الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

المــــــــــــوت

يُذكّرُني طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْراً


وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمْسِ
فَلَوْلا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلي


عَلَىَ إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكِينَ مِثْلَ أخِي وَلَكِنْ


أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسّي
فَقَدْ وَدَّعْتُ يَوْمَ فَرَاقِ صَخْرٍ


َبِي حَسَّانَ لَذَّاتِي وَأُنْسِي
فَيَا لَهْفِي عَلَيْهِ وَلَهْفِ أُمِّي


أيُصْبِحُ فِي الضَّرِيحِ وَفِيهِ يُمْسِي

بهذهِ الأبياتِ وَبأمثالِها رَثتِ الخَنْساءُ أخَاها صَخْراً، وَبكتْه حَتَّى فقدَتْ عَينَيْها مِن شِدّةِ البُكاءِ، جزِعَتْ، وَيئِستْ، وَتمنّت الْمَوْتَ، هَكَذَا رأت الخنساءُ الْمَوْتَ وَهَكَذَا تعامَلَتْ مَعَهُ.
وفي معركةِ القادسيةِ، وَفي مَوْقِفٍ مَهيبٍ، موقفُ القِتالِ وَالْمَوْتِ، وَقفتِ الخنساءُ وَقفةً عظيمةً مَعَ أبنائِها الأربعةِ وَقَالَتْ لَهُم: (إنَّكُم أسْلَمتم فلم تُبَدِّلوُاْ وَهاجرتم فلم تَثوُبوُاْ، ثمّ جئتُم بأمِّكم عجوزاً كبيرةً فوضعتموها بيَن يَديْ أهلِ فارسَ، إنكم لَبَنُو رجلٍ وَاحدٍ، كما أنكم بَنو امرأةٍ وَاحدَةٍ، مَا خنتُ أباكم، وَلا فَضَحْتُ خَالَكم، انطَلِقوُاْ فاشْهَدوُاْ أوّلَ القِتالِ وَآخرَهُ) وَاستشهدَ أبناؤهَا الأرْبعةُ فلمَّا بَلغَها ذَلِكَ قَالَت قولتها المشهورة: (الحمْدُ للـه الَّذِي شرَّفَنِي بقتلِهم، وَإنِّي أسألُه تعالى أن يجمعَني بهم فِي مُستقرِّ رحمتِهِ).

ما الَّذِي غَيَّرَ نظرةَ الخنساءِِ إِلَى الْمَوْتِ مِن الجاهليةِ إِلَى الإسلامِ؟ أفبعدَ فَقْدِ العينيِن لبُكاءِ الأخِ كانَ الفخرُ بموتِ الأبناءِ، وَبعدَ الجزعِ مِن الْمَوْتِ، كانَ التمَنِّي بِلِقائِهِمْ فِي الجنَّةِ، أيُّ انقلابٍ هذَا فِي الفكْرِ وَالنفسِ، وَأيُّ تغيرٍ هذَا الَّذِي يحوّلُ الإنسانَ مِن حياةٍ إِلَى حياةٍ، وَمِن تَصَوُّرٍ إِلَى تَصَوُّرٍ.

إنّه الإسلامُ بعقيدتِهِ التي جعلتْ الْمَوْتَ عندَ المسلمِ هوَ لقاءُ اللـه المنتظرُ ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللـه عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً)) وَمِنهم مَن يَنتظرُ، وَمِنهم مَن صدقَ مَا عَاهدَ اللـه عَلَيْهِ أيضاً، وَلكنَّه لَمْ يقضِ نحبَهُ بعدُ، فهُوَ يَنتظِرُ.
ومِنهم مَن يَنتظِرُ، نعم! يَنتظِرُ وَكأنّه يعيشُ فِي هذِهِِ الدُّنْيَا وَيُصَبِّرُ نفسَهُ عليهَا مُنتظراً أَجَلَه، لِيلحقَ بصحبِه ويلقى وجْهَ ربّه، وَلِم لا يَنتظِرُ وَهوَ الَّذِي صدَقَ معَ اللـه فِي عهْدِهِ، وَأقرّ اللـه لَهُ ولأمثالِهِ أنَّهم لَم يُبدِّلوُاْ تبديلاً، فهمُ الذينَ ظلُّوُاْ على العهدِ معَ اللـه لَم يُبدِّلوُاْ ولَم يُغيِّروُاْ، فمِنهم مَن رَحلَ قاضِياً أجلَهُ فِي الدُّنْيَا، ومِنهم مَن يَنتظرُ دُنوَّ الأجَلِ وقَد استعدَّ لهُ وتهيَّأَ.

ولا ينتظرُ لقاءَ اللـه مَن لَمْ يستعدّ لِهَذَا اللقاءِ ويتجهزْ لَهُ ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الّذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمّ تُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) فالذِي يفرُّ مِن الْمَوْتِ إمَّا أنّه لا يؤمنُ بلقاءِ اللـه، ويريدُ أنْ يتمتعَ فِي الدُّنْيَا بأكبرِ قسطٍ ممكنٍ وبأطولِ زمنٍ يقدرُ عليهِ، قَالَ تعالى: ((حتّى إِذَا جَاءَ أحَدَهُم الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحَاً فِيمَا تَرَكْتُ، كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلى يِوْمِ يُبْعَثُونَ. فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيِنُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِيِنُهُ فَأُوْلَئِكَ الذينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)).

وإمَّا أنّهُ مؤمنٌ ضَعُفَ تذكُّرُ اللـه واليومِ الآخرِ عِندَهُ، فهُوَ غافلٌ عَنْ آخرتِهِ، مُنْشَغِلٌ بِدُنْياهُ، فَإِذا جَاءَهُ الْمَوْتُ نَدِمَ وتَحَسَّرَ ((وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِيِنَ يَعْمَلُونَ السَيَئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنَي تُبْتُ الآنَ، وَلاَ الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً ألِيمَاً)). يُروَى أنّهُ لمّا حَضَرَتْ عَبْدَ المَلِكِ بنَ مَرْوَانَ الوفاةُ نظرَ إِلَى غسَّالٍ بجانبِ دمشقَ يلْوي ثوباً بيدِه ثمّ يَضربُ بهِ المغسَلَةَ، فقَالَ عبدُ الملكِ: لَيتَنِي كنتُ غسَّالاً آكلُ مِن كَسبِ يدِي يوماً بيَومٍ، ولَمْ آلِ مِن أمرِ الدُّنْيَا شيئاً، فبلغ ذَلِكَ أبَا حازم فقَالَ: الحمدُ للـه الَّذِي جعلَهُم إذَا حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ يتمَنَّوْنَ مَا نحنُ فيهِ، وإِذَا حَضَرَنَا الْمَوْتُ لَمْ نتمنّ مَا همْ فيهِ.

أيَّهَا الأُخْوَةُ الكِرَامُ:
إنَّ الإيمانَ بأنَّ سببَ الْمَوْتِ هُوَ انتهاءُ الأجلِ لَهُ لازِمَةٌ يجبُ ألاّ تنفصِلَ عنهُ، وهيَ ترقّبُ الْمَوْتِ فِي كلِّ لحظةٍ وفي كلِّ حينٍٍ، وما يَتبعُ هذَا الترقبَ مِن استعدادٍ وتهيُّؤٍ، يتناسقُ مَعَ الإيمانِ بالآخرةِ التي يُفتحُ البابُ لها بالْمَوْتِ، حيثُ لا عملَ ولا جهادَ ولا حملَ دعوةٍ، قَالَ رَسولُ اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم لعبد اللـه بن عمر: «إِذَا أصبحتَ فَلا تُحَدِّثْ نْفَسَك بِالمساءِ وإِذَا أمسيتَ فلا تُحَدِّثْ نْفَسَك بالصباحِ وَخُذْ مِن حَياتِكَ لِمَوْتِكَ ومِن صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللـه لاَ تَدْرِي مَا إِسْمُكَ غَدَاً»(1).

وقَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «الكيّسُ مَن دانَ نفسَه وعَمِلَ لِما بعدَ الْمَوْتِ، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواهَا ثمّ تمنّى على اللـه الأمانيَ» وفي الحديثِ الصّحيحِ لَمّا سألَ جِبريلُ عليهِ السلامُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَن الإحْسانِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أن تَعْبُدَ اللـه كأنّك تراهُ، فإن لمَ تكنْ تَراهُ فإنّه يَراكَ».

ولا قيمةَ للإيمانَ بالْمَوْتِ مَا لَمْ يُؤمنْ بالآخرةِ، فالْمَوْتُ هُوَ بدايةُ الطريقِ للحياةِ الآخِرَةِ، الحياةِ الأبديّةِ، الحياةِ التي يتقررُ فيها المصيرُ، فَإِمَّا نعيمٌ وإمّا جحيمٌ، فَمَن خافَ الْمَوْتَ وآمَنَ بأنَّ سببَهُ انتهاءُ الأجلِ، وَلَمْ يُراقبْ نفسَهُ وَلَمْ يحاسِبْها، وَلَمْ يتصوّرْ الآخِرَةَ تصوراً يَجعلُهُ مُستعداً للرّحيلِ إليْهَا فِي أيّةِ لحظةٍ، فَإنَّهُ لا تأثيرَ لإيمانِهِ هذَا عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ، وهو وإن تأثرَ فإنّ ذلكَ لاَ يَعْدُو أنْ يَكونَ مُجَرّدَ لَحَظَاتِ ندمٍ خاطفةً، لا تتبعُها محاسبةٌ ومراقبةٌ، ولِذا فإنّهُ سُرعانَ ما يَعودُ إلى سابقِ عهدِهِ، لِيَعْصيَ اللـه بعدَ زَوالِ أثرِ مَا ذُكّرَ بِهِ أَوْ سَمِعَهُ أَوْ شَاهَدَهُ.

قَالَ عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه فِي آخرِ خطبةٍ خطبَها فِي حياتِه: (إنَّ اللـه عزَّ وجلَّ إنمّا أعطاكُمُ الدُّنْيَا لِتطلُبوُاْ بِها الآخِرَةَ، ولم يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوُاْ إليْهَا، إنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى والآخرةُ تَبقى، فَلا تبْطِرَنّكُم الفانِيةُ ولا تشْغِلَنّكم عنِ الباقِيةِ، فآثروُاْ مَا يَبقَى عَلى مَا يَفْنىَ فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَإنَّ المَصيرَ إِلَى اللـه).

فالْمَوْتُ يُذَكِّرُنَا بِالآخِرَةِ، أَنْعِمْ بِهِ مِن مُذَكّرٍ، قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «أكثروُاْ مِن ذِكْرِ هَادِمِ اللذّاتِ»(2) وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَعْلَمُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْمَوْتِ مَا يَعْلَمُ ابْنُ آدَمَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِينِاً»(3) وقَالَ ابنُ عمرَ رضِيَ اللـه عنهُما: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عاشرَ عشرةٍ فقَالَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ: مَن أكْيَسُ النّاسِ وأَكْرَمُ النّاسِ يا رَسولَ اللـه؟ فقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ وَأَشَدُّهُمْ اسْتِعْدَاداً لَهُ، أوْلَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ، ذَهَبُوُاْ بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ»(4).

وقَالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ رضي الله عنه فِي إِحْدَى خُطَبِهِ: (إنَّ لِكُلِّ سَفَرٍ زَاداً لا مَحَالَةَ، فَتَزَوّدُواْ لِسَفَرِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَىَ الآخِرَةِ بِالتّقْوَى، وَكُونوُاْ كمَنْ عَاين مَا أعَدَّ اللـه مِن ثوابِه وَعقابِهِ تَرْغَبواْ وَتَرْهَبواْ، وَلاَ يَطُولنَّ علَيْكُمُ الأمَدُ فتَقْسُو قُلُوبُكُمْ، وتَنْقَادوُاْ لِعَدُوِّكُمْ، فإنّه واللـه مَا بَسط أملُ مَن لا يدري لعلّه لا يصبحُ بعدَ مسائِه ولا يُمسي بعدَ صباحِه، وربما كانتْ بينَ ذَلِكَ خَطَفَاتُ المَنايا، وكمْ رأيتُ ورأيتُم مَن كانَ بالدُّنْيَا مغتراً، وإنّما تقرّ عين مَن وثِقَ بالنّجاةِ مِن عذابِ اللـه تعالى، وإنّما يفرحُ مَن أمِنَ أهوالَ القيامةِ، فأمّا مَن لا يُداوي كلْماً إلاّ أصابَه جرحٌ مِن ناحيةٍ أخْرى فكيفَ يفرحُ؟ أعوذُ باللـه مِن أن آمرُكم بما لا أنْهى عَنهُ نفْسي فتخسرُ صفقَتي وتظهرُ عَيْبَتِي وتبدو مسكَنتي فِي يومٍ يبدو فيِه الغِنى والفقْرُ، والموازينُ فيه مَنصوبةٌ، لقدْ عُنيتم بأمرٍ لَو عُنيَت بهِ النّجومُ لانكدرتْ، ولو عُنيت بهِ الجبالُ لذابتْ، ولو عُنيت بهِ الأرضُ لتشققتْ).

وكانَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجمعُ كلَّ ليلةٍ الفقهاءَ، فيتذاكرونَ الْمَوْتَ والقيامةَ والآخرةَ، ثمّ يبكونَ كأنّ بيَن أيديِهم جنازةٌ، ورُوِيَ أنّه إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ عندهُ انتفضَ انتفاضَ الطّيْرِ، فيبكي حَتَّى تجري دموعُه على لحيتِه، وبكىَ ليلةً فبكىَ أهلُ الدارِ جَميعُهُمْ، فلمَّا تجلّت عنهُم العَبْرةُ، قَالَتْ لَهُ زَوْجُهُ فَاطِمَةُ: بِأبي أنتَ يا أميَر الْمُؤْمِنِينَ مِمَّ بكيتَ؟ قَالَ: ذكرتُ مُنصَرَفَ القومِ مِنْ بين يديِ اللـه تعالـى، فريقٌ فِي الـجـنَّـةِ وفريقٌ فِي السّعيرِ، ثمّ صَرَخَ وغُشِيَ عَلَيْهِ.

فذِكرُ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ بالآخرة، وفيه مِن الموعـظـةِ والتدبُّرِ الشيءُ الكثيرُ، دخلَ الحسنُ رضي الله عنه على رجلٍ يجودُ بنفسِه فقَالَ: (إنّ أمراً هذَا أولُّه لجديرٌ أن يُتقى آخِرُه، وإنّ أمراً هذَا آخرُه لجديرٌ أن يُزهدَ فِي أوّلِه).
ومَن تَصَور أن آخِرَتَه قَد تحين فِي أيةِ لحظةٍ، فإنَّه لا بدّ أن يستعدَّ لها أَيَّمَا استعدادٍ. لما حضرتْ أحمدَ بن خَضْرويّة الوفاةُ قَالَ لابنِه: (يا بُنيَّ، بابٌ كنتُ أدقُّه خمساً وتسعينَ سنةً هوَ ذا يُفتحُ الساعةَ لي، لا أدري أيُفتحُ بالسعادةِ أَوْ الشقاوةِ). ويُروى أنَّ أحدَ الصالحينَ احتُضِر، فبكت امرأته فقَالَ لها: مَا يُبكيك؟ فقَالَت: عليك أبكي، فقَالَ: إن كنت باكية فابكي على نفسِك، فلقد بكيتُ لِهَذَا اليومِ أربعينَ سنةً.

أرأيتَ يا أخي لو أنّ وراءَك سفراً بعيداً! أكنتَ تُهْمِلُ الاستعدادَ والتهيُّؤَ لهُ؟، فإنّكَ إنْ فعلتَ ذلكَ فأنتَ بين أحدِ أمرينِ: إمّا أنَّ السفرَ لا يَهُمُّكَ، ولا تَعْبَأُ بهِ، ولا تحسبُ لَهُ حساباً، وإما أنّك مهملٌ لا قيمةَ للزمنِ عِندَكَ. ومَا الْمَوْتُ إلاّ سَفرٌ كلّنا نؤمنُ بقُدومِه إيماناً لا يتطرقُ إليهِ ارتيابٌ. وكلُّ يومٍ يمضي علينا، نقتربُ فيهِ مِنَ الْمَوْتِ يوماً، فمَن بلغَ الثلاثينَ مِن عُمُرِه فقد اقتربَ مِنَ الْمَوْتِ ثلاثينَ سنةً، ومَنْ بلغَ الستينَ فقد اقتربَ مِنَ الْمَوْتِ ستين سنة، وهَكَذَا، فأيُّنا استعدَّ لِهَذَا السفرِ الَّذِي لا نعلم متى هو، وإلى أين سيكون فيه مصيرنا؟ وأيّنا تهيّأ للرحيلِ فِي أية لحظة... الآن.. أَوْ بعد قليل.. أَوْ فِي الغد.. أَوْ بعدِه.. إن هما إلاّ نَفَسَـيْـنِ نَفَسٌ تَأخـذُه ونفسٌ تخرجُه وأنتَ لا تعلمُ مَعَ أيّ النَفَسَيْنِ ستَخْرُجُ الرّوحُ. اللهم السلامةَ السلامةَ يوم لقاكَ.

إن الموت تذكرة تتبعها محاسبة ومراقبة، كانَ الربيع بن خيثم قد حفر فِي داره قبراً، فكان إِذَا وجد فِي قلبه قساوةً دخل فيه فاضطجع ومكث مَا شاء اللـه ثمّ يقول: ((ربِّ ارْجِعونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ)) يرددها، ثمّ يردُّ على نفسِه قائلا: يا ربيع ها قد رجعت فاعمل.
وليست التذكرةُ هيَ البكاءُ والنَّحيبُ ولَوْمُ النَّفسِ ساعةَ رؤيةِ المُحتَضَرِ، أَوْ الوقوفُ على الميتِ أَوْ زيارةُ المقابرِ فحسب، بلِ التذكرةُ فِي الْمَوْتِ أن يتصوّرَ المؤمنُ فِي أيةِ لحظةٍ أنَّهُ سيقابلُ ربَّه، وأنّه سينقطع عمله وسيُعدمُ التوبةَ، فيكون متيقظاً لنفسه حريصاً على طاعةِ اللـه مراقباً ربَّه فِي كلِّ لحظةٍ مِن لحظاتِ حياته، قَالَ أنس رضي الله عنه: سمعتُ عمر بن الخطابِ رضي الله عنه وقد دخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: (عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، بخٍ بخٍ، واللـه لتتقينَّ اللـه يا ابن الخطاب أَوْ ليعذبنَّك)، وقَالَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (مَن مقت نفسه فِي ذات اللـه آمَنَهُ اللـه مِن مقته).

