الخميس، 13 يناير 2011

ظاهرة انتشار الإسلام في الغرب حقائق وهواجس

بسم الله الرحمن الرحيم

تنطلق في الغرب صيحات تحذير من انتشار واسع لدين الإسلام بين النصارى الغربيين،وهذا الانتشار يتبلور في مظاهر عديدة يبدو أن الحكومات الغربية بدأت تعير لها أهمية كبيرة وتنظر لها نظرة واقعية وتهلع مما تشكله من خطر داهم عابر للحدود والقارات والأعراق والأجناس والأديان... ففي تقرير نشره موقع الـ(سي إن إن) بعنوان: «النمو السريع للإسلام في الغرب» ذكر أن أعداد الذين يدخلون في الإسلام في العالم الغربي كبير جداً وهو في تسارع مستمر، وأن هناك طفرات في نمو الجاليات الإسلامية، وزيادة ملحوظة في المراكز الإسلامية و المساجد التي لم تعد تقتصر على العواصم الغربية بل تجاوزتها إلى كافة المدن الأوروبية الكبرى. ففي قلب أوروبا بدأت أعداد المساجد تنافس أعداد الكنائس في كل من باريس وروما ولندن، وأصبحت نسخ القرآن الكريم المترجمة من أكثر الكتب مبيعاً في الأسواق الأميركية والغربية إضافة إلى انتشار الإسلام في السجون، فأعداد المسجونين الذين يرغبون في دخول الإسلام يزداد يوماً بعد يوم بصورة لافتة للنظر، وهذا ما أثار الرعب والهلع داخل الأوساط الأمنية الغربية، وتحذيرهم من تنامي التيارات الأصولية الإسلامية داخل السجون. وهذه عينات قريبة من هذا الانتشار الذي يؤرق الغرب.

روسيا:
فى روسيا يبلغ عدد المسلمين 23 مليون مسلم، أى ما يمثل 20% من عدد السكان. وتتوقع مجلة “إكونوميست” البريطانية أن يمثل المسلمون غالبية أفراد القوات المسلحة الروسية بعد ستة أعوام. في شهر يوليو من عام 2008م نشرت جريدة برافدا الروسية مقالاً بعنوان: الإسلام سيكون دين روسيا الأول مع حلول عام 2050م ويأمل رئيس مجلس المفتين في روسيا بأن يصدر الرئيس “ميدفيديف” تعليمات بتشييد مسجد في مدينة “سوتشي” التي تعتبر أهم المنتجعات الروسية، وسوف تستضيف الألعاب الأولمبية الشتوية في عام 2014م. ووعد ميدفيديف بتلبية هذا الطلب مشيراً إلى “أن عدد المسلمين عندنا يتزايد”، ويرى أنه من الضروري أن ينشأ المزيد من المساجد في روسيا.

إسبانيا:
رصد موقع المينوتو ديجتال الإسباني التطور الذى طرأ على انتشار الإسلام خلال الآونة الأخيرة فى إسبانيا، لافتاً إلى أن الوجود الإسلامي أصبح واقعاً ملموساً خاصة فى جزر البليار التى تقع جنوب شرق إسبانيا، حيث تضاعف عدد المساجد خمس مرات منذ عام 2005م، ووفقاً للموقع فقد ارتفع عدد مراكز التلقين الإسلامي فى جزر البليار ليصبح عددها الآن 30 مسجداً، ويظهر هذا يوم الجمعة، حيث يتجمع المسلمون فى وقت الصلاة واختيار إمام لهم، مشيراً إلى أن المجلس الإسلامي بجزر البليار الذى يترأسه لونيس ميثياني الذى رأى أنه بالإضافة إلى وجود المساجد، طالب بالحصول على أراضٍ تخصص لدفن المسلمين بحسب الشريعة الإسلامية وتعتبر مقابر لهم. وأوضح الموقع أن بداية ظهور هذه المساجد من 2006م، ولكن فى 2008م، تم بناء العديد وخاصة فى جزيرة مايوركا التي في 2005م كان لا يوجد فيها سوى مسجدين، ولكن الآن فقد تضاعف أعداد هذه المساجد خمس مرات.يذكر أنه يصل عدد المسلمين في إسبانيا إلى أكثر من مليون ونصف المليون مسلم.

