاء حول هذه القضايا بما يشير إلى درجة الوحشية التي تعيشها المرأة في ظل أنظمة وضعية لا تراعي أدنى حقوق الإنسانية للمرأة، ولكن البرامج هذه فاتها ذكر الأسباب والمسببات، فلم تتطرق لتشخيص الداء على حقيقته، ولم تبين أن سبب أي حال متردٍّ هو سيطرة الأنظمة الوضعية والتي هي من ترقيعات المبدأ الرأسمالي المفروض على الناس، والذي لا ينظر إلى المرأة أكثر من كونها سلعة تستغل استغلالاً قذراً، تلك النظرة الجائرة المبنية على استحقار المرأة والحط من قدرها... وهذه البحوث لم تتطرق إلى تشريعات الإسلام، ولا إلى تاريخ حكمه وتقديره للمرأة، وكيف أنه اعتبرهاأماً وربة بيت وعرضاً يجب أن يصان؛ فالإسلام وحده هو الذي حفظ المرأة واعتبرها عرضاً، وجعل ذلك هدفاً من الأهداف العليا لصيانة المجتمع.
الدعاوى الكاذبة والخاطئة والمتربصة بالإسلام والمرأة:


إن الدعوات إلى تحرير المرأة في بلاد المسلمين وإعطائها كامل حريتها وحقوقها وتحويلها كما المرأة في الغرب ما هي إلا دعوات لأهانتها واستعبادها واستحقارها على كافة الصعد أسرياً ومجتمعياً، في الحالة الفردية وضمن الجماعة، وما قضية حقوق المرأة إلا دعوى لكشف سترها وإبعادها عن أحكام الإسلام وتوجيهاته. 
وللرد على هذه الأصوات وبيان حقيقة الأمر والفرق بين سمو أحكام الإسلام ورفعه للمرأة وبين امتهانها وإذلالها وإهلاكها كما في المبادئ الوضعية وما يدعو لها هؤلاء نعرض ما يلي:
رعاية الإسلام للمرأة وهي بنت:


لقد رعى الإسلام المرأة وأعطاها قدرها من المهد، فكانت وصية غالية وأمانة عظيمة، وقد وعدهم الله الجنة ونعيمها إن أحسن الأهل رعايتها وأدَّوا أمانة الله في حقها، فعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من عال ثلاث بنات يكفيهن ويرحمهن ويرفق بهن فهو في الجنة أو قال: معي في الجنة». وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وسرائهن وضرائهن أدخله الجنة بفضل رحمته إياهن: قال رجل: وابنتان؟ قال: وابنتان، قال رجل: وواحدة؟ قال: وواحدة». [المصنف كتاب الأدب]. وهذه ميزة للبنت حرص الإسلام عليها كل الحرص -بعدل معالجاته واستقامة أحكامه- مقارنة بما كانت عليه في الجاهلية، فكان رحمة ما بعدها رحمة، وهو ما زال على وصيته وصدق معالجاته في ظل جاهلية ظهر فيها المبدأ الرأسمالي الذي أطلق الحريات الغرائزية البهيميةمما أتاح إطلاق مزيد من الاعتداء والقتل في حق الأطفال من البنات في اعتداءات جنسية يشيب منها الولدان وتشمئز منها جاهلية الأولين من الناس. ما يشير بشكل واضح قاطع إلى مدى حاجة العالم أجمع إلى تشريعات الإسلام واستقامة أحكامه وتطبيق نظامه ،الأمر الذي يوجب على الحقوقيين وكل اللجان التي تدعي الحرص على المرأة وتدعو لحفظ كرامتها أن يحملوا دعوة الإسلام وأن يستنفروا لتطبيقها.


رعاية الإسلام للمرأة وهي شابة راشدة:
لقد ضمن الإسلام للمرأة وهي شابة حقها في العمل بما يمنع استغلال أنوثتها وأحاطها بالحفظ والاحترام؛ فحرَّم عليها أن تعمل عملاً تأكل من خلاله بأنوثتها، بل اعتبرها درة كريمة مصانة لا تحلُّ لغيرها إلا بكلمة الله ووفق أحكامه، وتزف لبيت الزوجية بشكل راقٍ مهيب لتصبح هناك ربة بيت وأماً وعرضاً يحرس ويصان ويفتدى بالنفس، ولتشكل ركناً إلى جانب الرجل لتأسيس عائلة محترمة ومستقرة... وهذا ما يفتقده الغرب كل الافتقاد، حيث نرى بشكل عام كيف أن الأسر مفكَّكة، ونكاد لا نجد شابة عذراء، وإذا ما وجدت فهي تخفي نفسها حتى لا تتهم بأنها معقَّدة...وحيث تستغل أنوثتها أبشع استغلال لجني المال.