فمحاسبة النفسِ ومراقبتها عَن الزلل، نجاة للمؤمِن مِن عذاب اللـه، وقد شدّ العزم على أن يلقى اللـه طائعاً ملبياً، ملتزما بما أمره اللـه به، لَمْ يَمَلَّ ولم يكِلَّ ولم ييأس بل سار على صراط اللـه متحملا مفاتن الدُّنْيَا ومصائبها، زاهداً بما عند الخلق راغباً بما عند الخالق.
تلا رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (فمَن يرد اللـه أن يهديه يشرح صدره للإسلام (فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إن النور إِذَا دخل الصدر انفسحَ» فقيل: يا رَسولَ اللـه هل لذلك مِن علامة تُعرف؟ قَالَ: «نعم، التّجافِي عَن دار الغرور والإنابة إِلَى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله»(5) وقَالَ السدّي رحمه اللـه: ((الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيكم أحْسَنُ عَمَلاً)) أي أيّكُم أكثر للموت ذِكراً وأحسنُ لَهُ استعداداً وأشدُّ مِنه خوفاً وحذَراً).

فهلاّ عرضتَ نفسَك يا أخي على مَا كلّفك اللـه به بصفتك مسلماً أولاً، وحاملَ دعوة ثانياً، هلاّ سألت نفسك إن كنت قد أدّيت الحقّ أَوْ قصّرتَ فِي أدائِه؟ وهل أدركت أنّك أكثرُ النّاس هماً وأكثرهم تبعة، وانك أحوج النّاس فِي هذَا الزمن إِلَى محاسبة النفس وقهرها للقيام بما كلفك اللـه به مِن أعمال، وما أُلقي على كاهلك مِن مسئوليات؟

وهل أدركت يا أخي وأنت تحسب للموت حسابه، وتتذكر الآخِرَةَ، فتبكي خوفاً مِن عذاب النَّار، وتعمل رغبة فِي نعيم الجنَّة، هل أدركت يا أخي بأن مَا لديك مِن الفكر المستنير، والفهم الدقيق، والإخلاص الواعي لن يجعل مِنك صوفياً غافلا، أَوْ درويشا أحمقَ، أَوْ مُنزويا فِي الأركان والزوايا يبكي ويولول؟ ولا ينبغي لك ذَلِكَ، ولكن كُنْ حامل الدعوة الَّذِي باع نفسه للـه، القائد السياسي الَّذِي تُبكيه آيةٌ، ويهُزُّ مشاعرَه موقف.
أمَا علمت أن رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم كان أشد النّاس خوفا وأكثرهم بكاء، قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما: يا رسول اللـه شِبْتَ، فقال صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود وأخواتها: الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» وروى ابن النجار عن ابن عمر أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم سمع قارئا يقرأ ((إنّ لدينا أنكالا وجحيما)) فصعق صلى الله عليه وسلم أي أغمي عليه. وروي عنه أنه عندما كان صلى الله عليه وسلم يسير إِلَى مكة لفتحها وقد تدجج المسلمون بالسلاح، رأى قُبّرةً تطير فوق رأسِهِ وتصيح فبكى صلى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَن فجع هذِهِ بولدها، ردوُاْ عليها وليدها».

ولما نزل قوله تعالى: ((أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ولا تبكون)) بكى أهل الصُّفَّةِ حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول اللـه صلى الله عليه وسلم حسهم بكى معهم فبكى الصحابة كلهم ببكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يلجُ النَّار من بكى من خشية اللـه، ولا يدخل الجنَّة مُصِرٌّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء اللـه بقوم يذنبون فيغفر لهم»(6).

أمَا علمت أن عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مَعَ شدته فِي الحق وصلابته، وقوة بأسه، كانَ يخرُّ لسماع آية ويذرف الدموع عندما يُذَكَّرُ بالآخرة، وكان خاتمه قد كتب عليه (كفى بالْمَوْتِ واعظا يا عمر).
أمَا علمت أن أحد الصحابة قَالَ فِي أبي بكر الصديق: كنت إِذَا رأيته وهُوَ يعد الجيوش تظن أنّه لَمْ يتكل على اللـه أبداً، وكنت إِذَا رأيته وهُوَ يكثر مِن دعاء اللـه بالنصر وهُوَ يبتهل ويبكي، تقول: مَا أعدّ هذَا مِن عدة قط.
ألم تسمع قوله تعالى واصفا خير خلقه: ((محمد رَسولُ اللـه والذين مَعَهُ أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعا سُجَّدا يبتغون فضلا مِنَ اللـه ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وجوههم مِن أثر السجود ذَلِكَ مثلهم فِي التوراة ومثلهم فِي الإنجيل كزرع أخرج شَطْأَهُ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزُرَّاعَ ليغيظ بهم الكفار وعد اللـه الذين آمنوُاْ وعملوُاْ الصالحات مِنهم مغفرة وأجرا عظيما)).

أولئك هم القادة الذين أقاموُاْ الإسلام وجاهدوُاْ فِي سبيل اللـه حَتَّى لَقُوا ربهم، رهبان الليل فرسان النهار، قَالَ فيهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه واصفا: (واللـه لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانُوا يصبحون شُعْثاً غُبْراً، بينَ أعينهِم أمثالُ رُكَبِ المِعْزَى، قدْ باتوُاْ للـه سُجَّداً وقِياماً، يَتلونَ كِتابَ اللـه تعالى، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإِذَا أصبحوُا فذكروُا اللـه عز وجل، مادوُا كما يميد الشجر فِي يوم الريح، وهَمَلَتْ أعينهم حَتَّى تبل ثيابهم، واللـه لكأنّ القوم باتُوا غافلين).

قَالَ أبو عُبيدةَ الباجيّ: (دخلنا على الحسن فِي مرضه الَّذِي مات فيه فقَالَ: مرحباً بكم وأهلا، حياكم اللـه بالسلام وأحلّنا وإياكم دار المقام، إن صبرتم وصدقتم واتقيتم فلا يكن حظكم مِن هذَا الخبر رحمكم اللـه أن تسمعوه بهذِهِ الأذن وتخرجوه مِن هذِهِ الأذن، فإنّ مَن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد رآه غادياً ورائحاً لَمْ يضع لَبِنَةً على لَبِنَةٍ ولا قصبة على قصبة ولكن رفع لَهُ علم فشمر إليه، الوَحى الوَحى، النَّجَا النَّجَا، رحم اللـه عبداً جعل العيش عيشاً واحداً فأكل كِسرةً ولبس خِلقةً ولزِق بالأرضِ واجتهدَ فِي العبادة وبكى على الخطيئة وهربَ مِن العقوبة وابتغـى الرحـمـةَ حَتَّى يأتيهِ أجلُهُ وهُوَ على ذلكَ)(7).

إن الدُّنْيَا أيها الاخوة بمتاعها وفتنها تلهي المؤمِن مهما كانَ متاعها قليلا وفتنتها تافهة، وتشغله عَن آخِرتِه إن قبل هُوَ أن يلهى بها وينشغل بها عَن آخِرَتِه، قَالَ تعالى: ((اعلموُاْ أنّما الحياة الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فِي الأموال والأولاد كمَثَلِ غيثٍ أعجب الكفارَ نباته ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حُطاما وفي الآخِرَةِ عذاب شديد ومغفرة مِن اللـه ورضوان وما الحياة الدُّنْيَا إلا متاع الغرور. سابقوُاْ إِلَى مغفرة مِن ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمَنوُاْ باللـه ورسله ذَلِكَ فضل اللـه يؤتيه مَن يشاء واللـه ذو الفضل العظيم)).

وما الْمَوْتُ إلاّ الصاحب الصدوق الَّذِي يظل يذكّر المؤمِن بآخرتِهِ، وما دام المؤمِن يتذكر آخرتَهُ ويحسب حسابها فإنه إِلَى خير، وسيعيش حياته فِي رحاب تذكّر الآخِرَةِ والاستعداد لها، لذلك حثنا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم على تذكر الْمَوْتِ، والاستعداد لَهُ كما حثنا على زيارة القبور والسلام على أهلها فهي خير واعظ وخير مذكِّر.

عن أبي ذر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «زر القبور تذكر بها الآخِرَةَ، واغسل الْمَوْتَى فإنّ معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصلِّ على الجنائز لعل ذَلِكَ أن يحزنك فإنّ الحزين فِي ظل اللـه»(8).
وقَالَ ابن أبي مُلَيْكَةَ: قَالَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: «زوروُاْ موتاكم وسلموُاْ عليهم فإنّ لكم فيهم عبرة»(9).
ويروى عَن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كانَ إِذَا رأى جنازة قَالَ: امضوُاْ فإنّا على الأثر. وعن الضحاك قَالَ: قَالَ رجل: يا رَسولَ اللـه مَن أزهدُ النّاس؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ ينسَ القبرَ، وترك فضل زينة الدُّنْيَا، وآثر مَا يبقى على مَا يفنى، ولم يعدّ غداً مِن أيامه، وعدّ نفسه مِن أهل القبور».

ولنا فِي رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولنا فِي صحبه الكرام اهتداء ورشد، ولنا فيمَن سبقنا مِن الأخيار عبرة وعظة، فقد كانُوا يحرصون على تذكر الْمَوْتِ ليعينهم تذكره على الاستعداد للآخرة، وإِذَا جاءهم الْمَوْتُ وجدتهم بين باك على نفسه خوفاً ورهبة مِن عذاب اللـه، وبين محسن فِي اللـه أحسن الظن وراج مغفرته، وبين متهيئ كل التهيؤ ومستعد كل الاستعداد.

أما الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فقد ابتدأ استقباله للموت بالاستغفار لأهل القبور، وذلك فِي مرضه الَّذِي مات فيه، فعن أبي مُوَيْهِبَةَ مولى رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم قَالَ: (بعثنِي رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم مِن جوف الليل، فقَالَ لي: «يا أبا مُوَيْهِبَةَ إني قد أُمِرتُ أن استغفر لأهل البقيع، فانطلقْ معي» فانطلقتُ مَعَهُ، فلما وقف بين أظهرهم، قَالَ: «السلام عليكم أهل المقابر، لِيَهُنْ لكم مَا أصبحتم فيه مما أصبح النّاس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرُها أولَها والآخرة شر مِن الأولى» ثمّ أقبل عليّ فقَالَ: «يا أبا مُوَيْهِبَةَ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدُّنْيَا والخلد فيها، ثمّ الْجَنَّةَ، خيرت بين ذَلِكَ وبين لقاء ربي والْجَنَّةِ، فاخترت لقاء ربي والْجَنَّةَ» فقلت: بابي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدُّنْيَا والخلد فيها ثمّ الْجَنَّةَ، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لا واللـه يا أبا مُوَيْهِبَةَ، لقد اخترت لقاء اللـه والْجَنَّةَ» ثمّ استغفر لأهل البقيع ثمّ انصرف فبُدِئَ رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم بوجعه الَّذِي قُبِضَ فيه).

ولما اشتد به الوجع صلى الله عليه وسلم قَالَ للفضل وهُوَ معصوب الرأس مِن شدة الألم: «خذ بيدي يا فضل» فاخذ الفضل بيده حَتَّى جلس على المِنبر ثمّ قَالَ للفضل: «ناد فِي النّاس» فاجتمعوُاْ إليه، فحمد اللـه وصلى على أصحاب أحد، واستغفر لَهُم، واكثر الصلاة عليهم، ثمّ قَالَ: «أما بعد أيها النّاس، فإني احمد إليكم اللـه الَّذِي لا إله إلاّ هُوَ، وإنه قد دنا مِني حقوق بين أظهركم، فمَن كنتُ جلدت لَهُ ظهرا فهذا ظهري فَلْيَسْتَقِدْ مِنه، ومَن كنت شتمتُ لَهُ عرضا فهذا عرضي فَلْيَسْتَقِدْ مِنه، ألا وإنّ الشَّحْنَاءَ ليست مِن طبعي ولا مِن شأني، ألا وإنّ احبكم إليّ مَن اخذ مِني حقا إن كانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فلقيت اللـه وأنا أطيب النفس، وقد أرى أن هذَا غير مغن عني حَتَّى أقوم مرارا» ثمّ نزل صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، ثمّ رجع فجلس على المِنبر، فعاد لمقَالَته الأولى فِي الشَّحْنَاءِ وغيرها، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه، إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أعطه يا فضل»، ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أيها النّاس، مَن كانَ عنده شيء فليؤده، ولا يقل فَضُوحُ الدُّنْيَا، ألا وإنّ فَضُوحَ الدُّنْيَا ايسر مِن فَضُوحِ الآخِرَةِ»، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه عندي ثلاثة دراهم غللتها فِي سبيل اللـه، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ولِمَ غللتَها»، قَالَ الرجل: كنت إليها محتاجا، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «خذها مِنه يا فضل»، ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يا أيها النّاس، مَن خشي مِن نفسه شيئاً فليقم أَدْعُ لَهُ»، فقام رجل فقَالَ: يا رَسولَ اللـه، إني لكذاب، إني لفاحش، وإني لنؤوم، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزقه صدقا وايمانا، وأذْهِبَ عنه النوم إِذَا اراد»، ثمّ قام رجل فقَالَ: واللـه يا رَسولَ اللـه إني لكذاب وإني لمنافق وما مِن شيء إلا جنيته، فقام عُمَرُ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فقَالَ: فضحت نفسك أيها الرجل، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بن الخطاب فضوح الدُّنْيَا اهون مِن فضوح الآخِرَةِ، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وصير امره إِلَى خير» .
وأوصى صلى الله عليه وسلم بالانصار خيرا فقَالَ: «اما بعد يا معشر المهاجرين، إنكم قد اصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد، على هيئتها التي هي عليها اليوم، والأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموُاْ كريمهم، وتجاوزوُاْ عَن مسيئهم».
ثمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إن عبدا مِن عباد اللـه خيره اللـه بين أن يؤتيه مِن زهرة الدُّنْيَا مَا شاء، وبين مَا عند اللـه، فاختار مَا عند اللـه»، فبكى أبو بكر ثمّ قَالَ: فديناك بأنفسنا وبآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا يا رَسولَ اللـه.

فتعجب النّاس من فعل أبي بكر وقوله، وقَالَ بعضهم: انظروُاْ إِلَى هذَا الشيخ، يخبر رَسولُ اللـه عَن عبد يُخَيَّر، ويقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، وقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم رادّا على أبي بكر: «على رسلك يا أبا بكر، انظروُا هذِهِ الابواب اللافظة فِي المسجد فسدوها، إلاّ مَا كانَ مِن بيت أبي بكر فإن أمنّ النّاس عليّ فِي صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلاً مِن العباد لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صحبة وإخاء ايمان حَتَّى يجمع اللـه بيننا عنده».

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي اللـه عنها: (رأيت رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قَدَحٌ فيه ماء، فيدخل يده في القدح ثمّ يمسح وجهه بالماء ثمّ يقول: «لا إله إلا اللـه، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت»، ثمّ نصب إصبعه وجعل يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، ثمّ أشخص بصره بسقف البيت وقال، اللهم الرفيق الأعلى فقبض ومالت يده في الماء).
ولما احتُضِر أبو بكر الصديق رضي الله عنه جاءت عائشة فتمثلت بهذا البيت:
لَعَـمْـرُكَ مَا يُـغْـني الثَراءُ عَن الفتى
إِذَا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ
فكشف أبو بكر عَن وجهه وقَالَ: (ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي ((وجاءت سكرة الْمَوْتِ بالحق ذَلِكَ مَا كنت مِنه تحيد)) انظروا ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي احوج إِلَى الجديد مِن الميت).
ولـمـا قَـالَـت عـائـشـة رضي اللـه عنها عند موته تمدحه:
وأبيض يَستسقى الغَمامُ بوجهِه
ربيعُ اليتامى عصـمـةٌ للأرامـلِ
قَالَ أبو بكر: ذاك رَسـولُ اللـه صلى الله عليه وسلم، ثمّ دخل عَلَيْهِ الصحابة وقد رقّوُا لما يجده مِن أثر السـم فقَالَوُا لَهُ: ألا ندعـو لك طبيبنا ينظر إليك؟ فقَالَ أبو بكر: قد نظر الي طبيبي وقَالَ: إني فعال لما أريد، ودخل عَلَيْهِ سلمان الفارسي رضي الله عنه يعوده فقَالَ: يا أبا بكر أَوْصِنا، فقَالَ الصديق: إنّ اللـه فاتح عليكم الدُّنْيَا فلا تأخذنّ مِنها إلاّ بلاغك، واعلم أن مَن صـلى الصبح فهُوَ فِي ذمة اللـه فلا تخفرن اللـه فِي ذمته فيكبك فِي النار على وجهك.
ولما ثقل أبو بكر رضي الله عنه أرسل إِلَى عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فأوصاه بوصية عظيمة قَالَ فيها: (إنّي اوصيك بوصية، إن أنت قبلت عني: إنّ للـه عز وجل حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنّ للـه حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنّه لا يقبل النافلة حَتَّى تؤدى الفريضـة، وإنّما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه فِي الآخِرَةِ باتباعهم الحق فِي الدُّنْيَا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنّما خَفَّتْ موازينُ مَن خفت موازينه فِي الآخِرَةِ باتباعهم الباطل، وخفته عليهم فِي الدُّنْيَا، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا.
ألـم تـر أنّ اللـه أنـزل آيـة الـرجـاء عند آية الشـدة، وآية الشـدة عنـد آية الرجاء، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون العبد راغباً راهباً لا يلقي بيديه إِلَى التهلكة، ولا يتمَنى على اللـه غير الحق.
فإن أنت حفظت وصيتي هذِهِ، فلا يكونن غائب أحب إليك مِن الْمَوْتِ، ولا بدّ لك مِنه، وإن أنت ضيعت وصيتي هذِهِ فلا يكونَنَّ غائب ابغض إليك مِن الْمَوْتِ، ولا بدّ لك مِنه ولست تعجزه) وكان آخر مَا قَالَه قبل خروج روحه رضي الله عنه: ربّ ((توفني مسلما وألحقني بالصالحين)).

