بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
1-نص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة ، مثل قوله تعالى:(السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما).
2-نص قطعي الثبوت، ظني الدلالة مثل قوله تعالى:(أو لامستم النساء).
3-نص ظني الثبوت، قطعي الدلالة كحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من صام رمضان واتبعه بست من شوال".
4-نص ظني الثبوت، ظني الدلالة كحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من باع بيعتين في بيعة واحدة فله أوكسهما".
ومن البديهي أنه حيثما وجدت المظنة وجد احتمال الاختلاف. ولهذا قد اهتدى إلى القول بأن الأصل أن نجعل من القرآن الكريم منهجا وطريقة نفهمها من المواضيع التي كانت تتضمنها الآيات حين نزلت ومن تتبع هذه المواضيع حسب ترتيب نزولها نستطيع أن نجد نهج القرآن في الدعوة.
وكان البحث مبنيا على قوله تعالى مخاطبا رسوله:(لتبين للناس ما نزل إليهم)، فمهمة رسول الله هي بيان ما يتنزل عليه من قرآن، فإذا فهمنا ما كان يتنزل عليه فهمنا المواضيع والوقائع التي كان يتعامل معها.
وحين يجمع الجميع على أن قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) كان بداية مرحلة جديدة منهم من سماها الجهر بالدعوة، وما قبلها كان مرحلة سرية، ومنهم من قال عنها أنها مرحلة الجهر بالتكتل فالدعوة كانت جهرا منذ اليوم الأول. فعلى كل أجمع الجميع أنها مرحلة جديدة فإذا نظرنا فيما سبقها من السور استطعنا أن نعرف المواضيع والوقائع التي كانت تتناولها فقد نزل قبل هذه الآية ما يزيد على 47 سورة.
فبحث العقيدة مثلا وجزيئاتها مقطوع به. والنظر في آلاء الله كذلك.
والتصدي لافكار الكفر، ومهاجمة العلاقات الفاسدة والرد والتصدي لقادة السوء وأولياء الشيطان مواضيع عالجها القرآن الكريم في آيات وسور متعددة فلا مجال للأخذ والرد بها.
كما أن وجوب تطبيق الإسلام في الحياة حكم شرعي قطعي ملزم للجميع وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بوجود سلطان يقيم الحدود ويرعى الشؤون ويحمي الثغور ويحمل الدعوة للعالم.
وبهذا تتحد هذه الفئات بالهدف والمواضيع وتبقى على اختلافها في تبني الاحكام ووضع الخطط والاساليب.
الناشر
تمهيد
عن الحارث بن الأعور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول:"إنها ستكون فتن، قلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة رد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي من تركه جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، هو الذي من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه دعا إلى صراط مستقيم" رواه الدارمي (فضائل القرآن).
أ-مبينة للكتاب وموضحة لمعانيه.
ب-مفصلة لمجمله(مثل بيان عدد ركعات الصلاة وكيفيتها).
ج-مخصصة لعمومه.
هـ-ملحقة فرعا بأصل.
و-وأحكاما أخرى انفردت فيها ولم تذكر في القرآن.
وهذا كله وحي من الله كذلك، عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول أو العمل أو التقرير. فدراسة السورة، ومعرفة مواضيعها، ومعرفة الزمن الذي نزلت فيه، يبين المواضيع التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصدى لها في تلك المرحلة.
1-العلق 24-عبس 47-الشعراء
2-القلم 25-القدر 48-النمل
3-المزمل 26-الشمس 49-القصص
4-المدثر 27-البروج 50-الإسراء
5-الفاتحة 28-التين 51-يونس
6-المسد 29-قريش 52-هود
7-التكوير 30-القارعة 53-يوسف
8-الأعلى 31-القيامة 54-الحجر
9-الليل 32-الهمزة 55-الانعام
10-الفجر 33-المرسلات 56-الصافات
11-الضحى 34-قَ 57-لقمان
12-الانشراح 35-البلد 58-سبأ
13-العصر 36-الطارق 59-الزمر
14-العاديات 37-القمر 60-غافر
15-الكوثر 38-صَ 61-فصلت
16-التكاثر 39-الاعراف 62-الشورى
17-الماعون 40-الجن 63-الزخرف
18-الكافرون 41-يَس 64-الدخان
19-الفيل 42-الفرقان 65-الجاثية
20-الفلق 43-فاطر 66-الأحقاف
21-الناس 44-مريم 67-الذاريات
22-الإخلاص 45-طه 68-الغاشية
23-النجم 46-الواقعة 69-الكهف
70-النحل 76-الطور 82-الانفطار
71-نوح 77-الملك 83-الانشقاق
72-ابراهيم 78-الحاقة 84-الروم
73-الأنبياء 79-المعارج 85-العنكبوت
74-المؤمنون 80-النبأ 86-المطففين
75-السجدة 81-النازعات
أما السور المدنية فهي:
1-البقرة 11-الأحزاب 20-الممتحنة
2-آل عمران 12-محمد(القتال) 21-الصف
3-النساء 13-الفتح 22-الجمعة
4-المائدة 14-الحجرات 23-المنافقون
5-الأنفال 15-الرحمن 24-التغابن
6-براءة 16-البينة 25-الطلاق
7-الرعد 17-الحديد 26-التحريم
8-الإنسان 18-المجادلة 27-الزلزلة
9-الحج 19-الحشر 28-النصر
10-النور
مقدمة
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون وهو القائل كما روي عنه "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم من لا يرحمكم، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم"(3) وهو القائل: "نضر الله وجه أمرىء سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فلرب مبلغ أوعى من سامع"(4) أو كما قال.
-----------------------
(2)143 م البقرة.
(3) رواه أبو داود في الملاحم والترمذي في الفتن وابن حنبل في مسنده.
(4) رواه أبو داود، والترمذي في باب العلم وابن ماجه في مقدمته وفي باب المناسك، والدارمي في المقدمة وأحمد بن حنبل في مسنده.
أما بعد، فقد بين الإسلام معنى وجود الإنسان في الحياة، وبناء عليه فقد حدد له عمله الأساسي في الحياة، قال تعالى:" إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين"(2) وقال أيضا:"إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له،وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"(3).
وقال تعالى:" إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إنّ ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين".(4)
وقال:"ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".(5)
(2) 79ك الأنعام
(5) 33 ك فصلت
"وابتغ فيما آتاك الله الدار الأخر،ولا تنس نصيبك من الدنيا،وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض".(2)
من هذا الإدراك لمعنى وجود المسلم في الحياة، اندفع المفكرون القادة يبيّنون للشباب المسلم ما يجب أن يكون عليه فما بخلوا بجهد، ولا تقاعسوا في موقف، ولا ضنوا بتضحية، والتف حولهم جمهرة من الشباب المسلم، فحملوا معهم مشعل الهداية للأمة، ومعاول تعبيد الطريق للوصول إلى الهدف المنشود، حتى بدأت الحيوية تدب في الأمة من جديد، وبدأت تستعيد ثقتها بنفسها وبدينها، وأخذت تتململ بعد غفوة طال مداها، وصارت الحركة تدب في أوصالها بعد سبات طويل، وأخذت تنقشع تلك الغمامة عن بصيرتها بعد أن حجبت عنها النور ردحاً من الزمن، فجزاهم الله عن المسلمين كل خير، وحقق لهم ما نذروا أنفسهم من أجله، وأنجز لهم ما وعد المؤمنين به-النصر-(وكان حقا علينا نصر المؤمنين)(3) .
(2)77 ك القصص
(3)47 ك الروم
القرآن الكريم
القرآن:
(2) 24 م محمد
ومنهم من ذهب بعيدا ليبحث في اللفتات العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم، وكأن القرآن كتاب علمي يبحث في القوانين الطبيعية والسنن الكونية، ومنهم من اهتم بالقصص القرآني مستعينا بالإسرائيليات، لتوضيح ما أوجزه القرآن الكريم وتخطاه، وهو ما يسمى بالإسرائيليات، أي ما يقال إنه ورد في التوراة إلى غير ذلك من بحوث في علم الكلام والصفات وغير ذلك، ثم استعمله البعض تعاويذ وحجبا وغير ذلك.
هذا غيض من فيض من الجهود التي بذلت في فهم القرآن الكريم وتدبر آياته وإدراك معانيه، وما زال هذا الكتاب موضع اهتمام المسلمين ومركز تنبههم لإدراك ما فاتهم فهمه، أو ما يتناسب مع الوقائع الجارية والأحداث المتجددة.
ولا يقال لم أهمل علماء المسلمين وفقاؤهم مثل هذا البحث، لا يقال ذلك فالواقع الذي كان يعيشه علماء المسلمين طيلة العصور يبعدهم عن التفكير في مثل هذا الأمر، فالمجتمع الإسلامي قائم، ودولة الإسلام وسلطانه يهيمنان على المعمورة، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس، كما كانوا أمة وسطا يشهدون على العالم أجمع بتبليغهم رسالة الإسلام. هذا الأمر جعلهم بعيدين عن البحث.
ولهذا فإنني أهيب بعلماء الأمة ومفكريها وقادتها وقادة الأحزاب فيها أن يولوا هذا الأمر اهتمامهم، وإعادة النظر في السيرة الشريفة على ضوء القرآن الكريم لتفهم السيرة كمنهاج دعوة، وطريقة معينة ثابتة، لإعادة إقامة سلطان المسلمين، واستئناف الحياة الإسلامية، وحمل الإسلام للعالم، تماما بنفس الكيفية التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلافيا للوقوع في المحظور وهو ما يقع به البعض، أي عدم المزج بين الفكرة والطريقة، وليس هناك اختلاف في المواضيع التي تضمنها القرآن الكريم في نهجه، والمطلوب هو ترتيب هذه المواضيع حسب النزول وأسباب النزول، لأنها هي المفتاح الحقيقي لفهم مراحل الدعوة، وما تتطلبه كل مرحلة من أفكار أو أعمال، وتكوين فكرة كاملة عن هذا النهج القرآني في بناء المجتمع ، وإقامة الدولة، وقيادة العالم.
فإلى وضع نهج قويم، وفهم سليم للسيرة على ضوء القرآن الكريم، ندعوكم أيها المخلصون.
صخور على جانبي الطريق
إن تعدد الفئات والأحزاب والجماعات الإسلامية أمر حتمي، ومحاولة توحيد ما هو موجود من أحزاب وفئات وجماعات أمر مستحيل، ومخالف للعقل والشرع، هذا مع افتراض الإخلاص الخالص في هذه التكتلات قادة وأفراداً، وحرصهم جميعاً على إعلاء كلمة الله، ووجوب التعاون بين المسلمين والإيمان المطلق بأن المسلم أخو المسلم، وأن المؤمنون إخوة، والقيام على الإصلاح بينهم فرض، ومع ذلك فالعمل لتوحيدهم وجمعهم في جماعة واحدة ضرب من الخيال وعملية مستحيلة ، وهي مخالفة للشرع والعقل، أما أسباب ذلك فهي:
أولاً: إن الإسلام هو الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، أي هو ما جاء به نبينا الأكرم، وحياً من عند الله، القرآن الكريم والسنة الشريفة، أي هما، ما أوحى الله سبحانه وتعالى به إلى رسوله لفظاً ومعنى وهو القرآن الكريم، وما أوحى به معنى وعبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ أو عمل أو إقرار، حيث أن السنة الشريفة هي قول الرسول وعمله وتقريره، أي سكوته في معرض النطق أو تأييده لما حصل أمامه أو بلغه. هذا هو الإسلام ليس غير، أي هو ما جاء به الكتاب والسنة. أي ما نزل به الوحي على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا أقول: إن الثقافة الإسلامية هي ما جاءت به العقيدة الإسلامية من نصوص-آيات وأحاديث-وما تضمنته هذه الآيات والأحاديث من معان، هذا جانب،والجانب الثاني هو ما اقتضته هذه العقيدة من معارف، مثل معارف اللغة العربية، ومن البديهي أن التفاوت في فهم اللغة يؤدي حتما إلى التفاوت في فهم العقيدة والأحكام.
هذا ما جاء به الإسلام:
نصوص تضمنت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولغة تحدثت بها هذه النصوص، ولا تفهم النصوص إلا بها.وبنظرة في مجموع ما جاء من نصوص، وما جاء في هذه النصوص
ومثل هذه النصوص لا مجال للاختلاف فيها، ولم يختلف الناس حولها من حيث أن ثبوتها قطعي-يقيني-كالقرآن الكريم، والسنة المتواترة. أي هي النصوص المحكمة التي لا يختلف اثنان بثبوتها أو دلالتها حيث أن دلالتها لا تحمل أكثر من معنى . مثل قوله تعالى:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"(1) فلم يختلف اثنان من المسلمين بوجوب الحج. فآية القرآن قطعية الثبوت، وليس لها سوى معنى واحد فقط، ولو أنه جرى اختلافات كثيرة في جزيئات هذه المسألة حسب ورود الأدلة في جزئياتها.
ومن مثل قوله تعالى:"أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الغيب الليل"(3)
ومن مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(4)(حديث متواتر).
ومن مثل عدد ركعات الصلوات المكتوبة، سنة عملية متواترة.
فهذه نصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لذا لا يوجد فيها اختلاف بين الأحزاب والجماعات ولا بين الأفراد، فكل مسلم مؤمن بها، ومن ينكرها يكفر.
--------------------------
(1)97 م آل عمران
(2)22 م الحشر
(3) 78 م الإسراء
(4)حديث متواتر رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدرامي وأحمد بن حنبل.
"من كذب علي متعمدا فليتبوأ من النار" حديث متواتر.
من مثل قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم"(1)، فقد ذكر فيها أو لامستم النساء، والملامسة في لغة العرب تعني الجماع وتعني مطلق لمس لذا كان من الطبيعي أن يوجد فيها أكثر من رأي ما هو الحال عند المسلمين.
ومثلها في قوله تعالى:" لا يمسه إلى المطهرون"(2) فقد وجد فيها كذلك أكثر من رأي.
ومثلها في قوله تعالى:"وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة"(3).
ج-نصوص ظنية الثبوت ولكنها قطعية الدلالة:
فقد أخذ أحد المعاني بغلبة الظن، ومن البديهي أن هذا القسم إنما يتعلق فقط بالسنة المطهرة من مثل قوله صلى الله عليه وسلم :" من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فقط غفر له ما تقدم من ذنبه"(4) أو كما قال فإن مدلول هذا النص لا يحتمل إلا معنى واحدا ست من شوال، فليس أربعة ولا خمسة وإنما ستة، وليس من ذي الحجة أو المحرم بل من شوال.