الإسلام جعل للمرأة الحق في إبداء الرأي ومحاسبة رأس الدولة: 
ومن ذلك أن امرأة حجَّت عمر بن الخطاب في تقدير المهور حتى قال مقالته العابرة للأجيال: «أخطأ عمر وأصابت امرأة» 
فهذا سيدنا عمر، وهو خليفة وله منصبه وعلمه وقوة شخصيته التي تهابها الرجال، يستمع لامرأة وينصاع لفهمها في تقدير المهور ويقدمه على فهمه لما رأى فيه من وجاهة وقوة حجة بغض النظر عمن تكون هذه المرأة. 
المرأة هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم:


لقد كانت المرأة (ولازالت) وصية نبيـِّنا صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فعن سليمان ابن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ.... أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِى كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» سنن ابن ماجة. وقوله: «إن النساء شقائق الرجال». وعن أنس بن مالك قال: كان البراء بن مالك رجلاً حسن الصوت فكان يرجز برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينا هو يرجز برسول الله في بعض أسفاره إذ قارب النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك والقوارير، إياك والقوارير». فأيُّ رفق وأي تلطُّف ووصاية هذه، فقد استحال نظيرها في الأمم وفي العالمين. فعندما جاء الإسلام أبطل كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك أو التضييق عليهن في التصرف بما يملكن، واستبداد الأزواج بأموال زوجاتهم، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر الزوجية والنفقة على المرأة وعلى أولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والصدقة وغير ذلك. ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من الأعمال، وفي المقابل نرى أن المرأة الفرنسية لا تزال إلى يومنا هذا مقيدة بإرادة زوجها في جميع التصرفات المالية والعقود القضائية.


ومما يجدر ذكره أن الإسلام حين كانت دولته تحكم العالم وتسود فيه مثل هذه الأحكام وتعطى المرأة تلك المنزلة كان الإفرنج يعدون المرأة من الحيوان الأعجم أو من الشياطين لا من نوع الإنسان، وبعضهم يشك في ذلك، فجاء الإسلام وفيه قول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وقوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) وما في معناهما، وكان بعض البشر في أوروبا وغيرها يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها دين، حتى كانوا يحرمون عليها قراءة الكتب المقدسة رسمياً، فجاء الإسلام ليخاطب الرجال والنساء معاً بالتكاليف الدينية بلقب المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. وكان أول من آمن بمحمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم امرأة، وهي زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وقد ذكر الله تعالى مبايعته صلى الله عليه وسلم للنساء في نص القرآن ثم مبايعته للرجال بما جاء في بيعة النساء. ولما جمع القرآن في مصحف واحد جمعاً رسمياً وضع عند امرأة هي حفصة أم المؤمنين، وظل عندها من عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق إلى عهد الخليفة الثالث عثمان - رضي الله عن الخلفاء الراشدين أجمعين - فأُخذ من عندها واعتُمد عليه في نسخ المصاحف الرسمية التي كتبت وأرسلت إلى الأمصار لأجل النسخ عنها والاعتماد عليها.


وكان بعض البشر يزعمون أن المرأة ليس لها روح خالدة؛ لذلك لا تكون مع الرجال المؤمنين في جنة النعيم في الآخرة - وهذا الزعم أصل لعدم تدينها - فنزل القرآن الكريم ليقول: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) ويقول سبحانه: ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) وفيها الوعد الصريح بدخول الفريقين جنات تجري من تحتها الأنهار.
وكان بعض البشر يحتقرون المرأة فلا يعدونها أهلا للاشتراك مع الرجال في المعابد الدينية والمحافل الأدبية، ولا في غيرهما من الأمور الاجتماعية والسياسية والإرشادات الإصلاحية، فنزل القرآن يصارحهم بقوله تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وقد عين عمر بن الخطاب الشفاء وهي امرأة قاضية للحسبة.


وكان بعض البشر يحرِمون النساء من حق الميراث وغيره من التملك، وبعضهم يضيق عليهن حق التصرف فيما يملكن، فأبطل الإسلام هذا الظلم وأثبت لهن حق التملك والتصرف بأنفسهن في دائرة الشرع، قال الله تعالى: ( لرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) وقال سبحانه: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن) ونحن نرى أن دولة الولايات المتحدة الأميركية لم تمنح النساء حق التملك والتصرف إلا من عهد قريب في عصرنا هذا فيما يشير إلى ترقيعات النظام الرأسمالي الباهت، وأن المرأة الفرنسية لا تزال مقيدة بإرادة زوجها في التصرفات المالية والعقود القضائية، وقد منحت المرأة المسلمة هذه الحقوق منذ ثلاثة عشر قرناً ونصف. 
وكان الزواج في قبائل البدو وشعوب الحضارة ضرباً من استرقاق الرجال للنساء، فجعله الإسلام عقداً ورباطاً وثيقاً لقضاء حق الفطرة بسكون النفس من اضطرابها الجنسي بالحب بين الزوجين، وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرتين، واكتمال عاطفة الرحمة الإنسانية وانتشارها من الوالدين إلى الأولاد، على ما أرشد إليه قوله تعالى: ( مِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).