أما عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنه فقد خرج قبل موته بأربعة أيام يطوف فِي السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا كثيرا، فقَالَ عمر: وكم خراجك؟ قَالَ: درهمان فِي كل يوم، فقَالَ عمر: وأَيْشٍ صِنَاعَتُكَ؟ فقَالَ أبو لؤلؤة: نجار، نقاش، حداد، فقَالَ عمر: فما أرى خَراجَك بكثيرٍ علىَ مَا تصنعُ مِن الأعمال، قد بلغني انك تقول لو أردت أن اعمل رحا تطحن بالريح فعلت، قَالَ: نعم، فقَالَ عمر: فاعمل لي رحا، فقَالَ الكافر: لئن سلمت لأعملنَّ لك رحاً يتحدثُ بها مَن بالمشرق والمغربِ، ثمّ انصرفَ عنه فقَالَ عمر: لقد توعدني العبد آنفا.
ثمّ انصرف عمر إِلَى مَنزله، فلما كانَ مِن الغد جاءه كعب الاحبار فقَالَ لَهُ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ: اعهد، فإنك ميت فِي ثلاثة أيام، فقَالَ عمر: وما يدريك؟ فقَالَ كعب: أجده فِي التوراة، فقَالَ عمر: ءآللـه إنك لتجد عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ فِي التوراة؟ فقَالَ كعب: اللهم لا، ولكني اجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى اجلك، فلما كانَ مِن الغد جاءه كعب فقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ ذَهَبَ يوم وبقي يومان، ثمّ جاءه مِن غد الغد فقَالَ: ذَهَبَ يومان وبقي يوم وليلة، وهي تلك الليلة إِلَى صبحتها، فلما كانَ الصبح خرج عمر إِلَى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا فإِذَا استوت جاء هُوَ فكبر، ودخل أبو لؤلؤة عَلَيْهِ لعنة اللـه فِي النّاس، وفي يده خنجر لَهُ رأسان نصابه فِي وسطه فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته، وهيَ التي قتلتهُ، وطار العلج لا يمر على أحد يمينا أَوْ شمالا إلاّ طعنه حَتَّى طعن ثلاثة عشر رجلاً فمات مِنهم تسعة، فلما رأى ذَلِكَ رجل مِن المسلمين طرح عَلَيْهِ برنسا فلما ظن العلج أنّه مأخوذ نحر نفسه.
أما عمر رضي الله عنه فإنه لما وجد حرّ السلاح سقط وقَالَ: أفي النّاس عبد الرحمن بن عوف؟ قَالَوُاْ نعم يا أمير الْمُؤْمِنِينَ هُوَ ذا، فقَالَ لَهُ عمر: تقدم فصل بالناس، فصلى عبد الرحمن بالناس وعمر طريح بجانبه، وكان الذي يلي عمر قد رأى مَا حصل، أما الذين في نواحي المسجد فلا يدرون مَا الأمر، غير أنَّهم فقدوُاْ صوت عمر فظلوُاْ يقولون: سبحان اللـه سبحان اللـه، فصلى عبد الرحمن بن عوف فيهم صلاة خفيفة، ثمّ احتُمِل أمير الْمُؤْمِنِينَ فأدخِل داره وقَالَ: يا ابن العباس انظرْ مَن قَتَلَني، فَغابَ عبدُ اللـه ساعةً ثمّ رجع فقَالَ: غلام المغيرة بن شعبة، فقَالَ عمر: قاتله اللـه، لقد كنت امرت به معروفا، ثمّ قَالَ: الحمد للـه الَّذِي لَمْ يجعل منيتي بيد رجل مسلم سجد للـه سجدة واحدة. وكان النّاس يومئذ كأن لَمْ تصيبهم مصيبة مِن قبل، فقائل يقول لا بأس عَلَيْهِ وقائل يقول أخاف عَلَيْهِ، وجاؤوه بنبيذ فشرب مِنه فخرج مِن جوفه مشكلا، ثمّ أتي بلبن فشرب مِنه فخرج مِن جوفه فعرفوُاْ أنّه ميت.
وبدأ الـمـهـاجـرون والأنصـار يدخلون عَلَيْهِ ليسلموُاْ ويودعوُاْ فدخل عَلَيْهِ مِن بينهم كعب الاحبار فلما رآه عمـر تذكر مقولته الآنفة فأنشد عمر قائلا:
فأوعـدني كـعـبٌ ثلاثـاً أعـدها
ولا شك أن القول مَا قَالَ لي كعبُ
وما بي حذار الْمَوْتِ إني لميت
ولكـن حـذار الذنب يـتـبـعـه الذنبُ
وكان ممَّن دخل عَلَيْهِ شاب من المسلمين فقَالَ لَهُ: أبشر يا أمير الْمُؤْمِنِينَ ببشرى مِن اللـه عز وجل، قد كانَ لك صحبة مِن رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم وقدم فِي الإسلام مَا قد علمت، ثمّ وليت فعدلت ثمّ شهادة، فقَالَ: أمير الْمُؤْمِنِينَ: وددت أنّ ذَلِكَ كان كفافاً لا لي ولا عليّ، فلما أدبر الرجل إِذَا إزاره يمس الأرض فقَالَ عمر: ردوُاْ علي الغلام، فقَالَ لَهُ: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
ولما دخل عَلَيْهِ عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه رآه يبكي فقَالَ: مَا يبكيك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، فقَالَ عمر: ابكاني خبر السماء، أيُذْهَبُ بي إِلَى الجنَّة أم الي النَّار، فقَالَ علي: أبشر بالْجَنَّةِ، فإني سمعت رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم يقول: «سيدا كهول أهل الجنَّة أبو بكر وعمر وأنعما» فقَالَ عمر: أشاهد أنت لـي يا عليّ بالجنّة؟ فقَالَ عليّ نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك أن رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم قَالَ: إن عمر مِن أهل الجنَّة.
ولما دخل عَلَيْهِ عبد اللـه بن عباس قَالَ لَهُ: أبشر يا أمير الْمُؤْمِنِينَ بالْجَنَّةِ، صاحبت رَسولَ اللـه، فأطلت صحبته، ووليت أمر الْمُؤْمِنِينَ فقويت وأديت الامانة، ومَصَّرَ اللـه بك الامصار، ودفع بك النفاق، وأفشى بك الرزق، فقَالَ عمر: أما تبشيرك لي بالْجَنَّةِ فواللـه الَّذِي لا إله إلاّ هُوَ، لو أنّ لي الدُّنْيَا وما فيها لافتديت به مِن هول مَا أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك فِي إمرة الْمُؤْمِنِينَ، فواللـه لوددت أني خرجت مِنها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر، وأما مَا ذكرت مِن صحبة رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم فذاك - أيّ فـذاكَ مَا أرجـوهُ. ثـمّ قَـالَ رضي الله عنه: أجلسوني، فلما جلس قَالَ لابن عباس رضي اللـه عنهما: أعد عليّ كلامك، فلما أعاده عَلَيْهِ قَالَ عمر: أتشهد بذلك عند اللـه يوم تلقاه، فقَالَ ابن عباس: نعم ففرح عمر بذلك.وهُوَ القائل رضي الله عنه: (لو نادى مناد فِي السماء: يا أيها النّاس إنكم داخلون الجنَّة كلكم إلاّ رجـلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هُوَ، ولو نادى مناد: أيها النّاس، إنكم داخلون النَّار إلاّ رجلا واحدا لرجوت
أن أكون أنا هُوَ).
ولما حانت وفاته رضي الله عنه قال لابنه: يا بني إذا حضرتني الوفاة فاحرفني واجعل يدك اليمنى على جبيني ويدك اليسرى على ذَقَني، فإذا قبضت فأغمضني، واقصدوا في كفني فإنه إن يكن لي عند اللـه خيرا أبدلني خيرا منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فاسرع سلبي، ولا تخرجن معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في، فإن اللـه هو أعلم بي، وإذا خرجتم بي فأسرعوا في المشي، فإنه إن يكن عند اللـه خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد القيتم عن رقابكم شرا تحملونه، ثمّ قال رضي الله عنه: ألصق خدي بالأرض، وكان رأسه في حجر عبد اللـه بن عمر، فوضع عبد اللـه رأس عمر على ساقه وقال: وما عليك إن كانَ فِي حجري أم على الأرض؟ فقَالَ عمر: ضع خدي على الأرض لا أم لك، ففعل عبد اللـه، فلما التصق خد عمر ولحيته بالارض قال رضي الله عنه: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر اللـه لك يا عمر، ثمّ قبض رضي الله عنه.

أما ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنه لما حصر في بيته، وكان صائما، أراد الإفطار فسأل محاصريه الماء العذب ليفطر فأبوا عليه وقالوا له: دونك ذلك الركي فافطر منه والركي ما تجمع فيه القمامة، فلم يفطر عثمان فذهبت امرأته نائلة بنت القرافصة لتبحث عن الماء، فوجدت أناسا سألتهم عن الماء العذب فأعطوها كوزا من ماء فجاءت عثمان وقد أذن الفجر بالطلوع فقالت له: هذا ماء عذب أتيتك به، فنظر رضي الله عنه فإذا الفجر قد طلع، فقال: إني أصبحت صائما، فقالت: ومن أين أكلت، ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول اللـه صلى الله عليه وسلم اطلع عَلَيّ من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال ياعثمان حصروك فقلت: نعم، قال: عطشوك؟ فقلت: نعم، فأدلى بالدلو وقال: اشرب يا عثمان فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي وكتفي، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: ازدد، فشربت حتى نهلت، ثمّ قال: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن شئت قاتلتهم فظفرت ونصرت عليهم، وإن شئت تركتهم فأفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده.
ودخل عليه كثير بن الصلت فقال له: ما أراني يا كثير إلا مقتولا يومي هذا، فقال كثير: ينصرك اللـه على عدوك يا أمير المؤمنين، أوقت لك في هذا اليوم شيء أو قيل لك شيء؟ فقال عثمان: لا، ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان وقت السحر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، ورسول اللـه صلى الله عليه وسلم يقول لي: يا عثمان لا تحبسنا، فإنا ننتظرك، فقتل في يومه ذاك.
ولما قُتِلَ رضي الله عنه عنه فتشوا في خزانته فوجدوا حقة فيها ورقة مكتوب فيها: (هذه وصية عثمان، بسم اللـه الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنَّة حق، وأن النَّار حق، وأن اللـه يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن اللـه لا يخلف الميعاد، عليها نحيا وعليها نموت، وعليها نبعث إن شاء اللـه).

وروي أنه لما كانت الليلة التي أصيب فيها عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه أتاه ابن السياج حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهُوَ مضطجع متثاقل، فعاد إليه الثانية وهُوَ كذلك، ثمّ عاد الثالثة فقام علي يمشي وهُوَ يقول:
شدّ حيازيمك للموتِ فإن الْمَوْتَ لاقيك
ولا تجزع مِن الْمَوْتِ وإن حــلّ بـنـاديــك
فلما بلغ الباب الصغير شد عَلَيْهِ عبد الرحمن بن ملجم فضربه فقَالَ علي: فزت ورب الكعبة، ولما حملوه قَالَ: مَا فُعل بضاربي؟ قَالَوُاْ: أخذناه، قَالَ: (أطعموه مِن طعامي، واسقوه مِن شرابي فإن انا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.
ثمّ أوصـى الحسـن أن يغسله وقَالَ: لا تُغالِ فِي الكفن، فإني سمعت رَسولَ اللـه صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغالوُا فِي الكفن فإنّه يسلب سلباً سريعاً، امشوُا بي المشيتين لا تسرعوُا بي، ولا تبطئوُا فإن كانَ خيرا عجلتموني إليه، وإن كانَ شرا ألقيتموني عَن أكتافكم).

ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه قَالَ: (انظروُاْ هل أصبحنا؟ فقيل: لَمْ نصبح، فظل يسألهم حَتَّى أتى الصبح فقيل لَهُ: قد أصبحنا، فقَالَ: أعوذ باللـه مِن ليلة صباحها إِلَى النار، ثمّ قَالَ: مرحبا بالْمَوْتِ زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنّى لَمْ اكن احب الدُّنْيَا وطول البقاء فيها لكريِ(10) الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر).

ولما حـضـرت بلالاً رضي الله عنه الوفـاة قَالَت امرأته: واحزناه فقَالَ: (بل واطرباه، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه).

أما أم المؤمنين عائشة رضي اللـه عنها فقد دخل عليها عبد اللـه بن عباس رضي الله عنه قبل موتها فأثنى عليها وقال: أبشري زوجة رسول اللـه، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء، فدخل عليها ابن الزبير رضي اللـه عنهما خلافه فقالت: أثنى علي عبد اللـه بن عباس ولم اكن احب أن اسمع احدا اليـوم يثني علي، لوددت اني كنت نسيا منسيا.

وقَالَ أبو مسـلم: جـئت أبا الدرداء رضي الله عنه وهُوَ يـجـود بنـفسه ويقول: (ألا رجل يعمل لـمـثـل مصـرعـي هذَا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذَا؟ ألا رجـل يعـمل لمثل ساعتي هذِهِ؟) ثمّ قُبض رحمه اللـه.

وبكى سلمان الفارسي عند موته، فقيل لَهُ مَا يبكيك؟ فقَالَ: (عهد إلينا رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذِهِ الأزواد) وقيل: إنّما كانَ حوله إجانة وجفنة ومطهرة مَا قيمته بضعة عشر درهما.

وبكى أبو هـريـرة رضي الله عنه قـبـل وفـاتـه فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي لبعد سفري وقلة زادي، أصبحت في صعود مهبطة على جنة ونار فلا أدري إلى أيهما يسلك بي(11).

وروى المزني قَالَ: دخلت على الشافعي فِي مرضه الَّذِي مات فيه فقلت لَهُ: كيف أصبحت؟ قَالَ: (أصبحت مِن الدُّنْيَا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى اللـه وارداً، ولا أدري أروحي تصير إِلَى الْجَنَّةِ فأهنئها، أم إِلَى النار فأعزيها) ثمّ أنشأ يقول:
ولمّا قسـا قلـبـِي وضـاقـتْ مذاهـبي جعلتُ الرجا مِنِّي بعفوِكَ سُلَّما
تعـا ظــمـنـي ذنْـبِـي فلـمّـا قَــرَنْــتُـه بعفوك ربِّي كانَ عفوُكَ أَعْـظَما
وما زلتَ ذا عفوٍ عَن الذنب لَمْ تزل تـجــودُ وتـعـفـو مِــنـَّــةً وتَـكَــرُّما

ولما ثقل الحسن بن علي رضي الله عنه دخل عَلَيْهِ الحسين رضي الله عنه فقَالَ: يا أخي لأي شيء تجزع؟ تُقدم على رَسولِ اللـه صلى الله عليه وسلم وعلى عليّ بن أبي طالب وهما أبواك وعلى خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد وهما أماك وعلى حمزة وجعفر وهما عمّاك! فقَالَ الحسن: أقدم يا أخي على أمر لَمْ أقدم على مثله.

وروي أنه لما ثقل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه دعي لَهُ بطبيب فلما نظر إليه قَالَ: أرى أن الرجل قد سُقي السم ولا آمن عَلَيْهِ الْمَوْتَ، فرفع عمر بصره وقَالَ للطبيب: ولا تأمَن الْمَوْتَ أيضاً على مَن لَمْ يُسقَ السُّم! فقَالَ الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ؟ فقَالَ عمر: نعم قد عرفت ذَلِكَ حين وقع فِي بطني، فقَالَ الطبيب: فتعالج
يا أمير الْمُؤْمِنِينَ فإني أخاف أن تذْهَبَ نفسك، فقَالَ عمر: ربي خير مذهوب إليه، واللـه لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني مَا رفعت يدي إِلَى أذني فتناولته، ولما حضرته الوفاة بكى فقيل لَهُ: مَا يبكيك يا أمير الْمُؤْمِنِينَ؟ أبشر فقد أحيا اللـه بك سننا وأظهر بك عدلا! فبكى ثمّ قَالَ: أليس أوقف فأُسْأَلُ عَن أمر هذَا الخلق، فواللـه لو عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي اللـه إلاّ أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما ضيّعنا؟ وفاضت عيناه ثمّ قَالَ: أجلسوني! فأجلسوه فقَالَ: أنا الَّذِي أمرتَني فقصرتُ ونهيتَني فعصيتُ - قَالَها ثلاث مرات - ثمّ قَالَ: ولكن لا اله إلاّ اللـه ثمّ رفع رأسه فأحدَّ النظر فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فقَالَ: إني لأرى خضرة، مَا هم بإنس ولا جنّ ثمّ قبض رحمه اللـه.

وحُكيَ عَن هارونَ الرشيدِ أنَّه انتقى أكفانَه بيدِه عندَ الْمَوْتِ، وكانَ ينظرُ إليها ويقولُ: ((مَا أغْنَى عني مالِيَه . هلك عني سلطانيه)).
وقيل فتح عبد اللـه بن المبارك عينيه عند الوفاة وضحك وقَالَ ]لمثل هذَا فليعمل العاملون[ ثمّ قبضت روحه.

كما رُوِيَ عَن حذيفة أنّه لما حضرته الوفاة قَالَ: (حبيب جاء على فاقة، لا افلح مَن ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر احب إليّ مِن الغنى، والسقم احب إِلَى مِن الصحة، والْمَوْتَ احب إِلَى مِن العيش، فسهل علي الْمَوْتَ حَتَّى ألقاك).

هذِهِ مواقفهم، وهذِهِ محاسبتهم لانفسهم، عاشوا في رحاب اللـه تعالى، ساروا على منهجه، واتبعوا رسوله، وظلوا يحاسبون أنفسهم ويراقبونها على كل صغيرة وكبيرة، حتى إذا جاء الموت احدهم تخاله عاصيا لم يطع اللـه في حياته، وذلك من شدة خوفهم من اللـه تعالى وشدة رجائهم بمغفرته، هَكَذَا يجب أن يكون المؤمِن الحق، رقيبا حسيبا على نفسه، فيلحقها قبل أن يفوت العمر، فلا فائدة للندم، ولا قيمة للحسرة.

إنكم يا حملة الدعوة، فِي شغل عظيم، ففي الوقت الَّذِي انصرف فيه النّاس إِلَى دنياهم انشغلتم أنتم بأخـراكم، وفي الوقت الَّذِي قل فيه العاملون، أخذتم أنتم على عاتقكم عبء النبوة، فسرتم لتحقيق مَا لَمْ يحققه مِن البشر غيركم إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وأحـباؤه وإن كانَ صحابته قد فضلوُاْ بالصحبة عليكم، فإنكم قد فضلتم على غيركم بالعمل لاعادة الإسلام دين اللـه وخاتم الرسالات إِلَى الأرض، لترضوُا بذلك ربكم، وتتبعوُاْ فيه نبيكم.