السويد:
وفي السويد، أدى انتشار الدين الإسلامي إلى تبوئه المركز الثاني من حيث الانتشار بين الناس. وهو ما أكده تقرير أعده المركز الإسلامي في العاصمة السويدية إستوكهولم. وقال التقرير: «إن الإسلام أصبح يحتل المرتبة الثانية في السويد بعد الدين النصراني»، وهو ما حدا بالحكومة السويدية إلى الاعتراف به وتدريسه في المدارس الحكومية هناك جنباً إلى جنب مع الديانة النصرانية، وهناك مساع حثيثة لترسيخ فكرة إنشاء كليات ومعاهد خاصة بالدراسات الإسلامية في السويد. وأكدت الدراسة، بحسب مجلة “عقيدتي”، أن الإسلام ينتشر بشكل مثير للدهشة في أوساط الشعب السويدي، رغم غياب الدعاية الكافية له حيث أشارت الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد المسلمين في تزايد مستمر، ويقدر عدد المسلمين في السويد اليوم بأكثر من 120 ألف نسمة.

ألمانيا:
تقول الإحصائيات الرسمية التابعة لألمانيا أنه خلال عام 2006م و2007م و 2008م يدخل كل ساعتين مسلم جديد في الإسلام. وأظهر استطلاع للرأي أن 39% من الألمان يشعرون بـ”قلق بسيط” من اتساع نطاق انتشار الإسلام في المجتمع الألماني بشكل كبير. وقال 22% من المشاركين في الاستطلاع الذي أجراه معهد “ديماب” لقياس مؤشرات الرأي ونشرت نتائجه القناة الأولى في التلفزيون الألماني (إيه.أر.دي) في11/9/2009م، إنهم لا يشعرون بمشكلة في انتشار الإسلام. وصرحت الحكومة الألمانية أنه لا يمكن الآن إيقاف التناقص في النمو السكاني الألماني، وأنّه قد خرج عن السيطرة، وأن في عام 2050م، ستكون ألمانيا جمهورية إسلامية لا محالة.. كما صرحت ألمانيا أنّه بعد عشرين سنة يكون في أوروبا 104 مليون مسلم.

فرنسا:
أعلن وزير الاستخبارات الصهيوني بتاريخ 24 يوليو 2009م على شبكة الإنترنت يحذر من تنامي المد الإسلامي: «إنّ العالم على أعتاب تغيرات وانقلابات في ظل انتشار الإسلام»، وبلغ من تحذيره أن صاح بأعلى صوته: «الإسلام سيحوّل أوروبا بأسرها إليه في سنوات»، وتحدّث الشريط عن هذا الزحـف القادم في أوروبا، فيبدأ في فرنسا، محذّرا أنَّ عدد مساجد فرنسا قد غدا أكثر من عدد كنائسها، حتّى في جنوبها الذي يُعد أزحم المناطق في العالم بالكنائس، بل إنّ 1000 مسجدٍ منها كانت كنيسة في السابق، وأنَّ 30% من الأولاد دون سن العشرين مسلمون، وفي المدن الكبرى يرتفع إلى 45%، ويقول: في عام 2027م سيكون خمس سكان فرنسا مسلمين، وفي غضون 39 سنة ستصبح فرنسا جمهورية إسلامية. وتشير الإحصائيات أن في فرنسا 2300 مسجد و7 ملايين مسلم، ليصبح الإسلام الدين الثاني بعد المسيحية في فرنسا.. وهناك توقعات بأن يمثل المسلمون ربع سكان فرنسا بحلول عام 2025م. وفي دراسة أعدتها وزارة الداخلية الفرنسية تقول: إن 3600 فرنسي يعتنقون الإسلام سنوياً.