ولقد كلَّف الإسلام المرأة والرجل بالتكاليف الشرعية على السواء من غير تفاضل بينهما وذلك باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف، مع جعل حق رياسة الزوجية للرجل لأنه أقدر على النفقة والحماية بقول الله عز وجل في الزوجات: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) وقد بيَّن هذه الدرجة بقوله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) فجعل من واجبات هذه القيامة على الزوج نفقة الزوجة والأولاد بحيث لا تكلف منه شيئاً ولو كانت أغنى منه، وزادها المهر إذ المسلم يدفع لامرأته مهراً مفروضاً عليه بمقتضى العقد.
وكان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج بمن تكره، أو يعضلونها بالمنع منه مطلقاً وإن كان زوجها وطلقها، فحرم الإسلام ذلك، والنصوص في هذا معروفة في كلام الله وكلام رسوله وسنته. وكان الرجال من العرب وبني إسرائيل وغيرهم من الأمم يتخذون من الأزواج ما شاؤوا غير مقيدين بعدد، ولا مشترط عليهم فيه العدل، فقيَّدهم الإسلام بألا يزيدوا على أربع، وأن من خاف على نفسه ألا يعدل بين اثنين جعل الاقتصار على واحدة.


والطلاق قد يكون ضرورة من ضروريات الحياة الزوجية، إذا تعذر على الزوجين القيام بحقوق الزوجية من إقامة حدود الله وحقوق الإحصان والنفقة والمعاشرة بالمعروف، وكان مشروعاً عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب وغيرهم، وكان يقع على النساء منه وفيه ظلم كثير وغبن يشق احتماله، فجاء الإسلام فيه بالإصلاح الذي لم يسبقه إليه شرع ولم يلحقه بمثله قانون، وكان الإفرنج يحرمونه ويعيبون الإسلام به، ثم اضطروا إلى إباحته، فأسرفوا فيه إسرافاً منذراً بفوضى الحياة الزوجية وانحلال روابط الأسرة والعشيرة. بينما الإسلام جعل عقدة النكاح بيد الرجال، ويتبعه حق الطلاق؛ لأنهم أحرص على بقاء الزوجية بما تكلفهم من النفقات في عقدها وحلها، وكونهم أثبت من النساء جأشاً وأشد صبراً على ما يكرهون، وقد أوصاهم الله تعالى على هذا بما يزيدهم قوة على ضبط النفس وحبسها على ما يكرهون من نسائهم فقال سبحانه: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) على أن الشريعة تعطي المرأة حق اشتراط جعل عصمتها بيدها لتطلق نفسها إذا شاءت، وأعطتها حق طلب فسخ عقد الزواج من القاضي إذا وجد سببه من العيوب الخلقية أو المرضية كالرجل، وكذا إذا عجز الزوج عن النفقة. وجعلت للمطلقة عليه حق النفقة مدة العدة التي لا يحل لها فيها الزواج، وذم النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق بأن الله يبغضه للتنفير عنه إلى غير ذلك من الأحكام التي بيَّنها في تفسير الآيات المنزلة فيها. 


وكذلك بالغ الإسلام في الوصية ببرِّ الوالدين فقرنه بعبادة الله تعالى، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم فيه حق الأم، فجعل برَّها مقدماً على بِرِّ الأب، ثم بالغ في الوصية بتربية البنات وكفالة الأخوات، بأخص مما وصى به من صلة الأرحام، بل جعل لكل امرأة قيِّماً شرعياً يتولى كفايتها والعناية بها، ومن ليس لها ولي من أقاربها وجب على أولي الأمر أن يتولوا أمرها.


كذلك فقد أكبر الشرع الإسلامي المرأة وأكرمها كلما كبر سنها، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات. وإن الأمهات من الجدات في الإسلام لهن صدور البيوت وأحسن المجالس وأطيب الطعام وتقبيل الأيدي والرأس وحسن الخدمة وكبير الاحترام والتنعم وخفض الجناح والدعوة لهنَّ في السجود وبين السجدتين وفي أدبار الصلوات... ولعمر الحق،إنه إن كانت المرأة يكرمها الأبناء أو الإخوة والأهل، فإنها، في الإسلام تكرم أكثر وهي جدة، وذلك بخلاف أنظمة الطاغوت من شرائع الغاب الرأسمالية وأضرابها فإن مصير الجدات هي مآوي العجزة حيث الملل والقهر والضغط النفسي ولسان الحال أنهن أصبحن عالة على المجتمع هناك، ويضيق ذرعاً بهم الأبناء والأحفاد، يحجزن ويحبسن كالمجرمين، ويحجر عليهن كالمرضى السلبيين، فهل هناك ما هو أشد ظلماً من هذا؟! وجملة القول: إنه ما وجد دين ولا شرع ولا قانون في أمة من الأمم أعطى النساء ماأعطاهنَّ إياه الإسلام من الحقوق والعناية والكرامة.