فالمعنى محدد، ولا يحتمل إلا معنى واحدا، فمثل هذا النص ظني من حيث الثبوت وقطعي من حيث الدلالة.
د-نصوص ظنية الثبوت وظنية الدلالة:
ومثل ذلك ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أصحابه بقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"(2) فقد سمع الصحابة أمره مشافهة، ولكنهم اختلفوا في مدلوله. فسماعهم له قطعي لأنهم سمعوا منه مباشرة. أما ما دل عليه الأمر فقد اختلفوا فيه، فمنهم من فهم أنه يريد السرعة، فصلى العصر في الطريق مسرعاً إلى بني قريظة. ومنهم من فهم المكان، فلم يصل حتى وصل إلى ديار بني قريظة فصلى هناك، حتى أنهم صلوها بعد غروب الشمس، ولم يعب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد فهمه، أي أنه أقر الطرفين على فهمهما.
هذه بعض الملاحظات فيما جاءت به النصوص الشرعية، وما تحتمه من اختلافات في الفهم واختيار أحد المعاني، أو في ثبوت الخبر أو عدم ثبوته كالاختلافات بين علماء الحديث من حيث صحة الاحاديث أو ردها، أو عدم جواز الاستدلال بها. هذه من حيث النصوص التي جاءت بها الشريعة وهناك أمر آخر موجب للاختلاف، ولو أنه لا يبعد كثيرا عما أشرنا إليه، ذلك أنه من المعروف بداهة أن هذه النصوص-الآيات والاحاديث-بمنزلة لا يرقى إليها أحد من حيث البلاغة والإعجاز في الأسلوب-أعني بالنسبة للقرآن الكريم- وقد حيرت عقول البشر، وأعجزت فحول اللغة عن الإتيان بمثلها، من حيث الفصاحة والقوة والجمال. ولهذا فإن سبر غورها، وإدراك كامل معانيها أمر يتفاوت به الناس، وكانت من العمق والشمول بحيث أنها جاءت لمعالجة مشكلة الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور، ليس في عصر النبوة فحسب بل منذ ذلك العصر وإلى يوم الدين، بالرغم من تجدد الأحداث، وتعدد الوسائل، وتطور الحاجات. وفهم هذه النصوص، وكيفية معالجتها للوقائع والأحداث المتجددة، أمر بديهي أن يتفاوت به الناس.
(1) رواه أبو داود في باب (البيوع).
ثانيا: من المعروف أن الإسلام جاء يخاطب عقول الناس، وجعل العقل مناط التكليف، وكان العقل كذلك هو وسيلة فهم ما جاءت به تلك النصوص. وبالنظر في واقع الإنسان نجد أن التفاوت بين الناس واضحا بيناً، سواء التفاوت في المعارف المكتسبة، أو القدرة التي وهبهم الله إياها مثلا:
أ-التفاوت بالذكاء:
فما لا شك فيه، والمدرك أمام العين، أن الناس متفاوتون بالذكاء والقدرة على إدراك الأمور، وذلك تبعاً لما أنعم الله به على الإنسان. نعم إن كل إنسان عنده عقل ويستطيع أن يدرك الأمور، ويعرف ماذا أراد الله منه، ولكن هذا الإدراك وهذه المعرفة تتفاوت بين بني البشر، ولا دخل للإنسان بها.
ب-التفاوت في القدرات الجسمية:
كالإحساس وغيره، وهذه حقيقة ملموسة كذلك ولا دخل للإنسان بها.
إن فهم النصوص ومعرفة مدلولاتها والتمييز بينها في الثبوت وغيره يتطلب معلومات خاصة توضح ذلك. فلمعرفة مدلولات النصوص لا بد من معارف لغوية تمكنه من فهم هذه النصوص، والتمييز بينها يتطلب معارف من نوع آخر مثل علم الحديث، وعلم الرجال وغير ذلك، كما يتطلب الكثير من المعارف الشرعية. و هذه معارف مكتسبة والناس متفاوتون فيها وفي إمكانية الحصول عليها.
وما دام التفاوت قائما فالاختلاف في فهم الأمور حتمي بين الناس، وكان الاختلاف حتميا في فهم أحكام الإسلام وشرائعه وعقائده، وقد بدأ هذا الاختلاف في الفهم منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رويت عشرات الحوادث التي ظهر فيها الاختلاف في الفهم في عهده صلى الله عليه وسلم، مثل مسألة الأسرى، ومثل صلح الحديبية، واستمرت الخلافات بين الصحابة الكرام بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، مثل اختلاف أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما في مسألة الطلاق، هذا يقول طلاق الثلاثة واحد، والآخر يقول طلاق الثلاثة ثلاث، ومسألة توزيع الغنائم، فهذا يرى التساوي في التوزيع، والآخر يرى التفاضل، ومسألة حرب الردة، ومسألة بعث جيش أسامة وغيرها الكثير من الحوادث، ثم في عهد عمر رضي الله عنه، بينه وبين غيره من الصحابة كعثمان وعلي وغيرهم في مسألة الخراج، وفي كثير من المسائل، وكما حدث في زمن عثمان رضي الله عنه، وفي زمن علي كرم الله وجهه رضوان الله عليهم أجمعين، وحادثة اختيار خليفة للمسلمين بعد مقتل سيدنا عمر، حين سحب عبد الرحمن بن عوف نفسه منها، وأصبح حكما فيها، فسأل علياً هل تبايعني على كتاب الله وسنة رسول الله وما سار عليه الشيخان. فأجاب علي بقوله أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله وأجتهد رأيي. وفي هذه دليل واضح على وجود الاختلافات في الفهم بين خير البشر بعد الأنبياء. واستمرت الاختلافات في كل عصر حتى اليوم، وستبقى أبد الدهر، للأسباب التي ذكرناها، أي لطبيعة النصوص ولتفاوت الناس في الفهم، وأبرز ما يشاهد من تلك الاختلافات السالفة، اختلافات علماء الحديث كالبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم . واختلافات علماء الفقه مثل مالك وأبو حنفية والشافعي وجعفر وزيد والأوزاعي وغيرهم، وتتابعت الاختلافات بين تلامذتهم كذلك، وجميع هؤلاء لا يشك أحد من المسلمين في اخلاصهم، وكما حدث من اختلافات في الأمور الفقهية حدث مثلها في مسائل العقيدة والأفكار المتعلقة بها، وما نشأ على هذه الاختلافات من مدارس فكرية، كالمعتزلة والجبرية وأهل السنة، إلى غير ذلك من الاختلافات.
وكما قلنا إن التباين والتفاوت في الإدراك بين بني البشر، والتفاوت في المعارف والمعلومات المكتسبة عندهم، وطبيعة النصوص وما فيها من قوة وشمول وعمق، كلها أمور أساسية تحتم وجود الاختلافات، وإنه لمن المستحيل تخطي هذه الحقائق، وتجاوز هذه الأمور، ولذلك فمن العبث إضاعة الجهد في هذا السبيل، سبيل العمل على وحدة الأحزاب والتكتلات.
ومثل هذا الاختلاف في فهم الإسلام وفهم ما جاءت به الشريعة من نصوص كالاختلافات العقيدية والفكرية والفقهية، هناك اختلافات أيضا في فهم طريق الرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية حمل الدعوة ، و في كيفية إيصالها للتطبيق و التنفيذ، وفي كيفية إيجادها في واقع الحياة، والمحافظة على هذا الوجود، وفي كيفية إقامة الدولة وفي كيفية رعايته لشؤون الناس، وفي كيفية حمله الإسلام للعالم ، وحربه وسلمه وعهده، أي بعلاقة دولته مع غيرها من الدول.
نعم هناك اختلافات حتمية في فهم هذه الأمور، ولنفس الأسباب التي ذكرناها في فهم الشريعة وما جاءت به.
بقيت نقطة واحدة، هل هذا يعني تمزق المسلمين وشرذمتهم؟ وهل هذا يعني بقاءهم شيعا وأحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون،وليذيق بعضهم بأس بعض؟ مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:"إنما المؤمنون أخوة"(1) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"المسلم أخو المسلم"(2).
إن ما أشرت إليه من حتمية وجود الاختلاف، هي اختلافات فكرية، ولا يجوز مطلقا أن تتعدى نطاق الفكر، أو أن تؤثر على علاقة المسلمين فيما بينهم كمسلمين، أي كإخوة أحبة بالرغم من وجود الاختلافات ويبقى المسلمون أمة واحدة من دون الناس. أما ما يجمعهم في دولة، وما يوحد علاقاتهم، وما ينظم حياتهم بنظام واحد، وما يجعل حربهم واحدة، وسلمهم واحدة، فهو من أنابوه عنهم ليقوم بما فرض الله عليهم، أي الخليفة، فكان وجود الخليفة هو العلاج لما قد يبدو أنه مشكلة، أي الاختلافات، هذا العلاج الذي أوجبه الله على المسلمين، وحرم عليهم أن يبيتوا ثلاثة أيام وليس في عنقهم بيعة لأمير منهم،"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"(3) وأوجب عليهم جميعا طاعته" من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له"(4) وجعل كلمته وأوامره ملزمة عمليا لكل مسلم.
---------------------------
هذه هي بعض مصادر الاختلافات الحتمية التي تنشأ بين البشر، وهذا سبيل معالجتها فلا يجوز إضاعة الوقت والجهد في أمر يستحيل تنفيذه عقلا، ويعتبر ضربا من الخيال، كالدعوة إلى جمع جميع الجماعات الإسلامية في جماعة واحدة، أو إيجاد وحدة أو اتحاد بين التكتلات والأحزاب الإسلامية، أما ما يجب على المسلم المخلص هو العمل لإيجاد ما يوحد الأمة، ويجمع الكلمة، ويعيد للمسلمين عزّهم ومجدهم على أن يجعل القاعدة الأساسية في أعماله هي "الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي" فلا يتبع الأخف الأسهل، ولا يختار الأشق الأصعب، بل يقوم بتنفيذ ما جاء به الشرع، وليس اتباع الهوى"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم..."(3) بل يجعل كل أعماله مقيدة بالحكم الشرعي المستنبط من الدليل الشرعي في كل شأن من شؤون الحياة فكيف إذا كان هذا العمل هو الدعوة إلى الله، الدعوة لايجاد الإسلام في واقع الحياة، الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية ، السير على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
-------------------------
الاختلافات في فهم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
لهذا فإن ما ندعو إليه المسلمين بشكل عام، وحملة الدعوة بشكل خاص، لأية جماعة انتموا، أو لأي حزب انتسبوا أن يحتكموا دائما إلى الكتاب والسنة، والعمل بحسب غلبة الظن، أي حسب الحكم الشرعي فكما قلنا إن القاعدة الشرعية "الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي" تحتم الالتزام بالحكم الشرعي وتوجب الابتعاد عن الاحتكام للعقل أو المصلحة، بغض النظر عن اختلاف العصر، وتطور الوسائل والحاجات، فالاحكام الشرعية ثابتة لا تتغير، منذ أن أنزلت وإلى يوم الدين، ولا يصح أن يقال تتغير الأحكام بتغير الأزمان، كما لا يصح أن يكون العمل بلا هدف ولا غاية، فهو إضاعة للجهد واستنزاف للطاقة، وقتل للحيوية الموجودة في الأمة.
الطريق القويم
وبالنظر في الأمور القطعية التي ليس فيها خلاف، ولا يجوز أن يكون فيها خلاف، نجد هناك أمورا كثيرة لا بد من الالتزام بها في كل جماعة أو كتلة أو حزب أو فرد ومخالفتها تعتبر مخالفة لنهج القرآن الكريم وسيرة سيد المرسلين وسنته المبينة لهذا القرآن. ولا يعذر في تركها مسلم، ومعظمها مما يعرف من الدين بالضرورة مثل:
وهذا واضح جليّ في الأحكام التي خوطب بها المسلمون كجماعة، وأوجب عليهم تنفيذها، وإلا أثموا جميعا، وهي ليست من صلاحيات الفرد، بل لا يجوز للفرد كفرد أن يقوم بها، وتتلخص هذه في أربعة أمور هي إقامة الحدود، ورعاية الشؤون، وحماية الثغور وحمل الدعوة للعالم بالجهاد.
أ-إقامة الحدود:
لقد فرض الله القصاص في الإسلام فقال:(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)(1) وجعل لهذا القصاص نظاماً خاصاً، وأوجب على المسلمين تنفيذ ذلك النظام. وجعلت تلك العقوبات المفروضة زواجر وجوابر، زواجر تحفظ للمجتمع الإسلامي أمنه واستقراره وتردع العابثين والمفسدين، وجوابر تجبر الاثم وتمنع عذاب الآخرة. وكان من تلك العقوبات، عقوبات محددة
لجرائم محددة سميت حدودا كالزنا والقذف والسرقة وعقوباتها الجلد مائة أو الرجم للمحصن، والجلد ثمانين للقاذف وقطع اليد وهكذا. وهناك عقوبات ليست محددة بل ترك تحديدها للقاضي ويطلق عليها عقوبات تعزيرية، وهناك عقوبات يتعلق بها حق الآدمي وهي ما يسمى جنايات، كالدية والقود والأرش، كما جعل التنكيل والتصليب والتقتيل جزاء لأولئك الذين يسعون في الأرض فساداً.
مثل هذه الأمور خوطب بها المسلمون وأوجبها الله عليهم، إلا أنها ليست من مسؤولية الفرد ولا من صلاحياته. ولا يمكن القيام بها إلا بإنابة المسلمين أحدهم، ومبايعته خليفة ليتولى تنفيذ هذه الأعمال المطلوبة منهم. وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لحد يقام في الأرض خير من أن يمطر الناس أربعين يوما"(2) أو كما قال.
ب-رعاية الشؤون:
وكما أوجب الله على المسلمين كجماعة إقامة الحدود، فقد أوجب عليهم رعاية شؤونهم وتنظيم حياتهم، مثل بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وشق الطرق وحفظ الأمن وكفالة اليتيم ورعاية العاجز، وجمع الزكاة ووضعها في مصارفها، إلى غير ذلك من المرافق العامة التي هي من شؤون الجماعة وليست من صلاحية الفرد أو اختصاصه فاستخراج الملكية العامة كالنفط مثلا وتسويقه وتوزيع ريعه على المسلمين ليس من اختصاص الفرد ولا من صلاحيته.