بلجيكا:
ذكرت تقارير إعلامية أن عدد المعتنقين للدين الإسلامي في بلجيكا في تزايد مستمر ما يدعم صحة تقارير سابقة نشرت في أوروبا تؤكد انتشار الإسلام بصورة كبيرة في هذه القارة، وقالت إذاعة (أر. تي .إل) البلجيكية في تحقيق بثته أمس الأول إن أكثر من (300) مواطن بلجيكي اعتنقوا الدين الإسلامي منذ بداية العام الجاري، أي بمعدل يفوق الشخص الواحد كل يوم وهو ما لم تشهده البلاد سابقاً، وأوضحت الإذاعة أن اعتناق الإسلام في بلجيكا وحسب دراسة قامت بها يأتي بعد تفكير عميق ومقارنة دقيقة يقوم بها المعتنقون الجدد الذين يعثرون في الدين الإسلامي على ما يتوقون إليه على الصعيد الروحي والأخلاقي، وأوردت الإذاعة شهادات لعدد من الذين اعتنقوا الدين الإسلامي من البلجيكيين والذين أكدوا على عقلانية خيارهم وعلى قناعتهم بأن الدين الإسلامي وبعد دراسة معمقة، يمثل الدين الفعلي للإنسانية جمعاء.

الدنمارك:
أكد الشيخ عبدالحميد الحمدي، رئيس مجلس الشورى بالمجلس الإسلامي بالدنمارك أن 2500 من شريحة الشباب الدنماركي أعلنوا إسلامهم على خلفية نشر الرسومات المسيئة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحف الدنماركية. وقد أكدت صحيفة “البوليتيكن” الدانماركية: “أن عدد الدانماركيين الذين يعتنقون الدين الإسلامي يتزايد يوماً بعد آخر، وأن مواطناً دانماركياً واحداً على الأقل يختار اعتناق الدين الإسلامي يومياً، كما أن عدد الدانماركيين الذين تحولوا للإسلام منذ نشر الرسوم المسيئة تجاوز 5 آلاف دانماركي.

هولندا:
حذرت الحكومة الهولندية من الإقبال المتزايد على الإسلام في أوساط الشبان الهولندي، كما حاولت فصل المدانين بجرائم ما يسمى بـ”الإرهاب” عن السجناء الآخرين؛ لمنع انتشار الإسلام في السجون. وقد أعلن “تجيبي جوسترا” المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب في هولندا أنه بالرغم من أن قوانين مكافحة الإرهاب يجب أن تصبح رادعاً إلا أن المواقع الإسلامية على الإنترنت في هولندا في تزايد مستمر، ناشرة بين الشباب الفكر الإسلامي. كما شهدت مكتبات أمستردام إقبالاً كبيراً من الهولنديين على شراء المصاحف الإلكترونية المترجمة ما أدى إلى نفادها من الأسواق عقب نشر الرسوم المسيئة. وعلى جانب آخر خابت آمال النائب الهولندي “غيرت فيلدرز” فبعد عرض فيلم «فتنة» أشهر ثلاثة هولنديين إسلامهم خلال أسبوع من عرض الفيلم. وذكرت إحصائيات أنه في 15 سنة سيصبح نصف سكان هولندا مسلمين.

بريطانيا:
ويبدو أن الشريعة الإسلامية قد جذبت إليها الكثيرين في بريطانيا الأمر الذي تؤكده دعوة “روان ويليامز” كبير أساقفة كنيسة إنتربري: إلى تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا ، معتبراً أنه أمر لا يمكن تجنبه قائلاً في حديث له مع إذاعة الـ”بي بي سي” في فبراير 2008م: “إن تطبيق الشريعة الإسلامية أمر لا مفر منه لتماسك المجتمع البريطاني، ويبلغ عدد المسلمين فى بريطانيا 2.5 مليون مسلم. وكشفت صحيفة “ديلي تليجراف” البريطانية في مارس 2008م أن عدد مرتادي المساجد في بريطانيا تفوق على نظيره بالكنائس في كل من إنجلترا وويلز. محذرة من أنه إذا استمرت هذه الميول فإن مرتادي الكنائس لحضور صلوات الأحد سيتراجع إلى 678 ألف مصلٍّ بحلول عام 2020م. ومع هذا العام سيرتفع عدد المسلمين الذين يرتادون الجوامع لأداء صلاة الجمعة إلى 683 ألفاً.

