السبت، 3 يوليو 2010

حقوق المرأة: حقيقة أم مؤامرة؟



لماذا كل هذه الإثارة وهذه الضجة حول المرأة المسلمة بالذات؟ لماذا ترصد مليارات الدولارات من أجلها؟ ولماذا تعقد المؤتمرات والمحاضرات للمطالبة بحقوقها؟ ولماذا يتدخل رؤساء الدول وعقيلاتهم لإضفاء الجدية على قضاياها؟! أهي مسلوبة الحقوق حقاً؟ أتراها مظلومة بأحكام هذا الدين أم أنها مؤامرة خبيثة وعظيمة؟!

أختي المسلمة:
هكذا سأناديك وهكذا ستظلين... يا حفيدة عائشة... أم المؤمنين جميعا، يا أخت سمية... ونسيبة... وخولة وأسماء... وصفية... والخنساء... إن هذا لحديث طويل.... ولكني على عظم المصاب سأجمل.

لقد أدرك الغرب أنه لولا أرحام المؤمنات العفيفات الطاهرات، ولولا أحضانهن المباركة، لما وجد أمثال أسامة بن زيد وصلاح الدين ومحمد الفاتح، علم الغرب أن صلاتك وتقواك وتمسكك بأحكام ربك في كل حركاتك وسكناتك كان وما زال مصدر قوة ورفعة لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فشخصوا الداء وفكروا بالدواء وحاكوا المؤامرات وشنوا الهجمات ورصدوا الأموال ليصدوا عن سبيل الله .

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال 36]

أختي المسلمة:

لم يكتف الكافر المستعمر بهدم دولة الخلافة التي كانت تذود عن كرامتك وعرضك.. ولم يكتف بتمزيق البلاد، ومص دماء العباد، ونهب الخيرات... ولم يكتف بجعلنا في ذيل الأمم بالحملات العسكرية والمؤامرات الاقتصادية.. بل قام بما هو أشد وأنكى، ألا وهو شن الحملات الفكرية الرأسمالية المبرمجة والمدروسة على بلاد المسلمين، وكنت أنت من أهم المستهدفين في هذه الحملة، وهنا بيت القصيد...

لقد كان لهذا الهجوم طراز خاص ورائحة جديدة، فقد استعملوا زخرف القول وزوره، واتخذوا من النفاق والدجل طريقة، فظهروا كأنهم الإخوان والخلان يقدمون لنا الترياق السحري، ترياق النهضة والحرية ليخلصونا حسب زعمهم الباطل من رجعية ديننا، وعقد تقاليدنا، وتسلط آبائنا وأزواجنا، ودكتاتورية مجتمعاتنا. وصلت بهم الجرأة أن طعنوا في كل جزئية، وفي كثير من مسلمات هذا الدين العظيم... واستعملوا الحكام الرويبضات لسن قوانين جديدة من شأنها أن ترتقي بالمرأة المسلمة لتقترب من مثيلاتها في الغرب على حد زعمهم، وللأسف.. سنت تلك القوانين على المقاس الأميركي والإنجليزي في بلاد المسلمين.. والتي تهاجم الحدود والعقوبات الشرعية والتي تحرف أحكام الله في الطلاق والميراث وتعدد الزوجات والاختلاط وحتى في لباس المرأة وغيرها. أما الثمرة الخبيثة، فهو ما نسمعه من أخبار يندى لها الجبين عن بلاد المسلمين.. حيث أصبح الزنا ليس بجريمة في تركيا ... وحظر الحجاب في بعض بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، جريمة لا تغتفر.

وصار من حق المرأة أن تمارس الرذيلة على شاشات التلفاز في مصر وغيرها... وصار الخمار ينحسر عن رأس المذيعة الحجازية شيئاً فشيئاً إلى أن سقط في كثير من الحالات بعد أن كان من المستحيلات هناك, وهكذا أصبحت الكويتية والأفغانية تزور صناديق الاقتراع حاسرة الرأس متبرجة متشدقة بالديمقراطية متغنية بالمشاركة السياسية والإنجاز العظيم.

كنا نعد طرد المسلمات المحجبات من المدارس البريطانية جريمة فلما طردن من المدارس في البلاد الإسلامية كتركيا وتونس أسقطنا تلك عن لائحة الجرائم!! والأقبح من الذنب عذره، حيث قالوا لها في المحكمة... إنك تمثلين قدوة سيئة للطالبات... الله أكبر على من لا يعرف من العدل إلا اسمه، ومن الدين الإسلامي إلا رسمه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أما عن القانون المدني فحدث ولا حرج، ذاك القانون الخبيث الذي يطبق في بعض بلاد المسلمين، فيبيح للمسلمة أن تتزوج بكافر وللمسلم أن يتزوج أخته بالرضاع ناهيك عن التلاعب بعدة الطلاق الشرعية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

وهكذا أختي المسلمة، تصدّر الكافر المستعمر وأذنابه من أبناء جلدتنا هذه الحملة الشرسة ونادوا بحقوق المرأة وكأنها في الإسلام بلا حقوق... وأقل درجة وشأناً من الرجل... أرادوها كالمرأة الغربية التي أخرجت من بيتها لتقصى عن رعاية أطفالها ولتنعتق من سلطة الرجل مادياً ومعنوياً... وأصبحت جزءاً مادياً نفعياً في حضارتهم لا ينظر إليها إلا كسلعة تجارية أو موضع لإشباع رغبة، فأصبحت بلا أسرة وبلا حقوق تليق بها، نعم لا ينظر إليها إلا كعارضة أزياء أو راقصة أو كصورة مخزية فاضحة على منتوج تجاري لترويج مستحضر تجميل أو ثوب خليع أو منتج للحمية. أما إذا فقدت تلك الجميلة جمالها بمرض أو كبر سن أو حادث فإنها تصبح لا تساوي شيئاً.

فهل حقاً إن المرأة الغربية محترمة الحقوق لنسعى سعيها؟ وهل هكذا ترتقي الإنسانية؟! أم أن المطلوب هو النفاذ إلى حياة المسلمين الاجتماعية، وتدمير الأسرة المسلمة، بإفساد نسائها وبالتالي إفساد الجيل المسلم بأكمله.
ولم تقتصر الحملة على إخراجها من مخدع طهرها والانتفاع بها كسلعة فقط، ولكنها استهدفت أموراً أخرى لتكتمل خيوط المؤامرة الشيطانية ضدها وضد الإسلام. حيث شجعت المرأة بكل الوسائل المتاحة على الإجهاض ومنع الحمل للوصول إلى تحديد نسل المسلمين،لعلهم يتفادون بذلك الخطر الديمغرافي الذي يحسبون له ألف حساب.
ولقد دعمت هذه الأهدافَ الجهودُ السياسية على كافة المستويات، ابتداء من الأمم المتحدة ومنظماتها الكثيرة، ومروراً بالولايات المتحدة حاملة لواء العولمة والديمقراطية في بلادنا، وانتهاء بالجمعيات النسوية الخيرية المتناثرة تناثر أوراق الخريف في الطرقات.

كل هؤلاء انتفضوا يا أختي المسلمة للاهتمام بشؤونك، مدعين أنهم يخافون على حالتك الصحية والنفسية، وأنهم يخشون عليك من الكبت الديني والعرفي, ومدعين الحرص على دعم ثقتك بنفسك، والتمتع بصباك وتعبيرك الحر عن رأيك، سواء أوافق الشرع أم خالفه، وإبداء جمالك وزينتك، بأرخص الأثمان، وأحقر الطرق، لإبعادك عن بيت الطهر، وعفاف العلاقة، تحت شعاري الحرية والمساواة الخبيثين.

ومن أجلك أنت أيضاً... تتدفق الأموال من صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، نعم تتدفق المليارات بسخاء لتدخلي المصيدة، وليس أدل على ذلك من انتشار الجمعيات التي توفر وسائل منع الحمل بالمجان... حيث لا يقتصر هذا الكرم الصحي على المتزوجات وإنما يتعداه إلى الفتيات المراهقات، وتيسر لهن سبل الإجهاض وغيره... وفي الوقت نفسه تُحشى العقول عن طريق المناهج المدرسية والندوات والبرامج الإعلامية بمخاطر الزواج المبكر وأضراره النفسية والاجتماعية والصحية على الإناث بدعم من المنظمات الدولية.

وماذا بعد ذلك؟... لم يتورع أذناب الغرب عن إنشاء مراكز لإيواء الزانيات ورعاية أبنائهن لتكتمل فصول الحكاية... وهناك أيضاً أنواع جديدة من الجمعيات التي تحتضن من النساء من لا تتقي الله في زوج أو أب، تحتضنها في أكناف مكاتبها الكثيرة فتفضح زوجها، بحجة الكشف عن آلامها النفسية ومعاناتها الزوجية. والله عز وجل ينهى عن ذلك بقوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) [البقرة 187]، كما أنها تعرض والدها للسجن والمساءلة بحجة تعديه على حرية ابنته الشخصية، والجدير بالذكر أن مثل تلك الجمعيات تعرض خدماتها بدون مقابل.

أما المناهج المدرسية، فلم يعد يخفى عليك أنها في خدمة الكافر المستعمر وأذنابه في المنطقة، إنها محشوة بأمور غريبة ما أنزل الله بها من سلطان.. حيث إن القروض لا يوقع عليها من الدول المتاحة إلا بعد أن تفصل هذه الكتب على المقاس الرأسمالي ... لتخريج فتيات مهيئات مقتنعات بالحضارة الغربية وبفكرة الحريات والاختلاط وحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، مقتنعات أنه لم يعد للجلباب رونقه وبريقه، وأنه آن الأوان للانفتاح على ثقافة الآخرين وفكرهم واحترام وجهة نظرهم في الحياة.

ألا فليسمع الغرب وعملاؤه والمضبوعون بثقافته، مفكرون وسياسيون، كلمة الفصل في هذا. كفاكم كذباً ونفاقاً، فالبون شاسع شاسع بين أحكام الإسلام وما تحققه من رحمة وهداية وبين حضارتكم النتنة وما تفرزه من شقاء وغواية... لا وألف لا لكل مشاريعكم الزائفة الفانية، فإن النساء المسلمات كريمات بإسلامهن، عزيزات بعقيدتهن، مطيعات لربهن. وإن الثلة الواعية من أبناء الأمة أنارت لهن الطريق فأبصرن طريق الهداية وعرفن بالضبط الحكاية.

ونقول لكم بصوت مجلجل، إليكم عنا فلستم منا ولسنا منكم، ألا فلتفروا إلى بلادكم فهي أحوج إليكم من بلادنا... عالجوها من الانحلال الخلقي والانهيار الاقتصادي وانحطاط القيم وتفكك الأسر... أنقذوها من الغرق في الشهوات واختلاط الأنساب وزواج الشواذ والأمراض الخطيرة وتفشي الجريمة! أنقذوا أبناءكم ونساءكم من الانتحار الناتج عن الفراغ الروحي والقلق النفسي...