فاهنأوا إخوة الإسلام والدعوة بما أنتم فيه، وكونوُا حقا قوامين على أنفسكم وعلى بعضكم بما تحملون بين جنباتكم مِن مَنهج عظيم، وإرادة جبارة، وصبر وتحمل ينوء بالجبال الراسيات.

لعمري إنها أمانة، فإن تعاهدناها وقمنا بها خير قيام، فعسى ان نكون مِن إخوان الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الذين قَـالَ فيـهـم: «ليتني أرى إخواني وردوُا عليّ الحوض فأستقبلهم بالآنية فيها الشراب فأسقيهم مِن حوضي قبل أن يدخلوُا الجنَّة قَالَوُا»: أوَلسنا إخوانك؟ قَالَ:«لا، بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوُاْ بي ولم يروني، أنا لَهُم بالاشواق».

وعسى أن تكون كتلتكم من الذين قَالَ فيهم رَسولُ اللـه صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة، إن فِي كل طائفة مِن أمتي قوما شُعْثاً غُبْراً إياي يريدون وإياي يتبعون، ويقيمون كتاب اللـه، أولئك مِني وأنا مِنهم وإن لَمْ يروني». وقوله صلى الله عليه وسلم: «أوحى اللـه إِلَى موسى بن عمران أنّ فِي أمّة محمد لرجالا يقومون على كل شرف وواد ينادون بشهادة أن لا إله إلاّ اللـه، جزاؤهم عَلَىَّ جزاء الأنبياء».

اللهم أنت تعلم اننا مَا قلنا هذا إلاّ تلبية لامرك وما تذاكرنا لقاك إلا خوفا مِنك وما دعوناك إلا رغبة برضاك، فاجعل ذَلِكَ فِي ميزاننا يوم توزن الأعمال، وثبتنا على دينك والعمل برسالة نبيك وحبيبك حَتَّى نلقاك، وأعنا على فتن الدُّنْيَا، ولا تبتلينا فتفضحنا وإن ابتليتنا فثبتنا. والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الهـوامـش:
(1) رواه البخاري.
(2) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن.
(3) أخرجه البيهقي في الشعب.
(4) أخرجه ابن ماجه مـخـتصـراً وابن أبي الدنيا بكماله بإسناد جيد.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك.
(6) أخرجه البيهقي.
(7) أخرجه ابن حبان في الثقات وأبو نعيم في الحلية.
(8) أخرجه ابن أبي الدنيا والحاكم بإسناد جيد.
(9) أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلاً وإسناده جيد.
(10) أي لحفر الأنهار.
(11) أخـرجـه ابـن سـعـد عـن مـسـلـم بـن بـشـر وأبو نعيم في الحلية.

الفرعونية: قسمات وملامح



ليست الفرعونية فترة من فترات التاريخ ولا هي مقتصرة على جنس من البشر أو قومية معينة ، وإنما هي حالة شيطانية تعتري الإنسان في كل مراحل التاريخ منذ أن خلق الله آدم وأنزله الى الأرض حتى تقوم الساعة. والفرعون سخصية لها عقلية مميزة ونفسية محددة قد تجتمع كلها في شخص واحد أو في ملأ أو في نظام ، وقد توجد لها بعض الملامح في بعض الناس ، وحتى المسلمين منهم قد يظهر فيهم بعض ملامح هذه الشخصية.
والقرآن قد أورد لنا الكثير عن ملامح هذه الشخصية وقسماتها مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه ، وهذا ما يجعلنا نقتصر على عرض ما يتيسر لنا عرضه من هذه الملامح. إن لفرعون أساليب خبيثة كثيرة في مواجهة الحق وفي إسكات دعاته، فمن هذه الأساليب تزييف المقاييس، لأن الأساس في تكوين القناعة هو المقياس الذي يجب أن تقاس به الأفكار ،ومقياس الحقيقة هو إنطباقها على الواقع ، فإذا انطبق الفكر على الواقع كان حقيقة ، فمعرفة الحق تكون بالتفكير بذات الأفكار المعروضة ومطابقتها على الواقع ، فإذا انطبقت عليه كانت حقيقة وإن لم تنطبق لم تكن حقيقة ، ولكن الفراعنة يحاولون صرف الناس عن طريقة التفكير السليمة ﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين ﴾ (القصص :36) فيحاولون تزييف المقياس وجعله محصوراً فيما ورد عن الآباء ، فما لم يرد عن الآباء فليس حقيقة ، مع أن الحقائق لا تؤخذ هكذا ولا تقاس بهذا المقياس ، فالحقيقة هي ما طابق الواقع وليست ما ورد عن الآباء أو عن الشيخ أو عن المسؤول الفلاني ، ولكن الفراعنة يزيفون الحقائق ويقلبون المقاييس.
ومن الأساليب الفرعونية التنكيل بحملة الحق وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وممارسة أساليب البطش والقمع معهم ﴿ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا أقتلوا ابناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ، وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه. إني أخاف أن يبدل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد ﴾ غافر (:25-26 ) ولكنه قَبلَ ان يبطش به أو أن يسفك الدماء يقوم بتغطية إعلامية في محاولة لكسب الرأي العام بحجة الحرص على الناس وعلى النظام الذي يتحكم في المجتمع وبحجة أن موسى يظهر في الأرض الفساد. وهنا لا بد من الوقوف قليلاً لنسأل سؤالاً مهما : ترى لماذا يبرر فرعون عمله ولماذا يخاطب الرأي العام ويسترضيه مع أنه هو الذي قال : ﴿ أنا ربكم الأعلى﴾وهو الذي قال : ﴿ ما علمت لكم من إله غيري﴾ ؟ فرعون بكل طغيانه وكبريائه يقف امام الرأي العام يطلب منه رخصة في قتل موسى؟!! لا شك ان فرعون يدرك أهمية الرأي العام وخطورته ، ويعرف ان للمجتمع أفكاراً عامة ومشاعر عامة ، فيحاول التأثير على هذه الافكار الجماعية حتى تبقى بجانبه وحتى لا ينقلب الراي العام ضده فينقبلب كل شيء ويخسر بالتالي كل شيء. وفراعنة اليوم لا يختلفون عن فراعنة الامس ، فهم لا ينكلون بالدعاة ولا يستخدمون وحشيتهم إلا بعد أن يقوموا بتغطية إعلامية فيبررون جرائمهم وسفكهم لدماء حملة الدعوة بحجة أنهم إرهابيون ومتعصبون ومتطرفون وأصوليون ، وبأنهم متآمرون على النظام ويريدون تغييره بقوة السلاح وكأن هؤلاء الطواغيت تربعوا على عروشهم بمبايعة الشعوب ورضاها.
ومن الأساليب الفرعونية تعطيل عقول الاتباع ومنعهم من التفكير بحجة أن هناك من يفكر عنهم ﴿قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ (غافر:26) ففرعون لا يملك الحجة التي يبطل بها حجة المؤمن حتى يقدمها لأتباعه.فلا يجد أمامه إلا أن يقول لهم : (لا تفكروا فأنا الذي يفكر. وقد فكرت فرأيت أن موسى مفسداً في الارض وأن سبيلي هي سبيل الرشاد) وهكذا يحاول فرعون تعطيل العقول حتى لا تدرك الحقائق. ورغم ان اسلوب ((ما أريكم إلا ما أرى)) هو أسلوب فرعوني قديم ولكنه لا يزال يتجدد في كل يوم ، فالآباء الذين يمنعون أبنائهم من العمل لإقامة شرع الله أو يضيقون عليهم بحجة أنهم قد جربوا قبلهم وأنهم يرون ما لا يرى الأبناء دون أن يقدموا لهم برهاناً على أن عملهم خاطىء ، هؤلاء الآباء ـ رغم أنهم مسلمون صادقون في إيمانهم ـ لكنهم مقلدون لفرعون في إعتمادهم هذا الأسلوب ، وقادة الأحزاب والحركات الذين يمنعون أتباعهم من التفكير في مواقف الحركة وأفكارها ، ويمنعونهم من التفكير في مناقشتها بحجة أن المسؤول يعلم ما لا يعلمون. هؤلاء القادة هم مقلدون لفرعون ، وكذلك الحركات الإسلامية التي تحقق طريقها بوضوح ولا تتبنى خطأً معيناً واضحاً توضحه لأتباعها وينحصر التفكير لديها في القادة دون العناصر وفي الأشخاص لا في الأفكار ، فعدم التبني الشرعي يقطع التفكير أمام تفكير العناصر وأمام مناقشتهم للقيادة ومحاسبتهم لها ، مع أن الله سبحانه يقول : ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن إتبعني﴾ (يوسف :108) فالسبيل يجب أن تكون واضحة يشار عليها عن كثب ويوضع الإصبع على كل خطوة من خطواتها لان لفظه ﴿هذه﴾ تفيد الإشارة عن قرب. والبصيرة مطلوبة من القادة ومن الأتباع ﴿على بصيرة أنا ومن إتبعني﴾ وشعار ((ما أريكم إلا ما أرى)) لا يجوز ان يعتمده قادة الحركات ولا الآباء ولا أي مسلم من المسلمين.
وحين نقرأفي سورة الشعراء الحوار المصيري الذي جرى بين موسى وفرعون يتجلى لنا بوضوح أسلوب الفراعنة وأسلوب حملة الحق. يبدأ الحوار من جانب موسى وأخيه هارون بقولهما لفرعون: ﴿أنا رسول رب العالمين* أن أرسل معنا بني إسرائيل﴾ وهنا يتجاهل فرعون مضمون الكلام ، ويرد على موسى محاولاً التأثير على شخصه وصرفه عن الموضوع : ﴿الم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ فهو يحاول أن يؤثر على مشاعر موسى بتذكيره بنعم فرعون عليه وكأن المسألة مساومة شخصية بين موسى وفرعون وليست مسألة حق و باطل ، ثم يحاول أن يجر موسى إلى نقاش عقيم حول شخصيته بتذكيره أنه قتل نفساً من قبل ، ليجعله ينشغل بالدفاع عن نفسه فيتأكد للملأ أن هذا ليس حامل حق ودعوة ، وإنما هو شخص يدور حول نفسه همه أن يحظى بقبول الناس، وأن دعوته هي لإظهار نفسه لا غير، وهكذا دائماً يحاول من يريد طمس الحقائق أن يشغل الدعاة بالدفاع عن شخصيتهم وبالدوران حول أنفسهم ، ولكن الدعوة حين تتجسد في شخص تجعله يتمحور حولها ويدور في فلكها دون أن يهتم لما يقال عنه او يمس شخصيته، فالمهم أن تسلم دعوته ولتكن شخصيته الوقود الدافع لحركة الدعوة﴿ قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين * ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ نعم لقد فعلت ما فعلت ولم آت إلى هنا لأدافع عن نفسي أو لأدعوكم إلى الإعجاب بشخصيتي وإنما آت لأدعوكم إلى رب العالمين. وهنا تسقط الورقة الأولى من يد فرعون، ويجد أن لا مناص له من التورط في خوض الحوار الفكري ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ فيجيبه موسى بوضوح ﴿ رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ فيقاطعه فرعون قائلاً لمن حوله ﴿ألا تستمعون﴾؟ الم تسمعوا بآذانكم هذا المنكر العجيب؟ ورغم أن كلام موسى كله حق.ولكن دهشة فرعون وإستهجانه الشديد يوحيان إلى الناس أن الأمر لا يحتاج إلى تفكير وأن بطلان كلام موسى واضح أشد الوضوح. وذلك من أجل أن يجعلهم يستهجنون الأمر قبل أن يفكروا فيه، لأنه يعلم أنهم إن فكروا فسيدركون الحقيقة. وهكذا يفعل دائماً المدلسون حين يعرضون كلام أهل الحق بطريقة تجعل المشاعر تتحرك قبل العقول فتطغى عليها وتعطلها ، ولكن موسى لا يعبأ بأساليب فرعون بل يتابع شرح أفكاره للملأ ﴿قال ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ فيقاطعه فرعون مجدداً بأساليبه الغوغائية ﴿قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ ولكن موسى يتابع شرح أفكاره بهدوء على طريقة رسم الخط المستقيم أمام الخط العوج ﴿قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾. وهنا تسقط لورقة الثانية من يد فرعون ويجد أنه قد هزم أمام موسى فكرياً ، فيكشر عن أنيابه ، ويلجأ إلى قوته المادية مهدداً موسى بزنزاناته الغاشمة ﴿ قال لئن إتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ وهنا يبدأ موسى بتقديم آياته وبيناته. فيزداد إرتباك فرعون وحاشيته ، ويقررون أن يجمعوا كل ساحر عليم﴿ فجمع السحرة لميقات يوم معلوم* وقيل للناس هل أنتم مجتمعون* لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾ فنتأمل في إعلام فرعون ! إنه يتجاهل أمر موسى ويركز إنتباه الناس على السحرة ﴿لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾. وهكذا يحاول إعلام الفراعنة أن يعتم على إعلام حملة الحق. ويجتمع الناس وتحصل المبارزة ، ويقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه، ويخر السحرة ساجدين مؤمنين ، ويهددهم فرعون -كعادته – بالبطش والتنكيل ﴿قال آمنتم له قبل أن آذن لكم* إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون* لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين﴾ فهو ينكر عليهم إيمانهم قبل أن ياذن لهم أي بدون ترخيص منه ، تماماً كما ينكر فراعنة اليوم على العاملين للإسلام عملهم بدون ترخيص ويعتبرونهم خارجين على القانون، وكأن أمر الله أصبح بحاجة إلى ترخيص أو إذن أو موافقة منهم للقوانين!!ومن العجيب أن نجد بعض الحركات الإسلامية تلهث وراء ترخيص من الطواغيت ، وتعلن بلا خجل أنها تعمل ضمن القنوات القانونية وأنها تطالب أن تشارك في اللعبة الديمقراطية؟! فهل طلب موسى والسحرة المؤمنون من فرعون ان يرخص لهم أم أنهم آمنوا قبل أن ياذن لهم؟ وهل آثروا السلامة وأخلدوا إلى الواقع وخنعوا للظروف أم أنهم قالوا ﴿لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾فليتق الله كل من يلهث وراء أنظمة الكفر والعمالة يطلب منهم إذناً أو ترخيصاً له في العمل للإسلام ، وليتق الله كل من ينتظر من قانون الفراعنة أن يترك له ثغرات تمكنه من العمل لإقامة حكم الله في الأرض ، ولنقل جميعاً للفراعنة ولقوانينهم ﴿لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾.
وهناك ملاحظة أخيرة ومهمة لا بد من تركيز الإنتباه عليها ، وهي طريقة موسى عليه السلام في التغيير , فنلاحظ ان الحوار بين موسى و فرعون لم يكن حواراً فردياً مجرداً, بمعنى انه لم يكن همُّ موسى فقط ان يقنع فرعون و لم يكن همُّ فرعون فقط إقناع موسى , و إنما كان حواراً فكرياً سياسياً يحاول كل طرف من اطرافه ان يكسب الرأي العام إلى جانبه , موسى يتوجه الى الرأي العام قائلاً له : ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ و فرعون يحاول ان يثير هذا الرأي العام ضد موسى ليكسبه الى جانبه قائلاً: ﴿ألا تستمعون﴾ ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾. و هكذا فموسى لم يبدأ بإصلاح الأفراد فرداً فرداً,حتى و ان قام بالدعوة الفردية فأن القرآن لا يحدثنا عن هذه الدعوة لانها عمل جزئي لا علاقة له بتغيير المجتمعات. و بما ان الموضوع يدور حول سنن التغيير و طريق الدعوة الأساسي , لذلك نجد القرآن يعرض لنا الدعوة الفكرية السياسية التي تخاطب المجتمع بأفكاره و مشاعره,والتي تتحدى رموز الكفر فيه ، الذين يمثلون الجدار الواقي للمفاهيم الجماعية والحصن الحصين لنظام المجتمع الفاسد.
وهذه هي سنة الله في التغيير، فالقرآن حين يحدثنا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نجده لا يحدثنا عن أعمالهم الفردية وعن دعوتهم للأفراد، وإنما يحدثنا عن أعمالهم الجماعية السياسية، وعن صراعهم مع المجتمع ومع أعرافه ومفاهيمه ورموز الفساد فيه. فإصلاح الفرد مطلوب ولكنه ليس طريقة في تغيير المجتمعات ، لأن المجتمعات لا تتغير إلا بتغيير مفاهيمها ونظامها، فلو قمنا بإصلاح أحد الأفراد فإن صلاح هذا الفرد لا يؤثر مطلقاً على تغيير المجتمع إلا إذا قام هذا الفرد بالعمل لتغيير المفاهيم الجماعية والنظام الذي ينبثق عنها، هنا فقط يكون إصلاح هذا الفرد مؤثراً. فلو أصلحنا آلاف الأفراد دون أن يسعى أي واحد منهم لتغيير المفاهيم و النظام في المجتمع , فإن هذا الإصلاح لا قيمة له مطلقاً في عملية تغيير المجتمع بينما إصلاح فرد واحد يعمل لتغيير المفاهيم و النظام أفعل من اصلاح آلاف الأفراد الذين لا يعملون للتغيير. فالعبرة بتغيير مفاهيم المجتمع و نظامه و ليست بتغيير أفراده , و لذلك قلما نجد القرآن يحدثنا عن عمل الأنبياء الفردي و عن كيفية إصلاحهم للأفراد بينما نجده يستفيض في حديثه عن عملهم السياسي و عن مخاطبتهم للمجتمع مخاطبة جماعية تنقض الأسس التي يقوم عليها و تهدمها لتضع مكانها أسساً صالحة وفق أوامر ألله و نواهيه ﴿والى عاد أخاهم هوداً ، قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم الا مفترون ﴾ (هود:50) خطاب للجميع ونقض لعقيدته ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إلهٍِ غيره ﴾ (هود:6) خطاب للقوم بمجموعهم وليس لفرد منهم﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ، ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين﴾ (هود:84-85) خطاب للمجتمع ونقض للنظام الإقتصادي فيه ﴿ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، بل أنتم قوم مسرفون﴾ (الاعراف:80-81) مخاطبة جماعية ونقض للنظام الإجتماعي في المجتمع......
فعلينا أن نتعمق ونستنير في تفكيرنا وأن نستلهم حقائق التاريخ جيداً ونميز بين ما هو حقيقة تاريخية وما هو حادثة تاريخية كي نستطيع استنباط السنن التي أودعها الله في هذا الكون ، فللمجتمع تركيبية عضوية يجب إدراكها ، ولتغييره سنن لا تختلف ولا تتبدل، فإذا لم نتعمق في فهم هذه السنن فإن سعينا للتغيير سيكون كالذي يدور في حلقة مفرغة وسينتهي دوراننا بالخمود واليأس مهما كان نشاطنا عظيماً ومهماً كان اندفاعنا قوياً.
نسأل الله العظيم أن يجعل فهمنا عميقاً صحيحاً وأن يجعل أعمالنا هادفة متقنة وأن يسدد خطانا ويوفقنا للصواب حتى نلقاه وهو عنا راض إنه قريب مجيب

الدعـوة إلى اللـه



قال تعالى: ((أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )) النحل 125؛ وقال تعالى: ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)) العنكبوت 46؛ وقال تعالى مخاطباً موسى وهارون: ((إذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى )) طه 43ـ44

هذه الآيات تبين كيفية الدعوة إلى الله، فهي، أولاً وقبل كل شيء، دعوة إلى الله، وليست دعوة إلى شخص أو إلى قوم أو إلى حزب، فحامل الدعوة يقوم بواجب فرضه الله عليه، فليس له على الدعوة، ولا على من يهتدون على يديه، من فضل، وإنما أجره على الله. ولهذا لا يحزنه عدم استجابة الناس له، ولا يضيق صدره بمكرهم به وبدعوته، فالهدى والضلال من الله، ((ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء))، ((ولا تحزن عليهم ولا تك في ضَيْق مما يمكرون))، والعاقبة للتقوى: ((إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )).