أميركا:
في تقرير نشره موقع الـ(سي إن إن) بعنوان: النمو السريع للإسلام في العالم الغربي، يعترفون أن أعداد الذين يعتنقون الإسلام كل عام في العالم الغربي كبير جداً وهو في تسارع مستمر، ففي 12 سنة تم بناء أكثر من 1200 مسجد في الولايات المتحدة الأميركية (بمعدل مئة مسجد سنوياً)، والشيء العجيب أن معظم الذين يعتنقون الإسلام من الأميركيين يتحولون إلى دعاة للإسلام بعد أن يلتزموا بشكل مذهل بتعاليم الإسلام. ويؤكد معظم الباحثين أنه بالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة بأن أكثر من عشرين ألف أميركي يعتنقون الإسلام كل عام وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)! فعلى العكس مما هو متوقع بأن أعداد المسلمين الجدد ستنخفض، إلا أن النتيجة جاءت على عكس الحسابات، فقد أظهرت الإحصائيات الجديدة أن عدد الذين يدخلون في الإسلام ازداد بشكل كبير بعد أحداث سبتمبر.
وهذه عينة من التصريحات والاعترافات التي أدلى بها بعض ممن اعتنق الإسلام من الغربيين.
- بعد اعتناق الضابطة البريطانية ياسمين رحمن الإسلام: «الإسلام هو الأقرب إلى نفوس البشر».
ياسمين رحمن ضابطة في شرطة المواصلات متبحرة في الدين الإسلامي، تقول إنها قبل نطقها بالشهادتين كانت علمانية لم تعتنق أي دين، ولم تكن تذهب إلى الكنيسة، ولكنها تشعر اليوم أن الإسلام حقاً هو الدين الذي يصل العبد بربّه مباشرة عن طريق التوحيد والعبادة، مما يبعث السكينة في النفس والطمأنينة، ويجلب السعادة للمخلوق بهذه العلاقة الفريدة المشتملة على الحب والخوف والرجاء والخضوع لله تعالى. وتضيف الضابطة ياسمين أنها كانت تعاقر الخمر قبل دخولها الإسلام، وعندما تتذكر تلك الأيام حين كانت تذهب مع أصدقائها إلى الأندية تشعر بالندم، وتوضح أن الإسلام هو الأقرب إلى نفوس البشر، وتقول إن اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام ونطقت بالشهادتين «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله» في مسجد شرق لندن أواخر إبريل/ نيسان من العام الماضي يعتبر علامة فارقة في حياتها، أي بين الحق والباطل.
- أما الآنسة الفرنسية ت ماري فالوت والتي اعتنقت دين الإسلام قبل ثلاث سنوات بعد أن حارت في الإجابة عن أسئلة روحية معينة منذ طفولتها ولم تجد لها أية أجوبة شافية في المعتقد الكاثوليكي، فقد أكدت أن الشك الذي كان لديها اختفى بالكلية مع اعتناقها الإسلام، وتقول: ‘الإسلام هو رسالة الحب والتضحية والسلام. ولدى سؤالها عما إذا كانت قد آمنت بدين الإسلام بسبب رغبتها في استمرار علاقة حب مع رجل مسلم أو ما شابه، تضحك الشابة الفرنسية وتقول: «إنني عندما أخبرت زملائي في العمل أنني اعتنقت الإسلام كان رد فعلهم الأول هو توجيه السؤال نفسه لي، وما إذا كان هناك شخص مسلم أريد الارتباط به، ولم يصدق أحد منهم أنني إنما أقبلت على هذا الدين بمحض إرادتي الحرة المستقلة عن أية مصلحة شخصية». وتضيف فالوت: «في الحقيقة، لقد أحببت الطريق الذي يرسمه دين الإسلام للتقرب إلى الله، لأن الإسلام يقدم الطريق الأكثر انضباطاً وسهولة في الوقت نفسه، وهذه السهولة تنبع من كونه طريقًا واضح المعالم، وانا كنت أبحث عن القواعد التي تنظم السلوك وعن مبدأ الاتباع، والمسيحية لم تنجح في أن تعطيني ما أبحث عنه».
- جو (أحمد دوبسون) نجل (فرانك دوبسون) وزير الصحة البريطاني وأحد أعضاء حكومة (بلير) حيث اعتنق الإسلام قبل 13 سنة. يقول الأخ أحمد عن بداية طريق الهداية «كانت عملية تحول تدريجي، لا ثورة مفاجئة في اعتناقي للإسلام، وإن والدي كان يهديني كتباً إسلامية بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة» واستطرد (جو أحمد) 35 عاماً، قائلاً: «لقد ترعرعت في حي يقطنه عدد كبير من المسلمين، والتحقت بمدرسة فيها أطفال مسلمون، وفي السادسة عشرة من عمري قرأت معاني القرآن الكريم بنسخة مترجمة بالإنجليزية أعارني إياها صديقي سامي (من أصل بنغلادشي)، وإني آمل أن أزور السعودية لأداء مراسم العمرة ومناسك الحج، والذي شجعني على الإسلام نمط حياة المسلمين الذي رأيته في إندونيسيا حين زرتها وأنا ابن العشرين».
- فريدرك دوبلس مدافع نادي سوشو الفرنسي، قال عن بداية اعتناقه الإسلام: «كان ذلك قبل عامين، وكان الأمر بالنسبة لي تحدياً كبيراً. ولكن بحمد الله أعلنت إسلامي بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، ووجدت بذلك اختلافاً كبيراً جداً سواء على صعيد حياتي الشخصية أم العامة، ووجدت قيمة نفسي في ذلك، الأمر أكبر من وصفه أو شرحه، هناك راحة نفسية وروحانية عظيمة، لاسيما عندما نكون في الأماكن المقدسة». وقد أشارت تقارير صحفية سعودية أن العديد من نجوم كرة القدم بالدوري الفرنسي قاموا بزيارة الأماكن المقدسة بعد اعتناقهم الدين الإسلامي، مشيرةً إلى أن الإسلام انتشر بقوة في صفوف الفرق الأوروبية (نذكر جاك فاتي السنغالي الأصل، الفرنسي الجنسية، مدافع فريق سوشو الفرنسي، وأنيلكا مهاجم تشلسي الإنجليزي، ونجم المنتخب الفرنسي ريبيري).
- نيكول كوين من ولاية دالاس الأميركية دخلت الإسلام فى مايو 2007م تقول: «كنت أعيش حياتى تماماً مثل أقراني الأميركيين، فكنت أشرب الخمر وأسمع الأغاني وأعمل فى الملاهي الليلية والتصوير، إلا أننى لم تعجبني هذه الحياة، وكنت أريد شيئاً ليغيرني، فأخبرني بعض الأصدقاء عن نوع مختلف من المحاضرات كى أسمعها، وهي محاضرات عن الإسلام، فبدأت أقرأ الكثير والكثير عن الإسلام، وأتابع المحاضرات التى تحكي قصص بعض الأميركيين الذن اعتنقوا الإسلام، وماذا فعلوا، فقلت فى نفسي: لمَ لا أكون مثلهم؟ وكان هذا أحد الأسباب التى جعلتني أعتنق الإسلام، وبعد ذلك قرأت عن الإيمان وكيف أُدخله إلى قلبي، وعندما نطقت الشهادتين تغير كل شيء فى حياتي. ثم بدأت أذاكر وأدرس وأبحث بنفسي، وقمت بجمع المعلومات عبر الإنترنت حيث كنت أظل ساهرة حتى الخامسة صباحاً أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بى لأتعلم وأقرأ عن الإسلام، وقررت أن أغير كل شيء فى حياتي على الفور، وبالفعل كنت قادرة على ذلك، فسرعان ما تغيرت حياتي، لقد فهمت أشياء كثيرة لم أكن أفهمها قبل أن أقرأ عن الإسلام».
- الشاب السويدي يواكيم لوكركرين وقد أسمى نفسه بلالاً بعد اعتناقه الدين الإسلامي، يتحدث عن إسلامه فيقول: «كانت البداية عندما انتقلت إلى مدينة نورشوبينغ للدراسة الجامعية وتعرفت إلى صديق مسلم يدعى خالد، وكان دائماً ما يحدثني عن الإسلام. في بداية الأمر لم تكن نفسي تتقبل وخاصة مع نظرتي السلبية واعتقادي أن الإسلام له متطلبات كثيرة، ولكن مع استمراره في الحديث عن الإسلام طوال أربع سنوات بدأت بالتفكير والاقتناع شيئاً فشيئاً حتى هدى الله قلبي إلى الإيمان». وعندما سئل عن سبب اختياره للإسلام أجاب: «اخترت الإسلام لوجود فرق كبير بينه وبين غيره من الأديان، فهو دين المنطق وموافق للعقل».