كفاكم دجلاً يا دعاة الديمقراطية والتحرر، فما أنتم إلا وحوش تتظاهرون بأنكم بشر في ثياب مرقطة فتمارسون أبشع الجرائم: تيتمون الأطفال في غزة والعراق، وترملون النساء، وتغتصبون الأعراض على مرأى ومسمع من حماتها، وإن كنتم حريصين على صحتنا النفسية فارفعوا صواريخ الموت وقاذفات المدافع عن مسامع أطفال العراق وفلسطين وأفغانستان... وأطلقوا سراح المعتقلين في جوانتانامو وأبو غريب وقاعدة باغرام الجوية، فهذا الذي يؤرقنا وليس الحمل والإنجاب.. هذا الذي ينغص عيشنا.. اغتصابكم لأخواتنا في السجون.. اللاتي لم تلامس صرخاتهن نخوة المعتصم بعد.

توقفوا عن قتل الآباء على مشهد من أطفالهم في غرف نومهم أو على شواطئ بحرهم. أوقفوا وحشيتكم يا دعاة الإنسانية، وإلا فانتظروا سخطاً قريباً من الله، ونصراً عزيزاً مؤزراً من الله للمسلمين يزلزل الأرض من تحت أقدامكم.
فطوفان العمل الإسلامي أوشك أن يجتاح قوى الكفر، وأوشك العملاق الإسلامي أن يقف على قدميه ليعرف العالم كيف يكون الإسلام, كما أن بوادر النصر لاحت في الأفق الإسلامي ومؤشر الخلافة صاعد بسرعة البرق.
اللهم اجعلنا من العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين, اللهم عجل لنا بنصرك وفرجك وقيام دولتك التي فيها حكمك لتعود لنا عزتنا وكرامتنا، وتعود للمرأة المسلمة مكانتها السامية التي كرمها بها الإسلام.

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الروم 4-6].

أم محمد - فلسطين

المصدر: مجلة الوعي

الصحوة الإسلامية: تنوع في المظاهر، وتسارع في النمو




بسم الله الرحمن الرحيم

(الصحوة الإسلامية، المد الإسلامي، البعث الإسلامي، التيار الإسلامي، العملاق الإسلامي) كلها مصطلحات تصف حالة الأمة اليوم وقد دبت فيها الحياة بعد سنين من التراجع والضعف على كافة المستويات، ومن أجل تشويه هذه الحالة بدأ الغرب يصف الصحوة الإسلامية بمصطلحات عديدة (كالتطرف الإسلامي) و(الإرهاب ) و(الأصولية)... إلخ.


يخطئ الكثيرون عندما يعتبرون أن بدايات الصحوة الإسلامية الحديثة ترجع في أصولها إلى أواخر القرن التاسع عشر معتبرين أن جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده هما أصحاب الفضل في الصحوة الإسلامية، بيد أن محاولة هؤلاء وغيرهم في التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية والتي باءت بالفشل إضافة إلى الوثائق التي كشفت ارتباطاتهم مع بريطانيا خلال فترة الاستعمار الإنجليزي لمصر والسودان كل ذلك كفيل بأن يثبت زيف هذا الادعاء.


عند الحديث عن الصحوة الإسلامية الحديثة يجب أن نضع هذه الصحوة المباركة في سياقها العقائدي والتاريخي، ومن أجل ذلك لابد من لفت النظر إلى أمرين هامين:


أولاً: إن الصحوة الإسلامية بكافة أشكالها ومظاهرها وتعدد الأحزاب والحركات فيها هي حالة طبيعية لخير أمة أخرجت للناس قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران 110]، و‏عن ‏ ‏أبي هريرة‏ ‏‏عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ‏ ‏قال: «‏إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِ مائةِ سنةٍ من يجددُ لها دينَها». فالوضع الطبيعي أن تكون الأمة في ديمومة من التجديد والرقي الفكري المنبثق عن العقيدة الإسلامية، وليس المقصود بالتجديد ذلك التجديد الذي يروج له الغرب اليوم والذي انزلق فيه الكثيرون وللأسف ممن ينتسبون إلى الحركات الإسلامية، فقد كان ذلك التجديد مخالفاً في جوهره لأبجديات الإسلام.


ثانياً: ليس المهم أن نجزم بالتاريخ الحقيقي لبدايات الصحوة الإسلامية الحديثة، ولكن الأهم من ذلك هو أن الصراع الذي شهده العالم الإسلامي مع الغرب منذ القرن التاسع عشر، والنجاح الذي حققه الغرب في القضاء على الخلافة الإسلامية وما تلا ذلك من الغزو الفكري والثقافي والعسكري والمصائب والويلات التي ابتليت بها أمة الإسلام هي عوامل مجتمعة أدت إلى الرد الطبيعي عند الأمة في أن تنفض غبار الهزيمة واليأس وتشمر عن ساعد الجد، وأن تختار التمسك بدينها والعمل لإعادة الحكم بما أنزل الله, قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف 8].


وعند الحديث عن مظاهر الصحوة الإسلامية المباركة لابد من الإشارة إلى الخطأ الذي وقع فيه الكثير من الباحثين مسلمين وغيرهم، ذلك الخطأ يتمثل في حصر مظاهر الصحوة الإسلامية في (انتشار الحجاب، وتزايد ارتياد الشباب للمساجد، واهتمام الشباب بإعفاء اللحية، وانتشار الكتب والمؤلفات والتسجيلات الإسلامية، وتزايد الحضور الدعوي الإسلامي في الفضائيات...) فإن كل هذه المظاهر رغم أهميتها هي جزء من مظاهر الصحوة الإسلامية الحقيقية وجوهرها فهناك مظاهر أخرى تكملها وتجعلها صحوة مباركة على الإسلام كله.


إن الأمة اليوم تشهد حالة من الصحوة الإسلامية لم تشهدها منذ قرنين من الزمن، وهذه الحالة أخذت تفرض نفسها على الساحة الدولية ويحسب لها الغرب الكافر ألف حساب، ويمكن تصنيف هذه المظاهر في المجالات الآتية:


1- في المجال الفكري والثقافي:


منذ بدايات السبعينات من القرن المنصرم أخذت تتهاوى الأفكار القومية والوطنية والشيوعية التي غزت الأمة الإسلامية محاولة حرف الأمة عن منهاج الله تعالى. وبسقوط الاتحاد السوفياتي وانكشاف الفساد الاقتصادي والأخلاقي للحضارة الغربية الرأسمالية شهدت الأمة حالة من الفراغ الفكري استطاعت أن تملأه، وبحمد الله، بالعودة الجادة والحقيقية للإسلام، فلم يعد أحد يسمع اليوم بشعارات فارغة طالما تاجر الكثيرون بها على حساب مستقبل الأمة ونهضتها مثل شعارات: الأمة العربية، والقومية العربية، والاشتراكية العربية، والبعث العربي، والصراع الطبقي، والديموقراطية، والحريات، وغيرها... وأصبحت الحركات والأحزاب الإسلامية تغزو الساحة بأفكار الإسلام، فانتشرت الأفكار الإسلامية في صفوف أبناء الأمة مثل: فكرة الخلافة، والجهاد، والحكم بما أنزل الله، والاقتصاد الإسلامي، والنهضة الإسلامية، والأمة الإسلامية الواحدة... في وقت تخوض الأمة الإسلامية صراعاً فكرياً حامي الوطيس بينها وبين الغرب، فبالرغم من أن الأمة الإسلامية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تتلقى حلول مشاكلها من الغرب في قوالب جاهزة منبهرة بما عنده من أفكار ونظريات كانت ترى فيها الأمل الوحيد للخروج من الهاوية السحيقة التي رماها فيها الغرب نفسه، وبالرغم من الأموال والأقلام والجهود الضخمة التي بذلها ويبذلها الغرب لتمييع الأمة الإسلامية وصهرها بالثقافة الغربية من خلال الإعلام والجامعات والمدارس، بالرغم من ذلك كله نجحت الحركات والأحزاب الإسلامية في غزو الغرب فكرياً في عقر داره، فصدمت مراكز الأبحاث الغربية وهي تتابع بقلق بالغ مدى الخطورة التي يمثلها الإسلام والصحوة المتنامية عند الأمة الإسلامية على مصالحها ووجودها، فأخذت تحذر من أسلمة أوروبا وخطر الخلافة القادم على لسان الكثيرين من المسؤولين السياسيين فيها. وتزامناً مع الأزمة الاقتصادية العالمية التي اكتوى الغرب بنارها أخذت عيون الرأي العالمي في أوروبا تنظر بانبهار شديد إلى الحلول التي يقدمها أبناء التيارات الإسلامية من خلال بيان النظام الاقتصادي في الإسلام.


2- في المجال السياسي:


حاول الغرب، ومازال يحاول عن طريق حكامه، احتواء الصحوة الإسلامية بطرق مختلفة متنوعة، فعمل على استدراج الحركات الإسلامية إلى اللعبة الديموقراطية لإفشالها أولاً، ولإجبارها لتقديم مزيد من التنازلات عن أفكار الإسلام، ورغم وقوع الكثير من الحركات الإسلامية في مثل هذه الفخاخ الخبيثة في الجزائر وتركيا والأردن وفلسطين وغيرها، إلا أن الأمة الإسلامية لا تنظر بعين الرضا لهذه النماذج، ولا تعتبر هذه النماذج في تلك البلدان تلبي الحد الأدنى من آمالها وأحلامها وغاياتها، وهذا مظهر مهم من مظاهر الصحوة الإسلامية، فقد أدركت الأمة أن الحل الناجع لكل مشاكلها لا يكون في وصول حركة إسلامية إلى الحكم هنا أو هناك، وانغماسها في مستنقع الدساتير الغربية التي لا تطبق على الأمة إلا حضارة الغرب وأفكاره، بل يكون في بناء دولة إسلامية واحدة لا تطبق في أحكامها إلا أحكام الإسلام.


3- في مجال المقاومة والجهاد :


إن مظاهر الصحوة في هذا المجال كان لها التأثير البالغ على الأمة حيث إن حركات المقاومة الإسلامية والجهاد في كل من فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها... والأفعال البطولية التي قامت بها في التصدي للعدوان الأميركي و(الإسرائيلي) والأوروبي كل ذلك يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مظاهر الصحوة الإسلامية تتسارع وتتجسد في الأمة وتنقل الأمة من حالة الضعف إلى القوة، ومن اليأس إلى الأمل، ومن الجمود إلى الحركة والفعل والانتصار، وأهم هذه المظاهر:


أولاً: سريان الروح الاستشهادية في الأمة منذ انتفاضة الأقصى مروراً بالاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق ثم الحرب (الإسرائيلية) على لبنان وأخيراً على غزة المحاصرة, ففي هذه الحقبة الهامة من تاريخ صراع الأمة مع أعدائها أثبتت هذه الحركات للأمة أولاً ولأعدائها ثانياً أن المفاهيم العقائدية والجهادية عند الأمة هي السلاح الأكثر حسماً للصراع، هذا السلاح الذي لاتملكه إلا أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).