ج-حماية الثغور:
أي حفظ الأمن داخليا وخارجيا، من البديهي أن مثل هذا الأمر لا يمكن أن يقوم به فرد، ولا بد أن يتولى هذه المسؤولية جيش يحفظ الأمن في الداخل بجهاز من أجهزته وهم الشرطة، ويتولى حفظ المسلمين وحماية ثغورهم من الأعداء في الخارج. فطبيعة هذا العمل ليست من اختصاص الفرد، وبالتالي لم يجعلها الله تعالى من صلاحية الفرد مع أنه أوجبها على المسلمين وألزمهم بها، لذا وجب عليهم إيجاد صاحب الصلاحية للقيام بهذا الأمر، أي مبايعة أحدهم على كتاب الله وسنة رسوله، ليقوم بتنفيذ ما طلب منهم كجماعة ومنها، حماية الثغور.
(1)١٧٩ م البقرة.
ومنه رعاية شؤون المسلمين خارج حدود دولتهم، وتنظيم علاقتهم بغيرهم من الأمم والشعوب. وذلك أن حمل الدعوة للعالم فرض على المسلمين يباشره الفرد في حياته حيثما وجد، وتباشره الدولة بتطبيق نظام الإسلام على الناس ليروا نور الإسلام وعدالته، والإطلاع على أفكاره وعقيدته دونما حجاب أو تضليل، كما تباشر إزالة الحواجز المادية التي تحول دون تطبيقه على الناس بالجهاد. فأحكام الجهاد، وأحكام الاعداد للجهاد، ورسم السياسة الحربية، وتقرير حالة الحرب، وتوقيع المعاهدات، وفرض الجزية وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بتنظيم علاقة المسلمين بغيرهم كل هذه ليست من صلاحية الفرد ولا من مسؤوليته، بل مسؤولية من أنابه المسلمون عنهم في التنفيذ، أي الخليفة.
هناك جانب آخر منها ليس من صلاحية الفرد أو اختصاصه مثل المحافظة عليها، أي معاقبة من ترك فريضة منها كالصلاة أو الصيام أو الزكاة، ومثل تولي تنفيذها كالزكاة وجمعها من الناس، وخرص الثمار، وتقدير الزروع والقيام بتوزيعها على أصنافها الثمانية، ومثل الزكاة الخراج، فكله تقديره وجمعه ووضعه في مصارفه ليس من صلاحية الفرد بل من صلاحية من أنابه المسلمون عنهم ليقوم بما كلفوا هم به كجماعة أي الخليفة.
هذه بعض الأمور التي كلف بها المسلمون كجماعة، وأوجبها الله عليهم كجماعة، ولا يوجد الإسلام في واقع الحياة إلا بها، وهي ليست من صلاحية الفرد، وإنما هي مسؤولية ولي أمر المسلمين-أي الخليفة-وبما أن هذه الأمور واجبة عليهم، فوجوب وجود الخليفة واجب عليهم، وذلك من قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، ولهذا فالعمل لإيجاد الخليفة، لتنفيذ هذه الأحكام المفروضة على المسلمين فرض على كل مسلم حيثما كان، والقعود عن العمل لايجاده إثم كبير، ويستحق القاعد عن ذلك العقاب من الله تعالى، وباختصار فإن وجود خليفة للمسلمين حكم شرعي قد عطل منذ هدمت الخلافة في 3 آذار سنة 1924 وعلى المسلمين فرض إعادته.
------------------------
ثالثا: اتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم:
خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مستقيما على الرمل وجعل على جانبيه خطوطا متعددة، وقال هذا صراطي مستقيما، وهذه السبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو له، وتلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)(5).
إن هذه النصوص توجب بوضوح الاقتداء والتقيد بطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمله للدعوة لا نحيد عنها قيد شعرة، ولا نبتعد عنها تحقيقا لمصلحة ، ولا تهربا من شدة أو بطش، ولا نتركها بحجة اختلاف العصر وتطور الحياة فهي الطريق القويم، والمحجة البيضاء. ولهذا فإن سيرة الرسول وكيفية حمله للدعوة هي الواجبة الاتباع، وهي المقياس لمعرفة الطريق القويم.
رابعا: السيرة تفهم بالقرآن:
--------------------------
فمن حيث المراحل، فقد ميز الصحابة والفقهاء والعلماء والناس بين السور والآيات فأشاروا للسور المكية أنها مكية، وللمدنية أنها مدنية حتى أضحت هذه معروفة لجميع المسلمين، أما تقسيمه من حيث المواضيع فمنهم من قال إن القرآن الكريم هو توحيد وتشريع وقصص، ولهذا قالوا سورة الإخلاص ثلث القرآن، من حيث أنها توحيد، ومنهم من فصل أكثر من ذلك فقسم القرآن إلى علوم سماها علوم القرآن، كعلم التوحيد، وعلم التشريع، والعلم بآلاء الله، والعلم بأيام الله، والعلم بالموت، والعلم بالبعث والنشور. وكلهم مصيب فيما ذهب إليه، إلا أن ما نريده كحملة دعوة أن نفهم هذا القرآن كمنهاج عمل وكتاب دعوة، موضحا للسنة، وذلك بمعرفة المواضيع التي تناولها القرآن الكريم في مكة، لمعرفة السيرة على ضوئها، وباستقراء السور المكية والآيات لمعرفة هذه المواضيع نجد مايلي:
1-موضوع العقيدة: إثبات وجود الله وعظمته، وإثبات أن القرآن كلام الله وإثبات نبوة محمد والبعث.
2-الصراع الفكري: أي الرد على مشركي العرب على اختلاف مذاهبهم، والرد على اليهود والنصارى على اختلافهم.
3-الكفاح السياسي: التصدي لأئمة الكفر وقادة المجتمع.
4-التصدي للعلاقات الفاسدة والعادات السيئة.
5-بناء الشخصية الإسلامية.
6-القصص والأمثال لتثبيت فاد رسول الله والمؤمنين ولبيان أن ما يلاقونه من ظلم وعنت إنما هي سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
------------------------
1-موضوع العقيدة بأركانها الخمسة وما يتفرع عن هذه الأركان الخمسة، فالإيمان بالله تعالى وما يوصل لهذا الإيمان من لفت نظر الإنسان إلى ما خلق الله من شيء، وما تقتضيه صفات الألوهية من وحدانية وقدرة وعلم، يتكرر ذلك مئات المرات وفي العديد من السور إن لم يكن بها جميعا.
والإيمان بأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى تردد ذلك في العديد من السور بالرغم من أنه المعجزة الملقاة عليهم، وهو الدليل على نبوة من جاء به.
ولهذا كانت هذه الأسس الثلاثة في الاعتقاد دليلها عقلي، وأعني بهذه الأسس الثلاثة، الإيمان بالله والإيمان بالقرآن الكريم والإيمان برسالة محمد، وقد خوطب العقل الإنساني لإقامة الحجة عليه في هذه الأمور كي لا يكون للناس من حجة.
وأما الإيمان بالرسل الآخرين فقد ذكرت قصصهم وتكرر ذكرها في العديد من السور والآيات حسب مقتضى الحال حين النزول.
وتكرر ذكر البعث والنشور والحساب ومشاهد القيامة، مخاطبا العقل مرة ومقررا الحقيقة مرات ومرات، أما مخاطبته للعقل في هذا الشأن مع أنه ليس تحت الحس ليحكم به العقل، إلا أن الخطاب كان يلفت النظر للنشأة الأولى والخلق الأول ثم يعقب أن الإعادة أهون من البدء(أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)(1) أو في قوله تعالى (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد)(2) إلى غير ذلك.
وفي الوقت الذي كان يبين ذلك ويوضحه كان يدحض ما يخالفه من آراء وأفكار ومعتقدات من حيث أنه لا يمكن للإنسان أن يعتقد عقيدتين متناقضتين، ولا يمكن إزالة عقيدة من عقل إنسان إلا بإثبات بطلانها فكان القرآن يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
-----------------------
وتسهيلا لهذا الأمر، وتقريبا للذهن فيما ذهبت إليه نلقي نظرة عاجلة إلى سور القرآن الكريم، لندرك من ذلك ترتيب السور حسب النزول بغض النظر عن الاختلافات الطفيفة في هذا الشأن خصوصا، وأن أبرز ما نرمي إليه هو معرفة المراحل التي مرت بها الدعوة من خلال الموضوعات التي حملتها السور. وما دامت الغاية هي معرفة المراحل من خلال الموضوعات فإن أبرز مرحلتين أجمع المسلمون جميعا عليهما وهما حقيقة شرعية قائمة بذاتها المرحلة المكية والمرحلة المدنية مرحلة الدعوة ومرحلة الدولة.
ولما كنا اليوم في مرحلة الدعوة والاختلافات في فهم طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرحلة الدعوة أي المرحلة المكية، إذن كان لا بد أن يجري إمعان النظر في هذه السور المكية ومحاولة تتبعها حسب النزول لعلنا نقف منها على أدوار الدعوة في هذه المرحلة وما هي المواضيع التي كانت تعالجها، ويبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن آمن به وللناس كافة حسب طاقته وقدرته.
وإنه وإن وجد بعض الاختلافات في ترتيب السور حسب النزول إلا أنها اختلافات طفيفة لا تخرج الأمر عن طبيعته ومعرفته، ولا يضيرنا شيئا تقديم إحدى السور على غيرها، فهناك غلبة ظن وإعمال ذهن في معرفة ذلك، إما بواسطة السند أو الموضوع الذي تعاملت معه.
وأهمية هذا البحث إنما هي لتوضيح ما يجب على كل تكتل يعمل لعودة الإسلام لواقع الحياة أن يتلبس به من أعمال وما يتعامل معه من مواضيع.
فمثلا قالوا إن الدعوة كانت سرية حتى نزل قوله تعالى:(فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)(1) فصدع رسول الله بالأمر وأسفر في دعوته، فسب آلهة قريش وسفه أحلامهم وتحداهم مما جعلهم يكيدون له ويجابهونه بالعداوة والبغضاء والاعتداء عليه وعلى أصحابه.
----------------------
وقد كتب في هذه المسألة العديد من علماء المسلمين جزاهم الله عنا كل خير، ومما أوردوه ما جاء في تفسير الإمامين الجليلين، جلال الدين محمد بن أحمد المحلى، والشيخ المتبحر جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، فقد جاء فيه في "نبذة ملخصة من أقوال الإمام السيوطي" في التفسير(الأنواع) منها ما يرجع إلى النزول وهو أثنا عشر نوعا (الأول والثاني المكي والمدني).
الأصح أن ما نزل قبل الهجرة مكي وما نزل بعدها مدني، وقيل المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، وعلى هذا تثبت الواسطة، والمدني اتفاقا عشرون سورة: البقرة، آل عمران،النساء، والمائدة، والأنفال وبراءة، والنور والأحزاب،ومحمد أو(القتال) والفتح، والحجرات، والحشر والممتحنة، والجمعة والمنافقون والطلاق والتحريم والحديد والمجادلة والنصر، واختلف في الفاتحة فقيل مكية وقيل مدنية وقيل نزلت مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة، وقيل نزلت نصفين نصف في مكة ونصف في المدينة والأصح الأول وفي النساء والرعد والحج والصف والتغابن والقيامة والكوثر والمعوذتين والأصح أنها مدنيات، والرحمن والحديد والإنسان والإخلاص والأصح أنها من المكي. انتهى قول الإمام السيوطي.
وما سوى ذلك هو مكي. وبالنظر فيما هو مكي وترتيب نزوله نجد مايلي وبحسب ما جاء في كتاب الاتقان في علوم القرآن لشيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي أن أول ما نزل من القرآن من السور حتى سورة الحجر التي فيها آية
4-تبت يد أبي لهب 30-الهمزة
8-والفجر 34-الطارق
9-والضحى 35-اقتربت الساعة وانشق القمر
10-ألم نشرح لك صدرك 36-ص
11-والعصر 37-الأعراف
12-والعاديات 38-الجن
13-الكوثر 39-يس
14-التكاثر 40-الفرقان
15-ارايت الذي يكذب بالدين 41-الملائكة فاطر
16-يا أيها الكافرون 42-مريم
17-الفيل 43-طه
18-قل أعوز برب الفلق 44-الواقعة
19-قل أعوذ برب الناس 45-طسم الشعراء
20-قل هو الله أحد 46-طس
22-عبس 48-بني إسرائيل
23-القدر 49-يونس
24-والشمس وضحاها 50-هود
25-البروج 51-يوسف
26-والتين والزيتون 52-الحجر
فلو نظرنا في هذه السور والمواضيع التي جاءت بها لأمكننا معرفة طبيعة تلك المرحلة وكيف كان موقف رسول الله والأعمال التي كلف القيام بها، فمن هذه المواضيع:
1-تركيز العقيدة وهو الموضوع الأساسي الذي لم يغفله القرآن الكريم في جميع سوره، سواء من حيث الإيمان بالله وبجميع صفات الألوهية من حيث العلم والقدرة والوحدانية وغير ذلك، أو من حيث الإيمان بأن هذا القرآن ما كان حديثا يفترى وإنما هو كلام الله أو من حيث الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو من حيث الإيمان بالأنبياء السابقين والملائكة المقربين أو الإيمان باليوم الآخر موجزاً مرة ومفصلاً مرات حسب مقتضى الحال.
2-الرد على الكفار ومهاجمة أفكارهم وعقائدهم وسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم.
3-مهاجمة زعمائهم وقادتهم.
4-مهاجمة العلاقات الفاسدة التي تنظم مجتمعهم.
5-تثبيت فؤاد الرسول، وبيان أن ما يقال له إلا ما قيل للرسل من قبله.
6-تثبيت إيمان المؤمنين بأن ما يلاقونه من عنت وشدة تلك سنة الله في خلقه.
7-أمثال لتوضيح المقال.
ففي السورة الأولى(إقرأ باسم ربك الذي خلق) (1)يقول في نهايتها(أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى)(2) إلى أن يقول : (كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة)(2) كذلك في السورة الثالثة(يا أيها المدثر)(3) الهجوم العنيف على المتآمرين من قريش وزعيمهم الوليد بن المغيرة حين يقول فيه سأصليه سقر.