والدعوة اثنتان: دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام، وهذه يتولاها الأفراد في كل حال، وتتولاها الدولة بالطريق العملي، وهي حكم غير المسلمين بأحكام الإسلام، ليرَوْا نور الإسلام وسماحته، فيدخلوا في دين الله أفواجاً؛ ودعوة المسلمين إلى العمل بالإسلام والعمل له. وفي حالة غياب السلطة التي تطبق أحكام الإسلام، فإن العمل للإسلام يجب أن يستهدف تزاوج السلطان والقرآن، أي أن يصبح للقرآن الكريم سلطان ينفذ أحكامه على الناس، أي يصبح للسلطان مرجعية واحدة: هي الإسلام وهذا يقتضي أن يكون العمل جماعياً أي من خلال كتلة. وكلتا الدعوتين من أحكام الطريقة، التي يجب أن يقام بها من أجل تحقيق نتائج محسوسة، ولا يقام بها من باب إسقاط الواجب، ولا من باب «معذرة إلى ربكم»، وإنما يجب أن يتقصد تحقيق إنجاز محسوس، كأن يتحقق اعتناق الإسلام فعلاً من شخص أو آخرين، أو تغيير مفاهيم محددة عند شخص أو أشخاص معروفين، أو في حالة الجهاد في سبيل الله، أن يحصل افتتاح حصن، أو قتل عدو، أو السيطرة على مساحة من أرض العدو. وهذا القصد من أعمال الطريقة يجب أن يبقى ماثلاً في الذهن عند القيام بأي عمل.

وطرق حمل الدعوة ثلاث: إحداها: الدعوة بالحكمة، أي بالبرهان العقلي، والحجة الدامغة والقول المقنع، بوضع الفكر الصحيح بمواجهة الفكر الخطأ، فيدرك أصحاب الرأي والفكر فساد الفكر الخطأ حين يقابلونه مع الفكر الصحيح، ولهذا كانت هذه الطريقة منتجة مع المفكرين، ولذلك يخشاها الكفرة والملحدون، كما يخشاها الضالون المضلون، لأنها تكشف زيف الباطل وتضيء وجه الحق، وهي بذلك تكون ناراً تحرق الفساد ونوراً يهدي إلى الصلاح، وقد جاء القرآن بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة، وخاطب العقول، لكي تتدبر في ملكوت السماوات والأرض وتصل من هذا التدبر إلى أن لهذا الكون خالقاً خلقه. قال تعالى: ((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى الأرض كيف سطحت )) وقال تعالى: ((وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون )) وليس من الحكمة الملاينة والمسايرة، ولا التأني والتؤدة، ولا الاعتدال والديبلوماسية، ولم ترد هذه أو إحداها من معاني الحكمة، فالحكمة إما وضع الأمور في موضعها، أو الحجة والبرهان، وفي الآية لا محل لتفسيرها بوضع الأمور في موضعها، فيتعين أن يكون معناها الحجة والبرهان.
والرسول صلى الله عليه وسلم في حمله دعوة الإسلام، لم يساير أهل مكة، ولم يجاملهم، ولم يداهنهم، وإنما كان يتلو عليهم قول الله تعالى: ((إنكم وما تعبدون من دون اللـه حصـب جهنم أنتم لها واردون ))، وقوله تعالى: ((تبت يدا أبي لهب وتبّ ))، وقوله تعالى: ((ولا تطع كل حلاّف مهين . همّازٍ مشّاءٍ بنميم . منّاع للخير معتدٍ أثيم . عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم )).

وثانيتها: الموعظة الحسنة، وهي التذكير الجميل. أي إثارة المشاعر حين مخاطبة العقول، وإثارة الأفكار حين مخاطبة المشاعر، وبذلك تدخل الدعوة إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، فإن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلّف القلوب النافرة. قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: ((فبما رحمة من الله لِنْتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر))، وقال جلّ وعلا مخاطباً موسى وهارون عليهما السلام: ((إذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ))، وهناك الكثير من آيات الذكر الحكيم تخاطب المشاعر، من أجل إحداث هزة في النفوس، من أجل إعادة النظر في المواقف، ومن أجل شحذ الهمم للعمل بما اقتنع به العقل. قال تعالى: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )).

وثالثتها:((وجادلهم بالتي هي أحسن)) أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وهو النقاش الذي يُحصر بالفكرة موضع النقاش، ولا يتعداها إلى ما سواها من قضايا شخصية، أو جانبية، ويأخذ دور المعارضة والمناقضة، بإعطاء الحجج الصادقة، ونقض الحجج الباطلة، مع تحري الوصول إلى الحق. يقول تعالى: ((لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفسدتا فسبحان الله ربِّ العرش عما يصفون )) ويقول جلّت حكمته: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )).
ويجب دائماً تحديد القصد من حمل الدعوة إلى شخص معين، وتحديد السقف الذي يمكن أن تصل معه إن استجاب، فشخص تجادله طمعاً في أخذه إلى جانب فكرتك، حاملاً لها، وداعياً الآخرين إليها، وآخر تطمع في تغيير مفهوم عنده، وثالث تطمع في تحميله مفهوماً معيناً ليحمله في أوساطه ومجالسه، ورابع تأمل أن يأزرك ويعينك. لأن عدم تحديد سقف ما تنتظره من المخاطَب قد يؤدي بحامل الدعوة إلى اليأس أو إلى الملل. وهما ظاهرتان غير صحيتين. وليس من مقاصد حمل الدعوة إظهار التفوق في النقاش، ولا الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها خصائصها ومساربها. وليس من السهل عليها أن تعترف بالهزيمة، أو أن تتنازل عن الرأي الذي تدافع عنه، ولهذا يجب أن يُشعر المخاطَب أن ذاته مصونة، وقيمته محترمة، فلا يُتحامل عليه، ولا يُستعلى عليه، ولا يُجهّل، ولا يُقبَّح ولا يُرذّل. لأن القصد من النقاش هو كسبه لا كسب عداوته، ويجب أن يتجلى الحرص عليه في أساليب النقاش، بحيث لا يحس بمسافة بينك وبينه، ولا أنه غيرُك، كما يجب مراعاة أوضاعه النفسية حين حمل الدعوة إليه، فتُتخير الأوقات المناسبة، والألفاظ المناسبة، وكما يقال: «لكل مقام مقال»، وإذا لم يَفتح المخاطَب قلبه، فلن ينفتح عقله، فالطريق إلى العقول يمر عبر القلوب، ولهذا يجب تأليف القلوب قبل مخاطبة العقول. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين اتصل بجماعة من بني عبد الله خاطبهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أحسن اسم أبيكم» فليس اسم أبيهم عبد اللات ولا عبد العزى، وذلك تأليفاً لقلوبهم لكي يُقبلوا على الاستماع إليه، والاستجابة له.

وفي جميع الحالات يجب قول الحق، والصبر على الأذى، صبر المؤمنين العاملين، وليس صبر الخانعين المستسلمين. روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم»

حامل دعوة

المرأة وعلاقتها بالنهضة (2)



والآن أختاه أضع بين يديك بعض الأمثلة من سلفنا الصالح من خيرة النساء ممن ضحين بأنفسهن وأولادهن لنشر هذا الإسلام العظيم.

أنقل لك بعض الحوادث التي حصلت مع نساء برزت شخصياتهن لامعةً وضاءةً، وسجلت لها في التاريخ ذكراً عطراً كأروع ما تسجله إنسانة لها عقيدتها ورسالتها السماوية.
نساء فهمن الأحكام المنوطة بهن، والواجبات المترتبة عليهن، ووعت كل واحدة منهن جيداً ماذا يعني كونها من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فلبت أمر ربها وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر قدر استطاعتها وبالمجال الذي حدد لها.
فعرفت قيمة النصر الذي أحرزته، والمستوى الرفيع الذي ارتقت إليه بعد أن قضت عصوراً عاشتها وهي في مهملات التاريخ، ولهذا فقد سعت جاهدةً للعمل على إثبات كفاءتها لذلك.
وكان في كثرة النساء المبادرات للإسلام أصدق دليل على ما حمله الإسلام للمرأة المسلمة من خير وصلاح، وما هيأ لها من محل رفيع، وفعلاً فقد سجلت المرأة المسلمة في التاريخ الإسلامي أروع صفحات كتبتها بالتضحية والفداء، وخطتها بدماء الآباء والأبناء بعد أن أكد الإسلام على اعتبارها شقيقة الرجال لا أكثر ولا أقل، فكما أن بطولة الرجل المسلم كانت في مجالين وفي اتجاهين: في مجال التضحية والجهاد، وفي مجال حمل فكر الدعوة، كانت بطولة المرأة المسلمة أيضاً في هذين المجالين: في مجال التضحية والفداء ومجال حمل الدعوة الإسلامية. وفي كلا الصعيدين كانت تعمل كمخلوق يطيع أوامر خالقه لا كأنثى.
ففي صدر الإسلام شهدت المرأة المسلمة الحروب والوقعات وبذلت كل الجهد للدفاع عن الرسالة التي تدين بها.
وتاريخ المرأة المسلمة يحدثنا عن بطلات ضاهين في بطولتهن الرجال، واقتحمن لظى الحروب غير هيابات ولا وجلات.
وهذه إحداهن وهي نسيبة بنت كعب بن عمر بن عوف الأنصارية، وقد كانت سيدة جليلة القدر كبيرة القلب عالية الهمة رفيعة الروح، وقد أسلمت في أوائل من أسلم، وما أن خرج زوجها وابنها إلى أُحد حتى خرجت معهما متطوعة مختارة، فكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى وتطبب المرضى. وفي مرة خرجت في أول النهار كعادتها لتسقي جرحى الحرب من المسلمين، فانتهى بها المطاف إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في أصحابه والنصر للمسلمين، فلما أنهت مهمتها وعادت، لاحظت أن النصر قد جانب المسلمين فانحازت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما انهزم المسلمون، أخذت بالسيف وجعلت ترمي بالقوس بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وصلت إليها الجراح، وذلك لما ولى الناس عن رسول الله، وقد أقبل ابن قميئة وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير وناس معه، وقد كانت نسيبة أم عمارة فيهم فضربها وضربته على ذلك ضربات، ولكنها لم تصبه لأنه كان قد تدرع بدرعين من حديد.
وقد روي عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال يوم أحد ما التفتُ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني.
تلك نسيبة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول عنها: «لمقام نسيبة يوم خيبر خير من مقام فلان وفلان».
هذه هي نسيبة في صدر الإسلام، وهذه آيات بطولتها وجهادها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي مندفعة وراء عقيدتها، وحتى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن جذوة الحماس الديني لتخمد في صدر نسيبة، فها هي في خلافة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قد شهدت قتال مسيلمة باليمامة، وتطوعت للجهاد وللدفاع عن العقيدة الإسلامية، وأبلت في تلك الوقعة بلاءً حسناً، وجرحت أحد عشر جرحاً، وافتقدت يدها في تلك الوقعة، كما فقدت ولدها أيضاً، وهي صابرة محتسبة لم تهن ولم تنكل، وأنى لها أن تنكل أو تتراجع.
وبهذا أثبتت أن للمرأة المسلمة في الإسلام شأناً ومقاماً ينص عليه القرآن الكريم، وما كانت نسيبة لتندفع هذا الاندفاع وتقوم بهذه التضحيات الجسام لو لم تعِ وتدرك عظم الرسالة التي تحملها وكونها مسلمة وحاملة للدعوة شأنها شأن الرجال.
فنسيبة امرأة ونساء قريش نساء أيضاً، ولكل من نسيبة والمرأة القرشية الكافرة قلب امرأة وعاطفة أنثى، ومع هذا فقد خرجت القرشيات إلى القتال مع أزواجهن ليضربن الدفوف ويذكين فيهم الأحقاد، أما نسيبة وغيرها من المسلمات خرجن ليقاتلن ويطببن ويداوين ويثبتن حين يفر الرجال، وقد روت أم عمارة عنهم قالت: رأيتهن يوم أحد، وقد ولين منهزمات مشمرات، وهن يتبعن الرجال المنهزمين على الخيول، وهن على أقدامهن فيسقطن في الطريق.
فأي روح هذه التي جعلت من نُسَيْبَة مسلمة تقاتل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تجرح، وتقاتل بعده حتى تقطع يدها، وجعلت نساء قريش يضربن الدفوف ثم يولين الأدبار منهزمات، إنها روح الإسلام والفهم الصحيح لدورها وما عليها فعله في كل موقف ومقال.
وهذه بطلة ثانية هي نسيبة بنت الحارث الأنصارية وكانت تعد من فواضل نساء عصرها، ومن خيرة نساء الصحابة، وقد غزت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر غزواته تمرض وتدواي وتقوم برسالتها كمسلمة على أروع وجه وأبهاه.
وكان تمريض مرضى الحرب وتطبيب جرحاها يعد، في ذلك العصر الذي لم تكن وسائل العلاج المستحدثة موجودة فيه، ضرورة من أهم ضرورات الحرب، فكانت المرأة المسلمة تخرج للحرب لتداوي المرضى حتى لا ينشغل الجندي في تطبيب جراح أخيه مما يشغله ذلك عن الصمود والقتال أمام الأعداء.
ومن النساء المسلمات اللواتي شهدن الوقعات مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يداوين ويطببن مُعاذة الغِفارية، وأم منيع بنت عمر بن عدي بن سنان، وهند بنت عمر بن حرام، وأمية بنت قيس بن الصَّلت الغفارية، وقد روي عن أمية هذه أنها قالت جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نسوة من بني غِفار فقلنا: إنا نريد أن نخرج معك إلى خيبر يا رسول الله، نداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بركة الله، قالت: فخرجنا وقمنا بواجبنا في الجهاد.
هكذا كن النساء المسلمات وقد حبب الإسلام إليهن الفداء، وجعلهن يستهنَّ بمصاعب الحرب وأهوالها، وسعين إليها مندفعات غير هيابات ولا وجلات.
إن موقفهن هذا كان نتاج اقتدائهن بالرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤوفاً بالمسلمات باراً بهن، لا يحط من مكانتهن ولا يشعرهن بعجزهن، فجعلهن يدافعن عن أغلى شيء لديهن، كيف لا وقد كان الإسلام أعز شيء لديهن، بل كن يعتبرن نشر الدعوة قضيتهن المصيرية التي لا بد من بذل الروح والنفس والمال والولد لأجلها.
فكانت المرأة تتطوع مندفعة للذود عن الإسلام...
وها هي حمنة بنت جحش وهي من المهاجرات، وقد شهدت أُحد تسقي العطشى وتدواي الجرحى، وبرزة بنت مسعود بن عمر الثقفية، وأم زياد الأشجعية وهي سادسة ست نسوة خرجن يوم خيبر فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث إليهن فقال: «بإذن من خرجتن» فقلن له: خرجنا ومعنا دواء نداوي الجرحى ونناول السهام ونسقي السويق ونغزل الشعر ونعين في سبيل الله، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أقمن، فلما فتح الله عليه خيبر قسم لهن كما قسم للرجال».
وكذلك أم سليط حضرت مع النبي أُحداً، وكانت تزخر القُرَبَ للمجاهدين وتقوم على مداواة المرضى منهم.
وأم سنان الأسلمية وقد استأذنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند خروجه إلى خيبر فقالت: يا رسول الله، أخرج معك في وجهك هذا أخرز السقاء، وأداوي المرضى، فأذن لها رسول الله وقال اخرجي على بركة الله تعالى، فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك ومن غيرهم، فإن شئت فمع قومك، وإن شئت فمعنا، فقالت أم سنان: معك يا رسول الله، فقال رسول الله تكونين مع أم سلمة زوجتي» فكانت وشهدت فتح خيبر.
والكثير الكثير من النساء المسلمات اللاتي أخذن الإسلام من منبعه الزاخر، فكان فكرهنّ إسلامياً وسلوكهنّ إسلامياً حتى إن فرحهنّ وحزنهنّ كان بناءً على هذا الفهم الإسلامي، فهان لديهنّ العزيز والغالي في سبيل الإسلام، فقدمن الضحايا من الإخوة والأبناء قريرات فخورات، بل وقمن بأنفسهن أيضاً بدور إيجابي في معارك الحق مع الباطل، فاستأذنَّ في شهود الغزوات وشهدنها فعلاً وأبلين فيها البلاء الحسن، ولم يكن موقفهنّ ذاك إلا بدافع من يقينهنّ بالحق الذي هنّ عليه، وثقتهنّ من أن النعيم السماوي سوف يضم من فقدنه من الأعزاء والأحباء. إن هذه المواقف وغيرها صدرت من نساء علمن ما معنى كونهنّ مسلمات يحملن فكراً إسلامياً يجب المحافظة عليه ونشره، فكان فكرهنّ هو مسيّرهنّ لا العكس.
وأما على صعيد حمل الفكرة ونشر الثقافة الإسلامية ومفاهيم الشريعة الجديدة وأحكامها، فما أكثر النساء اللواتي أخذن الإسلام من منبعه الزاخر ودعون إليه بعد أن تعمقن في فهم الإسلام! فكنَّ مدارس إسلامية يروين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويُروى عنهن.
وفي طليعة الراويات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والناشرات لأحكام الإسلام عائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنه) لقد كانت من أبرع الناس في القرآن والحديث والفقه، فقد قال عنها عروة ابن الزبير «ما رأيت أحداً أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث عن عرب ولا بنسب من عائشة» فقد كان أهل العلم يقصدونها للأخذ من علمها الغزير، فأصبحت بذلك نبراساً منيراً يضيء على أهل العلم وطلابه، ونتيجة لعلمها وفقهها أصبحت حجرتها المباركة وجهة طلاب العلم حتى غدت هذه الحجرة أول مدارس الإسلام وأعظمها أثراً في تاريخ الإسلام.
ولا ننسى أيضاً سيدة أهل الجنة فاطمة الزهراء فقد روت عن أبيها، وروى عنها ابنها الحسن والحسين، وزوجها علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.
وممن روين عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أسماء بنت عُمَيْس الخُثْعُمِيَّة، وأم إسحاق بنت سليمان، وكذلك أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، وأسماء هذه كانت محدثة فاضلة، ومجاهدة جليلة، فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء، إن الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجُمَعِ والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، فإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم وربينا أولادكم أفلا نشارككم في هذا الأجر؟ فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: أسمعتم بمقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت إليها وقال: افهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعّل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله. فانصرفت وهي تهلل.
وقد روت أسماء بنت يزيد هذه 81 حديثاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وموقف أسماء هذا يعطينا صورة واضحة عن مكانة المرأة في الإسلام، وعن قوة شخصيتها التي أكسبها إياها الإسلام، وعن نفسيتها السامية التي منحها الإسلام أهم مقوماتها.
وقد روت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أم هاني بنت أبي طالب 46 حديثاً، وكذلك فاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وَهَب القرشية الفَهْرية 34 حديثاً.
انظري أختي المسلمة إلى هذه المدرسة الإسلامية التي كانت تتمثل في المسلمات العالمات الفاهمات، وانظري إلى كفاءتهن لذلك بعد أن كانت المرأة قبل الإسلام موءودة وهي وليدة ومملوكة للرجل، وهي امرأة ومشكوك في إنسانيتها عند مختلف الأمم وفي شتى الشرائع والقوانين، ولكن الإسلام بتشريعاته ونظمه رفع مكانتها محلاً رفيعاً خوَّلها أن تكون داعية للرسالة السماوية وشارحة لأحكامها وآدابها. فالمرأة المسلمة والرجل المسلم بالنسبة للرسالة والدعوة سواء، فقد امتدت إليهما معاً يد الإسلام لترفعهما من وهدة الجهل والضلال، وأشرقت عليهما معاً أيضاً شمس الرسالة لتضيء لهما طريق الحق في الحياة؛ ولهذا فإن عليهما معاً أن يعملا في سبيل الإسلام ما وسعهما عمله للنهوض والرقي الذي خلقا لأجله.
هذه هي المرأة المسلمة الإنسانة في صدر الإسلام التي خلدت لها في تاريخ الأمة الإسلامية أسمى ذكر وأروع أثر. والمرأة المسلمة اليوم هي بنت تلك المرأة المسلمة التي عرضت صدرها لحراب الأعداء، وشهدت بعينها قتل الآباء والأبناء. فما الذي يقعد بالمرأة المسلمة البنت عن أن تعيد تاريخ المرأة المسلمة الأم وأن تقفو خطواتها في الحياة... فهيا أختاه شمري عن ساعديك، وأقبلي على دينك، وانظري لمَ خلقت، وكيف يجب أن تكوني؛ لتكوني حجر بناء لتلك الحضارة العريقة؛ لأنك لن تصاني ولن تعود كرامتك إلا في تلك الحضارة، وفي ظل ذلك النظام الذي تكونين فيه عرضاً يجب أن يصان ويحافظ عليه، حتى تعيدي مجدك وتبدعي كما أبدعت أمك بالأمس، فاعلمي أن النهضة لا تكون إلا بفكر تحملينه، وهذا الفكر لا بد له من عمل، وهذا العمل ليس للترف بل هو فرض في رقبتك تحاسبين عليه يوم القيامة، فاتقي الله في نفسك، وأسقطي تاج الفروض عن عاتقك، وتحرَّي أن تبذلي كل ما في وسعك لتؤدي الفرض على الوجه الذي يرضاه ربك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[انتهى]
أم سدين - بيت المقدس