ثانياً: نجحت هذه الحركات في حرمان أميركا و(إسرائيل) من تحقيق انتصار حقيقي في إطار حربهما على (الإرهاب) أي على الإسلام، وأفشلت هذه الحركات كثيراً من المشاريع التي روج لها الغرب وعلى رأسه أميركا مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير والمشاريع الاستسلامية مع كيان يهود وغيرها، وهذا كله أثبت عملياً للأمة أن بمقدورها أن تحقق الانتصار الكاسح على الغرب إذا ما توفرت لها دولة الإسلام القادمة إن شاء الله.


ثالثاً: أخذت الكثير من الحركات الإسلامية الجهادية بالانقلاب والتبرؤ من بعض الشخصيات المحسوبة على الحركات الإسلامية التي نجح الغرب في استدراجها وعقد الاتفاقيات التي تلبي مصالحه معها مثل ما حصل من رفض حركات الجهاد في الصومال لمواقف شيخ شريف أحمد الذي تخلى عن سلاح المقاومة وانصهر في المشاريع الأميركية.


رابعاً: نجحت الحركات والأحزاب الإسلامية في زرع مفاهيم العقيدة الإسلامية المتعلقة بالنصر والرزق والموت، والمفاهيم المتعلقة بالصبر والثبات والشهادة والتراحم والتآزر بين المسلمين, هذه المفاهيم مجتمعة تؤسس لبيئة إسلامية تجعل الأمة تنصهر بشكل متسارع في بوتقة العقيدة الإسلامية، وتستعد لاحتضان الحركات الإسلامية والتفاعل معها, وما استطلاعات الرأي التي ينشرها الإعلام إلا مؤشر على أن ميول الأمة يسير نحو إسلام الحكم ودولة الخلافة.


4- في المجال الاجتماعي:


وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى المظاهر الآتية:


1- انتشار فكرة الحجاب الإسلامي بشكل متسارع في العالم الإسلامي وفي الغرب، واستطاعت الأمة أن تثبت وجودها وإصرارها وتنتصر في معركة الحجاب في أوروبا وتركيا ومصر وغيرها.


2- لم تعد الأمة تتعاطى مع الأفكار التي تروج لها المؤسسات النسوية المدعومة من الغرب والتي تحاول نشر الحضارة الغربية وإفساد الأسرة المسلمة وحرفها عن منهاج ربها، وبقيت هذه المؤسسات المشبوهة في عين الأمة كالخلايا السرطانية التي لابد من استئصالها.


3- اهتمام الأسرة المسلمة بتعليم أبنائها للقرآن الكريم حفظاً وتفسيراً وترتيلاً, وبسنة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) إضافة إلى انتشار التربية الإسلامية في الأسرة المسلمة، هذا كله كان نتاج الوعي عند الوالدين وإدراكهما للمسؤولية التي يلقيها الإسلام عليهما لإخراج جيل مؤمن يسعى لرفعة أمته وللفوز في الدنيا والآخرة.


4- نشطت المرأة المسلمة في مجال الدعوة الإسلامية بشكل متزايد متحملة الأذى في سبيل القيام بهذا الواجب العظيم، وأدركت أنها تقف جنباً إلى جنب مع الرجل المسلم للعمل الجاد لإقامة دولة الاسلام.
هذه جملة من مظاهر الصحوة الإسلامية التي تؤذن بانبلاج فجر جديد، وإن الأمة بناء على هذه المظاهر التي تسري فيها سريان الدم في الجسم تدرك أنها على أبواب التغيير الجذري الشامل, متجسداً مع وعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن ‏ ‏ثوبان ‏ ‏قال: قال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)‏: «إنَّ اللهَ ‏‏زوى‏ ‏لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وإنَّ أمتي سيبلغُ ملكُها ما ‏‏زُوِيَ‏ لي منها» نسأله تعالى أن يكون ذلك قريباً فهو ولي ذلك والقادر عليه.



ابو البراء المقدسي



المصدر : مجلة الوعي

المرأة والعمل السياسي في الإسلام



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، خلق آدم، وخلق منه زوجه، وبثَّ منهُما رجالاً كثيراً ونساءً، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ وأزواجهِ ومنِ استنَّ بسنتهِ منْ ذكرٍ أو أنثى إلى يومِ الدينِ.
يقولُ تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات 13]، ويقول تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) [الإسراء 13].

جعلَ اللهُ الإنسانَ كإنسانٍ محلَّ التكليفِ والخطابِ بالأحكامِ الشرعيةِ بشكلٍ عامٍّ، بغضِّ النظرِ عنْ كونهِ ذكرًا أو أنثى، ففرضَ على كلٍّ منَ الرجلِ والمرأةِ الصلاةَ والزكاةَ والصيامَ والحجَ والعلمَ والدعوةَ إلى الإسلامِ، وجعلَ منَ التقوى معيارًا للأكرميةِ عندهُ تعالى.

وفي نفسِ الوقت خصَّ تعالى الرجلَ أو المرأةَ بأحكامٍ خاصةٍ لكلٍّ منهُمَا بحسبِ طبيعتهِ ودَوْرِهِ في الحياةِ، ففرضَ على الرجلِ السعيَ لطلبِ الرزقِ والنفقةَ على زوجهِ، ولمْ يفرضْ ذلكَ على المرأةِ، وخصَّ الإسلامُ المرأةَ بجعلِ الأصلِ فيها أنَّها أمٌّ وربَّةُ بيتٍ.

ومنَ الأحكامِ الشرعيةِ العامةِ التي خاطبَ بها اللهُ تعالى الرجلَ والمرأةَ على السواء، وَوَعَدَهُمْ على إقامتِهَا جزيلَ الثوابِ وتَوعَّدهُمْ إنْ تركوها عظيمَ العذابِ هو العملُ السياسيُّ.

فالسياسةُ لغةً: رعايةُ الشؤونِ، قالَ في القاموسِ المحيطِ: "وسُسْتُ الرعيةَ سياسةً أمرتُها ونهيتُها"، وهذهِ حقيقةُ السياسةِ منْ حيثُ كونِها رعايةُ الشؤونِ بالأوامرِ والنواهي. ورَوى مُسلمٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فتَكْثُرُ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»، وقالَ الإمامُ النوويُّ في معنى تَسُوسُهُمْ في الحديثِ: "أَيْ: يَتَوَلَّوْنَ أُمُورهمْ كَمَا تَفْعَل الأُمَرَاء وَالْوُلاة بِالرَّعِيَّةِ، وَالسِّيَاسَةُ: الْقِيَام عَلَى الشَّيْء بِمَا يُصْلِحهُ".

فالسياسةُ هيَ رعايةُ شؤونِ الأمّةِ داخلياً وخارجياً، وتكونُ منْ قِبَلِ الدولةِ والأمّةِ، فالدولةُ هيَ التي تُباشِرُ هذهِ الرعايةَ عملياً، والأمّةُ هيَ التي تحاسِبُ بها الدولةَ. والسياسةُ تشملُ: مباشرةَ رعايةَ الشؤونِ عمليًا مِنْ قِبَلِ الحاكمِ ومحاسبةَ الدولةِ مِنْ قِبَلِ الأمةِ والاهتمامَ بمصالحِ المسلمينَ وقضاياهُمْ والنصحِ لهمْ، وتشملُ كذلكَ العملَ ضمنَ كتلةٍ لاستئنافِ حياةٍ إسلاميةٍ.

ويختلفُ حكمُ العملِ السياسيِّ بالنسبةِ للمرأةِ حَسَبَ شكلهِ ومجالهِ، فَفيما يتعلقُ بمباشرةِ رعايةِ الشؤونِ عمليًا أو ما يُسمَّى بالحكمِ، فإنَّ الإسلامَ لا يُجيزهُ للمرأةِ على الإطلاقِ, لِما رَوى البُخاريُّ عنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا بَلَغَه أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَة كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة". وإخبارُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفيِ الفلاحِ عمَّنْ يُوَلُّونَ أمرهمْ امرأةً هوَ نهيٌ عنْ توليتِهَا، إذْ هوَ مِنْ صيغِ الطلبِ، وكونَ هذا الحديثِ جاءَ إخباراً بالذمِّ لمنْ يُوَلُّونَ أمرهمْ امرأةً بنفيِ الفلاحِ عنهمْ، فإنَّهُ يكونُ قرينةً على النهيِ الجازمِ، وتكونُ توليةُ المرأةِ حراماً. والمرادُ توليتُهَا الحكمَ أي الخلافةَ وما دونَها منَ المناصبِ التي تُعتبرُ منَ الرعايةِ العمليةِ للشؤونِ، لأنَّ موضوعَ الحديثِ هوَ ولايةُ ابنة كسرى مُلكاً فهوَ خاصٌ بموضوعِ الحكمِ الذي جرى عليهِ الحديثُ. وليسَ خاصًّا بحادثةِ ولايةِ ابنةِ كسرى وحدَها، كما أنَّهُ ليسَ عامًّا في كلِّ شيءٍ، فلا يشملُ غيرَ موضوعِ الحكمِ، ولا بوجهٍ منَ الوجوهِ.