وبتتبع هذه السور وترتيبها نرى أن الجهر بالدعوة والتصدي لعقائد الكفر ولأئمة الكفر وللعلاقات الفاسدة كان منذ الأيام الأولى.
-----------------------
(1) ١ ك العلق.
العقائد:
خاطب الإسلام قوى الإنسان العاقلة، ولفت نظره وأحاسيسه لما حوله من آيات وطلب منه أن يضع الكون وما فيه موضع التفكير، ليصل من تفكيره هذا إلى إدراك حقيقة هذا الكون وما فيه من حياة وإنسان أنه ليس بأزلي من حيث نقصه واحتياجه وعجزه، وأنه لا بد له من خالق خلقه، ونظم الوجود كله بنظام دقيق، أي أن الإسلام خاطب قوى الإنسان العاقلة ليعرف الإنسان معنى وجوده في الحياة، وهذا لا يتأتى له إلا إذا عرف الحياة والوجود من حوله، وعرف خالقها وخالقه، لذا فقد كان هذا الموضوع هو الركيزة الأساسية في حمل الدعوة، وقد اشتمل هذا الموضوع على أركان العقيدة الخمسة بشكل يكفي لإقامة الحجة على كل ذي عقل.
الايمان بالله:
لم يقتصر القرآن الكريم في مناقشته على إثبات وجود خالق خلق الأشياء كلها، بل اشتمل على ما تقتضيه صفات الألوهية مثل الوحدانية، والقدرة، والعلم، ونفي الشبه، وتلك الأسماء الحسنى التي وصف الباري عز وجل بها نفسه وردت في آيات القرآن الكريم مئات المرات، ويكفي أن نعرف أن أسماء الله التي وردت في القرآن الكريم تسعة وتسعون، وهذا يعني أن هناك تسعة وتسعين آية ذكرت هذه الصفات لله تعالى، وحين نجد أن الكثير من هذه الأسماء والصفات تكرر عشرات المرات، ندرك مدى أهمية هذا الموضوع وأنه هو الركيزة الأولى في الإيمان المبني على القناعة العقلية المطلقة، والطمأنينة القلبية التامة، ومن هذه الآيات:
1-سورة الإخلاص(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد،ولم يكن له كفوا أحد)(1).
2-(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم)(2).
3-(الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب)(3).
4-(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك)(4)
5-(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)(5).
6-(أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سكمها فسواها)(6).
7-(أفي الله شك فاطر السموات والأرض)(7).
------------------------
9-(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون، فما يكذبك بعد بالدين، أليس الله بأحكم الحاكمين)(2) بلى.
10-(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(3).
11-(لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)(4).
ويكفي أن أقول إن لفظ الجلالة "الله" ورد في القرآن الكريم أكثر من ألفين وخمسمائة مرة، هذا بالإضافة إلى الأسماء والصفات الأخرى.
الإيمان بالقرآن الكريم:
من الأركان الأساسية في العقيدة كذلك الإيمان بالقرآن الكريم والكتب الأخرى، فإنه وبالرغم من إدراك العرب في حينه بلاغة هذا الكتاب، ووصفهم له بأنه مورق أعلاه، مغدق أسفله وهو يعلو ولا يعلى عليه، بالرغم من ذلك فقد لفت الله تعالى أنظارهم إليه، مقيما الحجة عليهم فيه أن هذا الكتاب هو كلام الله وتحداهم أن يأتوا بمثله، وبين لهم أن محمداً قد لبث بينهم عمراً من قبله، ولم يقل شيئا من هذا، بل إنه لا يقرأ ولا يكتب، وذلك ليقيم الحجة اليقينية على أن هذا القرآن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
-(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً)(2).
-(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً)(3).
-(بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)(4).
-(طَه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)(5).
-(يَس، والقرآن الحكيم)(6)
-(صَ.والقرآن ذي الذكر)(7)
-(قَ، والقرآن المجيد)(8)
وقد ورد ذكر القرآن الكريم في أكثر من سبعين آية، وذلك لإقامة الحجة العقلية الدامغة، ولأنه ركن من أركان العقيدة، والدليل القطعي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون الإيمان به إيمانا يقينياً، فهو واقع مدرك محسوس، ويستطيع الإنسان أن يفكر فيه ، ليصل بتفكيره إلى إدراك إعجازه، واستحالة الإتيان بمثله. لذا لا بد من وجود باعث على التفكير.
كان هذا التحدي تحديا سافرا وحقيقياً، فالتحدي في أمر من الأمور لا بد أن يتوفر فيه شرطان، الأول أن يكون هناك باعث على قبول التحدي، وحافز على الرد. وأما الشرط الثاني أن تكون الوسائل المستعملة في الأمر، مما هي في متناول اليد عند المتحدّى حتى يكون قادراً على الرد.
أما الشرط الأول فهو موجود، فقد سفّه القرآن أحلام خصومه وسب آلهتهم، وهدم عقيدتهم وألغى كيانهم ووجودهم، فاندفعوا لمحاربته بكل وسيلة، من إعراض عنه، إلى مقاطعة له، إلى الاعتداء المادي عليه، حتى وصل الحال إلى حربه حرباً ضروساً، قتلت الأشراف وهدرت الأموال. إذن فالباعث على قبول التحدي قوي وعنيف، فلو استطاعوا القيام بذلك لفعلوا، مع أن هذا القرآن هو الحجة مع محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل على نبوته، وكان يكفي إبطال هذه الحجة، ورد هذا الدليل، مع أنهم حاولوا وفشلوا، واضطروا إلى الكذب، ومناقضة أنفسهم، وتدبير المؤامرات والمكائد وبلغ الحال بهم إلى القول السخيف في هذا القرآن، حيث اتهموا محمداً صلى الله عليه وسلم، أنه يتعلم هذا القرآن من رجل نصراني اسمه جبر فرد عليهم مبيناً سخافتهم (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)(4).
حيث أن جبراً هذا لم يكن عربياً، فكيف يعلم محمداً هذه الفصاحة والقوة والجمال، كما قالوا (قال أساطير الأولين)(5) اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، وقد رد عليهم بأنه لم يكن يتلو قبله من كتاب، ولم يكن يخط بقلم، وإلا لارتاب المبطلون، إذن فالباعث على التحدي عنيف، والحافز عليه قوي، بل هو قضية مصيرية يترتب عليها الوجود والعدم، هذا من حيث الشرط الأول، وأما الشرط الثاني وهو أن تكون الوسائل المستعملة في الأمر مما هو في متناول اليد، فالقرآن الكريم لم يستعمل شيئا لم تعرفه العرب، فالحروف حروفهم، والألفاظ ألفاظهم، والتراكيب والجمل المستعملة أسلوبهم وها هو يمعن في إثارتهم، ويبين لهم أن هذا القرآن من هذه الحروف التي تستعملونها، فيقول(آلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه)(6)،(آلر، آلمَر، الَمص، حَم، حَم عسق،قَ، صَ، نَ كهيعص) فقد استعمل نصف الحروف التي يستعملونها وكررها مرات ومرات لعلهم يذكرون.
إذن هو لم يأتهم بجديد من حيث اللغة والأسلوب، إلا هذه الصياغة اللغوية البليغة، لما يستعملون من حروف وكلمات وجمل وتراكيب وأساليب. ومع ذلك فقد فشلوا، ومن هنا يتبين أن عناصر التحدي قائمة وشروطه متوفرة وحوافزه قوية عنيفة، وأكبر دليل على هزيمتهم أنهم لجأوا إلى أساليب ووسائل أخرى في مقاومته والتصدي له.
و مع هذه المناقشة الفكرية، والأدلة الحسية على أن هذا القرآن هو كلام الله، فقد وردت الآيات تبين أن القرآن كلام الله أنزله على قلب رسول الله، حتى تردد هذا الأمر أكثر من سبعين مرة كما قلنا فقط في السور التي نزلت في مكة، فإن كان مثل هؤلاء الناس الذين كانوا أهل اللغة، وواضعيها قد احتاجوا إلى كل هذه المناقشة والتحدي، فكيف بأبناء هذا الجيل الذين لا يستطيعون التمييز بين القول البليغ وغيره، ألا يحتاج هذا الأمر من الدعاة أفرادا وجماعات أن يولوا هذا الركن الأساسي من أركان عقيدتهم شيئا من الاهتمام، في تبيان بعض ما فيه من إعجاز وبلاغة، وكيف نقيم الحجة به على الناس الذين أصبحوا لا يفرقون بين الفاعل والمفعول به، ولا يميزون بين القول البليغ والفكر العميق من سفه القول وسطحية التفكير، وليس المطلوب فقط-كما يبرز على الكثيرين-حفظه واستظهاره وتجويده وتلاوته والتغني به، بل يجب أن يكون معلوماً أن هذا القرآن حجة علينا بالتزامه وحجة لنا على الناس لاتباعه، فعلينا معرفة استعمال حجتنا للجاحدين، والرد على المكابرين، ونحن نعلم أن فيه من البلاغة والسهولة، ما يمكن من الرد على أبسط الناس فهماً، وأعمقهم فكراً، وأكثرهم علماً. أوليس في تكرار ذكره، وتبيان صفاته دليلاً على جوب التركيز عليه في الدعوة إليه وإلى من أنزله، (وجاهدهم به جهادا كبيراً) (1)(وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً)(2) .
(وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)(3).
(فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل، أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)(4).
(وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)(5).
(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين(6) وأما بالنسبة للكتب الأخرى والتي طلب منا الإيمان بها فقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تقيم الحجة على أصحاب هذه الكتب، وتبين ما أحدثوا في كتبهم من تغيير وتبديل،وتنذرهم عاقبة أمرهم وافترائهم على الله،وقد تناولتها الآيات مجملة في بعض الأحيان، وأفردتها أحياناً أخرى(ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك)(6) (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)(8).
(1) ٥٢ ك الفرقان.
الإيمان بالملائكة:
(1) ١٤٤ م البقرة.
قال تعالى:(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله)(1).
وقال تعالى:(ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالاً بعيداً)(2).
وقال تعالى: ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين)(3)
وباختصار أقول إن ذكر الملائكة في القرآن الكريم ورد في أكثر من سبعين موضعاً، منها ما اقتصر على ذكر الملائكة ومنها ما طلب منا الإيمان بهم، ومنها ما ذكر بعض الأعمال التي يقومون بها (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)(4) (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(5) (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم)(6).
من مجموع الآيات التي ذكرت الملائكة واستقرائها نجد أن نصفها تقريبا ذكر في السور المكية، والنصف الآخر ذكر في السور المدنية، باعتبار أن العقيدة هي أساس صلاح الفرد، كما أنها هي أساس صلاح المجتمع، وهي الأساس الذي تقوم عليه الدولة، وبما أن الملائكة ركن أساسي من أركان العقيدة، ودليله نقلي، لأن وجودهم لا يدرك بالحس، لذا فقد تكررت الآيات في هذا الشأن حسب مقتضى الأمر، دالة على أهمية هذا الركن من أركان العقيدة، فهم حلقة الوصل ورسل الله إلى أنبيائه ورسله، كما شاءت قدرته، لا إله إلا هو.
(شهد الله أنه لا إله إلاَ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)(7).
أما ما يختص بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بها، فهي تختلف عن الإيمان بالرسل الآخرين من حيث أن الدليل على نبوة محمد ورسالته دليل عقلي، فالإيمان بأن القرآن الكريم كلام الله ورسالته وأن الذي يأتي برسالة الله لا بد وأن يكون رسولاً وأن محمدا صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن الكريم ،كلام الله ورسالته، إذن هو رسول. فهذا دليل عقلي يقيني، ومع كون دليل نبوته صلى الله عليه وسلم عقلي إلا أن القرآن الكريم قد ذكر ذلك في مواضع كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.
قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)(1).
قال تعالى: (وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل)(2)
قال تعالى: (يَس. والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم)(3)
قال تعالى: (طَه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلاّ تذكرة لمن يخشى)(4)
قال تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم)(5).
قال تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم)(6)
قال تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)(7).
أما موضوع الإيمان بالرسل الآخرين، فقد ورد كركن من أركان العقيدة كذلك، والتي هي كما عرفت الإيمان( بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)(8)، إلا أن الإيمان بالرسل السابقين دليله نقلي لأنه لا يقع تحت الحس، ولذا فقد ذكره القرآن الكريم مئات المرات وقد فصل لنا بعض قصصهم، وذكر لنا بعض ما لاقى الأنبياء من أقوامهم من صلف وعنت(منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)(9) (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)(10)
(كلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق، وموعظة وذكرى للمؤمنين) (11) .
وقد قص علينا القرآن أو ذكر لنا عن أربعة وعشرين نبيا بالإضافة إلى المصطفى سلام الله عليهم أجمعين. كما ذكر لنا أنه ما من أمة إلا وأرسل إليها رسولا (وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير)(1) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)(2)، وهكذا فقد تتابعت الرسل تترى للأمم جميعا لحاجة الناس إلى الرسل. وحاجة الناس إلى الرسل حقيقة ملموس وجودها، مدركة بالعقل، لعجز الإنسان عن تدبير شؤون نفسه، وتنظيم علاقته بخالقه، والتفاوت في القدرات والتناقض في القواعد والأصول بين بني البشر يحتم أن يكون تنظيم حياتهم، وتنسيق حاجاتهم آت من عند غيرهم أي من الله تعالى.
أفلا يسحق الرد على هذا الغرور دراسة عميقة، وبحثا مستفيضاً يبين سخافة ما ذهب إليه هؤلاء المغرورون. ألا يجب على الفئات والأحزاب والجماعات الداعية إلى الله أن ترد هذه الفرية، وتبعد هذه الفتنة، وعندنا-ولله الفضل والمنة-آلاف الأدلة العقلية والنقلية لدحض ما ذهبوا إليه وبيان زيف ما يدعون.
(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)(3) وحين سأل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، (كيف اتخذ اليهود أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، قال كانوا يشرعون لهم"(4) أو كما قال.
(أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)(2) إلى آخر السورة. كيف يطلب من هذا المتسائل أن يفكر في سؤاله، لم نسي نفسه كيف وجد، وجاء يسأل كيف سيعاد.
ومن المناقشة المستفيضة في هذا الأمر وأروع ما جاء فيها في سورة قَ.
(بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب، أإذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد)(3) وبعد أن يناقشهم في هذا الأمر مناقشة عقلية، ويلفت نظرهم إلى ما خلق الله ابتداءً، كالسموات والأرض ونزول المطر، وإنبات الزرع والشجر، وكيف يحيي الأرض بعد موتها مما يشاهد دائما حولهم بعد هذا تقول: (كذلك الخروج)(4) ثم يصفهم كغيرهم من الكفرة الذين عميت بصائرهم، ثم يتساءل(أافعيينا بالخلق الأول، بل هم في لبس من خلق جديد)(5).
وضرب لهم بذلك الأمثال الكثيرة حول هذه المسألة،ومن ذلك ما جاء في سورة الكهف.
(واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً)(6).
آيات كثيرة بمواضيع مختلفة وأمثال متنوعة طرقت هذا الموضوع وأفاضت فيه لبعده عن تصور الإنسان، فكان لا بد من تركيزه في النفس، وجلاء كل غموض حوله، فذكرت اليوم الآخر وكيف ينتهي كل شي حين ينفخ في الصور، وكيف يتم البعث حين ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كيف ينتهي كل شيء حين (تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)(7)، (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)(8).
(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ... ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا... وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور)(9).
هذا التشبيه الرائع بعودة الحياة كما نشاهد عودة الحياة للأرض الميتة بنزول الماء، وقد تكرر هذا الوصف مرات ومرات.
هذه صورة مصغرة وبعض الأدلة التي ذكرها القرآن الكريم في أركان العقيدة الخمسة وما لها من فروع وما يبنى عليها من أفكار لا مجال لذكره الآن، فما علينا إلا أن نتدبر القرآن الكريم(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكِر)(10) لنجد كم من السور والآيات وخصوصا المكية منها عالجت هذه المواضيع، مواضيع العقيدة، إجمالاً وتفصيلاً بحيث تتركز في النفوس وتصبح قاعدة للتفكير، ومنطلقاً للعمل ومصدراً للمفاهيم المسيرة لسلوك الإنسان فرداً ومجتمعاً.
(1) ٣٧ ك المؤمنون.
من المعروف بداهة أنه لا يمكن إعطاء الإنسان فكرة جديدة ، وفي ذهنه ما يناقضها أو يخالفها فلا بد أولاً من إزالة الموجود لتثبيت الجديد(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(1) ولهذا لم يكتف القرآن بشرح عقيدة الإسلام وفكرته، ولا بتبيان أحكامه وشريعته بل عمد إلى ما في نفوس القوم من عقائد وأفكار فاسدة، فبين زيفها وأثبت بطلانها.
حين جاء الإسلام كان المجتمع في جهل مطبق، وضلال عميق، ولما كان من البديهي أن لا تجتمع عقيدتان متناقضتان في قلب إنسان، لذا كان لا بد من دحض العقائد الفاسدة، والأفكار الخاطئة،(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)(2) فقرع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وجاءت الآيات تترى تسفه أحلام القوم وتهاجم معتقداتهم، وتبين زيفها، وتثبت بطلانها، أسساً وفروعاً، ولم تكتف بالرد جملة على من لم يؤمن، ولم تستعمل العموميات فقط، أو الأفكار الكلية الشاملة فحسب، بل عمدت إلى الجزئيات كذلك، وناقشت كل فئة بما تقول، أعني أنها لم تهاجم الكفر من حيث هو كفر فقط، بل هاجمت كل أنواع الكفر، نعم الكفر ملة واحدة، وحين تطلق كلمة كفر وكفار وكافرون إنما تعني جميع من لم يؤمن بنبوة محمد ورسالته.
وليس فقط من لم يؤمن بالله كالملحدين، أو من يؤمن بالله ولكنه يرى أنه لا دخل له في الحياة، أو من لم يؤمن بالبعث، فكلهم في نظر الإسلام كفار، فكل من لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كافر. نعم إن الآيات تتابعت في مهاجمة الكفر والكفار، فكم من آية لعنت الذين كفروا(ألا لعنة الله على الظالمين)(1) وكم من آية سفهت أحلامهم، وسبت آلهتهم بأسلوب العموم، ولكنها حين إقامة الحجة على مسألة ما كانت تتناول ما تقوله هذه الفئة الكافرة أو تلك، فترد على ما يقولون، ولو في فكرة واحدة لفئة واحدة، لذا نجدها ترد على فئات العرب ومعتقداتهم كل على حدة، أو تجملهم فتصفهم بأنهم مشركون تمييزاً عن كفار أهل الكتاب، فقد ردت على ملاحدة العرب الذين يقولون(إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحياو مانحن بمبعوثين)(2) (وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا وما يهلكنا إلا الدهر)(3)أو المقرين المؤمنين بوجود إلَه (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)(4) أو الذين لم يؤمنوا حسداً من عند أنفسهم، أو الذين يقولون(لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)(5) أي مكة أو الطائف، أو الذين يقولون (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)(6)
قال تعالى في سورة النجم: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الانثى، تلك إذاً قسمة ضيزى، إن هي إلّا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلاّ الظن، وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربّهم الهدى)(3).
وفي قوله تعالى في سورة الطور: (فذكّر فما أنت بنعمت ربّك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا إني معكم من المتربصين، أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون، أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين، أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون، أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين)(4) وهكذا تستمر المناقشة بصيغة الأسئلة الاستنكارية إلى أن يقول: (أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون، أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون)(5).
(1) ١٩ ك النجم.
وما جاء في سورة الملك: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور)(1).
(أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير)(2).
إلى آخر السورة حيث يقول: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)(3).
وفي قوله تعالى في سورة القلم: (ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم-إلى أن يقول-سنسمه على الخرطوم)(4).
وفي سورة المزمل :( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً، وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا، إن لدينا أنكالاً وجحيما، وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما)(5).
وفي سورة المدّثر حيث يتوعد زعيم مكة وسيد بني مخزوم الوليد بن المغيرة (ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدودا) (6) إلى أن يقول : (سأصليه سقر وما أدراك ما سقر)(7) وما ألطف ما انتهى به في السورة نفسها (فما لهم عن التذكرة معرضين، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة)(8).
ونستطيع القول أن ما من سورة من السور المكية إلا وللعرب فيها النصيب الأوفر من التحدي أو التهديد أو الوعيد أو لفت النظر أو التقريع كما في سورة المرسلات بعد مناقشة طويلة وتقريع عنيف حيث يقول:(ويل يومئذ للمكذبين،كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون، ويل يومئذ للمكذبين، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون)(1).
كما قال تعالى: (لإيلاف قريش إيلافهم)(2)
وقال: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)(3)
وقال في سورة الأنعام: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين، وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون، ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون، ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون)(4).
وقال: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)(5).
(1) ٤٦ ك المرسلات.
وقال: (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل)(1)
قال تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شيء، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)(2).
(وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وإن كنا عن دراستهم لغافلين، أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فقد جاءكم بيّنة من ربّكم وهدى ورحمة، فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون)(3).
(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها، أم لهم آذان يسمعون بها، قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)(4).
(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحي إلي)(1).
(قل لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون)(2).
وقال في سورة الأنعام:( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا)(3).
وقال : (وما قدروا الله حق قدره، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً، وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)(4).
(1) ١٥ ك يونس.
الرد على اليهود
وإنه وإن لم يكن في مكة يهود أو نصارى، إلا أن احتكاك المشركين بأهل الكتاب ومجاورتهم في المدينة أو خيبر أو نجران جعلهم على صلة بهم ومعرفة تامة بمعتقداتهم ومذاهبهم. وقد تنصر أو تهود بعض العرب بالرغم من أن اليهودية ليست دعوة عالمية بل دعوة قومية جاء بها سيدنا موسى ومن بعده من الأنبياء لبني إسرائيل فقط، حتى أن سيدنا عيسى جاء لبني إسرائيل فقط، وحين التقاه الكنعاني في أرض فلسطين وطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، أجابه عيسى عليه السلام "إنني لم أبعث إليكم وإنما بعثت لكلاب بني إسرائيل الضالة" إلا أن أتباعه بعد رفعه إلى السماء هربوا من اليهود، وأخذوا يدعون الناس إلى ما تعلموه، فآمن بعض الناس وبذلك خرجت النصرانية عن كونها دعوة قومية عصبية لتشمل جميع الناس.
(1) ٢٠ م الأنعام.
لذا فقد كان اليهود والنصارى ضمن مجال الدعوة وأفكارهم وآراؤهم ومعتقداتهم كانت من جملة ما سيتصدى الإسلام له (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)(1) وبدأ الصراع الفكري معهم، وبدأوا هم كذلك الدسائس والتضليل، حتى بلغ بهم الحال أن يؤمنوا أول النهار حتى يوهموا العرب أنهم طلاب حق وها هم آمنوا لما عرفوا من الحق، موقف نزاهة، ثم يكفرون آخر النهار بحجة أنهم اطلعوا على أشياء تثبت كذب النبي، وذلك لدفع العرب للابتعاد عنه، ولتشككهم بما يقول. ولهذا فالقرآن بأسلوبه الرائع كان يصارع هؤلاء الناس صراعا فكريا حاداً، مجملاً مرة(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء)(2) فكان الخطاب بـ يأ أهل الكتاب أوقوله مجملا ً كذلك (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)(3)
في سورة طه: (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى)(1). آيات متعددة، ويقول كذلك: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم)(2) ويقول كذلك: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)(3).
(1) ١٩ ك طه.
ويقص عليهم قصة أصحاب الكهف بشيء من التفصيل ويشير إلى عددهم ومدة مكوثهم كما قص عليهم قصة ذي القرنين وبلوغه مطلع الشمس ومغربها، وبلوغه بين السدين وما فعل لأولئك الناس، كل ذلك مما كان العرب يجهلونه أو عندهم القليل القليل عنه، ثم حين يهاجمهم ويبين مدى تفاهتهم يقول( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم)(1) وفي سورة الأعراف يذكر اليهود بقصتهم حين كانوا مستضعفين لفرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وكيف نجاهم من آل فرعون وأغرق عدوهم، وهاهم قبل أن تجف أقدامهم من الماء، يتخذون عجلاً جسداً له خوار فيعبدونه، ويقولون هذا إلهكم وإله موسى. (واتخذ قوم موسى من بعده من حليِّهم عجلاً جسداً له خوار)(2) ويستمر في سرد قصتهم بل قصصهم وتبيان نفسياتهم المريضة إذ قالوا: (فادعُ لنا ربَّك يخرج لنا مما تنبت الأرض)(3)... (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)(4) إلى أن يبين لنا كيف استغفر لهم سيدنا موسى بقوله: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك، قال عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل)(5)
(قال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله..)(2) الآيات إلى نهاية الحوار الذي جرى بينهم، بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون مما يظهر طبيعة الطغاة والجبابرة ومكابرتهم مع ظهور الحق وإقامة الحجة عليهم، وهنا التفاتة لطيفة، إن هذا الطاغية وما وصفه به الله سبحانه وتعالى (اذهب إلى فرعون إنه طغى) (3) (إن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين)(4). وهو القائل: (ما علمت من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين) (5) هذا الطاغية الجبار المفسد، يقبل التحدي من موسى ويقارع الحجة بالحجة، ومن حوله من بطانته كانوا بنفس الثقة بأنفسهم، ولذلك حين سألهم فرعون ما يفعل بموسى( قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم)(6) فقال موسى: (فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) (7).
سبحان الله هذا الطاغية الجبار بل من تنسب له الجبابرة والظلمة، هذا الإنسان يقبل التحدي، وأما حكام اليوم ومن يدعون أنهم في عصر المدنية والتقدم لا يقبلون المناقشة، ويرفضون مقارعة الحجة بالحجة وردهم على من يتحداهم فقط هو الاتهام بالخيانة ثم السجن وقد يكون الاعدام. فأيهما أشد ظلماً وطغياناً فسياسة القوم اليوم تقوم على كم الأفواه وقطع الأرزاق والأعناق، ولا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة.
---------------------
كذلك رد على ما أحدثوه في دينهم، وما بدلوا في إنجيلهم، كما أفرد مناقشة لكل فئة منهم بآيات ترد عليهم، فقد هاجم من يقول إن المسيح ابن الله، وهاجم من يقول إن المسيح هو الله، حيث حل اللاهوت بالناسوت، وهاجم من يقول إن الله ثالث ثلاثة، وهاجم من فرض الرهبنة على رجال الكنيسة (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها)(1) وقد تحدث بشيء من التفصيل عن حياة السيدة مريم الصديقة وما قالت أمها، وكفالة عمها لها، وحملها لعيسى عليه السلام وولادته، وحوارها وابنها مع قومها، وقد ورد ذلك في سورتين بشكل أساسي وفي مواطن متعددة، بشكل نقاط أو أفكار، فقد وردت القصة في سورة آل عمران، قال تعالى: (إذ قالت إمرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت ربِّ إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم)(2) إلى أن يقول : (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم)(3) وقوله: (وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله) (4)(هنالك دعا زكريا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة)(5).
ورداً على بعض النصارى يذكر القرآن الكريم ما يدعونه، فيقول مخاطباً عيسى عليه السلام: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلَهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)(1).
ويصف ربّ العالمين الواقع بقوله: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة،ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها)(2).
ذلك لأن عقيدة الشيوعية كعقيدة مشركي العرب الحاد كامل أو كفر مطبق، وأما أهل الكتاب فإن مثلهم الكثير، هؤلاء الداعون إلى الديمقراطية والتي تقر بوجود دين ولكنها تستبعد تدخله في الحياة، ومثلها الوطنية والقومية والإقليمية والحرية وغير ذلك من الأسماء والمسميات، فلا بد من الرد عليهم جميعا بأسلوبين، الأسلوب الأول كشف حقيقة هذه الدعوات، وتبيان أنها أفكار كفر، وعقائد ضلال لكي يدرك الناس حقيقتها ولإنقاذ المخدوعين بها، خصوصاً وأن الكثير من المضللين صوروا هذه الأفكار بأنها إسلامية أو هي لب الإسلام وجوهره، أو أنها لا تخالف الإسلام مما جعل الكثير من أبناء الأمة علماء ومثقفين ينادون بهذه الأفكار وينسبونها إلى الإسلام وأما الأسلوب الثاني فهو الرد المباشر على هذه العقائد والأفكار رداً يعيد الصواب لحملتها وينير أبصارهم وبصائرهم بأسلوب عقلي، وبراهين قطعية تماماً كأسلوب القرآن الكريم في رده على أمثال هؤلاء، والاستعانة بالنصوص الشرعية كلما اقتضى الأمر ذلك من آيات وأحاديث.
بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)(1) وتنفيذاً للقاعدة الأساسية في الصراع الفكري (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)(2) ولا يجوز الدخول معهم في صراع دموي، وأعمال مادية، تماماً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه هي طريقة رسول الله في صراعه الفكري العقائدي(وليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(3) وأكرر أنه لا يجوز لمن خالف هذه الطريقة أن يدعي أنه على طريقة رسول الله، أو أنه اتخذ القرآن منهجاً وسبيلاً.
----------------------------
أو في الحياة الاجتماعية (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت)(1) أو قوله تعالى: (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به. أيمسكه على هون أم يدسه في التراب)(2).
أو في قوله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا)(3) وقوله( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وأياكم)(4) (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرقكم وإياهم)(5).
أو في الحياة العامة، فقد هاجم التفاضل والتفاخر بالأنساب والأموال والأولاد، فجعلها كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد، ويقرر حقيقة واحدة لما يجب أن يكون عليه الناس فيقول:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(6) .
ولننظر في سورة قصيرة واحدة كيف تناول حياة الناس بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم(أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون)(7).في سورة قصيرة واحدة تناول العقيدة بقوله :( أرأيت الذي يكذب بالدين)(8) وجعل من مظاهر التكذيب بالدين أن المكذب من صفته أن يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين لأن همه الدنيا وجمع المال، ثم ينتقل لموضوع آخر في السورة نفسها يتناول فيها العبادة المبنية على التهاون والكسل(وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)(9) ثم يبين من صفة هؤلاء الرياء والنفاق وهذا جانب أخلاقي، ثم يقول ويمنعون الماعون، فأي علاقة في المجتمع، أسوأ من أن يطلب الجار وعاءً من جاره فيمنعه.
-----------------------
ونجد هجوما عنيفاً في الآيات الشريفة على أمثال هذه العادات السيئة فيقول تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاءهم)(1) (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء)(2) وقال تعالى: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلامن نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها..)(3)(وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله)(4).
قال تعالى:" والذي قال لوالديه اف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين)(5).
وقال تعالى: (ويل لكل هزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة)(6).
-----------------------
ومن مثل هذه الآيات والسور الكثير، بحيث ألقيت بأضوائها على كافة نواحي المجتمع في حينه فأظهرت مفاسده وبيّنت عيوبه وكشفت عواره. وهذا ما يجب أن تكون عليه كل جماعة أو حزب فلا بد من تسليط الأضواء على ما في مجتمعنا من مفاسد، وما فيه من علاقات سيئة، ونظم رديئة، وأسوأ ما فيها أنها نظم كفر يراد تنفيذها في مجتمع مسلم، وعلاقات سيئة وعادات قبيحة حملها غرباء عن أمتنا وغرسوها فيها، ولذلك لابد من مهاجمة هذه العادات والتقاليد، ومن فضح هذه النظم، ومن بيان فساد هذه العلاقات، حتى يتسنى لهذه الحركة تغيير ما في المجتمع، بعد تغيير ما في نفوس الناس(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(4).
----------------------------
إنّه مع مطلع القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي جرت محاولات للتوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية، ومحاولات تأويل النصوص بما لا تحتمله تلك النصوص من معانٍ وقد دفعهم لذلك إيمانهم بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه شريعة الله الخالدة، وأنه إنما جاء رحمة للعالمين، فلا بد أن يكون موافقاً للعصر، ومطابقاً للواقع، فلا بد من إعادة النظر في فهم النصوص، ومعرفة المعاني التي توافق عصر النهضة الأوروبية هذا بعد أن بهرت عيونهم أضواؤها، وسحرتهم اختراعاتها، وزعزع ثقتهم ما تسرب إلى نفوسهم من أفكارها ونظمها، نتيجة للغزو الفكري الذي اخترق عقولهم، وغلق باب الاجتهاد الذي أظهر عجز الإسلام وجموده، ووقوفه عن مجاراة الأحداث المتجددة، ولجهلهم بأسس النهضة وما يجب عليهم أن يفعلوا، عمدوا إلى أقصر السبل وأيسرها، فبدلاً من أن يعملوا على تغيير المجتمع وإعادة بنائه من جديد على أسس الإسلام ومفاهيمه، عمدوا إلى محاولة تأويل النصوص وتحميلها ما لا تحتمل حتى تتناسب والواقع السيء الذي يعانون منه، فأولوا النصوص بما لا تحتمله وأدخلوا في الإسلام ما ليس منه،ولو أنهم كانوا على علم بأسس النهضة وكيف تبنى الأمم، لجعلوا المبدأ هو القاعدة الفكرية الأساسية التي ينطلقون منها في عملية البناء والإصلاح واستهدفوا تغيير المجتمع برمته تغييراً انقلابياً شاملاً وأزالوا أسباب الانحطاط والتخلف، والتزموا أحكام الإسلام ومفاهيمه وأفكاره كما جاءت من عند الله.
-----------------------
وكان الأمر سهلاً ميسوراً، لأن عقيدة الأمة هي عقيدة المبدأ، والنظام المطبق هو النظام المنبثق عن هذه العقيدة، وإيمان الأمة بدينها إيمان راسخ لا يتزعزع ومتى ضمن القائمون على الإصلاح عقيدة عقلية سليمة راسخة، تحملها أمة عندها الاستعداد الكامل للتضحية في سبيل هذه العقيدة والمحافظة على هذا النظام، فالعملية الإصلاحية سهلة ميسورة يجري البحث فيها عن أسباب التخلف والانحطاط الكامنة في إساءة التطبيق لهذا النظام، والضعف الشديد الذي طرأ على أذهان المسلمين في فهم الإسلام، ومعالجة ذلك، مما زعزع ثقة الأمة بنظامها، وجعلها تربة خصبة للتآمر على كيانها وهدم دولتها، إلا أن هؤلاء القادة والمفكرين فيها بدلاً من أن يعمدوا لإزالة هذه الأسباب عمدوا إلى تأويل معاني نصوص الإسلام وأحكامه، وأوغلوا في ذلك ولم يقفوا عند حد الاقتصار على بعض الأفكار والأحكام بل تعدّوه إلى وضع قواعد كلية وأحكام عامة بالإضافة إلى الجزئيات مما يتعارض صراحة مع نص القرآن القطعي كإجازتهم للربا القليل بحجة أنه غير مضاعف فالله سبحانه وتعالى يقول: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) (1)وتجاهلوا قوله تعالى في سورة البقرة : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)(2) ثم إنهم جعلوه من باب الضرورات والقاعدة الشرعية تقول"الضرورات تبيح المحظورات"، وعلى ذلك فالضرورة تقتضي رفع الحظر ومن الضرورة تجميد مال اليتيم والقاصر وإيداعه في الوقت الذي لا يجوز كنزه، ومن المحافظة عليه عدم تعرضه للخسارة، أو تلاعب المضارب به، مما يؤدي إلى الذهاب به، ولذلك أوجدوا ما يسمى بصندوق الأيتام، وصار القاضي الشرعي، ودار الفتوى الإسلامية هي المتعاملة بالربا والإقراض من صندوق الأيتام، والقاضي الشرعي يحكم به تماماً كما يحكم به القاضي النظامي في العمليات المصرفية والبنوك، ومن مثل هذه الأحكام الجزئية الكثير. إلا أن الأدهى من ذلك وأمّر هو وضع قواعد كلية تستنبط منها أو تندرج تحتها الأحكام الفرعية من مثل قاعدة العادة محكمة، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. وما لا يخالف الإسلام فهو من الإسلام. وحيثما تكون المصلحة فثم وجه الله. والأصل في العقود المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ.
ومن هذه ومثلها الكثير، وكما فعلوا في الأحكام الشرعية والقواعد، فعلوا في الأفكار والمفاهيم فأفسدوا على الأمة صفاؤها، وسمّموا بتلك المفاسد أجواءَها وأبعدوها عن الإسلام تدريجياً حتى وجدت نفسها على غير هدى.
وأما القول بتغير الأحكام بتغير الأزمان والقصد منه موافقة الإسلام لكل عصر، ليطابق القول بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فإن سوء الفهم أدى لهذا وبدل أن يتغير الواقع ليطابق الشرع، صار عليهم أن يغيروا الشرع ليساير الواقع، وهذا ما يناسب الأفكار التي سمموا الأجواء بها-علينا أن نكون واقعيين-فالواقع عندهم مصدر التفكير، مع أن ما يجب أن يكون-أن الواقع هو موضع التفكير. فإما إقراره أو تغييره-ومن مثل ذلك الكثير الكثير، والذي يبعدنا عن هذا المنزلق هو الإدراك الكامل والإيمان اليقيني بأنه لا شرع إلا شرع الله، ولا شرع إلا ما جاء به الوحي، وأن ما جاء به الوحي هو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فلا مصدر للشرع إلا هذا ولا استنباط للاحكام الشرعية إلا من هذه النصوص التي يحتويها كتاب الله وسنة نبيّه.
-----------------------
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولاسراة اذا جهالهم سادوا
قال تعالى:" ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً)(1).
من المعروف أن العامة من الناس يتبعون في حياتهم سادتهم وكبراءهم، حكامهم وأمراءهم، اتباع تقليد واعتزاز، أو اتباع رضى واختيار، أو اتباع إجبار وإكراه، وفي جميعها اتباع لانهم هم الذين يقومون على رعاية شؤونهم وإدارة مصالحهم، وتدبير أمورهم، وهم الموجهون لهم فكريا ومشاعريا، ولذلك نجد القرآن الكريم يعيب على العامة هذا الانقياد الأعمى فيقول بلسان حالهم في الآخرة ما جاء في الآية(ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا)(2) ويقول في موطن آخر: (إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا)(3) هذه طبيعة الحياة ونظام المجتمعات وسنّة الله في خلقه.
فالمجتمعات أناس بينهم علاقات دائمية، ويشرف على هذه العلاقات وينظمها أمراء القوم،وسادته، وهم الذين بيدهم القوة والسلطان،ومصدر هذه القوة هم الناس أنفسهم، باتباعهم لهم، وانقيادهم إليهم، وثقتهم بهم، أو بتعابير اليوم هي عقد اجتماعي بين العامة والخاصة للتنازل عن جزء من سلطتهم لتجعل جميعها بيد السلطان حتى يستطيع إدارة شؤون الناس ورعايتها وحمايتهم وحماية أمنهم، وهي ما يطلق عليه نظرية العقد الاجتماعي.
وما دام هؤلاء القادة، والزعماء هم ربان السفينة وموجهوها، والسائرون بها في بحر الظلمات ومتاهات الحياة لذا لا بد من التعامل مع هذا الصنف من الناس بأسلوب خاص، لزعزعة الثقة بهم، وجر البساط من تحت أرجلهم بإبعاد سندهم ومصدر قوتهم عنهم، حين يصرون على المكابرة والضلال.
وقال: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)(7)
------------------
(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً، أولئك لهم عذاب مهين، وإذا تتلى عليه آياتنا ولي مستكبراً)(2)
(والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم)(3)
(أفرأيت الذي تولى، وأعطى قليلا وأكدى، أعنده علم الغيب فهو يرى، أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى)(4).
(فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة، بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة)(5).
ويقول في سورة القيامة: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى، أولى لك فأولى)(6) وحين نتتبع أسباب نزول هذه الآيات وبمن نزلت نجدها هجوماً صاعقاً على أئمة الكفر وأولياء الشيطان ومن بيدهم إدارة شؤون الناس ورعاية مصالحهم وتوجيههم الفكري والعقائدي.
------------------------------
الكفاح السياسي: كشف المؤامرات
(ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً..)(1) مروراً بقوله تعالى : (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر..)(2) إلى أن يقول: (فقال إن هو إلا سحر يؤثر، إن هذا إلاّ قول البشر سأصليه سقر)(3)، ويمضي القرآن الكريم يفضح مكائدهم، ويحبط مؤامراتهم ، ويقرر حقيقة إذ يقول (إنّهم يكيدون كيداً، وأكيد كيدا، فمهّل الكافرين أمهلهم رويدا)(4).
كما كشف تآمر اليهود حين كانوا يتظاهرون بالإيمان صباحاً ويقولون لقد تبين لنا أن كلام محمد صحيح وها نحن آمنا به، وفي المساء يعلنون كفرهم مدعين أنهم بعد الاطلاع على ما عند محمد بالتفصيل وجدنا أن فيه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ولذلك لا يجوز أن نستمر على اتباعه، كان ذلك مؤامرة خبيثة لجعل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم من الأميين يشكون في صدق رسول الله وحقاً إنها لمؤامرة ما زالت قائمة خبيثة، ويمارسها بعض أولياء الشيطان في مجتمعاتنا الحاضرة.
ومن الكفاح السياسي بالإضافة إلى التصدي للحكام وأئمة الكفر وأولياء الشيطان، هو معرفة ما يحاك ضد الأمة من مؤامرات وما يدبر لها من دسائس وما يكاد لها من مكائد، ثم معرفة ما يدور حولها من أحداث وما يحيق بها من أخطار.
لذا نجد القرآن الكريم لم يهمل ذلك، وفي قصة المراهنة بين قريش وأبي بكر خير مثال على تتبع ذلك في قصة الحرب بين الروم والفرس، قال تعالى: (آلم غلبت الروم في أدنا الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر..)(5).
فالفرس والروم هما الدولتان الأوليان في العالم، والصراع بينهما على مناطق النفوذ أمر حتمي، والحرب سجال بينهما وقد كان العرب قسمين، قسماً موالياً للروم وقسماً موالياً للفرس كالغساسنة والمناذرة، حتى أن نفوذ الفرس كان قد وصل إلى اليمن، وأما الروم فقد كانوا على تخوم الجزيرة مما يلي الأردن، ولهذا كان الاهتمام بأمر هاتين الدولتين أمراً حتمياً بالنسبة للمسلمين، وكانوا يتتبعون الأحداث والوقائع وذلك لما لها من أثر عليهم وعلى ما يهدفون له، وحين جرت مناقشة أبي بكر لقريش ومراهنتهم، كان أبو بكر ينطلق من وعيه السياسي على ما يحيط بهم، ومن تعليم رسول الله لهم. ولهذا فإن أية كتلة أو جماعة أن تشغل نفسها بالكفاح السياسي، والوعي على واقعها وما يحيط بها لأنه أمر ضروري ونهج انتهجه القرآن الكريم، وسار عليه محمد صلى الله عليه وسلم.