خاتمة
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وقد أودع فيه إحساساً فطرياً بوجود الله عز وجل، وينمو هذا الإحساس إذا وجد الإنسان من يغذي هذه الفطرة ويوجهها إلى الطريق السليم، بينما ينحرف إذا نشأ في بيئة غير إسلامية تزرع في داخله مبادئ تتناقض مع ما هو موجود بالفطرة لديه، ويؤكد القرآن الكريم على حقيقة كون الإسلام دين الفطرة بقوله: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم 30] ولأن الإسلام هو دين الفطرة الذي عرف أسرارها وكشف خباياها وأشبعها إشباعاً متزناً فقدم لها نظاماً يعالج الإنسان في كل شؤون حياته بحيث يشعر بالاطمئنان والأمان... فقد قدم لها ما يصلحها وما يصلح لها من تعاليم وسنن وتوجيهات وأجوبة شافية على تساؤلات كثيرة تدور في الأذهان وأجاب عنها بإجابات عقلية صحيحة جد قوية وجد بسيطة، إنه الإسلام ككل الذي قالت فيه الفرنسية المهتدية “سيلفي فوزي”: «لقد وجدت في الإسلام منهاج حياة يجيب عن كل التساؤلات، وينظم للإنسان حياته وفق ما ينفعه ويتناسب مع فطرته… ملبسه ومأكله وعمله ونظام زواجه، اختياراته في الحياة، علاقاته بالآخرين… ومن ثم فلا عجب أن من يلتزم بالإسلام يستشعر الاطمئنان والأمان النفسي الذي هو في رأيي أهم العناصر لاستمرار الحياة». إن أمة الإسلام قد يتعثر عطاؤها في مرحلة من المراحل ولكنه لا يتوقف، وها هي بشائر النصر تلوح في الأفق، تبشر بفجر جديد تعود بالأمة إلى سابق عهدها لتستأنف المسير ولتباشر دورها الريادي في قيادة الأمم والشعوب كما قدر الله لها أن تكون، ولتعود الفتوحات الإسلامية من جديد لحمل الإسلام رسالة إلى العالم لإنقاذه مما هو فيه من ظلم وشقاء، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ [أي ضم وجمع]، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا،...» (رواه مسلم). وقال: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» (أخرجه أحمد).