ونجدُ أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) لمْ يستعملْ امرأةً في أمرٍ منْ أمورِ الحكمِ، ولمْ يُروَ عنهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنَّهُ ولَّى امرأةً ولايةً قطْ، وعلى هذا سارَ الخلفاءُ الراشدونَ رضيَ اللهُ عنهمْ والمسلمونَ مِنْ بعدهمْ حتى هُدمتِ الخلافةُ العثمانيةُ. بلْ إنَّنا نَرى أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ (رضي الله عنه) غَضِبَ أشدَّ الغضبِ حينَ اشْتَمَّ مِنْ زوجتِهِ نوعًا مِنَ التدخُّلِ في أمورِ الحكمِ, فقدْ رَوى ابنُ شَبَّةَ في تاريخِ المدينةِ المنورةِ وابنُ قدامةَ في مختصرِ منهاجِ القاصدينَ وابنُ الجوزيِّ في مناقبِ عمرَ بنِ الخطابِ أنَّ عمرَ (رضي الله عنه) استعملَ عِياضَ بنَ غنمٍ على الشامِ، فبلغهُ أنَّهُ اتَّخذَ حَمَّامًا واتَّخذَ بَوَّابًا، فكتبَ إليهِ أنْ يَقدُمَ عليهِ، فقدِمَ، فَحَجَبَهُ ثلاثًا، ثمَّ أذِنَ لهُ، وألبسَهُ جُبَّةَ صوفٍ وأَمَرهُ أنْ يرعى ثلاثمائَةَ شاةٍ، ولمْ يزلْ يعملْ بِهِ حتى مضى شهران، فاندسَّ عِياض إلى امرأةِ عمرَ (رضي الله عنها) وكانَ بينَهُ وبينَهَا قرابةً، فقالَ: سَلِي أميرَ المؤمنينَ فيمَ وَجَدَ عليَّ؟، فلمَّا دخلَ عليها عمرَ (رضي الله عنه), قالتْ: يا أميرَ المؤمنينَ فيمَ وجدتَ على عِياضٍ؟ قالَ: يا عدوَّةَ اللهِ، وفيمَ أنتِ وهذا، ومتى كنتِ تدخلينَ بيني وبينَ المسلمينَ؟ قالَ: فأرسلَ إليهَا عياض: ما صنعتِ؟ فقالتْ: وَدَدْتُ أنِّي لمْ أعرفكْ, ما زالَ يُوبِّخُنِي حتى تمنيتُ أنَّ الأرضَ انشقَّتْ فدخلتُ فيها. ومنْ هنا يتبينُ أنهُ يحرمُ على المرأةِ أنْ تباشرَ شؤونَ الحكمِ، وأنهُ لمْ يَرِدْ مثلُ ذلكَ في تاريخِ المسلمينَ، إلا في هذا الزمنِ الذي ابتُلينا فيهِ بتقليدِ شرائِعِ الكفرِ والقوانينِ الوضعيةِ، ومنها جوازُ مشاركَةِ المرأةِ في الحكمِ والتشريعِ.

أمَّا باقي مجالاتِ العملِ السياسيِّ، فقدْ أمرَ الإسلامُ بها الإنسانَ المسلمَ بوصفهِ مسلمًا دونَ النظرِ إلى كونهِ رجلاً أو امرأةً، فنرى مثلاً في مجالِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المنكرِ وهوَ منَ العملِ السياسيِّ لكونِهِ جزءًا منْ رعايةِ الشؤونِ، نرى أنَّ أدلتَهُ جاءتْ عامةً لا تختصُّ بالرجلِ دونَ المرأةِ، ومِنْ ذلكَ قولُهُ تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران 110]، ولفظُ "أمةٍ" لفظٌ عامٌ يشملُ الرجلَ والمرأةَ على السواء، وقالَ تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة 71]، وقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» رواهُ أحمدُ والترمذيُّ وحسنَّهُ، وواضحٌ أنَّ الأمرَ في الحديثِ عامٌ للرجالِ والنِّساءِ.

وكذلكَ الأمرُ بالنِّسبَةِ للعملِ ضمنَ كتلةٍ تسعى لاستئنافِ حياةٍ إسلاميةٍ بإقامةِ الخلافةِ وتحكيمِ الشَّرعِ، فإنَّ دليلَ إنشاءِ الكتلةِ قولهُ تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]، هذهِ الآيةُ خاطبتِ المؤمنينَ والمؤمناتِ وأمرتهمْ بإنشاءِ كتلةٍ يكونُ عملُهَا الدعوةُ إلى الإسلامِ (الخيرِ) وأمرُ الأمةِ بتحكيمِ شرعِ اللهِ ونهيِهَا عنِ الأخذِ بالأفكارِ والأنظمةِ الغربِيَّةِ، وهذا أعظمُ معروفٍ يُؤمرُ بِهِ وأشدُّ منكرٍ يُنهى عنهُ. وكذلكَ الأحاديثُ الشريفةُ التي يُستدلُّ بِها على وجوبِ إقامةِ الخلافةِ، كقولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً» رواه الطبراني في الكبير، فكلمةُ "مَنْ" عامةٌ تشملُ الرجالَ والنساءَ، ومِنَ المعلومِ أنَّ نُسَيْبَة بنتُ كعبٍ ـ أمُّ عُمَارةَ ـ مِنْ بني مازن بن النجار،وأسماءُ بنتُ عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة بايعنَ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيعةِ العقبةِ الثانيةِ، وقدْ بايعَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) النِّساءَ اللاتي هاجرنَ بعدَ إقامةِ الدولةِ، قالَ تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة 12]، وعليهِ فإنَّ الميتةَ الجاهليةَ تشملُ النِّساءَ أيضًا ممنْ لمْ يكنْ في أعناقهنَّ بيعةٌ أو لمْ يَتَلَبَّسْنَ بالعملِ لإيجادِ خليفةٍ يستحقُّ البيعةَ.

وقدْ حملتِ النساءُ الدعوةَ إلى الإسلامِ في مكةَ ضمنَ كتلةِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحابتِهِ (رضي الله عنهم)، بلْ إنهنَّ تحملْنَ في سبيلِ حملِ الدعوةِ أشدَّ أنواعِ العذابِ والتنكيلِ منْ كفارِ مَكَةَ، ومنْ ذلكَ ما رواهُ البخاريُّ عن سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ (رضي الله عنه) أنهُ قالَ: "لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلامِ أَنَا وَأُخْتُهُ وَمَا أَسْلَمَ..."، فسعيدُ بنُ زيدٍ وزوجَتُهُ فاطمةُ أختُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمْ أجمعينَ كانوا منْ حملَةِ الدعوةِ قبلَ إقامةِ الدولةِ، حتى إنَّ عمرَ قبلَ إسلامِهِ عذَّبَهُمْ على ذلكَ. وروى ابنُ هشامٍ في سيرتِهِ أنَّ أبا بكرٍ (رضي الله عنه) مَرّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤَمّلٍ حَيٍّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يُعَذّبُهَا لِتَتْرُكَ الإِسْلامَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يَضْرِبُهَا، حَتّى إذَا مَلّ قَالَ: "إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْك، إنّي لَمْ أَتْرُكْ إلا مَلالَةً"، فَتَقُولُ: "كَذَلِكَ فَعَلَ اللّهُ بِك"، فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْتَقَهَا. وقصةُ خديجةَ وسميةَ مشهورتانِ تُغنيانِ عَنِ الذكرِ.

وأما محاسبةُ الحكامِ، فهيَ أيضًا منَ الأعمالِ السياسيةِ التي يستوي فيها الرجالُ والنِّساءُ منْ جهةِ فرضيةِ الحكمِ الشرعيِّ, لأنَّ أدلةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ التي ذَكَرْناها سابقًا هيَ أدلةٌ عامةٌ تشملُ أيضًا أمرَ الحاكمِ بالمعروفِ ونهيَهُ عنِ المنكرِ، وهيَ أيضًا أدلةٌ تُفيدُ الوجوبَ. إضافةً إلى ذلكَ، يقولُ (صلى الله عليه وآله وسلم): "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: أَفَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لا مَا صَلَّوْا"، والحديثُ عامٌ أيضًا في الرجالِ والنِّساءِ.

ونرى أنَّ النِّساءَ في زمنِ الخلافةِ الراشدةِ قدِ التزمنَ بحكمِ المحاسبةِ ومارسنَهَا دونَ إنكارٍ منَ الصحابةِ، فحينَ تولَّى عمرُ الخلافةَ اعترضتْ طريقَهُ خولةُ بنتُ ثعلبةَ وقالتْ لهُ ناصحةً: "كُنَّا نعرفُكَ عُوَيْمِرًا ثمَّ أصبحتَ عُمرًا ثمَّ أصبحتَ عمرَ بنَ الخطابَ أميرًا للمؤمنينَ، فاتَّقِ اللهَ يا عمرَ فيما أنتَ مستخلفٌ فيهِ"، وكذلكَ أنكرتْ سمراءُ بنتُ نهيكٍ الأسديَّةُ على عمرَ (رضي الله عنه) نهيَهُ أنْ يزيدَ الناسُ في المهورِ على أربعمائةِ درهمٍ، فقالتْ لهُ: ليسَ هذا لكَ يا عمرَ: أما سمعتَ قولَ اللهِ سبحانهُ: (وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) [النساء 20] فقالَ: أصابتْ امرأةٌ وأخطأَ عمرُ.
كما أنَّ للمرأةِ في الإسلامِ أنْ تترشَّحَ لمجلسِ الأمةِ باعتبارهِ وكيلاً عنِ الأمةِ في المحاسبةِ والشورى، لأنَّ الشورى حقٌّ للمرأةِ والرجلِ على السواء، والمحاسبةُ واجبةٌ على كليهِما، وللمرأةِ شرعًا أنْ تكونَ وكيلاً لغيرِها أو توكِّلَ غيرَها في الرأيِ. وقدْ تجلَّى دورُ المرأةِ المسلمةِ في الشورى لمَّا أمرَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الصحابةَ (رضي الله عنهم) بعدَ عقدِ صُلْحِ الحديبيةِ أنْ يَقوموا فيَنْحَروا هَديَهُمْ، فقالَ لهمْ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "قُومُوا فَانْحَرُوا، ثمَّ احْلِقُوا"، فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحدٌ حتى قالَ ذلكَ ثلاثَ مراتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ مِنْهم أحدٌ، قامَ فدخلَ على أُمِّ سلمةَ، فذكرَ لها مَا لَقِيَ مِنَ الناسِ، وقدْ أهمَّهُ ذلكَ وَشَقَّ عليهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالتْ أُمُّ سلمةَ: "يا رسُولَ اللهِ؛ أَتُحِبُّ ذلكَ؟ اخرُجْ ثم لا تكلِّم أحداً منهمْ كلمةً حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعو حَالِقَكَ فيحلقَكَ"، فقامَ، فَخَرَجَ، فلمْ يُكَلِّمْ أحداً منهمْ حتى فَعَلَ ذلكَ: نَحَرَ بُدنَهُ، ودعا حَالِقهُ فحلقهُ، فلما رأى الناسُ ذلكَ، قامُوا فنحروا، وجعلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضاً. وهذهِ الإشارةُ والرأيُ السَّديدُ منْ أمِّ سلمةَ تُعتبرُ منَ الشورى للحاكمِ.