ويتضح ذلك من نصيحة رسول الله أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة، فقال لهم إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد .
-------------------------
درس من الكفاح السياسي
من قصة الوليد بن المغيرة وقول الباري عز وجل فيه(سأصليه سقر)(1) ولم يستثن كما جاء في قصة الأخنس بن شريق إذ قال له (كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية)(2) قد علق سفعه بناصيته على استمراره وعدم انتهائه عن أعماله التي يقوم بها، بينما في قصة الوليد يؤكد أنه سيصليه سقر، وكذلك الحال في قصة أبي لهب، فهو يقرر حقيقة، ويؤكد أنه سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته كذلك، من هذه القصة يمكن الاستفادة، واستعمالها كدليل على أن القرآن الكريم كلام الله. ذلك بأن ما جاء في القصتين يترك مجالاً لأبي لهب وللوليد بن المغيرة، أن يعتنقا الإسلام نفاقاً ليثبتا بطلان ما يقوله محمد فهو يؤكد أن هؤلاء سيصلون سقر، سيصلون ناراً ذات لهب، فأي حرج سيجابهه محمد صلى الله عليه وسلم، إذا تظاهر هؤلاء بالإسلام، وأعلنوا للملأ أنهم مسلمون، فكيف يتلو محمد قرآنه الذي يؤكد أن هؤلاء سيصلون سقر، إنه إحراج أيما إحراج، ولكن كون هذا القرآن ليس حديثا يفترى بل هو من ربّ العالمين وهو يعلم أن هؤلاء لن يقدموا على مثل هذه الخطوة، ولذلك فقد بقيت تتلى الآيات الخاصة بهم وعلى مسامعهم، ويزدادون كفراً، وهذا مما يؤكد أن القرآن كلام الله، وهو معجزة رسول الله بإثبات نبوته.
وقد حدث ما يشبه هذه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"قاتل الحمزة في النار" وقد أسلم قاتل الحمزة-وحشي-والتبس الأمر على كثير من المسلمين حتى مات وحشي منتحراً،ن وكذلك الحال في قصة قزمان، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قزمان من أهل النار"(3) ورآه المسلمون في أحد يقاتل معهم وفي صفوفهم، وقد قتل العديد من كفار قريش، حتى أثخنته الجراح، والتبس الأمر على بعض المسلمين وقد ظنوا أن قزمان سقط شهيداً إلاّ أنّه قبل وفاته حضره بعض الصحابة وقالوا له هنيئاً لك يا قزمان قال بم، قالوا الشهادة، قال والله ما قاتلت إلا حمية ثم اتكأ على حربته وقتل نفسه.
وهناك موضوع آخر لا يقل أهمية عن هذه المواضيع، وقد تناوله القرآن الكريم بشيء من الاستفاضة والتركيز، ألا وهو تطمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنه على الحق المبين، وأن ما يلاقيه من صد وعنت وتكذيب وإعراض إنما هو ما لاقاه إخوته من الأنبياء السابقين عليهم سلام الله ورحمته، فهو ليس بدعاً من الرسل، وتلك سنة الله في خلقه، لذا فقد قصّ عليه من القصص ما يثبت به فؤاده، وبيّن له ما جوبهوا به، ومع ذلك فقد طلب الله تعالى منهم الصبر والعزم والحزم (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)(1) وكقوله تعالى في كثير من الآيات بمثل هذا المعنى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك)(2) (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أتاهم نصرنا فنجي من نشاء)(3)وكقوله تعالى مخاطباً الرسول والمؤمنين: (أم حسبتم أن تدخلو االجنة ولما يأتكم نبأ الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله)(4).
وكما كانت هذه الآيات مطمئنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي كذلك مبينة للمسلمين أن هذه (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)(5) وأن على حملة الدعوة أن يتوقعوا أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من المؤمنين كقوله تعالى في سورة البروج.
بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير)(6).
هذه هي طبيعة الدعوة الحقة، وتلك مواقف الدعاة الصلبة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤكد مثل هذه الحقيقة، ويوجب ما على الدعاة عمله، حيث يقول "ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا حيث دار ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان فالزموا الكتاب، ألا وإنه سيولى عليكم أمراء ضالون مضلون إن اتبعتموهم أضلوكم وإن خالفتموهم قتلوكم، قالوا فماذا نفعل يا رسول الله؟ قال كما فعل أصحاب عيسى شدوا على الخشب، ونشروا بالمناشير، فوالذي نفس محمد بيده لميتة في سبيل الله خير من حياة في معصية"(7).
معنى سيرة الرسول
قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)(1) يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله آمراً إياه أن يقول هذه سبيلي، وقد قالها صلى الله عليه وسلم، وألزم بها المؤمنين والدعاة منهم بشكل خاص، لا من حيث وجوب الاقتداء بسيرته صلى الله عليه وسلم بل من حيث كيفية هذا الاقتداء، وما هو الواجب عمله من رسول الله ومن أتباعه حسب مدلول هذه الآية، أما من حيث وجوب الاقتداء بسيرته صلى الله عليه وسلم فقد بيّنا ذلك وبيّنا التحذير من مخالفته (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(2).
أي أن تكون القيادة والأتباع والناس على معرفة تامة بما ندعو إليه من فكر، وما نعمل لأجله من هدف.
فمثلا، إن الغاية المعلنة التي تعمل لها جميع الكتل والأحزاب والجماعات الإسلامية هي عودة الإسلام لواقع الحياة، ولو أن هذه الغاية تحمل أسماء متعددة، وتقال بعبارات مختلفة من مثل القول "إعلاء كلمة الله" أو "العودة إلى الله" أو "استئناف الحياة الإسلامية" أو "إعادة مجد المسلمين وعزتهم" أو إحياء الخلافة أو النهوض بالمسلمين أو غير ذلك من التعابير فكلها تدور حول معنى واحد، وهو الهدف الذي يسعى إليه الجميع، وهذا الهدف حقيقة هو استئناف الحياة الإسلامية سواء أعلن صراحة أو غلف بتعابير وأسماء تحمل نفس المعنى فهو ليس إيجاد حياة إسلامية ابتداء وإنما هو استئناف لما كان موجوداً أي استئناف لما بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنه قد أبعد منذ فترة من الزمن والعملية الآن هي استئناف لما كان، ومن البديهي أن هذا الأمر لا يتحقق إلا بوجود سلطان للمسلمين، أي أن يكون للمسلمين خليفة ينوب عنهم في تنفيذ أحكام الشرع المترتبة عليهم مثل إقامة الحدود، ورعاية الشؤون وحماية الثغور، وحمل الدعوة للعالم لأن ذلك هو الطريقة الوحيدة لتحقيق هذه الأمور والقيام بهذا الواجب.
فالقيادة المطلوبة هي قيادة واعية نقية مثل وضوح الفكرة ونقائها،والأعضاء المطلوبون هم قادة بالاحتياط يحملون نفس الصفات والسمات التي تحملها القيادة الفعلية، تقوم القيادة نفسها وبناءً على ما عندها من أفكار بتنشئتهم على عين بصيرة، حريصة عليهم حرصها على ما عندها من فكرة، ليقوم هؤلاء بنفس الدور في تنشئة الأمة والتعامل معها، لكي يوجدوا أمة تحمل ما يحملون وتضحي في سبيل ما يطلبون، لكي تصبح الأمة والكتلة شيئاً واحداً، ويكون حملهم للدعوة لغيرهم من الشعوب والأمم انقياداً لفكرتهم التي يحملون.
ومن قوله تعالى: (على بصيرة) (4) الوعي على ما يحيط بالدعوة في مجالها من شعوب وكيانات، ومعرفة ما يتوقع منهم من مواقف وما هم عليه من أوضاع، تماماً كالفلاح الذي يريد أن يزرع أرضاً، فلا بد أن يعرف طبيعة هذه الأرض ونوعيتها، وأي نوع من الزرع ينبت فيها،ثم معرفة ما يحيط بهذه الأرض من أراض ومعرفة ما يكتنفها من أجواء، وفصول، معرفة تمكنه من الزرع والمحافظة على الزرع، لذا حين تعمل الكتلة أو الجماعة في مجتمع ما، لتحقيق هدفها، والوصول لغايتها لا بد أن تعرف أولاً طبيعة المجتمع الذي تعمل فيه، ومن ثم معرفة ما يحيط به من شعوب ومجتمعات، للمحافظة على ذلك الهدف حين الوصول إليه، فكيف إذا كان الهدف مما يوجب نشر تلك الفكرة لكل الناس،والإسلام جاء للناس كافة(وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيرا)(5) وهذا يقتضي معرفة ما عليه هؤلاء الناس وأعني بذلك الوعي السياسي على ما يحيط بمجتمعنا وعياً يمكننا من معرفة ما يمكن أن يصدر عنه من أخطار لتجنبها، ومعرفة ما يلزمنا لتبليغه، وضمه إلى حظيرة الإسلام.
-----------------------
الوعي على الواقع الإقليمي والدولي.
وما دامت هذه طبيعة دعوتنا، فلا بد من معرفة ما يحيط بنا من أمم وشعوب يتربصون بنا الدوائر، وينتظرون منا غفلة، خصوصاً وأننا بعد تحقيق الخطوة الأولى من هدفنا سنكون نحن المبادئين لهم بالدعوة، والداعين لهم بالتخلي عن قيادتهم وكياناتهم فلا بد من معرفة نظرتهم إلينا وأطماعهم فينا.
وباختصار على الكتلة أو الحزب أن يكون واعياً على واقعه، واعياً على مجتمعه، واعياً على القطر الذي يعمل فيه واعياً على المنطقة التي فيها قطره واعياً على الطامعين في هذا القطر،واعياً على أحداث العالم بشكل عام باعتبار أنه يستهدف العالم بأسره، فلا بد أن يكون كذلك مستهدفاً من قبل العالم.
هذه هي بعض المواضيع التي تعامل معها القرآن الكريم، وهذا هو النهج الذي سلكه، وإنه وإن اختلفنا في فهم النصوص والآيات والأحاديث، وإن تعددت الأفهام لمدلولات الجمل والتعابير، إلا أننا لا يجوز أن نختلف في هذه المواضيع من حيث أنها قطعية ولا مجال للشك في أي منها، فهل ينكر أحد أن القرآن قد تضمنت آياته شرحاً وافياً للعقيدة بكافة أجزائها وفروعها وفي كثير من الأفكار المتعلقة بها؟ وهل ينكر أحد أن القرآن الكريم رد على خصومه بأسلوب فكري رائع، وتصدى لما في المجتمع من أفكار فاسدة وعقائد منحرفة وخرافات وترهات باطلة من عقائد العرب المشركين أو من عقائد وأفكار اليهود والنصارى على اختلاف مشاربهم، وتعدد اتجاهاتهم، وهل ينكر أحد أن الإسلام تصدى للعادات السيئة والتقاليد المنحطة والعلاقات الفاسدة التي كانت تسود تلك المجتمعات؟ هل ينكر أحد أن الإسلام هاجم وبعنف قادة المجتمع، وأئمة الكفر من زعماء القبائل ورؤساء العشائر أو قساوسة أو رهبان أو أحبار، وهل تهاون في ذمهم وفضح خفايا ما يقومون به؟ وهل ينكر أحد ما تضمنته الآية من وجوب الدعوة على بصيرة، ووجوب التقيد بسيرة رسول الله؟ هذه هي الأمور القطعية التي تضمنها نهج القرآن الكريم، وهذه هي الأمور القطعية التي يمكن للأحزاب والفئات والجماعات أن تتساعد فيما بينها على مهاجمتها والتعامل معها.
هذه هي النقاط التي بينها القرآن الكريم في نهج الدعوة، والتي قام ببيانها عملياً رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها نفهم سيرته، وهذا هو النهج الذي يجب علينا سلوكه والذي ندعو إليه كافة الأخوة العاملين المؤمنين للسير عليه وتنفيذه والتزام ما دلت عليه مواضيعه، لأنها كما بيّنا أمور قطعية، قد وردت في القرآن الكريم صراحة ومن البديهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قام ببيانها، لأن مهمته تبيان ما نزل للناس من آيات ولهذا فإنه إن اختلفنا في فهم سيرته صلى الله عليه وسلم فبالعودة إلى القرآن الكريم ومعرفة أسباب النزول وأوقات النزول تفهم السيرة، لأنه كما وصفه ربّ العالمين( لتبيـّن للناس ما نزل إليهم)(4) هذا ما ندعو إليه كافة الأخوة، لأنه ولا شك أن من يخالف ما جاء به الإسلام وما انتهجه القرآن إنما يكون قد ارتكب إثماً ويكون قد خالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نربأ بإخواننا المؤمنين عن مخالفة أي فرض فرضه الله على المسلمين، أو مخالفة أي منهج بيّنه لنا.
إن مما يثلج الصدر أن تكثر الدعوات إلى الله وتتعدد التكتلات والجماعات التي تدعو لعودة الإسلام لواقع الحياة فهذا دليل العافية، ويوحي بوجود الحيوية في الأمة، ورغبة التغيير، وهذا ما يبشر بالخير، ويبعث الأمل في النفوس، ويشد من أزر العاملين الواعين، ويحفز الهمم الخاملة، ويوقظ النفوس النائمة، ويوقد جذوة الفكر والتنقيب عن الحقيقة ومعرفة الدليل الأقوى، وكان من الطبيعي أن تكثر هذه الدعوات وتتعدد هذه الجماعات خصوصاً بعد ما سمي بالصحوة الإسلامية وتحرك مشاعر المسلمين تجاهها، كان من الطبيعي أن تتعدد أحزاب وتكتلات على أساس الإسلام وذلك لما بيّنا من وجود أسباب الاختلاف الأساسية سواء في طبيعة الإنسان أو في طبيعة الإسلام، ما دام أن الإخلاص هو رائد الجميع، والحرص على صفاء الإسلام ونقائه أمر لا بد منه، هذا بالإضافة إلى الأسباب الثانوية.