المصدر: مجلة الوعي

المرأة وعلاقتها بالنهضة (1)



النهضة هي الارتقاء والارتفاع ولا يكون هذا الارتفاع إلا بفكر، وصحة النهضة أو بطلانها تكون حسب الفكر الذي يُحمل للنهوض.
فإن كان هذا الفكر وضعياً تكون النهضة نهضة آنية لفترة محدودة لابد أن يأتي عليها زمن يظهر فيه عوارها وتفشل فتسقط بأصحابها إلى الدرك الأسفل.
أما النهضة الصحيحة فهي النهضة التي تكون من الخالق حين يحل للإنسان العقدة الكبرى؛ فيجيب عن التساؤلات التي تثار لديه عن الخالق، وعلاقته بهذا الخالق، وعلاقته بالكون والإنسان والحياة، وعلاقته بما بعد الكون والإنسان والحياة.
وبما أن الله خلق الإنسان ذكراً وأنثى، وأوجد لهذا الإنسان نظاماً يعيش بحسبه؛ فقد فرض على كل واحد منهما واجباتٍ كان لا بد من تنفيذها لتحقيق هذه النهضة.

نظر الإسلام إلى المرأة على أنها أنثى ونظم أنوثتها ووجَّهَها، ونظر أيضاً إلى الرجل باعتباره ذكراً، وفرض على كل منهما من الواجبات وأعطى لكل منها من الحقوق ما يتفق مع طبيعته، فاختلفت بعض الأحكام تبعاً لاختلاف طبيعة كل منهما...
إن الإسلام وحده هو الذي نظر إلى المرأة نظرةً إنسانيةً على قدم المساواة مع الرجل، بينما لم تنظر الحضارات الأخرى، وحتى الحضارة الأوروبية الحديثة، إلى المرأة سوى أنها أنثى تتصف بتلك الصفات الأنثوية التي تعبر عن المتعة والتسلية ومحل الإشباع الغريزي لاغير.
وإن أهم مايميز الإسلام في موقفه من المرأة عن غيره من النظم التي عاشت قبله والمبادئ التي استجدت بعده هو نظرته الإنسانية إلى المرأة والرجل على السواء في كل تشريعاته ومفاهيمه، ونظرته للمرأة على أنها أنثى إلى جانب نظرته للرجل على أنه ذكر...
فنظرة كل مجتمع من المرأة ينعكس بدرجة كبيرة على نهضته، بل ويؤثر في سيره نحو نهضته أيما تأثير. فالمرأة كما يقولون نصف المجتمع بل إن عدد الإناث يفوق عدد الذكور، فالمرأة هي شقيقة الرجل، فهي الأم والأخت والابنة، وبقدر تغلغل تلك المفاهيم وتحديدها وفهمها بقدر وضوح هذه الطريق وسلامتها.
فالمرأة في مجتمع يؤمن بإنسانية المرأة والرجل على السواء تستطيع أن تمارس دورها الاجتماعي بوصفها إنسانة مخلوقة لخالق، وتخضع لنظم خالقها فتساهم مع الرجل في مختلف الحقول وتقدم أروع النماذج في تلك الحقول.
وعلى العكس من ذلك المرأة في مجتمع ينظر إليها بوصفها أنثى، قبل أن ينظر إليها بوصفها إنسانة، فإنها تنكمش وفقاً لهذه النظرة، وتحرم من ممارسة أي دور خارج نطاق هذه النظرة، بل يرغمها المجتمع على التعويض عن ذلك بمختلف ألوان الظهور على أساس أنوثتها، وما تعبر عنه من متعة ولذة للرجل.
ونجد خير مصداق لذلك في تاريخ المرأة التي عاشت في كنف الإسلام، وفي ظل مختلف الحضارات الأخرى، فكان دورها يختلف ويتغير تبعاً لطبيعة نظرة المجتمع لها ومفهوم الرجل عنها.
ولنبدأ أولاً بالمرأة اليونانية، ففي اليونان مثلاً، وهي من الأمم التي اعتبرت ذات حضارة وتمدن في التاريخ القديم، بُذلت محاولات للارتفاع بالمرأة اليونانية وانتشالها من حضيضها الذي كانت تعيشه في عصره البدائي القديم. وفعلاً فقد تمكنوا من ذلك ولكن على أي حساب وبأي دافع؟
على حساب تكوينها الجسماني ومظهرها الخَلْقي لاغير، فتفننوا في نحت التماثيل الفاضحة ونقش الصور المكشوفة، وجعلوا من المرأة رمزاً للجمال والحب والعشق ومصدراً للشهوات الحيوانية والأهواء الوحشية، وبهذا فقد رفعوا المرأة من وهدتها كإنسانة ساقطة إلى صورة خليعة وتمثال من البرونز، يركعون بين يديه إكباراً لنواحي الجمال التي يبرزونها فيه. وكان من جراء جريهم وراء الشهوات الحسية أن تغلبت عليهم المادة، وجرفهم تيارالغرائز البهيمية وسيطرت عليهم الأهواء الجامحة. وهذه العوامل هي أقوى مِعول يهدم حضارة الأمم ويحط من مكانتها في التاريخ. ولهذا فنحن نرى المرأة اليونانية لا تذكر في التاريخ إلا كصورة نقشتها ريشة مصور أو تمثال أبدعه فنان. نعم هذا كل ما تبقى للمرأة اليونانية لأنها كانت قد تسنمت المجد على حسابه ولسبب منه.
أما الرومان فإننا نلاحظ سلسلة الصعود والهبوط التي كانت تعيشها المرأة في الأمة الرومانية، فقد كانت لعبةً طيِّعةً يتلاعب رجلها بها كما يشاء حتى في حياتها في بعض الأحوال. وبالتدريج تضاءلت عند الرومان فكرتهم الوحشية عن المرأة بعد أن أخذوا يحاولون التقدم نحو المدنية والارتقاء؛ فحاولوا أن يرفعوا من مكانة المرأة وأن يجعلوا منها مخلوقة لها كيان في المجتمع، فماذا صنعوا؟ وبأي شيء رفعوا من مكانة المرأة عندهم؟ وماذا كان دور المرأة الرومانية في محاولة التمدن تلك؟
لا شيء غير تبجيل المومسات، وتقديس الشهوات، وإباحة النساء، حتى أضحت بعض المومسات يتلاعبن بأحوال الدولة وشؤونها، وكانت بيوتهن نوادي تضم كثيراً من رجالات الدولة وكل من له شأن؛ ولهذا فقد عمَّت الفوضى الحيوانية من جراء ذلك واختلّ نظام الدولة وانحطت مكانتها كأمة.
وفعلاً فقد ذوت دولة الرومان وتلاشت حضارتهم، ولم يبقَ للمرأة الرومانية من ذكر في التاريخ سوى كونها أنثى ساعدت على هدم حضارة أمة.
ثم جاءت أوروبا المسيحية بعد ذلك فكان دور المرأة فيها دوراً سلبياً على طول الخط، ولم تحاول هي أو علماء أوروبا المسيحية ومفكروها بأن يهيئوا للمرأة أي مجال تكون من خلاله أحد زوايا النهضة، حتى جاءت أوروبا الجديدة فحاولت أن تنهض بالمرأة الأوروبية، وأن تجعل منها عنصراً فعالاً في المجتمع، ففتحت لها أبوابه لتلجه كما تشاء. ودخلته فعلاً واحتلت مكانها إلى جوار الرجل، ولكن لا لكونها إنسانة تعمل للارتقاء والنهضة، بل لكونها أداةً من أدوات تسلية الرجل الذي مَنَّ عليها بدخول هذا المجتمع، وفتح أمامها مغاليقه.
ثم حاولت أوروبا الجديدة أن تتظاهر بمساواة المرأة مع الرجل في قوانينها ونظمها، وتوصلت إلى ما يبدو في ظاهره مساواة، ولكن واقع مساواتهم هذه جاءت مختلفة عن حقيقة المساواة، وفي مقابل هذه المساواة الموهومة استنفذ الرجل منها كل ما يشاء دون قيد أو شرط، واستعرضها كسلعة رخيصة بعد أن فقدت جميع مقومات أنوثتها من عزة وكرامة وعفة وشرف، وبعد أن خسرت أنوثتها وكيانها كامرأة، واقتصر دورها في الحياة على تحقيق رغبات الرجل ومتابعته فيما يتفنن لها من أسباب الأناقة وما يهيئ لها من طرق الدعارة والاستهتار.
هذا هو في الواقع كل ما أحرزته المرأة الأوروبية الحديثة، وهذا كل ما تمثله اليوم وما تذكر به في الغد يوم تشع الحقيقة في العالم. وهذه هي حال المرأة في مجتمع ينظر إليها كأنثى لا كإنسانة.
أما قبل الإسلام فقد كان أهل الجاهلية يئدون البنات وهن أحياء خشية العار والفقر، وكانت المرأة لا يعد لها أي اعتبار، ففي حديث عمر (رضي الله عنه): «كنا لانعتد بالنساء ولاندخلهن في أمورنا» وفي بعض طرقه: «لايكلم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته».
وكانوا إذا مات الرجل كانت المرأة إرثاً، فيلقي عليها بعضهم ثوباً فيرث نكاحها، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
أما الإسلام، فقد جاء ليكرم المرأة، وليرفع مكانتها، وليعيد لها عزها الذي فقدته؛ فأعاد لها طهرها وشرفها، بل جعل المحافظة عليه فضيلة والتفريط به رذيلة تودي بصاحبها إلى الشقاء والضياع في الدنيا والآخرة.
فسماها القارورة، وجعلها العرض الذي يجب أن يصان، وجعلها المؤنسة الغالية، بل وظل الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي بها حتى في حجة الوداع.
فهي الأم الرؤوم التي يجب أن يُبَرَّ بها، والأخت الحانية التي لابد من وجود من يعيلها، وهي الزوجة الطائعة البارة الحافظة لزوجها وماله وولده، وهي الابنة التي يجب العناية بها وتربيتها خير تربية لتكون ستراً من النار لذويها بدل أن تكون مدعاة لدخولها.
ففهمت المرأة دورها، وفهم الرجل واجبه نحوها، فنشأ جيل متوازن متكامل يشد بعضه بعضاً، ومضى في طريق النهضة فكانت خير نهضة بل وأجلها.
فالله سبحانه وتعالى بعث سيدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس كافة رجالاً ونساءً حيث قال: ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف158] وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ [البقرة 21] وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ [النساء 1].
فالإسلام جاء بالتكاليف الشرعية للنساء والرجال، فجعل للمرأة حقوقاً وعليها واجبات، كما جعل للرجل حقوقاً وعليه واجبات.
وهذه التكاليف منها ما تعلق بالأنثى بوصفها أنثى، ومنها ما تعلق بالذكر بوصفه ذكراً، فكان التنوع واختلفت بعض التكاليف للذكر عن الأنثى عندما جاءت لعلاج عمل معين لإنسان معين لا لمطلق إنسان، فنجد أن شهادة المرأتين بشهادة رجل في الأعمال التي تكون في جماعة الرجال، واكتفى بشهادة امرأة واحدة في الأمور التي لا يطلع عليها سواها كأمور الرضاعة والنفقة...
والأمر نفسه كان للرجل، فقد فرض عليه الشرع أحكاماً معينة خصها به لأن واقعه غير واقع الأنثى، فالمرأة تحيض وتحمل وتلد ولها من الصفات الخَلْقية غير الصفات الخَلْقية للرجل فجاءت الأحكام تبعاً لتلك الخِلْقة وتلك المواصفات.
ولكن بالرغم من هذا التنوع في الأحكام، جعل الشرع كثيراً من التكاليف منوطة بالمرأة والرجل على السواء، فحمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية فرض على المرأة كما هو على الرجل، بل إن العمل على تغيير الواقع السيئ مسؤولية في عنقها تُسأل عنها يوم القيامة؛ لأن الخطاب بهذا العمل جاء عاماً للرجال والنساء لكونه يتعلق بالانسان كإنسان لا كذكر أو أنثى، فكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليهما كلاهما القيام به، قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة 71].
وما أحوجنا اليوم أن تؤدي المرأة واجبها على خير وجه، وأن تقوم بهذا الفرض خير قيام. فحتى يعطي هذا الحمل ثماره المرجوة ويحقق الهدف، ألا وهو استئناف الحياة الإسلامية للنهوض بالأمة خير نهضة، كان لابد أن يكون هذا العمل ضمن تكتل أو حزب؛ فعلى المرأة المسارعة بالانضمام إلى حزب يعمل على نهضة الأمة ويتبنى مصالحها ويرعى شؤونها؛ لتكون بذلك متبعة للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقوم بما قام به من أعمال بإيجاد ثقافة إسلامية مركزة؛ لتتحمل أعباء الدعوة وتكون بذلك ممن يعملون على بناء الشخصية الإسلامية المتميزة؛ فتتكون لديها العقلية النيرة والنفسية الإسلامية الخيرة، ولا يكون ذلك إلا عن طريق حلقات مركزة بغض النظر عن السن والمكانة والأصل. وبتكون العقلية والنفسية بحسب الإسلام تصبح قادرةً على مجابهة فساد الواقع الذي بات واضحاً حتى في أدق أدق تفاصيل حياتنا.
ويجب أن لا يقتصر الأمر على التثقيف، بل لا بد من الصدع بالحق وإلا كانت كالمكتبة التي تحمل المعلومات بين ثنايا كتبها فلا بد أن يكون سلوكها إسلامياً، وأن تتصدى لأفكار الكفر والعادات المخالفة للشرع، ولا تتوانى عن حق فتبينه ولا عن باطل فتكشفه، وعليها أن تبين عوار الأنظمة القائمة وبيان خطئها وفسادها، وبالمقابل تبين أفكار الإسلام ومفاهيمه وأنظمته الحقة.
فيجب عليها أن تدعو كما كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو بكل صراحة وجرأة وقوة، فلا تلين ولا تستكين ولا تحابي ولا تداهن، ولا تحسب أي حساب للعادات والتقاليد، ولا تخاف كونها امرأة فالأمر أعظم من ذلك، فهو ليس خوفاً من عباد بل هو تنفيذ أوامر رب العباد، فلا تهاب من قول كلمة حق أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
فالأمر جِدٌ لا هزل، ولا يقتصر على الرجال دون النساء، فمصلحة الأمة تتطلب عملَ المرأة خيرَ عمل، ولا يكفي تأييدها ومساندتها فقط، فالحكم الشرعي يبين أن مصلحة الأمة تتمثل في حمل الدعوة من كلا الطرفين: المرأة والرجل، والعمل على الدعوة إلى الإسلام على السواء، فنحن جميعاً مطالبون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر].
فعلى المرأة العمل جاهدةً لحمل الدعوة الإسلامية حملاً حقيقياً، وعليها أيضاً التحلي بالصبر وتحمل جميع تكاليف الدعوة، فحمل الدعوة ليس بالطريق السهل واليسير.
وعلى الرجل أيضاً أن يبذل كل وسعه في حث أخته أو زوجه أو حتى والدته للسير في هذه الطريق، وإسقاط هذا الفرض الذي يعد تاج الفروض، ولا يمنعها بحجة الخوف عليها لأن الله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم الأرحم بعباده من الوالدة على ولدها، وهو مَنْ فرضَ هذا الأمر عليها، فلا يجب منعهن من القيام به بهذه الحجج الواهية.
فالنهضة كما قلنا هي الارتقاء والتغيير من حال إلى حال، ولم يمر على الأمة الاسلامية وضع أكثر انحطاطاً من الحال التي نمر بها اليوم، فلنشمر عن سواعدنا ونبذل كل الوسع، ولنضحِّ بالغالي والنفيس لتحقيق النهضة التي يرضاها لنا الله ورسوله.