وثبتَ عنْ سيدنا عمرَ (رضي الله عنه) أنَّهُ كانَ حينَ تعرضُ لهُ نازلةٌ يدعو المسلمينَ إلى المسجدِ، وكانَ يدعو النِّساءَ والرجالَ ويأخُذَ رأيَهمْ جميعاً، وقدْ رَجَعَ عنْ رأيهِ كما رأينا حينَ ردَّتهُ امرأةٌ في أمرِ تحديدِ المهورِ.
هذهِ أحكامُ شرعِنا الحنيفِ المتعلقةُ بالمرأةِ والعملِ السياسيِّ, منها ما هوَ خاصٌ بالمرأةِ كحُرمةِ مباشرةِ أعمالِ الحكمِ, ومنها ما ينطبقُ على الرجلِ والمرأةِ لعمومِ أدلتِها كوجوبِ العملِ لاستئنافِ الحياةِ الإسلاميةِ ومحاسبةِ الحكامِ والشورى. وقدْ عملتِ المسلماتُ في زمنِ النبوةِ والخلافةِ الراشدةِ بهذهِ الأحكامِ وأحْسَنَّ تطبيقَها، ولمْ تأخذهنَّ في ذلكَ لومةُ لائمٍ ولا رهبةُ حاكمٍ, فكانَ لهُنَّ بذلكَ عظيمُ الأجرِ والثوابِ بإذنِ اللهِ.

ونحنُ اليومَ نتأسى بسيرةِ هؤلاءِ النِّساءِ العظيماتِ، ونعملُ كما عملنَ لاستئنافِ الحياةِ الإسلاميةِ والنهوضِ بالمسلمينَ، حتى يُظهِرَ اللهُ أمرهُ ويعزَّ دينَهُ، فإذا شهدنا قيامَ خلافةِ المسلمينَ الثانيةِ على منهاجِ النبوةِ، لنْ نترُكَ العملَ السياسيَّ، بلْ إننا سنستمرُ في نصحِ المسلمينَ وأمرِهمْ بالمعروفِ ونهيهمْ عنِ المنكرِ، ولنْ نتوانى بإذنِ اللهِ عنْ محاسبةِ خليفتِنا وأعوانهِ والنصحِ لهُمْ، حتى يرضى اللهُ تعالى عنَّا، ويحشُرَنا في زمرةِ المسلماتِ الأوائلِ، ويجمعَنا بهنَّ في جناتِ النعيمِ، كما جمعنا على عملٍ واحدٍ في الدنيا.

اللهمَّ ثبت قلوبنا على دينك، وأعنا على حمل دعوتك، كما حملها من سبقنا من الصالحين، واجعلنا من العاملات المخلصات لإقامة الخلافة، ومن شهودها.

المصدر : مجلة الوعي

حوار الحضارات بين التضليل والمؤامرة



بسم الله الرحمن الرحيم


يحاولُ الغرب الدخول إلى أفكار المسلمين بطرق شتى ووسائل متعددة، ومن ذلك ترويجه للأفكار الدخيلة كفكرة حوار الحضارات، ويوظف لهذه الأفكار رتلاً من الكتاب والعلماء والإعلاميين، فتُعقد لمناقشتها الندوات والمحاضرات، وتُبث لأجلها العديد من البرامج الدينية والثقافية، والكل يستشهد بالتسامح الديني الإسلامي المسيحي، أو بالتسامح مع الآخر، بحيث تبدو الفكرة - كفكرة حوار الحضارات- نبتاً طبيعياً في حضارة الإسلام، وتظهر بالمقابل فكرة الصراع الحضاري فكرة طارئة وغريبة على الإسلام والمسلمين.

لا شك أن هناك كتاباً غربيين كثراً يقفون مع فكرة حوار الحضارات، وهناك فريق منهم، وإن كان قليلاً، يريد لهذه الفكرة أن تنجح لأنها في ظنه تعني الوفاق العالمي، وتؤدي إلى احترام الخصوصيات الثقافية، وتثمر تعاوناً بناء بين أبناء الحضارات المتنوعة، ويرى هذا الفريق أن مسيرة الحضارة الإنسانية مسيرة تراكمية، فكل حضارة قادمة لها جذور في حضارة سابقة عليها، ويعتقد هؤلاء النفر أن فكرة صراع الحضارات فكرة مدمرة للكيان البشري، ونافية للوحدة الكونية الإنسانية، وتولد مشاكل وصراعات دموية في كل أنحاء العالم.

وهؤلاء الكتاب أو المفكرون لا حول لهم ولا قوة إلا قلمهم الذي ينبض بأحاسيسهم ومشاعرهم التي تفيض على شكل أمنية للخلاص من الصراعات العالمية المحتدمة، ولكن أمثال هؤلاء ليس لهم مكان في السياسة العالمية أو رسم الخطط الاستراتيجية لدولهم، ولذا فإن دعواتهم فردية وستظل فردية ليس لها من الواقع إلا حبرها الذي كُتبت فيه، وستذهب أمنياتهم قرباناً على مذبح السيطرة الكولونيالية الجديدة!

وعلى النقيض من ذلك، ترى مجموعة من الكتاب الفاعلين أمثال هنتنغتون وفوكوياما والساسة الغربيين عامة ينطلقون من فكرة صراع الحضارات وإلغاء الآخر، والدعوة إلى عدم التساهل معه، وتحريم مخاطبته أو إقامة علاقات معه من أي نوع كان، وتمارس هذه الفئة كل السبل لإلغاء كل خصوصية ثقافية له، وقد شكلت ظاهرة العولمة بأبعادها المختلفة، السياسية والاقتصادية وبالطبع الثقافية، قاعدة تنطلق منها الأفكار المعادية لما عداها، مدعومة بسياسات وخطط استراتيجية، تنفذ على المدى البعيد، وتستهدف هذه العولمة العالم كل العالم بأفكارها لتصهره كله ببوتقة واحدة، وتستهدف فيما تستهدف جعل الناس عبيداً مستهلكين للبضاعة الغربية والفكر الغربي الثقافي الاستهلاكي، حتى وصل الأمر إلى تشييء الإنسان واعتباره سلعة، هذا ما يريده المتحكمون في الصراع الدولي، أن يكون الناسُ كلُ الناس تبعاً لجهة واحدة، الكل يخدم بالسخرة، والكل يتلو التعاليم الرأسمالية الجديدة، عندها يُنادى الآخرون للحوار الحضاري، ووقتها لن يكون لحوار الحضارات معنى سوى أن تتخلى كل أمة من الأمم المستهدفة عن حضارتها ومكوناتها الثقافية لصالح فكرة وثقافة أخرى، وإن بقي شيء من الثقافة الأم فلا يعدو كونه ابتهالات روحية فردية محصورة بين أسوار المعابد والصوامع والأديرة والمساجد.

التاريخ الإسلامي وصراع الحضارات:

جاء الإسلام بحضارة جديدة، وعندما يقال حضارة جديدة أي مفاهيم جديدة عن الكون والإنسان والحياة، تستند إلى مجموعة من الأفكار العقدية تعطي سمتاً للمسلم، ولذا قيل: الحضارة الإسلامية، أي مجموعة البنود الثقافية التي تشكل حياة المسلمين، كما هو الحال عند الحديث عن الحضارة الرأسمالية، فهي مجموعة أفكارها الحضارية عن كل ما يحيط بها، ولذا فإن الحضارة تعني من جملة ما تعني: أسلوب العيش وطراز التفكير وأبجدية الحياة.

ومن هنا يلاحظ أن الإسلام عندما حل في مجتمع جديد، له عقائده وسلوكياته وتشريعاته الأخرى، حاربها الإسلام، ولم يحاورها من أجل أن يصل مع أتباعها إلى منتصف الطريق، بل أراد منهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقولوا كلمة تجعلهم يسودون العرب والعجم، أن ينطقوا بـ(لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وأن يتركوا عبادة الأصنام، ويتلقوا عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تعاليم الإسلام الجديدة، وذاك الأعرابي الذي قدم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسأله، ما المطلوب منه إن هو آمن، فأجابه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يجعله ملتزماً بالإسلام، وهذا يقتضي بطبيعة الحال ترك ما كان عليه، ولو استعرضتُ محطات دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحواراته المتعددة مع المشركين في مكة لتبين أن فكرة منتصف الطريق غير ذات قيمة شرعاً، وغير متحققة بطبيعة الحال.

وأما القرآن الكريم فقد خاطب الناس بما خاطبهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسفه المعتقدات والأحلام، وعاب عليهم ما هم عليه من حياة جاهلية، ولم يطلب منهم الاتفاق على بعض الأمور لتسيير أمور الحياة، بل كان يطلب منهم التدبر في خلق الله ليؤمنوا إيماناً عقلياً صادقاً يجعلهم يتركون ما عداه، وأوضح ما يدل على ذلك من كتاب الله سبحانه وتعالى قوله في الآيات الأخيرة من سورة الأنبياء بعد إيراد عدة مواقف لأنبياء سابقين، وتشابه تلكم المواقف مع مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين، يقول تبارك وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [الأنبياء 107-112].

فقد جاء في تفسير قوله تعالى في الآية (109) ما نصه: «فإن أعرض هؤلاء عن الإسلام فقل لهم: أبلغكم جميعًا ما أوحاه الله تعالى إليَّ, فأنا وأنتم مستوون في العلم لمَّا أنذرتكم وحذرتكم, ولستُ أعلم -بعد ذلك- متى يحل بكم ما وُعِدْتُم به من العذاب؟»، إذاً لا تصالح، إنه الإيمان أو الكفر والعذاب والتوعد به

وتشهد حياة الصحابة رضوان الله عليهم بهذا، ففي مسيرة الصحابة ما يرفض فكرة حوار الحضارات، وما الفتوح الإسلامية إلا تجسيد لهذا الرفض، وما قصة ربعي بن عامر مع رستم الروم قائد الفرس إلا صدى لهذا المبدأ، ومما قال خير دليل على رفض فكرة الحوار الحضاري المزعومة، فقد قال (رضي الله عنه): «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد...».

وعليه، فإما الإيمان والإسلام والتقوى، وإما الكفر، ولا ثالث لهما، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال عند المسلم أو في الإسلام كما يشاع إلغاء الآخر، بل المقصود هو أن يفسح المجال بين الإسلام والناس ليحكموا به، فإن اقتنعوا وآمنوا فلهم ذلك، وإن لم يقتنعوا بتعاليم الإسلام فـ(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، ولكن لا بد من الحكم بالإسلام، هكذا هو الإسلام، وهكذا هي تشريعاته، وهكذا كانت سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا كانت سيرة الصحابة (رضي الله عنهم).

وقد انتهج التابعون النهج نفسه في حوار أصحاب الحضارات الأخرى في الأمصار المفتوحة، فالمسلمون ردوا الافتراءات عن الإسلام، وحاوروا عقلاء المخالفين، ليس لأجل الوصول إلى حل وسط، بل من أجل تبليغ القناعة العقلية بذلك، وأسلوب أبي حنيفة مع الدهريين في القصة المشهورة يؤكد هذا.