هذه هي حقائق الإسلام في رعاية المرأة من مهدها إلى لحدها تشع نوراً وتعلو فخاراً وتفضح خزي الأنظمة الوضعية ودعاوى الناعقين المزينين لقبحها ممن يتسمون بلجان حقوق وكتَّاب ومفكرين ومنظّرين. وإن كثيراً من تلك المؤسسات تعمل لتخريب الجيل ولإفسادهم ضمن أجندات دولية. وفي هذا الصدد نقلت وكالة معاً الإخبارية تقريراً عما قاله : بسام زكارنة رئيس نقابة العاملين في الوظيفة العمومية بتاريخ 1/7/2012م: «إن بعض مؤسسات المجتمع المدني أوكار للموساد وللمخابرات العالمية هدفها تدمير المجتمع الفلسطيني وتفكيكه» وقال زكارنة «إن مسؤولين إسرائيليين على تواصل مع هذه المؤسسات وتقودها بشكل مباشر من خلال بعض المسؤولين فيها أو بشكل غير مباشر من خلال أجهزة مخابرات عالمية بحيث إن 80 بالمئة من هذه المؤسسات يؤدي الدور بفعالية مطلقة، ويساهم ببث الفتنة وسرقة أموال الشعب الفلسطيني». وبين زكارنة: «إن دور هذه المؤسسات الأهلية ينحصر في البحث عن أي قضية داخلية وإثارتها مثل قضايا فساد وحقوق الإنسان والديمقراطية وهي مفبركة أو تم علاجها بعيداً عن الفاسدين المتعاونين مع تلك الأجهزة بحيث لا تساهم في تقوية المجتمع وإنما تفتيته». http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=500178


وإننا فوق هذا فقد وجدنا في الجدول المرفق للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) في مناطق السلطة الفلسطينية كيف أن عدد الاعتداءات وحتى القتل على خلفية شرف العائلة هو أقل القليل، وهناك فرق شاسع بينه وبين أي قضايا جنائية أخرى، أو حتى ضحايا حوادث السير، فلماذا يكون هذا الاستهداف للتشهير بالمجتمع المحافظ الذي يكرم المرأة لتأثره بالإسلام تأثراً منقوصاً ولا يعيشه عيشاً كاملاً في دار الإسلام وفي دولة الخلافة التي تعد الحصن الحصين الحامي للمرأة؟!.