ولهذا فإننا نتوجه لهذه الكتل جميعا بكل صدق وإخلاص مذكرين إياهم، قادة وأعضاء أن يضعوا نصب أعينهم تقوى الله، وليتداركوا ما فات قبل فوات الأوان، وليتذكروا قول الله تعالى: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)(1) وقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً)(2) فيضعوا نهج القرآن منهاجاً لهم في دعوتهم لا يزيغون عنه قيد أنملة لأي سبب من الأسباب، مسترشدين بالمواضيع التي وردت في القرآن الكريم، حيث أنها هي المفتاح في فهم السنة، وأن يسيروا بهذا المنهاج كما سار به محمد صلى الله عليه وسلم، متبعين نفس الأساليب إن أمكن، مستغلين ما يمكن استعماله من الوسائل الحديثة التي تسهل عملهم، وتيسر أمرهم، سافرين متحدّين الكفر بكامله، لا يأبهون بمن خالفهم من إخوانهم فكلهم إن التزموا ذلك على الحق المبين، وعدوهم واحد هو الكفر مهما تعددت وجوهه، وتنوعت دعوته.
وحين يطرح كل منهم ثقافته-وهي ثقافة إسلامية ولا شك-ويبين كل منهم منهجه المأخوذ من القرآن الكريم، ويقيم كل منهم الحجة على ما ذهب إليه من رأي، أو بيان حكم، حين يقومون جميعاً بهذا الأمر ويباشرون الصراع الفكري مع الكفر، فمن البديهي أن يؤدي ذلك إلى بلورة الفكر عند الجميع، وتتضح الرؤية عند الأمة، ويتساوى عندها الفائز ما دامت الغاية هي العيش تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهي الجامع الوحيد لهم في حياتهم الدنيا، كيف لا تنصاع الأمة لمثل هذا وتنقاد له، وهي تسمع وتعرف أن أي مسلم من أي فئة هو جندي أمين، وخادم مطيع لإمام المسلمين وخليفتهم.
هذه ناحية وهذا هو أثرها أي بلورة الفكر عند الجميع، أما الناحية الثانية وأثر الصراع الفكري في حياة الأمة، فحين توجه سهام جميع هذه الفئات إلى أفكار الكفر وعقائده، وحين تتضافر الجهود بفضح مكائده ومؤامراته، بأساليب مختلفة، ووسائل متعددة، فإنما يعني ذلك الإجهاز على الكفر وإنهاءه في بلاد المسلمين، وملاحقته في بلاده كذلك، لأننا حين نهاجم أفكاره لا نهاجمها باعتبارها أفكار عدو لنا، فحسب وإنما باعتبارها أفكاراً باطلة تخالف فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وتخالف ما يجب أن يبنى عليه الفكر الإنساني-أي العقل-حين نهاجم الأسس التي قام عليها الكفر إنما نهاجمه في كل الدنيا وليس فقط على أرضنا وفي بلادنا. هذا هو الجانب الثاني في صراعنا الفكري أثناء حملنا للدعوة.
هذا هو نهج القرآن الكريم وأسلوبه في تثبيت أفكاره وتركيز مفاهيمه، محو الباطل أولاً وإزالة آثاره ثم إقامة الأدلة والبراهين على صدق عقيدته، وقوة فكرته، وهذا ما يجب أن يكون عليه جميع الدعاة في أساليبهم ومناقشاتهم ودعوتهم، وبتعبير آخر هو وضع الخط الصحيح أمام الخط الأعوج، ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك، إذا كان الداعية نفسه لا يعرف ماذا يريد، أو لا يعرف ما عند الآخرين للرد عليه، لذا فإن نهج القرآن الكريم هو الطريق الطبيعي في نشر أي فكرة وتركيزها.
هذا بالنسبة لحمل الدعوة وتركيز الفكرة وأسلوب الصراع الفكري وما يتطلب وجوده في المجتمع، أما بالنسبة للكفاح السياسي والتصدي للقادة الغشم، والحكام الظلمة، فحين تتوالى عليهم السهام من جميع الجهات والفئات ثم لا يجدون ملجأ يلوذون به إلا الأمة، فإذا كانت الأمة هي رامية السهام،وموترة القوس فإنما يعني ذلك نهاية هؤلاء الظلمة وزوال حكمهم والتفاف الأمة حول إسلامها واستعادة الثقة بنفسها وبقادتها وبقيادتها الفكرية.
من قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)(1) إلى غير ذلك من الصفات كقوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)(2) إلى آخر السورة.
ومن وصفه تعالى ( قد أفلح المؤمنون)(3)
ومن وصفه تعالى وصية لقمان لابنه (إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه)(4).
وباختصار أقول إن الداعية لا بد وأن يكون مسلماً بكل ما لهذه الكلمة من معنى، أي مسلم ملتزم بما أمره به الله وما أوجب عليه من أفعال وما طلب من اتصاف بصفات وما ألزمه به في حياته العملية.
أ-عقيدة صالحة بعيدة عن الظن وما تهوى الأنفس.
ب-عبادة صالحة بعيدة عن الشرك والرياء، التزام بالفروض وتقرب إلى الله بالنوافل والمندوبات.
ج-أخلاق صالحة، فهي صفات حميدة يتصف بها لأنها أوامر من الله سبحانه وتعالى.
د-معاملة تقوم على تحكيم الحلال والحرام فيها، فلا يقصر بواجب ولا يتقاعس عن فرض، ويندفع في عمل الخير من مندوبات ونوافل، ويترفع عن الكثير من المباحات ويبتعد عن المحرمات.
هذا ما يجب أن يكون عليه من يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ولاستئناف الحياة الإسلامية وعودة عزة المسلمين ومجدهم.
بقيت مسألة أخيرة جاءت في نهج القرآن الكريم كأسلوب في تثبيت فكرة أو تقريبها إلى الذهن، وبناءً عليه فقد قال أحد البلغاء، بالمثال يتضح المقال، ولذا لا بد من لفت النظر إلى تلك الأمثال التي ضربها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم تثبيتاً لفكرة أو تقريباً لمعنى من المعاني، أو تحريكاً لمشاعر، أو اعمالاً للذهن، فلا بد من إلقاء نظرة ي تلك الأمثلة ومحاولة الاستفادة منها في واقعنا الحالي، ومحاولة إنزالها في الأوقات المناسبة أو استعمال أمثلة تقريبية، ففي استعمال القرآن الكريم إرشاد لنا باستعمال هذه الأمثلة أو ما يناسب المقام أو المقال من مثال.
وختاماً ألخص ما قصدته في هذا البحث-نهج القرآن الكريم في الدعوة-وما يجب على كل كتلة عمله تبعاً لهذا النهج باعتباره أفكاراً وأحكاماً قطعية جاء بها القرآن الكريم، فهي قطعية من حيث ثبوتها كونها آيات كريمة وقطعية من حيث معناها فهي مواضيع لا تحتمل أكثر من معنى ولا يمكن تأويلها وألخص ذلك بمايلي:-
4-التصدي لأئمة الكفر وأولياء الشيطان وقادة السوء ورواد الضلال تماماً كما هاجم القرآن الكريم أبا لهب والوليد بن المغيرة وغيرهم وكما هاجم الأحبار والرهبان وغيرهم.
أ-بيان حكمه: أنه فرض.
ج-جعل هذا البيان أشبه بمخطط هندسي تتضح فيه معالم الهدف والأسس التي تقوم عليها الدولة، بشكل يجعلها متصورة في الذهن، ويسهل نقل هذا التصور إلى الأمة حتى يستطيع الفرد أن يتصور كيفية العيش في ذلك الواقع.
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)(2).
فالسير على نهج القرآن الكريم في الدعوة في أيامنا هذه يقتضي الرد على أفكار الكفر التي نخرت وتنخر جسم الأمة حتى باتت أهدافاً تسعى الأمة لتحقيقها، وآمالاً ومطالب شعبية تثور الأمة للحصول عليها، بالإضافة إلى الهالة التي أحاطوها بها، والقدسية التي أضافوها إليها، حتى بلغ الحال بمفكريهم أن يجعلوها جزءاً من عقيدة الأمة أو أن العقيدة الإسلامية جاءت بها فالإسلام بنظرهم دين الحريات ومصدر الديمقراطية وهو أصل الاشتراكية، ومحمد إمام الاشتراكيين:
الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوى القوم والغلواء
وإنه وإن بدأت تتلاشى تلك الدعوات الكافرة والمفاهيم الضالة، إلا أنّه قد حل محلها مفاهيم مشوهة، وأفكار مغلوطة صاحبت ما يسمى بالصحوة الإسلامية، تريد إبعاد المسلمين عن الوصول إلى غايتهم وتحكيم الإسلام في حياتهم بل استئناف الحياة الإسلامية ولذلك صار من المحتم على المخلصين من الدعاة أن يتنبهوا إلى مثل هذا الأمر فهو واقع جديد يضاف إلى ما سبقه، ولا يصح أن يقال إن هذا أفضل ن السابق، ويكفي منهم أنهم يرفعون شعار الإسلام، وينادون بالتوحيد، ويقومون على إصلاح الفرد فعلينا أن نغض الطرف عن بعض هذه الأمور. لا يصح أن يقال ذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )(2) فلا بد إذن من تبيان هذه المخالفات وكشف خطورتها وبيان أن الإسلام دين كامل لا يصح فيه الإشراك أو التجزئة بإدخال ما ليس منه فيه، إثم إن لم يصل إلى الشرك، وترك ما هو منه إثم كذلك إن لم يصل إلى الكفر فإنكار سورة أو آية أو كلمة من القرآن كفر أو إنكار حديث متواتر فهو كفر كذلك.
فكيف بمن يريد إسلاماً فردياً ليس له سلطان، أو إسلاماً قومياً يقتصر على قطر أو المزج بين بعض الأحكام الإسلامية والقوانين الوضعية، أو وضع بعض القواعد التي تقول بجواز تغير الأحكام بتغير الزمان، أو جعل المصالح مصدراً تشريعياً للأمة، فهذه الأمور وما شابهها يقتضي النهج القرآني التصدي لها وتعريتها وبيان حقيقتها بأسلوب تدركه العامة كما يدركه المفكرون وذلك بالتركيز على أن شريعتنا وحي من الله فقط ولا مجال لاتخاذ العقل مشرعاً أو مصدراً من مصادر التشريع.
بقيت مسألة واحدة وهي معرفة طبيعة الأرض التي يعمل فيها الدعاة، فالفلاح حين يريد استصلاح أرض أو إحيائها لزراعتها لا بد له من معرفة طبيعة هذه الأرض.
1-هل هناك نزاع حول ملكيتها؟.
2-هل هي أرض رملية أو طينية؟ وهل هي سهل أم جبل؟
3-ما هو المناخ في تلك المنطقة، صحراوي، ساحلي، استوائي، جليدي؟.
4-موسم الأمطار فيها؟.
5-هل فيها أدغال أو صخور؟.
فالجماعة التي تريد أن تنتهج نهج القرآن الكريم في الدعوة لا بد لها من معرفة أمور ثلاث:
هل يصلح لإقامة الدولة واستئناف الحياة الإسلامية فيه وجعله نقطة ارتكاز تنطلق منه لجميع بقية أقطار العالم الإسلامي، وهل السلطان فيه للمسلمين؟ أم أنه مرتبط مع الكفار بمعاهدات أو مجرد عمالة. حتى ترسم له ما يلزمه من خطط وأساليب تمكنها من ذلك.
الثاني: معرفة واقع العالم الإسلامي وما فيه من أقطار وما يجابه من مشكلات وكيف يمكن ضمه إلى جسم الدولة بعد أن يمن الله عليها بالنصر، وهل الدول القائمة فيه دول عميلة أم مخلصة، وهل ترتبط بمعاهدات حماية أو غيرها مع الكفار، و مدى هذا الارتباط. وهل يخضع هذا الجزء من العالم لنفوذ دولة واحدة أم أنه في بؤرة صراع بين الدول الكافرة كل يريده مزرعة له.
الثالث: معرفة الموقف الدولي في كل ظرف لمعرفة الزمن المواتي لاقامة دولة تريد أن تأخذ زمام المبادرة من دول العالم وتتسنم هي مركز القيادة فيه.
ولهذا فإن العنصر الأساسي في التكتلات الداعية إلى الإسلام أن تعرف واقعها وواقع القطر الذي تعمل فيه، وواقع الأقطار المجاورة له، وواقع الموقف الدولي أي أنها لا بد لها من الوعي السياسي الكامل، والتعامل مع الأحداث فيه بأعمال سياسية عظيمة، تمكنها مستقبلاً من القبض على زمام الأمور واستلام عجلة القيادة لتكون القائد للعالم بحق وفي هذا يتحقق في الأمة قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا(5).
فكيف للأمة أن تشهد على الناس إن لم تكن في مركز الصدارة ملتزمة عجلة القيادة و أختتم بقوله تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(6).
- مقدمة الناشر
- تمهيد
- مقدمة
- القرآن الكريم
- صخور على جانبي الطريق
- أسباب استحالة توحيد الأحزاب الاسلامية
- النصوص المحتملة لأكثر من معنى
- تفاوت الطاقة البشرية
- الاختلافات في فهم سيرة الرسول -صلى الله عليه و سلم -
- الطريق القويم
- أولاً : وجوب وجود الاسلام في واقع الحياة
- ثانياً : وجوب وجود خليفة للمسلمين
- ثالثاً اتباع طريق الرسول - صلى الله عليه و سلم -
- رابعاً : السيرة تفهم بالقرآن
- خامساً : وجود قطعيات لا يجوز الخلاف حولها
- هذا هو نهج القرآن الكريم في الدعوة مما يختص بالعقيدة أو الصراع الفكري
- الرد على اليهود
- الصراع الفكري و التصدي للعلاقات الفاسدة و العادات البالية
- التصدي للفهم السئ
- الكفاح السياسي: التصدي لقادة المجتمع
- كشف المؤامرات
- درس من الكفاح السياسي
- الطمأنينة لحملة الدعوة
- معنى سيرة الرسول
- بيان الغاية
- الوعي على الواقع الاقليمي و الدولي
- تعدد التكتلات و الجماعات
- اصلاح الفرد
- الخاتمة