الممارسات الغربية وصراع الحضارات:

لعل أكثر ما يثير الاشمئزاز عند متابعة هذه القضية هو التناقض الصارخ بين الممارسات العملية للغرب وبين التنظير الكاذب لحوار الحضارات، فقد عقدت غير ندوة لتسويق فكرة حوار الحضارات، وأن هناك نقاطاً مشتركة كثيرة بين البشر، وكان في مقدمة ذلك ما يعرف بمؤتمرات حوار الأديان، ولكن بالمقابل ترى أن الغرب يهاجم المسلمين وحضارتهم وينتقص منها ومن رموزها، ولعل ما شهدته الصحافة العالمية من الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيفية تعامل الإعلام الغربي معها، وليس هذا وحسب، فقد وصلت الأمور إلى القتل والتصفية الجسدية كما حصل مع تلك المرأة المسلمة مروة الشربيني، التي قتلت تحت أعين السلطة والأمن الألمانيين في موقع من المفترض أنه موقع له أهمية اعتبارية عند أصحابه وله حرمته في قانونهم، عدا الاحتلالات العسكرية والهيمنات الاقتصادية على بلاد المسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان، وعدم التورع عن انتهاك سيادة الدول المسماة مستقلة، فترى القصف اليومي لمواقع في وزيرستان وغيرها، كل ذلك لا شك أنه يفضح المستور ويكشف وجه الحقيقة عارياً وصادماً للواهمين، ويكذب ديباجة حوار الحضارات المنمقة بكل فكرة شوهاء.

ومن جهة أخرى، لم يحاول الغرب تغيير الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين، سواء في كتبه ومناهج مدارسه التعليمية، أم في برامجه الإعلامية، بل ظلت الصورة سوداء قاتمة، يأتوننا بوجه غير الوجه الذي هم عليه في الحقيقة، وعندما تدرك أن أكثر الكتاب شعبية في الغرب هو ذلك الكاتب الذي يكيل التهم والشتائم للإسلام والمسلمين وللرسول (صلى الله عليه وسلم)، متذرعاً دائماً بحرية التعبير والاعتقاد، على حين أن حرية التعبير تعد جريمة عند مناقشة المحرقة النازية لليهود، والتشكيك في ملايينهم (الستة) الذين قضوا نحبهم في هذه المحرقة. كل ذلك يدعوك لنبذ هكذا حوار حضارات، وتكون مجبراً على أن تقف ضد كل محاولة من هذا القبيل، لأنها ستكون مشبوهة.

وعلى الرغم من أن العالم تروج فيه مبادئ وثقافات كثيرة : فهناك الشيوعية، والكنفوشية والرأسمالية والإسلام، ولكن لماذا لا يراد إلا حوار حضارة الإسلام مع الحضارة الرأسمالية، لقد بات واضحاً أن حوار الحضارة ليس فكرة جدية، وإن كان لها مناصرون، بل هي خدعة وكذبة كبرى تمارسها علينا دوائر صنع القرار الغربي، ونحن بحكم ضعفنا السياسي نريد أن نثبت أن الإسلام يقبل الآخر. ثم إن هذه الدوائر تصور أن معارضة فكرة حوار الحضارات نابعة من نظرية المؤامرة في محاولة لتحجيم من يطرح مقولات مخالفة لما هو سائد في الساحة الفكرية والثقافية.

إن من يتجرد من كل هوى يرى أن فكرة حوار الحضارات غير ممكنة فعلاً، فعلام نريد أن نلتقي؟ وهل الإسلام يقبل أفكاراً أخرى، وهو الدين الحق والمنهج الشامل، الذي قال الله فيه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة 3]، فإذا أردنا أن نأخذ من حضارة الآخر هل نأخذ صناعاته؟ وهل صناعاته هي حضارته؟ وهل يتحتم علينا إذا أخذنا صناعاته أن نتلبس بأفكاره؟

هذا ما يروج له بعض المفكرين الحداثيين: كيف تعادي الحضارة الغربية وتركب سيارتها وطائراتها وتستخدم حاسوبها؟ وما شاكل ذلك، ونسوا أو تناسوا أن العلم عالمي ويجوز أخذه من أي مصدر كان، فلا يقال سيارة رأسمالية أو طائرة شيوعية، ولكن يقال فكرة شيوعية عن فكرة صراع الطبقات أو ارتباط التغيير بوسائل الإنتاج، أو ما عدا ذلك من أفكار الرأسمالية كالحرية الشخصية، والدين لله والوطن للجميع...

وفي الخلاصة إن فكرة حوار الحضارات وهم وإيهام وقع فيه المفكرون أو أرادوا إيقاع الأمة فيه، وإنه لثابت قطعاً أن فكرة صراع الحضارات فكرة حتمية موجودة في كل الحضارات، ولا تكاد تسلم منها حضارة قديماً وحديثاً، وهذا ليس عيباً فيها، بل إنها من طبيعة الأفكار ومن خصائصها بين البشر أن تظل في أخذ ورد، ولا مندوحة عن ذلك، وهي ظاهرة مستمرة، ولن تتوقف سواء في ظل الدولة الإسلامية أو في غيابها، وهي تتخذ أشكالاً متعددة، ولن يكون الحوار الفردي أو المؤتمرات هما الشكلين الوحيدين، بل إن الكتب والأفلام والندوات واللقاءات والمحاضرات... والقرارات السياسية الصادرة من الحكام والمرتبطة بدوائر الغرب السياسية والثقافية هي جزء وشكل ووسائل وأساليب لفرض فكرة حوار الحضارات لمصلحة الغرب.

لذا يجب علينا، نحن الداعين إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية والساعين للتغيير، أن لا نغتر بدعاة حوار الحضارات مهما علت ألقابهم المزيفة، ومهما طال مدح المأجورين لهم، فهم ليسوا سوى أناس إما ضالين أو مضللين، دفنوا رؤوسهم في رمال الذل والهوان، وبالمقابل فإنه لمن الواجب علينا أن نعد للأمر عدته، فإن الحضارة الغربية التي تفوقت على المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، قد بدأ العد العكسي لها على كل الصعد، ولن تكون قادرة بإذن الله على أن تصرع أفكار الإسلام الربانية، فالعقيدة الإسلامية راسخة في العقول والقلوب، وهي لا تزال حية في النفوس، تجعل من يتمسك بها أصلب وأشد وأقوى، تبعاً لتلك الأفكار القوية والصلبة التي تسير حياته وتضبط سلوكياته، والتي ستتجسد عندما يأذن الله بالتمكين في دولة الخلافة الراشدة، تلك الدولة القريبة إن شاء الله، التي ستجعل صراع الحضارات يأخذ مداه الطبيعي المفضي إلى سيطرة الإسلام ليعم الأرض مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الجامع الذي يرويه ثوبان (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «زُوِيَتْ لِي الأَرْضُ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَصْفَرَ أَوْ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَقِيلَ لِي: إِنَّ مُلْكَكَ إِلَى حَيْثُ زُوِيَ لَكَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاثًا: أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي جُوعًا فَيُهْلِكَهُمْ بِهِ عَامَّةً، وَأَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَإِنَّهُ قِيلَ لِي: إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَإِنِّي لَنْ أُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِكَ جُوعًا فَيُهْلِكَهُمْ فِيهِ، وَلَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يُفْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي فَلَنْ يُرْفَعَ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِلِّينَ، وَسَتَعْبُدُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَسَتَلْحَقُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

فراس حج محمد/فلسطين

المصدر: مجلة الوعي

الجمعة، 2 يوليو 2010

الدم المسفوك في قرغيزيستان



ما حدث في قرغيزيستان ( 5،3 مليون نسمة ) يعقد اللسان ، ويشل التفكير، لاسيما وأنه يأتي بعد سلسلة من الصراعات، وبرك الدماء القائمة في الصومال والعراق وأفغانستان وكشمير وغيرها من ديار الإسلام، وهي صراعات ناتجة عن خليط من المكر الخارجي والغباء الداخلي.

فتسعينات الدم في الجزائر، والتمرد الحوثي في اليمن، والتمايز بين الصفوف في فلسطين، من صنع الأعداء المتربصين بالأمة، والذين لا يفتئون عن إشعال الفتن بين مكوناتها الاثنية والمذهبية والطائفية والأسرية والفكرية والحزبية.


وما جرى في قرغيزيستان ( 69 % قرغيز، 8،1 % روس ، 14،5 % أزبك ) صنعه الأعداء العاملون على تفريق الأمة وتشتيتها وتشظيها، للإجهاز عليها نهائيا وإفنائها؛ فالأعداء لا ينفكون عن إضعاف الأمة، وإلهائها في صراعات داخلية، ليقولوا: انظروا ما يجري بين المسلمين، وكيف يقتلون بعضهم بعضا، وقتلى صراعاتهم أكثر من قتلاهم على يد الآخرين، وهي مغالطة تضاف إلى بقية المغالطات الأخرى، فأيديهم أيضا ملوثة بهذه الدماء التي تسيل في صراعات بعض المسلمين فيما بينهم.

دور الأعداء في صراعات المسلمين:
ففي الجزائر، ما كان للفتنة أن تطل برأسها لولا التدخل الفرنسي، وتحريض الجيش على الانقلاب على صناديق الاقتراع، وفي العراق ما كان يحدث ما حدث لولا الغزو الأمريكي الغربي، وكذلك الأمر في أفغانستان، فقد استخدمت المساعدات كمدخل لإثارة الصراع بين الأفغان في أعقاب الانسحاب الروسي، ثم تقسيم الشعب الأفغاني بين (جيش حكومة) و(متمردين) في العدوان الذي بدأ سنة 2003 م ولا يزال مستمرا، وفي الصومال، وبعد إن استتب الأمر لحكومة المجاهدين، حرض الغرب أثيوبيا لغزو البلاد، ومن ثم تقسيم الصوماليين بين محوري أسمرة، أديس أبابا.

ورأينا ما حدث في فلسطين المحتلة بعد فوز حماس عام 2006 م والمؤامرات التي حاكها دايتون /دحلان، وأغرق عباس/فياض، في وحل الألاعيب الصهيونية بموافقتهما، في مسرحية مكشوفة، وهكذا الحال في بقية البؤر الدامية داخل سياج الأمة المنتهك.
ولا شك فإن ما حدث في قرغيزيستان جزء من هذه اللعبة، والتي تهدف إلى زرع الأسافين بين الأمة، إثنيات وطوائف ومذاهب وجماعات بل الأفراد، وقد رأينا الكثير من هذا الصنيع الشيطاني، الذي فرق بين الأخ وأخيه، والصديق وصديقه، وأبناء المسجد الواحد، والمنطقة الواحدة.