وضع المرأة في الغرب بلغة الأرقام


أولاً:في تقريره السنوي الذي قام بإعداده فريق متخصص برصد أحوال المرأة في العالم الغربي، ذكر «معهد المرأة» في إسبانيا ـ مدريد، مجموعة من الإحصاءات المذهلة:
- في عام 1990م قدّم 130 ألف امرأة بلاغات بالاعتداء الجسدي والضرب المبرح من قبل الرجال الذين يعيشون معهن، سواء كانوا أزواجاً أم أصدقاء .
- ويقول أحد المحامين: إن الشكاوى بالاعتداء الجسدي والضرب المبرح بلغت عام (1997م) 54 ألف شكوى، وتقول الشرطة: إن الرقم الحقيقي عشرة أضعاف هذا العدد.
- وفي عام 1995م خضع مليون امرأة لأيدي جراحي التجميل، أي بمعدل امرأة من كل 5 نساء يعشن في مدريد وما حولها.
- كما أن هنالك بلاغًا يوميًّا عن قتل امرأة بأبشع الطرق على يد الرجل الذي تعيش معه.
ثانياً: الولايات المتحدة الأميركية:
- في عام 1980م (1.553000) حالة إجهاض، 30% منها لدى نساء لم يتجاوزن العشرين عاماً من أعمارهن، وقالت الشرطة: إن الرقم الحقيقي ثلاثة أضعاف ذلك.
- وفي عام 1982 م: (80%) من المتزوجات منذ 15 عاماً أصبحن مطلقات.
- وفي عام 1984م: (8 ملايين) امرأة يعشن وحدهن مع أطفالهن ودون أية مساعدة خارجية.
- وفي عام 1986م: (27%) من المواطنين يعيشون على حساب النساء.
- وفي عام 1982م: (65) حالة اغتصاب لكل 10 آلاف امرأة.
- وفي عام 1995م: (82) ألف جريمة اغتصاب، 80% منها في محيط الأسرة والأصدقاء، بينما تقول الشرطة: إن الرقم الحقيقي 35 ضعفاً.
- وفي عام 1997م بحسب قول جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة : اغتصبت امرأة كل 3 ثوان، بينما ردت الجهات الرسمية بأن هذا الرقم مبالغ فيه في حين أن الرقم الحقيقي هو حالة اغتصاب كل 6 ثوان!
- وفي عام 1997م: (6) ملايين امرأة عانين سوء المعاملة الجسدية والنفسية بسبب الرجال، 70% من الزوجات يعانين الضرب المبرح، و4 آلاف يقتلن كل عام ضرباً على أيدي أزواجهن أو من يعيشون معهن.
-74% من العجائز الفقراء هم من النساء، 85% من هؤلاء يعشن وحيدات دون أي معين أو مساعد.
- ومن 1979م إلى 1985م: أجريت عمليات تعقيم جنسي للنساء اللواتي قدمن إلى الولايات المتحدة من أميركا اللاتينية، والنساء اللاتي أصولهن من الهنود الحمر، وذلك دون علمهن.
- ومن عام 1980م إلى عام 1990م: كان في الولايات المتحدة ما يقارب مليون امرأة يعملن في البغاء.
- وفي عام 1995م: بلغ دخل مؤسسات الدعارة وأجهزتها الإعلامية 2500 مليون دولار .
يشار إلى أن هذا التقرير السنوي المسمى بـ “قاموس المرأة” صدر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة، ومقره مدريد، وهو معهد عالمي معترف به.
وتحت عنوان: “العنف المدني، مشكلة اجتماعية منتشرة في أميركا.” ذكرت منظمة الكومنولث في استطلاع 1998م أنه تقريباً “ثلث النساء الأميركيات، تعرضن لمضايقات جسدية أو جنسية من الزوج أو الصديق، خلال فترة من حياتهن”. 
وذكر المعهد الأميركي للعدل أنه تقريباً “25 بالمائة من النساء الأميركيات اغتصبن، و/أو تم الاعتداء عليهن جسدياً”، من رفيق سابق أو حالي، أو خلال أحد المواعيد. 
وذكر مكتب العدل الأميركي أنه خلال العام 2000م تعرضت 588490 امرأة للضرب (لعنف لم يؤدِّ لإصابات)، من الشريك الحميم (المقرب). وتشير التقديرات إلى أن 18% من مجموع النساء في الولايات المتحدة الأميركية تعرضن للاغتصاب، وأن 1900 فتاة يومياً يتم اغتصابهن، وهذه النسبة تشكل رقماً كبيراً خاصة إذا نظرنا إلى أن نسبة العلاقات غير الشرعية مرتفعة جداً، وأن أكثر من 5% من الزوجات يخنَّ أزواجهنَّ من باب المعاملة بالمثل. علاوة على ذلك فإن 2% من حالات الاغتصاب المذكورة تكون من الأب أو أحد أفراد الأسرة. 
وتشير مصادر أخرى إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 22% من مجموع النساء في الولايات المتحدة الأميركية اللائي يتعرضن لحوادث الاغتصاب، وهذا يجعل الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأولى في العالم من حيث معدلات الاغتصاب الواقعة على النساء. ونشير هنا أيضاً إلى أن ما مجموعه 47% من حالات الاغتصاب المذكورة كان يصاحبها اعتداء جسدي شرس وعنيف بالضرب ونحوه كما نشرت ذلك صحيفة ال “يو إس توداي”. 


وهذه النسب المذكورة لا تشكل إلا ما تم الإبلاغ عنه من جرائم الاغتصاب، وأما ما لم يتم تسجيله أو الإبلاغ عنه فإنه أكبر بكثير من الرقم المذكور، وتشكل هذه الجرائم أكثر من عشرين ضعفاً من مثيلاتها في كل من اليابان وإنجلترا وإسبانيا مع مراعاة أن الدول السابقة دول شعوبها غير متدينة بعكس الولايات المتحدة الأميركية فإن شعبها متدين وبنسبة كبيرة.
وقد نشرت مجلة الطب النفسي الأميركية تقارير تفيد بأن ما نسبته 42% من النساء العاملات في الولايات المتحدة الأميركية يتعرضن للمضايقات والاعتداء الجنسي، ومن أشهر القصص في هذا المجال قصة أحد أعضاء الكونغرس الأميركي عندما قامت إحدى العاملات معه بشكايته لأنه قام بالتحرش بها جنسياً، وبعد اشتهار أمره تقدمت أكثر 26 امرأة بشكاوى تفيد أنه مارس معهنَّ التحرش.
كما نشرت منظمة التحالف الوطني المنزلي في أميركا تقارير تفيد بأن أكثر من سبعة ملايين امرأة يتعرضن للضرب من قبل الأزواج ولا يقمن بإبلاغ الشرطة، ويدخل مئات الآلاف منهن سنوياً إلى المستشفيات لتلقي العلاج من آثار الضرب، وهي حالات مختلفة بعضها خفيف وبعضها قوي جداً وقد يصل إلى القتل. 
وتشير تقارير ودراسات أخرى إلى أن 95% من ضحايا العنف العائلي هم من النساء، وأن من بين كل أربعة حالات اعتداء على المرأة يكون الزوج هو المعتدي في ثلاثة حالات منها. 