[يتبع]
أم سدين - بيت المقدس

المصدر : مجلة الوعي

المرأة والشعارات الساذجة



إن انقياد المرأة وراء ادعاءات جوفاء وشعارات ساذجة هو من أبرز ما يسميه الغرب بتحرير المرأة. تلك الشعارات التي أزالت كل ما تبقى من الحياء لديها ونزعته منها، محاولة في كل ذلك إعطاءها حقوقها. لقد سعت هذه الشعارات جاهدة إلى تشويه صورة المرأة ودورها الحقيقي في الحياة. ولا شك أن وسائل الإعلام سهّلت الصعب، وأن مناهج التعليم هيأت الأمر. سعت بكل ذلك إلى استغلال المرأة لهدم مبادئ الأمة الإسلامية. يقول زعيم المبشرين القس (زويمر): «ليس الغرض من التبشير التنصير فقط. ولكن تفريغ قلب المسلم من الإيمان، وإن أقصر طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة بكل الوسائل الممكنة؛ لأنها هي التي تتولى عنا تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه عن مقومات دينه».

لقد بدأت عملية إخراج المرأة المسلمة من بيتها بغرض تنمية «عنصر فعال في المجتمع»، إما للعمل أو لمزاولة نشاطات ثقافية واجتماعية وغيرها من المجالات المختلفة. ووضعت أمامها المغريات والمميزات المادية التي تحفزها على العمل. وأباحت لها الاختلاط مع الرجل الأجنبي مع ضعف الضوابط التي تضبط الجنسين. وقد عملت على إزالة المعوقات التي قد تواجه المرأة خلال العمل. فنجد دور الحضانة قد فتحت لها الأبواب صباح مساء من أجل تولي تربية أبنائها عنها. وقد فتح لها عدد من الأماكن والتي كان من الممكن شغلها بالرجال "بهدف المساواة بالرجل". فضاقت على الرجال سبل العيش. فلا يجد الواحد منهم مالاً يكتسب منه قوته ويلم شعثه ويصون نفسه بالزواج، ليدخل بعدها في عالم الفراغ وتغلبه شهوته؛ فيبدأ بالأعمال الإجرامية كالسرقة والزنا وتعاطي المخدرات، ونتيجة لهذا يحكم عليه بالإجرام، ويقضى على «عنصر فعال في المجتمع» آخر، تصبح المرأة المسلمة العاملة فيه تنفر من قوامة الرجل، ما يؤدي إلى التمرد عليه وعلى التقاليد الإسلامية والروابط الأسرية.
هكذا بدأت وهكذا ستستمر تلك الشعارات الواهية، حرب ذات أبعاد ثقافية سياسية وأخلاقية تفقد المرأة المسلمة عفتها، تلك العفة التي تجعل المرأة كاملة رفيعة يشار إليها بالبنان، وتسقطها في مهاوي الرذيلة.
يكشف د. هنري ماكو وهو أستاذ جامعي ومؤلف وباحث متخصص في الشؤون النسوية والحركات التحريرية زيف ادعاءات تحرير المرأة ويصفها بالخدعة القاسية إذ يقول: «تحرير المرأة خدعة من خدع النظام العالمي الجديد، خدعة قاسية أغوت النساء الأميركيات وخربت الحضارة الغربية».
أما مناهج التعليم فهي أشد الأسلحة فتكاً في حربها تشهره من أجل أن تصبح ثقافتها جزءاً من كيان الأمة الإسلامية لتجعلهم دمية خيط تحركها بأصابع خفية كيفما تشاء. لقد عملت مناهج التعليم الخادمة لأهداف الغرب على تهيئة المرأة للعمل والخروج من بيتها لا لتكون ربة بيت. وإلى هذا أشار ألكسس كاريل، وهو أحد رجال الفكر في الغرب، في كتابه "الإنسان ذلك المجهول" والذي حاز على جائزة نوبل للأدب، قائلاً: «أليس من الغريب أن برامج تعليم البنات لا تشتمل بصفة عامة على أية دراسة مستفيضة للصغار والأطفال وصفاتهم الفسيولوجية والعقلية؟! يجب أن تُعاد للمرأة وظيفتها الطبيعية التي لا تشتمل على الحمل فقط بل أيضا على رعاية صغارها».
لقد تجرأت هذه المناهج على دين الله، فبُنيت هذه المناهج على أساس الأعراف والمواثيق الدولية والاتفاقات. ونادت وبكل وقاحة بتغيير الأدوار التقليدية لكل من المرأة والرجل، ودعت إلى إطلاق الحرية للمرأة ومساواتها مع الرجل، ومشاركته في صنع واتخاذ القرارات، متناسية في بكل ذلك أن المرأة قارورة وعرض يجب أن يصان. وبعد أن تتعلم الفتاة المسلمة كل هذا في المدرسة "بيتها الثاني" ماذا ستكون نوع الأسرة التي ستبنيها؟! فقد اعتادت على أن تكون الأسرة الإسلامية نمطاً تقليدياً قديماً والأسرة الديمقراطية هي الأسرة المثلى. هل ستخضع لأوامر زوجها وتكون زوجة مطيعة؟! الكل سيتمرد على الكل. الزوجة على زوجها، والأبناء على الآباء، كل يريد حريته والأدوار والمسؤوليات في الأسرة ليست ثابتة.
وفي ظل هذه الشعارات التي هي مظهر من مظاهر العولمة، «يسعى الأدب الإسلامي جاهداً لترسيخ هويته، ولكنه كالذي يحبو في سباق عدو سريع، إن العولمة تحدٍ شرس مخطط له بدقة لسلخ الأمة عن هويتها الحقيقية، ويعتمد في ذلك على جيل مدرب من الأقلام المسلوبة الانتماء والتابعة للغرب» (سلوى عبد المعبود قدورة). وقد أُنشئت رابطة للأدب الإسلامي يقول، أحد أعضاء مؤسسي هذه الرابطة السيد نعيم غول: «إن هذه الرابطة إنما هي امتداد لدعوة الإسلام النبيلة لمد الجسور بين الناس على كلمة سواء، وعلى مبادئ أخلاقية وقيم نبيلة موجودة في الأديان كافة، وخاصة في الدين المسيحي الذين أهله أقرب الناس مودة للمسلمين»!! والمدقق في كتب الأدب الإسلامي سيجد أن فيها الكثير من الشوائب وهناك الكثير من المحاولات لنشر الضباب عليه حتى تضيع على القراء فرصة الاختيار الجيد. وقد يصبغ الأدب الإسلامي بهوية مستعارة مزيفة. أما أسلوبه فهو تقريري نظري لا يسعى إلى التغيير، وبعيد كل البعد عن دوره في إصلاح الأمة وإنهاضها. وقد يتعامل في مجال الفكر كما يتعامل التجار في السوق.
وفي نفس الخط تقوم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بدورها في إفساد صورة المراة. فالإعلام يعتبر من أهم الدعائم التي ترتكز عليها الحرب الثقافية الفكرية. فهو أقوى عامل مؤثر في تشكيل العقول وغسيل الأدمغة، ويصل بسرعة تتجاوز حدود المكان، كما أنها تعتمد على الأسلوب المؤثر. لقد عمل الإعلام وما يروجه على انتهاك حرمات المرأة المسلمة، فجعل المرأة سلعة ديكورية للتسويق والإبهار، واستخدم هذه الأنوثة الطاهرة في نشر الرذيلة والفاحشة بحيث لا تظهر الأنثى على شاشات التلفاز إلا بصورة مبهجة ومظهر أنيق وفي أبهى زينة وأجمل ثياب. حتى المسلسلات والأعمال الدرامية تصور الأنثى على أنها تعاني من مشكلات سببها دائماً أنها أم و زوجة. ومعنى هذا أن دوري المرأة الأساسيين هما سبب تعاستها، ويكمن حل المشكلة بأن تتمرد الأنثى على هذين الدورين ومسؤولياتها فيهما. وهي في كل ذلك تقدم الأنثى في إحدى هاتين الصورتين: إما أنها عاجزة عديمة الثقة في زوجها وفي نفسها، والأخرى تظهر فيها المرأة أنها قادرة على اتخاذ القرار ومكتفية بذاتها مستغنية عن الرجل. وهذا يدل على عدم قدرة الإعلام على صنع صورة إيجابية للمرأة. وهكذا يكون في جميع البرامج التلفزيونية، معركة ينتصر بها البعض للمرأة على حساب الرجل أو بالعكس. وكأن أزمة المجتمع هي صراع أنثوي - ذكوري الأول خير والثاني شر، ويذهب البعض إلى إخراج الأول من أسر الثاني.
ويرافق هذا برامج الأزياء والجمال والماكياج وأخبار الفن والفنانين. فأصبحت المرأة تقضي ساعات طويلة أمام شاشات التلفاز تلاحق هذه البرامج دون كلل أو ملل. لقد أثقلت هذه الفضائيات كاهل المرأة بخرافات ومواد فاسدة يغلب عليها منطق اللامسؤولية واللهو الفاسد والمرح الرخيص. وصارت المرأة المسلمة سطحية الفكر والوعي غير مسؤولة عما يدور من حولها، متخذة من إناث وسائل الإعلام قدوة. هؤلاء الإناث الذين زحفوا وراء دراهم زائلة لا تغني يوم الحساب، يقدمن نموذجاً فاسداً رخيصاً استغله الغرب ليخلق منه البطل. يقول أحد المفكرين اليهود في إحدى الصحف (الإسرئيلية): «إن الطريق لهدم الإسلام هو المرأة... فستهزمهم بغانية وكأس». فعلاً لقد أوجدت هذه البرامج والمسلسلات امرأة فارغة كسا جسمها التعب لا تعرف للسعادة باباً.
أخيراً وليس آخراً، استصرخك أيتها المرأة المسلمة قبل أن تعضي أنامل الندم بسؤال ستسألين عنه يوم القيامة، يوم لاينفع مال ولا بنون، عن عمرك فيما أفنيتِه؟ أختي إن كانت المرأة في الغرب ضائعة لأنها لا تجد الدين الذي يحفظ لها حقها، ولا الرجل الذي يقوم برعايتها، ولا تجد المجتمع الذي يحتضنها إن عجزت وخارت قواها. فما عذرك أنت ولك دين كرَّمك أماً وبنتاً وزوجةً وذات رحم، وكفل حقوقك، فحقك كأم في الإسلام مقدم على حق الأب كما جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما سأله الرجل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، ورددها ثلاثاً. وكفل حقك وأنت طفلة عندما أنقذها من براثن الجاهلية التي كانت تفتك بها وتغتالها، قال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير 8-9]، وكفل الله تعالى حقها و هي زوجة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «استوصوا بالنساء خيراً» ولو ذهبنا نتتبع النصوص الشرعية الواردة في بر الوالدين وفي الإحسان للبنات والزوجة لطال المقام بنا. أذكرك يا أختي فأعدي للسؤال جواباً.
إن الله سبحانه وتعالى خالق البشر وهو الأعلم بما يناسبهم؛ ولهذا أنزل الله تعالى الإسلام آخر الرسالات السماوية، أرسله نظام حياة لينظم حياة الإنسان في كل الجوانب والعلاقات، فما ترك من شيء إلا وبيَّن حكمه.. ومن اتخذ غير الإسلام ديناً وعقيدةً ينظم بها حياته فقد عاش عيشةً ضنكاً وخسر دنياه وآخرته. إن الحكم بما أنزل الله فقط هو الطريق الوحيد للسعادة. يقول الله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت 46]، ويقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة 50]. وما القوامة والولاية والطلاق والعدة إلا أحكام شرعية يتلقاها المسلمون بالقبول والتسليم والتطبيق ويتعبدون الله بتطبيقها.
أختي كوني كالمرأة التي غفر الله لها بطاعة زوجها وعدم خروجها لرؤية أبيها الذي كانت توافيه المنية. ولا تكوني كالزوجة التي تلعنها الملائكة بهجرها فراش زوجها. إن الإسلام جعل الزينة وسيلة لا غاية، وسيلة لتلبية نداء الأنوثة في المرأة وللظهور أمام زوجها بالمظهر الذي يجلب المحبة ويديم المودة. إن الإسلام يرفض إضاعة الوقت في الزينة وبالتالي لا يرضى بإضاعته في البحث عن وسائل الزينة ومتابعة المستحدثات وكثرة ارتياد الأسواق.

حاملة دعوة من بيت المقدس

المصدر: مجلة الوعي

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2008

اليأس لا يصنع شيئاً



تسيطر على حياة كثير من المسلمين اليوم سحابة قاتمة من اليأس، ويشعر طائفة منهم أن الواقع الذي يعيشونه لا مناص لهم منه ولا خلاص. كثير من المسلمين يشعر أن واقعه لا يمكن أن يتفق مع ما يقتنع به، ويتطلع للتغيير، لكنه ما يلبث أن يصل به الأمر إلى اليأس من تغيير هذا الواقع الذي يعيشه. والأمر يتجاوز ذلك إلى واقع الأمة، فلست اليوم بحاجة إلى أن تقنع أحداً من المسلمين بسوء واقع الأمة وتردي حالها، لكن هذا قد أدى بطائفة من الساعين إلى التغيير، بل بطائفة من الغيورين الصادقين إلى أن سيطر عليهم اليأس، وأدركهم القنوط وشعروا أن الأمر قد خرج من طوقهم وإرادتهم.

عوامل اليأس:

أيها الإخوة ... إن هذا اليأس الذي سيطر على كثير من المسلمين أدت إليه عوامل عدة، منها:

العامل الأول: انتشار الفساد وغربة الدين. من يتأمل واقع المسلمين اليوم يجد أن مظاهر الفساد قد انتشرت في حياتهم واستفحلت بهدم دولة الخلافة؛ فالمنكرات الظاهرة أصبحت معلماً بارزاً وظاهراً في بلاد المسلمين، وأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً في معظم مجالات الحياة تحت حكم أنظمة الكفر في بلاد المسلمين. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حال هذا الدين بقوله: "بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء" فانتشار هذا الفساد واستمرار المنكرات وظهورها في بلاد المسلمين وحياتهم أدى بفئة كبيرة من المسلمين إلى اليأس من تغير الأحوال، وإلى الشعور بأن هذا الفساد أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقع المسلمين وحياتهم.

العامل الثاني: صعوبة التغيير وبطؤ حركته في نظر اليائسين. لئن كان واقع المسلمين اليوم يعاني من الفساد، فالمستقبل في نظر اليائسين لا يبعث على التفاؤل؛ فالاتجاه من معطيات الواقع يسير إلى مزيد من الانفتاح على الفساد، ويسير إلى مزيد من الغربة.

العامل الثالث: التحديات الجديدة. إن التحديات الجديدة تنذر بمستقبل لا يعلم حاله إلا الله عز وجل؛ ففي ظل عصر العولمة وعصر الانفتاح على العالم ستزول خصوصية المجتمع، وتتضاءل إمكانات المجتمعات المحافظة في السيطرة على أبنائها، خاصة في ظل غياب دولة الإسلام، فمجتمعاتنا اليوم تعيش انفتاحاً على المجتمعات الأخرى، من خلال السفر والاحتكاك بالمجتمعات الأخرى، أو من خلال وسائل الاتصالات والمواصلات، لكن هذا الانفتاح وهذا الاتصال سيصبح حسب التوقعات لا شيء بالنسبة لما نحن فيه، سيصبح الإنسان وهو في غرفته في قرية منعزلة ليس بينه وبين أن ينفتح على العالم بكل ما فيه، وأن يتعامل مع أي ثقافة وأي ملة، ويخاطب أي إنسان، وأن يلج أي باب من أبواب الشهوات أو الشبهات، ليس بينه وبين ذلك إلا مجرد ضغطة زر في الكمبيوتر، ومع اتجاه العولمة والانفتاح ستذوب الفوارق، وستصبح سيطرة المجتمعات ومحافظتها أقل مما هي عليه من ذي قبل، بل ستصبح سيطرتها محدودة في ظل هذا السيل الجارف من الغزو العالمي.

العامل الرابع: تباين القوى والإمكانيات في عملية التغيير. رغم تباين قوى التغيير وتفاوتها فإننا نستطيع أن نصنفها في تيارين: قوة حملة الدعوة التي تريد أن تعيد الأمة إلى أصالتها ومنهجها الشرعي، وقوى الكفر الأخرى التي تريد أن تقود الأمة نحو الفساد. وحينما تقارن بين إمكانات القوتين فالأمر ليس فيه مجال للمقارنة، فقوى الكفر التي تدفع المجتمع للفساد هي قوة أكبر وأكثر ضغطاً وإمكانيات، بينما قوة حملة الدعوة التي تشد الأمة إلى الأصالة وتريد أن تعود بها إلى عزها ومجدها قوى متواضعة الإمكانيات، هذا التفاوت الذي حدا بأهل اليأس إلى نسيان حقيقة أن النصر حليف أهل الحق وإن قلّوا.