لكن كل ذلك لا يبرر ويصوغ حجم الجرائم التي يرتكبها البعض ممن فقد إنسانيته قبل إسلامه؛ فمعروف أن الشعوب الإسلامية ولاسيما دول القوقاز ووسط آسيا قد تعرضت لعمليات غسيل دماغ فظيعة، نسيت فيها مبادئ الإسلام، ولم يعد يربط بعضها بعضا سوى رابطة النوع (الدم)، كأي نوع من أنواع المخلوقات الأخرى، ولذلك ترتكب الفظائع والجرائم بحق بعضها البعض على هذا الأساس بعد أن فقدت الرابط الإيماني في سنوات الستار الحديدي.

وقد بدا الرابط الإيماني ضعيفا في حوادث أخرى، وفي بلدان أخرى، مقارنة بالاصطفاف العرقي والحزبي. وتعد أفغانستان، نموذجا، صارخا في هذا السياق، رغم العنوان الإسلامي الواضح للجهاد الأفغاني أثناء الاحتلال الروسي، وفي الوقت الحاضر.
بيد أن الإيمان في أفغانستان أقوى منه في الجمهوريات (المستقلة) عن الاتحاد السوفيتي المنهار، أي في القوقاز، ووسط آسيا.

أهداف الأعداء من إثارة النعرات:
إن الهدف من إثارة النعرات الطائفية بين أبناء الأمة، يهدف لمنع وحدتها على أساس عقيدتها، وعمليات تغيير المناهج، وإحلال نماذج أخرى للحكم والتعليم والثقافة، جزء من هذا المسعى الشيطاني الذي بدأ مع الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين في القرن التاسع عشر، واستمر في مرحلة ما يعرف بالاحتلال غير المباشر، والذي لا يزال مستمرا، وهي توظيف أنظمة محلية لخدمة الأهداف الغربية في بلادنا.

ولموقع قرغيزيستان الاستراتيجي، فقد تم الاختيار عليها لإحداث ثلمة جديدة في وجه الأمة الذي حفرته المصائب والفتن وأدمت عينيه وأدمتعتها كثيرا، فهي تقع في الجزء الشرقي من آسيا الوسطى، وتحد من الشرق، تركستان الشرقية، ومن الشمال أزبكستان، ومن الغرب والجنوب الغربي طاجيكستان، وهي دول ذات غالبية مسلمة.

والاختيار على الأزبك ليمثلوا وقود المحرقة الجديدة بحق المسلمين في المنطقة، يهدف لقطع الروابط مع أوزبكستان، وحتى لا يطلب القرغيزيستانيين المساعدة والدعم من أزبكستان يوما ما، في حال قرروا التحرر من الهيمنة الروسية.

ولذلك رفضت روسيا التدخل لوقف المجازر، واكتفت بإرسال تعزيزات إلى قاعدتها العسكرية في الجمهورية المنكوبة، فهذا ما يهمها فقط. ويذكرنا هذا بحماية قوات الاحتلال الأمريكي لوزارة النفط العراقية بينما كان العراقيون يتساقطون برصاص جنودها وشركات المرتزقة، كبلاك واتر، وغيرها.

واحتمال حصول تحرك في قرغيزيستان وارد، حيث تسمح طبيعتها بشن حرب عصابات ناجحة ولسنوات مديدة بعتاد بسيط، فثلاث أرباع مساحتها جبال، مثل سلسلة جبال تيان شان، وجبال "الآيسكي" في الجنوب، والتي يبلغ ارتفاعها 7 آلاف متر.

ورغم ذلك فإن المساحة المتبقية من البلاد تعد غنية بالثروات، حيث تمر عبرها أنهار مثل نهر " نارين" و"نار" ونهر "فرغانة"، صاحب الشهرة التاريخية في تاريخ الفتوح الإسلامية، وتتشكل في قرغيزيستان، مجموعة من البحيرات، منها بحيرة "ايسيك كول" الجبلية التي بنيت على شواطئها منتجعات ومخيمات سياحية.

وفي الحملات الاستدمارية التي قام بها أعداء الأمة، قام الروس بالعدوان على المسلمين في قرغيزيستان، سنة 1876 م وثار القرغيستانيين بدعم من إخوانهم الأزبك وغيرهم، لكن وضعهم وحال البلاد الإسلامية في ذلك الحين لم يسعفهم كثيرا في رد العدو الصائل. كما لم يسعفهم حاليا في الإصلاح فيما بينهم. ولم يتغير الوضع بعد مجيء الشيوعيين للحكم في الكرملين سنة 1917 م فقاموا بضمها سنة 1924 م لما كان يسمى بالجمهورية الروسية الفيدرالية الاشتراكية، وفي 5 ديسمبر 1936 م أصبحت الجمهورية القرغيزيستانية الاشتراكية السوفياتية. وقبل ذلك وفي سنة 1928 م غير الروس الحروف العربية باللاتينية ثم بالروسية سنة 1941 م. وفي 31 أغسطس 1991 م (استقلت) قرغيزيستان عن الاتحاد السوفياتي السابق، لكنها ظلت تحت الهيمنة الروسية ولا يعرف متى يتحرر المسلمون من اللإسلامية التي تطبع حياة الكثير من المسلمين في العصر الحاضر، ولاسيما الأنظمة الحاكمة.

حصاد البعد عن الإسلام:
لقد كانت حصيلة الجنون الطائفي الموجه، كما أكدت الكثير من المصادر، منها صحيفة نيويورك تايمز، فظيعة، تجعل المرء يبكي على حال الأمة وما وصلت إليه، حتى إن بعض أفرادها يفعلون بأنفسهم أكثر مما يطلب منهم الأعداء أو يريدونه بطرق مباشرة وغير مباشرة، من خلال التحريض والإيحاء؛ فهناك أكثر من 200 قتيل، ونحو نصف مليون مهجر، وأشنع من ذلك أنباء قتل أطفال واغتصاب فتيات، وسط تقارير تفيد بأن السلطات المحلية ولاسيما الجيش والشرطة متورطة في هذه المذبحة الفظيعة التي تجعل قلوب المؤمنين تقطر دما. بينما يعبر الأعداء عن فرحهم على طريقتهم الخاصة من خلال تكرار مقولة ما يفعله المسلمون ببعضهم البعض، في حين أنهم ليسوا بعيدين عن تلك الجرائم، فقد جردوا الكثير من المسلمين من إسلامهم وأحالوهم إلى هوام تنهش لحوم بعضها البعض.

ولذلك لا يتحدثون عن وقف العنف فورا، ومحاكمة الجهات المتسببة فيه، وإنما يتحدثون عن إرسال الإغاثة كما صرحت بذلك وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، والكرملين، وبكين وغيرها من الدول، بينما توقعت (الأمم المتحدة) توسع النزاع ليشمل الدول المجاورة في آسيا الوسطى. وأكدت (الأمم المتحدة) أنها ستحقق فيما كان العنف مدبرا ومخططا له، كما ذكرت ذلك عدة مصادر.

ترى ما الذي بقي يربط الجناة المجرمون بالإسلام، إن كانوا يقرون بذلك، وإن كان المرء يستبعد أن يكون مسلما من يقوم بكل هذه المآسي بحق إخوان له في الدين، فضلا عن الجوار والبعد الإنساني. أو قل كيف يكون بشرا، فضلا عن أن يكون مسلما؛ فالبعد عن الإسلام سواء من قبل طرف واحد أو من طرفين، وراء كل المصائب التي حاقت بالمسلمين في تاريخهم.

عبد الباقي خليفة

دعاوى الإصلاح



الإصلاح كلمة جميلة سهلة الإخراج من اللسان، خفيفة الوقع على الأذن، تنشرح لسماعها الصدور، وتألفها القلوب؛ لأن الإصلاح موافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ولهذا قال نبي الله شعيب لقومه لما دعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن إنقاص المكاييل والموازين، وأمرهم بتوفيتها، قال لهم:"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " ولما كانت هذه الكلمة بهذه المنزلة، فقد ادعاها كثيرون: من يريد الإصلاح حقيقة ومن هم مقيمون على الفساد والإفساد، لكن هناك ضابطا يميز بين المدعين، إذ الإصلاح كله مضمن فيما جاء به الشرع، أو دل عليه وأرشد إليه، أو قبله، فمن زعم الإصلاح بما يخالف الشرع فهو مفسد، وإن زعم غير ذلك، ومن رام الإصلاح من غير أن يتخذ الشرع هاديا وإماما له فهو يمشي في عماية، لا يدري أية سكة سلك، فقد يسلك سكة للإصلاح، كما قد يسلك سككا للإفساد، ونهاية أمره التخبط والفساد؛ لأن العقول وإن اهتدت إلى ما فيه بعض الصلاح والإصلاح في بعض الأمور، لكنها لا تستقل بإدراك الصلاح كله في الأمور جميعها، فلا مندوحة لأحد يدعو إلى الإصلاح عن الرجوع إلى الشرع، والركون إليه، والانطلاق منه، وعلى هذا فإن كل دعوة للإصلاح مهما كان حجمها، وأيا كان مطلقها أو الصائح بها، أو الجهة التي تقف خلفها، إذا لم تكن قائمة على اتباع الشرع المنزل من رب العالمين جميعهم، فهي دعوة للإفساد، ومآلها إفساد المجتمع وتخريبه، ولذا فإن شعار " الدعوة للإصلاح " لا يصلح أن يرفعه بحق إلا من اتخذ الشريعة له قائدا وهاديا ودليلا، أما من لم يجعل الشريعة دليله وقائده وجعلها وراءه ظهريا، فإنه يقيم على الفساد وهو يظن أنه قائم على الإصلاح، ويدعو إلى الفساد وهو يزعم أنه من دعاة الإصلاح، وهذه هي حال المنافقين، فهم يفسدون ويزعمون أنهم مصلحون، قال الله تعالى" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" فهم قائمون على الفساد داعون للإفساد ويزعمون أن الصلاح في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، وهذا شأنهم في تغيير المعاني وقلب الأفكار وانعكاس المعايير، فتراهم يدعون إلى تماسك الشعوب وعدم تفتيتها ( وخاصة الشعوب التي تدين بأكثر من دين ) والحفاظ على الوحدة الوطنية ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إقصاء الشريعة الإسلامية وتحكيم القوانين الوضعية، وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى عدم التمييز بين طبقات المجتمع، وعدم التحيز لفئة ضد فئة أخرى، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى المساواة التامة بين الذكر والأنثى، حتى فيما فرقت فيه النصوص القطعية، وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى المحافظة على حقوق الإنسان وإعطائه الحرية، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إباحية مطلقة من كل قيد حتى يأتي الرجل الرجل والمرأة المرأة وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى التسامح وإشاعة ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر المختلف ثقافيا ويقولون: هذه دعوة للإصلاح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إذابة الفوارق بين المسلمين والكفار، وإضعاف معاني الولاء والبراء إلى حد الإلغاء وهذا هو الإفساد وتراهم يدعون إلى الاستفادة من الصور المعاصرة في كيفية تنمية رأس المال مع الأمان من تقلبات الأحوال والمعاملات الاقتصادية ويقولون: هذه دعوة للإصلاح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى التعاملات الربوية عن طريق البنوك التي يقوم أمرها على الربا، وهذا هو الإفساد، ولوظللنا نتتبع كثيرا من ألفاظهم التي يتلاعبون بها وجدناها لم تخرج عن حد الكلام الذي تكون حقيقته مخالفة لظاهره وهذا هو النفاق " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون"، فإذا أردت أن تفرق بين من تكون دعوته للإصلاح بحق، وبين من يدعو للإفساد تحت عباءة الإصلاح فانظر أين موضع الشريعة من دعوته تعرف ذلك.