الخلاصة:
1- لقد رعى الإسلام المرأة في التشريع والتوجيه والتنفيذ من مهدها وفي شبابها إلى شيخوختها، واعتبرها شقيقة الرجل، ولها دور مهم ومفصلي على صعيد الأسرة والمجتمع واستقامتهما وارتفاع بنيانهما، فهي أم وربة بيت وعنصر إيجابي فاعل. وقد منع بشكل قاطع النيل منها أو استغلال أنوثتها وجعلها عرضاً يجب أن يصان. وقد أعطاها من الحقوق كما أعطى الرجل سواء بسواء إلا ما يختلفان فيه من ناحية فطرية.
2- لقد سجل التاريخ والحاضر بأن جميع المبادئ والتشريعات البشرية قد وضعت المرأة في أسفل الدركات ظلماً واستهانة واستضعافاً، ولا زال الخط البياني يرتفع بأرقام قياسية في هضم حقوقها والاعتداء عليها، وما الترويج لحرية الغرب ومناداته بحقوق المرأة إلا ذراً للرماد في العيون وتزييفاً للحقيقة المذهلة عن جرائمه.
3- هناك دعاوى لا سيما في العالم الإسلامي من لجان حقوق ومؤسسات نسوية وكتاب ومفكرين للنيل من عفاف الأسرة المسلمة من أجل تدميرها وإشاعة الانحلال الذي يدعو له الغرب في بلاد المسلمين حتى تعم مثل تلك الفوضى الحاصلة في المجتمعات الغربية وتصبح مجتمعاتنا أسوأ حالاً، وذلك من خلال دعوة المرأة لأخذ الأمر على عاتقها وتجاوز الرجل وحرمانه من قوامته عليها، والتعامل معه بالندية والمنافسة لا بالتفاهم والمودة والرحمة التي دعا لها الإسلام، وقد تبين أن الكثير من هذه المؤسسات لها ارتباطات واضحة في النشوء والتمويل بالدول المعادية للإسلام لتحقيق مآربها وشرورها في بلاد المسلمين ضمن مخططات إعادة رسم المعادلة لتخدم بقاء الغرب جاثماً على بلاد المسلمين ولا سيما بعد الثورات التي قامت في بلاد المسلمين من أجل قلعه وإعادة الاعتبار للإسلام كنظام شامل لكافة مناحي الحياة.
4- هي دعوة نوجهها لكل عاقل في العالم، ولكل من يحرص على المرأة كإنسان مثلها مثل الرجل، ولها الحق في عيش وافر كريم، بأن تنصب الدعوات والجهود لإعادة الاعتبار للنظام الاجتماعي في الإسلام والدعوة والمطالبة بتطبيقه لإحقاق الحق والعدل ولرفع مكانة المرأة إلى أعلى درجات الرقي الإنساني دون أي امتهان أو انتقاص أو عدوان 
قال تعالى:( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ )


المصدر: مجلة الوعي

الخميس، 31 يناير، 2013

مع الحديث الشريف


بسم الله الرحمن الرحيم


جاء في صحيح الإمام مسلم في شرح النووي "بتصرف" باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة".

حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير قال يحيى: أخبرنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان قال: سمعت جابرا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".

قوله - صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم الشرك والكفر بالواو. ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة أن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه. ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم.

إن الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي فرض واجبة على كل مسلم عاقل بالغ ذكرا كان أو أنثى، وإن ما نراه اليوم من ترك لها، فهو إما أن يكون كسلا وتهاونا، أو أن يكون إنكارا لوجوبها وجحودا لها، فأما تركها تهاونا وكسلا فهو فسق ومعصية يعاقب تاركها تعزيرا بعقوبة يراها الحاكم والقاضي زاجرة، وأما تركها جحودا وإنكارا فهو كفر وارتداد عن دين الله سبحانه، وهنا يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.

أما الحديث "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" فيحمل على التغليظ الشديد على من ترك الصلاة، فهو مثل ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم:" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فالكفر يُطلق على الخروج من الملة وعلى أفعال محرمة لا تُخرج من الملة، وكلمة " الكفر" الواردة في الحديث تُصرف إلى المعنى اللغوي فقط.