العامل الخامس: طريقة التفكير وحديث الناس. فطريقة تفكير هؤلاء دائماً تنظر إلى الجانب المظلم والجانب السيئ، وحديثهم الذي يتعلق بواقع الأمة غالباً ما يكون حديثاً ناقداً متشائماً، بل حتى الصور الإيجابية يحولها هؤلاء إلى سلبية.
هذه بعض العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة اليأس وسيطرتها على اليائسين، والأمر يهون حين يكون الشعور باليأس لدى فئة من عامة الناس، لكن تجد أن هذا اليأس يتسرب إلى فئة ينتظر منهم أن يشاركوا في عملية التغيير، فتجد أن هذه اللغة تسود وتسيطر في بعض مجالس الذين يتمثل فيهم أمل الأمة في التغيير. إن هذه العوامل التي أدت إلى تسلل اليأس عند فئة من الأمة تحتاج إلى نقاشها ومعالجتها في هذه الجلسة الطيبة.

آثار اليأس:
إن شجرة اليأس تثمر ثماراً مرة، منها:

أولاً: أن اليأس لا يمكن أن يصنع شيئاً. إن اليأس لا يدفع للعمل، ولا يحرك ساكناً، ولا يثير همة، بل غاية ما يتركه من أثر على صاحبه أن يبقى ينتظر النهاية الأليمة، فلو أن إنساناً في مكان شب فيه حريق وسيطر عليه الشعور بأن ليس هناك مخرج ولا نجاة، فماذا يستطيع أن يصنع؟ إنه لا يصنع شيئاً، لن يفكر، ولن يحتال، بل سيبقى فقط ينتظر الموت والنهاية. إذاً فاليأس لا يصنع شيئاً ولا يدفع للعمل.

ثانياً: اليائس يثبط من حوله ولا يقف ضرره على نفسه. إن اليائس دوماً يتحدث مع الآخرين بألفاظ مثل: لا أمل، وأنت تتعامل مع واقع محدود، والسيل جارف، والأمر أكبر مما تتصور فلا تشغل نفسك بمثل هذه الأمور، انشغل بخاصة نفسك أو انتظر حتى تحدث تغييرات أو أمور أخرى غير محسوبة، واليائس يئد المشاريع والأفكار الطموحة، فحين تنشأ أفكار ومشروعات فيها نوع من الطموح والتميز ويتوقع منها أصحابها أن تنتج وتثمر، هذه المشروعات حين تثار في مجتمع اليائسين فإنها توأد دائماً، فهم ينظرون إلى مواقع الفشل ويتنبؤون بفشل مثل هذه المشروعات وهذه الأعمال قبل نجاحها.

ثالثاً: اليأس يولد عقلية تفهم الأحداث فهماً خاطئاً يؤثر على نفسية صاحبه فاليائس عادة ما يفترض مخاطر لم تقع أصلاً ويتوهم ذلك، وتتحول الأوهام عنده إلى حقائق وتصبح الأحلام واقعاً ملموساً. هذا على مستوى ما لم يقع. أما على مستوى الأحداث التي تقع فهو يفهمها فهماً آخر، فهماً يتفق مع نفسيته اليائسة التي سيطر عليها الوهن، فهو لا ينظر إلى الأحداث كما هي، ولا ينظر إليها نظرة موضوعية أو محايدة، إنما ينظر إليها من خلال نفسيته وطريقة تفكيره. فهو يشكك في صحة الأخبار السارة أو يهون من شأنها، إنك لو حدثته عن أخبار الدعوة وانتشارها فإنك تراه يهون من شأنها ويقول لك إن هذه ظاهرة محدودة وضعيفة وهزيلة، وحينما تصل أخبار سارة فهو يبحث لها عن تفسير يتفق مع طريقة تفكيره ويشكك في حقيقة هذه الأحداث التي حصلت.

رابعاً: اليائس ينظر إلى السلبيات والأخطاء ويضخمها. إن الجهد البشري لا يمكن أن يسلم من خطأ سواءٌ أكان على مستوى الأفراد أنفسهم أو الجماعة، فـ(كل ابن آدم خطاء) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، والمرء لا بد أن يذنب ولا بد أن يقصر والتقصير صفة ملازمة للبشر أياً كانوا وهذا التقصير لا بد أن يظهر أثره في بعض النواحي، فهي في النهاية نتاج أعمال بشر، والمجتمعات أيضاً هي في النهاية من أحد مكوناتها الأفراد الذين يبقى القصور والضعف أمراً ملازماً لهم، ولهذا فإن أي عمل بشري لا يخلو من تقصير ولا يسلم من أخطاء ولو تأملت هذا لرأيته في واقعك أنت. فأي عمل أو جهد بشري لا بد أن يكون فيه تقصير، واليائسون دائماً ينظرون لهذا الجانب المظلم ويضخمونه، ويتغاضون عن الإيجابيات ويهونون ويقللون من شأنها. إن سيطرة اليأس في النهاية ستخرج لنا أفراداً محبطين وغير عاملين، ولا يمكن أن يصنعوا شيئاً، فمالم يقتنع الأفراد بأنهم يستطيعون أن يغيروا واقعهم، ومالم يعملوا على إقناع المجتمعات بذلك فإن التغيير الذي نريده وننتظره سوف يتأخر.

كيف نتخلص من اليأس؟

أولاً: أن ندرك أن اليأس مذموم شرعاً وعقلاً. إن الناس حين يتخلصون من ضغط الواقع ومؤثراته ويفكرون تفكيراً مجرداً فإنهم يرون أن العمل والتفاؤل أمر لا بد منه، وأنه مهما ساء الواقع فالعمل لا بد أن يترك أثره. واليأس لم يأت في نصوص الشرع إلا في مقام الذم والعيب، بل حين يصل الإنسان اليائس إلى يأسه من روح الله ورحمته، فإن هذا من صفات الكافر كما قال الله عز وجل: ﴿ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَّوْح اللهِ إِلاّ القَوْمُ الكَافِرونَ ﴾ وهذا حكاه الله عز وجل على لسان يعقوب عليه السلام حينما أوصى بنيه أن يبحثوا عن يوسف بعد تلك السنين الطويلة التي ألقوا فيها يوسف في الجب وتخيلوا أنه قد هلك أو ضاع، ثم افتقد ابنه الآخر قال: ﴿ يا بَنِيَّ اْذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يوُسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَّوْح اللهِ إِلاّ القَوْمُ الكَافِرونَ ﴾ . ضروري أن ندرك أن اليأس لا يمكن أن يدفع إلى الأمام، وأن ندرك سوء واقعنا سواءٌ أكان واقعنا الشخصي أو واقع الأمة، ومن المهم أن ندرك حجم التحديات التي تواجهنا وحجم المخاطر وحجم الانحراف الذي يصيب الأمة، لكن ينبغي أن لا يتجاوز هذا الإدراك حده لأنه لا يمكن أن يدفعنا إلى العمل، بل سيدفعنا فيما بعد للقعود والاستسلام. لذا فإننا حينما ندرك أن اليأس مذموم ولا يأتي إلا في مقام الذم والعيب، ندرك أن اليأس لا يدفع للعمل بل يدفع للقعود والتواني والكسل، وسيدفعنا هذا الإدراك إلى أن نتجاوز حالة اليأس التي نعيشها.

ثانياً: الاعتدال في النقد. إن النقد ينبغي أن يكون بموضوعية واتزان فحينما نبالغ في النقد ويتجاوز النقد حده فإن هذا الأمر سيؤدي إلى اليأس، جيء برجل يشرب الخمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلد فسبه رجل، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تعينوا الشيطان عليه" العقوبة التي يستحقها أخذها وهي الجلد فحينما يذموه ويعيبونه ويلعنونه، فإن هذا سيجعل الشيطان يتسلط عليه أكثر.هذا على مستوى الأفراد، أما على مستوى الأمة فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في ذلك فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم". قال الإمام الخطابي رحمه الله: "معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساوئهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم والله أعلم".

ثالثاً: إدراك حقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يوجب علينا إلا ما نطيق ولم يضع لنا أهدافاً مستحيلة التحقق وهو أيضاً شرفنا بحمل الرسالة الخاتمة وأوكل إلينا مهمة قيادة البشرية إلى الهداية فهذا وحده كافٍ لمعالجة اليأس.

رابعاً: النظر في النصوص الشرعية التي تدل على تمكين الدين وانتصار الإسلام. ومنها ما جاء في كتاب الله عز وجل من وعد الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، ﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، ﴿وَعَدَ اللهُ الْذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلنَّهُم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّاً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ . هذا وعد من الله تبارك وتعالى لا بد أن يتحقق ولا بد أن يتم، والذين في قلوبهم مرض أو الذين يسيطر عليهم ضغط الواقع كثيراً ما تغيب عنهم هذه الحقائق في وعد الله تبارك وتعالى. وفي نصوص السنة نجد شواهد كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر ،والنصوص التي يخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن النصر والتمكين نصوص كثيرة ليس هذا مكان للإفاضة في الحديث عنها، لكن الشاهد أن إدراك هذه النصوص مما يزيل اليأس.

خامساً: إدراك أن استحكام اليأس طريق إلى الفرج. والفرج دائماً يأتي بعد شدة اليأس، وبعد أحلك المواقف والصعوبات مصداقاً لقوله سبحانه: حَتْى إِذا استَيأسَ الرُسل وَظَنُوا أَنَّهُم قَدْ كُذِبوا جاءَهُم نَصرُنا .

سادساً: الأحداث السيئة في ظاهرها قد تكون خيراً. قد يكون حدثاً لا يرى منه الناس إلا الوجه السيء فيصبح خيراً والناس لا يعلمون، يقول تعالى: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئَاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثيراً ﴾ . فما حصل لمريم حينما حملت بعيسى حتى قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا ﴾ فكان خيراً لها فحملت بنبيٍّ من أولي العزم من الرسل. وفي حادثة الهجرة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب المادية واختبأ وصاحبه في الغار ثم انصرف،فلحق بهما سراقة حتى اقترب منهما فقال أبو بكر رضي الله عنه هذا سراقة قد أدركنا، الذي يقرأ الحدث الآن ويعيشه يضطرب فالمتبادر للذهن أنه خطر محقق، ولهذا أصاب أبا بكر رضي الله عنه القلق والخوف على النبي صلى الله عليه وسلم وحق له ذلك، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينظر بنور الله تعالى، فخارت قوائم فرس سراقة ودعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم ييأس وحاول مرة ثانية وثالثة حتى عرف سراقة أنه محفوظ بحفظ الله، فلما انصرف سراقة كان كل من لقيه يقول قد كفيتم ما ها هنا، فانظر كيف تحولت الصورة وانقلبت، ولهذا قال الراوي: "كان أول النهار طالباً لهما وفي آخر النهار صاداً عنهما"، إن هذا الحدث يبدو في أوله حدثاً سيئاً، لكنه صار سبباً في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه. إن الأحداث السيئة قد تكون خيراً والمتفائلون هم الذين يبحثون في الأحداث عن البشائر والمبشرات، وليسوا هم أولئك الذين يسيطر عليهم اليأس والقنوط. وحينما نعيش روح التفاؤل فإن الأحداث التي تواجهنا ينبغي أن نتعامل معها باتزان، نعم نحن لا نعيش في أحلام، ولا نتغافل عن المخاطر لكن إذا كنا نريد التغيير فلنبحث عن الجوانب والثغرات التي يمكن من خلالها أن ننطلق للتغيير ونصل إلى الهدف المنشود. وأضرب على ذلك مثالاً: حين جيء بالإمام أحمد رحمه الله ليجلد في الفتنة ووضعوه في السجن مع اللصوص وقطاع الطرق وأتوا به ليجلد أمسك به رجل وقال: أتعرفني؟ قال: لا، فذكر له ما هو عليه من السرقة وقطع الطريق، وقال: أني جلدت كذا وكذا في السرقة فلم يردني ذلك عن السرقة، وأنت تجلد على الحق فأنت أولى مني أن تثبت، هذا رجل مجرم ولا يزال مصراً على الجريمة، ولكن عنده بذرة خير جاء لينصح الإمام أحمد ويثبته، يبحث عن شيء شاهد من واقعه ينطلق به فلا يجد إلا تاريخ فساد فيستغل تاريخه في الفساد ليكون منطلقاً ليثبت من خلاله الإمام أحمد.

سابعاً: قراءة التاريخ. حين نقرأ التاريخ سنجد أن الفرج دائماً يأتي بعد الشدة والضيق ولنضرب على ذلك نماذج:


 .1في قصة موسى مع بني إسرائيل، جاء موسى وقد تسلط فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم واستذلهم، ثم حصل ما حصل، فأمره الله عز وجل أن يخرج مع بني إسرائيل، فخرجوا فلحقهم فرعون وقومه حتى كانوا أمام الخطر المحدق، البحر أمامهم وفرعون وراءهم ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. في الماضي كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ومع ذلك يمكن أن يسلم بعضهم ويبقى، أما الآن فبنو إسرائيل محصورون وليس أمامهم إلا الإبادة، فقد شعروا بأن حياتهم منتهية فحصل الفرج ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسَى أَن اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيم * وَأَزْلَفنَا ثَمَّ الآخَرينَ * وَأَنجيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴾.

.2في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نماذج عدة، منها:

أ- حادثة الهجرة، فقد حاصر المشركون بيت النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه صلى الله عليه وسلم لم ينم في بيته وخرج وصاحبه إلى الغار واختفيا فيه وخرجا من طريق آخر، وكان المشركون قد استنفروا قواهم ليظفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه حياً أو ميتاً، وبلغ الأمر غاية الشدة فما الذي حصل بعد ذلك؟ استقر المسلمون وأقاموا الدولة، وبنوا المسجد وصلوا مطمئنين.


ب- جاءت غزوة الأحزاب بعد ما أصاب المسلمين ما أصابهم في غزوة أحد يريدون أن يقضوا على هذه الطائفة تماماً، وجيشوا الجيوش وجاءت الآلاف المؤلفة من الأحزاب إلى المدينة وحاصرتها، اليهود من ورائهم والأحزاب من أمامهم، حتى صار الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَة اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ ريِحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكَانَ اللهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إذْ جَاؤُوكُم مِن فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتْ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ حتى بلغ بهم أن صار أحدهم لا يستطيع أن يذهب ليقضي حاجته وحده وحوصروا حصاراً صارماً، والموقف ليس حرباً متكافئة الطرفين أو أنه ستغلب مجموعة وتنهزم الأخرى، إنما الموقف في غاية الخطر والخطر الداهم الذي يمكن أن يجتاح المدينة كلها ويبيدها تماماً، حتى نجم النفاق وقالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، وبعد ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا".


ج- صلح الحديبية وما جاء فيه من شروط أسخطت بعض الصحابة وكيف تبين أن هذا الصلح بكل شروطه كان خيراً للمسلمين وتجلى ذلك في قصة أبي بصير وفي تحول الصلح إلى مقدمة لفتح مكة الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿إِنْا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيناً﴾.

د- مات النبي صلى الله عليه وسلم وأصاب المسلمين ما أصابهم وارتدت قبائل العرب حتى ما بقي إلا المدينة ومكة والطائف ومن حولهم من الصادقين، حتى كادت طائفة منهم أن يشعروا باليأس ثم فرج الله تعالى لهم فما أن انتهت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه والتي لم تتجاوز السنتين وبضعة أشهر حتى أخضعت الجزيرة العربية كلها، وعاد المرتدون إلى دولة الإسلام وبدأت الفتوحات في بلاد فارس والروم، وبدأ المسلمون يغزون فارس والروم بعد سنتين وبضعة أشهر.

3- استقرت دولة الإسلام وحدثت أحداث عدة، ومن أبرزها حدثان: غزو الصليبيين لبيت المقدس، وغزو التتار. يقول ابن كثير رحمه الله: "ثم دخلت سنة اثنين وتسعين وأربعمائة حتى أخذت الفرنجة بيت المقدس، ولما كانت ضحى يوم الجمعة من سبع بقين من شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنجة لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من سبعين ألف قتيل من المسلمين". واستولى الصليبيون على بيت المقدس وبقي في أيديهم تسعين سنة، ثم بعد ذلك كتب الله النصر والتمكين للأمة وأعيد البيت الشريف.

4- كارثة التتار وأنقل لكم مما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله "حينما دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة وانقضت دولة بني العباس منها".
ويقول: "وصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر أحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة لا يبلغون عشرة آلاف فارس وهم في غاية الضعف وبقية الجيش كلهم قد صرفوا من إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم بالأسواق وأبواب المساجد وأنشد الشعراء فيهم قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله".
ويقول: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقين الوسخ وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة –إنا لله وإنا إليه راجعون- وكذلك في المساجد والجوامع والرباع ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا عليهم أماناً بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة".
يقول: "وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله أعلم –فإنا لله وإنا إليه راجعون- فكان الرجل يستدعى من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه وجواريه ويذهب به إلى حفيرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة وقتل الخطباء والمؤذنون والأئمة وحملة القرآن وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد" ثم قال: "انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً وصارت بغداد خاوية على عروشها ليس فيها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببهم الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغيير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الوباء والغلاء والفناء والطعن والطاعون –فإنا لله وإنا إليه راجعون- ولما نودي في بغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنا والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن فاتهم من القتلى واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى".

هذه مقتطفات مما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله حول ما أصاب المسلمين في غزو بغداد. هذه المآسي وقعت في بغداد حتى سيطر على المسلمين اليأس وشعروا أن التتار قوة لا تهزم، ثم استفاقت الأمة بعد ذلك وقاتلوا التتار وهزموهم وعادت الأمة إلى مجدها ونصرها.

إذن هذه النماذج للأمة التي استفاقت بعد الردة، الأمة التي استفاقت بعد غزو الصليبيين، الأمة التي استفاقت بعد مجازر التتار وغزوهم، وهي قادرة بإذن الله أن تستفيق وأن تنتصر، وقراءة التاريخ تعطينا الدرس والعبرة لكن اليائسين لا يعتبرون، والنصر لا يكتب لليائس، والتغيير لا يمكن أن يتم على أيدي اليائسين.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نيأس من روحك ورحمتك إنك سميع مجيب

الغريب