محمد بن شاكر الشريف

أبعد من تركيا.. وأعمق من مياه الأطلسي



انتقلت القضية الفلسطينية عبر عقود من الزمن من قضية أمة إسلامية احتلت مقدساتها ، وفقدت أولى قبلتيها وثالث حرميها ومسرى نبيها، إلى قضية عربية قومية قُزّمت إلى وطنية فلسطينية قُسّمت إلى فصائلية مصلحية.

وقد مهد لهذا الانتقال بين تلك الأبعاد هجمة على مفهوم الأمة وعلى كيانها السياسي الذي وحدها في دولة على مدى أربعة عشر قرنا، وتوازى القفز من بارجة الأمة إلى قوارب ضيقة هشة مع الهجمة على كل ما يوحد الأمة، فقُسمت بلادنا ورُسخت حدود سايكس-بيكو، واحتُلت الأرض مرة أخرى في العراق وأفغانستان ونزلت بها القواعد العسكرية والمطارات، وتقاتل الإخوة من أجل كرة قدم أو من أجل عيون المستعمرين. وعلى وقع تلك الهجمة على الأمة وكيانها الفكري الموحد، ورغم ذلك الوهن والضعف الذي أصاب الأمة إلا أن القضية الفلسطينية لم تهدأ ولم تستطع الأنظمة الحاكمة أن تدفنها في الأرض المحتلة وتجعلها عهدة حصرية للفصائل الوطنية والإسلامية الإقليمية.

ورغم تناقض أسس الدول الإقليمية الضيقة مع الارتباط بقضية لها هذا البعد على مستوى الأمة إلا أن الأنظمة ومن يقف وراءها من الغرب لم تستطع تجاوز هذه الحقيقة السياسية والفكرية.

فمن القاهرة خاطب أوباما شعوب العالم الإسلامي بوصفها أمة واحدة، وجاءت تصريحات باتريوس في نفس السياق لتدلل على ارتباط الشعوب برابط قوي تحت مفهوم الأمة الواحدة، فالصراع بحسب باتريوس في فلسطين يهدد جنود الولايات المتحدة في كل مكان، ولولا وجود ارتباط عقدي ومعنوي يوحد العالم الإسلامي في نظرته لفلسطين والمقدسات لما خاف باتريوس على جنوده من تهديد عابر للحدود.

وقد يُفسر في هذا الإطار أيضا، المبادرات التي صيغت لتأخذ بعداً إقليميا في محاولة لزج الأمة بمجموعها في حل القضية الفلسطينية حسب الرؤية الأمريكية المتمثلة في حل الدولتين، وطفت على السطح المبادرة العربية كشكل من أشكال الحل الجماعي، في غياب لأي تجسيد لهذا التجمع أو الاتفاق في مجالات أخرى، مما يثير التساؤلات حول طبيعة الأنظمة الحاكمة ومدى خضوعها للإرادة السياسية الأمريكية، وتوحدها في تأمين مصالحها السلطوية عبر الخضوع للنظام العالمي الذي تفرضه الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها في البلدان العربية والإسلامية، وهي تستخدم في تحقيق ذلك قوة كامنة وأسسَ وحدةٍ لا يمكن تجاهلها في أمةٍ مشتتة سياسياً عبر كيانات مصطنعة تتوحد أنظمتها وقياداتها لخدمة قرارات وحلول بعيدة كل البعد عن آمال الأمة وتطلعاتها.

ويدخل البعد الإسلامي في معادلة الأمة وقوتها، وقد كان من بعض تجليات ذلك البعد إعلاميا "أسطول الحرية" الذي قصد غزة المحاصرة يمخر عباب البحر بسفن تحمل التركي مع العربي في صورة تعيد للذاكرة وحدة الأمة الإسلامية ثقافيا وعقدياً.

لم يصل الأسطول إلى شواطئ غزة ... وقضى بعض الأتراك نحبهم في مياه الأطلسي، وانطلقت المظاهرات في اسطنبول وارتسمت وحدة المسلمين مرة أخرى في مراسم الجنازة والدفن وآيات القران واحترام الشهداء الذين خاضوا البحر من أجل عيون فلسطين، وتردد في شوارع تركيا التكبير باللغة العربية والمصطلحات الشرعية بلغة القرآن في مشهد يخترق الحدود ويختزل التاريخ ومئات الكتب والأبحاث ويسلط الضوء على فشل المؤامرات السياسية التي حاولت كسر هذه الروابط وتقسيم الأمة الإسلامية وإنهاءها من الوجود عبر تقطيعها إلى دول وممالك.

إلا أن هذا التوحد في مفهوم الأمة وفي المنظومة السلوكية والثقافية لها وفي تطلعاتها لتحرير المقدسات والأوطان لم ينعكس على الواقع السياسي الذي تعيشه الأمة، ولا زالت الأنظمة في الحالة العربية تحاول استغلال أسس الوحدة و تجذر مفهوم الأمة عند الشعوب لتمرير الحلول الأمريكية التي تضمن بقاء الاستعمار، وعلى تلك الخطى تسير الأنظمة في العالم الإسلامي كذلك مستغلة تطلعات أبناء الأمة الإسلامية للتغيير والخروج من واقع التبعية والتخلف ومحاولة لعب دور في قضايا الأمة المصيرية والتأثير في الموقف الدولي.

إلا ان هذا التطلع وهذه التحركات الشعبية لا تنسجم مع واقع الأنظمة والحكومات القائمة في العالم الإسلامي التي ترتبط أصلا بالنظام العالمي المسيطر عليه أمريكيا، ولا تأتي تحركات الأنظمة في العالم الإسلامي إلا ضمن القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تخدم الدول الكبرى وأطماعها في البلاد الإسلامية والعربية وثرواتها وخوفها من عودة الأمة الإسلامية موحدة في دولة واحدة، فلا قيمة لأي تحركٍ مقيد بتلك القرارات وبذلك المجتمع الدولي ولا يلتفت فيه إلى مصالح الأمة الإسلامية التي تتجسد في الانعتاق من الاستعمار والعيش في ظل دولة واحدة، والشعوب لم تعد تتعلق بظواهر صوتية وجعجعات إعلامية وهي ترى ثروات الأمة وطاقاتها تهدر تحت أقدام الاستعمار الجديد، وتحاصر غزة ومحيطها العربي والإسلامي قادر على تحرير الأرض وإنهاء الاحتلال وفك الحصار لكنه لا يحرك ساكنا على مستوى الأنظمة والحكومات.

فرفع الحصار عن غزة وتحرير المقدسات لن يأتي عبر حلف الناتو الذي كان الملجأ للحكومة التركية، ولا عبر الإدارة الأمريكية التي تتطلع إليها عيون الأنظمة للضغط على "إسرائيل" لتخفيف الحصار أو وقف الاستيطان، فقضايا الأمة المصيرية لا تحل إلا بسواعد شبابها، والارتماء في أحضان النظام العالمي لن يزيد المشاكل إلا تفاقماً ، وأمة من المغرب إلى اندونيسيا موحدة بأفكارها وتطلعات شعوبها وعقيدتها ودينها تستطيع وبلا أدنى شك ان تحتل مكانة عالية بين الأمم ان هي تخلصت من تبعات الارتباط بالغرب وأدواته.

إلا ان القضية وعبر "أسطول الحرية" ظهرت للعالم بعمق آخر، فركب الأسطول أناس من أمم أخرى وثقافات متباينة، جمعهم واستفز عقولهم رؤية مدى الظلم الواقع على أهل غزة، والذي أصبح تجسيدا واقعياً للظلم الواقع على البشرية من النظام الرأسمالي الظالم الذي تطبقه الدول الكبرى التي لا ترى سوى مصلحتها المادية ولا ترى أي قيمة للإنسان أو المكان إلا ضمن قيمته بالدولارات، فتسحق شعوباً بكاملها من أجل توفير النفط للرأسماليين وشركاتهم، وتسقط الدول في حروب أهلية لتأمين منابع النفط والمعادن الثمينة لمصانع الرأسماليين وسياراتهم ، وتحاصر غزة أو يفكر بتخفيف الحصار عنها خدمة لمصالحها ومشاريعها السياسية في منطقتنا الإسلامية المترابطة.

وحتى تعود للأمة مقدساتها وثرواتها وتحرر ما احتل من أرضها وتمتلك إرادتها السياسية لا بد لها من الانعتاق من النظام العالمي وأدواته ، والخروج على قواعد اللعبة الدولية التي تضمن تفوق الاستعمار، ولن يكون ذلك إلا بالتخلص من وكلاء الاستعمار الرأسمالي في البلدان العربية والإسلامية وإزالة الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الواحدة لتعيش الأمة في ظل دولة واحدة تخلق فضاءً واسعاً لأبناء الأمة، تتفجر فيه طاقاتهم وتتحقق فيه آمالهم وتطلعاتهم في عيشة كريمة عزيزة تعيدهم لدورهم الحضاري، يحملون رسالة نور للبشرية يخرجونها من ظلم الرأسمالية وتوحش النظام العالمي المادي إلى عدل النظام الإسلامي ، وروحانية التشريعات الربانية التي تكرم الإنسان،وتعالج مشاكله على أساس إنسانيته من خلال منظومة القيم الأخلاقية والروحية والإنسانية التي يضمنها تطبيق الإسلام كنظام عالمي.

فالأمة الإسلامية بذلك هي المرشحة الوحيدة لإنقاذ العالم من المادية التي يكابدها ومن الظلام الذي يغرق فيه ومن الحصار الذي يفرضه أصحاب الشركات الرأسمالية على عقول البشر وثروات الشعوب ومقدرات الأفراد.

ومع تعطش الأمة الإسلامية المتزايد للعيش في ظل دولة واحدة ومع تغول النظام الرأسمالي وجشعه ، فإن التغيير حتمي وملامحه ترتسم في الآفاق، والبشرية على موعد مع تغيير أبعد من تركيا وأعمق من مياه الأطلسي.

د. مصعب أبوعرقوب