أيها المسلمون: وسواء كان تارك الصلاة فاسقا عاصيا أو كافرا منكرا لها، فإن ما نراه اليوم من أبناء المسلمين من ترك للصلاة، يجعلنا نقف أمام هذا الواقع متسائلين: لماذا يترك أبناؤنا هذه الفريضة؟ وهل كانت الأمة في سالف عهدها تاركة للصلاة كما هي الآن؟ الجواب ببساطة: لا، لم تعهد الأمة هذه الظاهرة من قبل، فقد كانت الصلاة جزءا من مكونات حياتها، ولا حياة لها دون الصلاة، ذلك عندما كان هناك من يرعاها ويأخذ بيدها، ويحاسبها إن قصرت في هذا الركن وغيره، أما وقد تغيرت الحال كما ترون، وأصبحت دولتها دولا، وأصبح حاكمها حكّاما، يأتمرون بأوامر أسيادهم في البيت الأبيض والكرملن وعواصم الكفر لندن وباريس، فإن الأمر اختلف بالكلية، حيث أصبحوا يحاسبون من يصلي لا من يترك الصلاة، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

فيا أيتها الأمة الكريمة، يا من أكرمك الله بهذا الشرف العظيم، " الصلاة" هذا هو أس الداء في حياتك، الحكام الخونة العملاء الذين باعوا أبناءك للأعداء، وحاربوهم باسم الحكم والرعاية، ها هم الحكام اليوم يقتلونهم لأنهم أدركوا هذه الحقيقة، فخرجوا عليهم في ثورات لا تُبقي ولا تذر، يطلبون تحكيم القرآن، فهبي للمشاركة في هذا الفرض العظيم، فرض إسقاط الكفر وأذنابه، والإتيان بحاكم، بخليفة لكل المسلمين، نبايعه على السمع والطاعة، على تطبيق فرض الصلاة، على تطبيق القرآن العظيم.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم آمين آمين.

بقلم: أبو مريم


الثلاثاء، 25 سبتمبر، 2012

فبهداهم اقتده: عباد بن بشر رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

 "ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يسمو عليهم فضلاً: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر" عائشة أم المؤمنين عباد بن بشر اسم وضيء مشرق في تاريخ الدعوة المحمدية... إن نشدته بين العُباد وجَدتَه التّقيّ النقيّ قوّام الليل بأجزاء القرآن. وإن طلبتَه بين الأبطال ألفيته الكميَّ الحميَّ خوّاض المعارك إعلاء لكلمة الله... وإن بحثت عنه بين الولاة رأيته القوي المؤتمن على أموال المسلمين... حتى قالت عائشة فيه وفي اثنين آخرين من بني قومه: “ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يسمو عليهم فضلاً: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر”.

 كان عباد بن بشر الأشهلي حين لاح في آفاق يثرب أول شعاع من أشعة الهداية المحمدية فتىً موفور الشباب، غضّ الإرهاب، تعرف في وجهه نضرة العفاف والطهر، وتلمح في تصرفاته رزانة الكهول؛ على الرغم من أنه لم يكن إذ ذاك قد جاوز الخامسة والعشرين من عمره السعيد. وقد اجتمع إلى الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير فسرعان ما ألّفت بين قلبيهما أواصر الإيمان، ووحَّدت بين نفسيهما كريم الشمائل ونبيل الخصال. وقد استمع إلى مصعب وهو يرتل القرآن بصوته الفضيِّ الدافئ، ونبرته الشجية الآسرة فشغف بكلام الله حبًّا، وأفسح له في سويداء فؤاده مكاناً رحباً، وجعله شغله الشاغل فكان يردّده في ليله ونهاره، وحلّه وترحاله، حتى عرف بين الصحابة بالإمام، وصديق القرآن. وقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتهجّد ذات ليلة في بيتِ عائشة الملاصق للمسجد، فسمع صوت عبّاد بن بشر وهو يقرأ القرآن رطباً ندياً كما نزل به جبريل على قلبه فقال: "يا عائشة هذا صوت عباد بن بشر؟!" قالت:"نعم يا رسول الله"، قال: "اللهم اغفر له".

 شهد عباد بن بشر مع الرسول صلوات الله عليه مشاهده كلها، وكان له في كل منها موقفٌ يليق بحامل القرآن... من ذلك أن الرسول صلوات الله عليه لما قفل عائداً من غزوة ذات الرقاع نزل بالمسلمين في شعبٍ من الشعاب ليقضوا ليلتهم فيه. وكان أحد المسلمين قد سبى -في أثناء الغزوة- امرأةً من نساء المشركين في غيبة من زوجها، فلما حضر الزوج -ولم يجد امرأته- أقسم باللات والعزى ليلحقن بمحمد وأصحابه وألا يعود إلا إذا أراق منهم دماً. وما كاد المسلمون يُنيخون رواحلهم في الشعب حتى قال لهم الرسول صلوات الله عليه: "من يحرسنا في ليلتنا هذه؟" فقام إليه عباد بن بشر، وعمار بن ياسر وقالا: "نحن يا رسول الله" وقد كان النبي آخى بينهما حين قدم المهاجرون على المدينة. فلما خرجا إلى فم الشعب قال عباد بن بشر لأخيه عمار بن ياسر: "أي شطري الليل تؤثر أن تنام: أوله أم آخره؟" فقال عمار: "بل أنام أوله واضطجع غير بعيد عنه". كان الليل وقتها ساجياً هادئاً وادعاً، وكان النجم والشجر والحجر تسبح بحمد ربها وتقدس له، فتاقت نفس عبّاد بن بشر إلى العبادة، واشتاق قلبه إلى القرآن. وكان أحلى ما يحلو له القرآن إذا رتّله مصلياً فيجمع متعة الصلاة إلى متعة التلاوة. فتوجه إلى القبلة ودخل الصلاة وطفق يقرأ من سورة الكهف بصوته الشجيِّ النديِّ العذب. وفيما هو سابح في هذا النور الإلهي الأسنى غارقٌ في لألاء ضيائه؛ أقبل الرجل يحث الخطى فلما رأى عباد من بعيد منتصباً على فم الشعب عرف لأن النبي وصحبه بداخله وأنه حارس القوم، فوتر قوسه، وتناول سهماً من كنانته ورماه به فوضعه فيه. فانتزعه عباد من جسده ومضى متدفقاً في تلاوته غارقاً في صلاته... فرماه الرجل بآخر فوضعه فيه؛ فانتزعه كما انتزع سابقه، فرماه بثالث فانتزعه كما انتزع سابقيه، وزحف حتى غدا قريباً من صاحبه وأيقظه قائلاً: انهض فقد أثخنتني الجراح. فلما رآهما الرجل ولّى هارباً. وحانت التفافة من عمار إلى عبّاد فرأى الدماء تنزف غزيرة من جراحه الثلاثة فقال له: يا سبحان الله هلا أيقظتني عند أول سهم رماك به؟! فقال عباد: "كنت في سورة فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها. وأيم الله لولا خوفي من أن أضيّع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لكان قطع نفسي أحب إلي من قطعها."

ولما نشبت حروب الردة على عهد أبي بكر رضي الله عنه، جهّز الصديق جيشاً كثيفاً للقضاء على فتنة مسيلمة الكذاب، وإخضاع المرتدين الذين ظاهروه، وإعادتهم إلى حظيرة الإسلام، فكان عباد بن بشر في طليعة ذلك الجيش. وقد رأى عباد -خلال المعارك التي لم يحقق المسلمون فيها نصراً يذكر- من تواكل الأنصار على المهاجرين، وتواكل المهاجرين على الأنصار، ما شحن صدره أسىً وغيظاً، وسمع من تنابزهم ما حشا سمعه جمراً وشوكاً، فأيقن أنه لا نجاح للمسلمين في هذه المعارك الطاحنة إلا إذا تميز كل من الفريقين عن الآخر ليتحمل مسؤوليته وحده... وليعلم المجاهدين الصابرين حقاً. وفي الليلة التي سبقت المعركة الحاسمة رأى عباد بن بشر فيما يراه النائم أن السماء انفرجت له، فلما دخل فيها ضمته إليها وأغلقت عليه بابها... فلما أصبح حدَّث أبا سعيدٍ الخدري برؤياه وقال: والله إنا الشهادة يا أبا سعيد. فما طلع النهار واستؤنف القتال علا عباد بن بشر نشزاً من الأرض وجعل يصيح: يا معشر الأنصار تميزوا من الناس واحطموا جفون السيوف... ولا تتركوا الإسلام يؤتى من قبلكم... وما زال يردد ذلك النداء حتى اجتمع عليه نحو أربعمائة منهم على رأسه ثابت بن قيس، والبراء بن مالك، وأبو دجانة صاحب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومضى عباد بن بشر ومن معه يشق الصفوف بسيفه ويلقي الحتوف بصدره، حتى كسرت شوكة مسيلمة الكذاب ومن معه وأُلجِئوا إلى حديقة الموت. وهناك عند أسوار الحديقة سقط عباد بن بشر شهيداً مضرَّجاً بدمائه... وفيه ما فيه كم ضربات السيوف وطعنات الرماح ووقع السهام. حتى إنهم لم يعرفوه إلا بعلامة كانت في جسده.

المصدر: مجلة الوعي