وهذا أمر كائن قريباً إن شاء الله، فلذلك ترى الحكومات والمنظمات التنصيرية في الغرب ترصد ميزانيات مالية ضخمة لوقف المد الإسلامي، ومواجهة تيار الأسلمة الذي استطاع اختراق الخارطة الأوروبية بقوته الذاتية ومعجزته القرآنية، ولإعطاء الإسلام والمسلمين ومناطق تواجدهم الصورة القاتمة المفزعة، وتحاول تصوير منطقة الشرق الأوسط كمنطقة عدم استقرار وقلاقل وحروب عرقية وأهلية وعنف غير مفهوم وأمراض وأوبئة وآفات أخرى لا تحصى... فترى محاولات تشويه الإسلام تنطلق غربياً من كل حدب و صوب، ففي فرنسا تمنع النساء من ارتداء الحجاب في الجامعات، وفي غوانتنامو يمزق القرآن الكريم وتوضع أوراقه بالمراحيض، في الدنمارك تنشر الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي سويسرا أجري استفتاء شعبي بغالبية 75.5% من أجل منع بناء المآذن في بلادهم... ومن جهة أخرى ترى الصحف الغربية أنها تطلق التحذيرات من الانتشار الواسع لدين الإسلام بين النصارى، ومن ذلك ما جاء في مقال نشر في مجلة (التايم) الأميركية «... وستشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب». أما جريدة (الصاندي تلغراف) البريطانية فقالت: «إن إنتشار الإسلام مع نهاية هذا القرن ومطلع القرن الجديد يعني الذي نحن فيه -ليس له من سبب مباشر إلا أن سكان العالم من غير المسلمين بدؤوا يتطلعون إلى الإسلام، وبدؤوا يقرؤون عن الإسلام، فعرفوا من خلال اطلاعهم أن الإسلام هو الدين الوحيد القادر على حل كل مشاكل البشرية» وقالت مجلة (لودينا) الفرنسية بعد دراسة قام بها متخصصون «إن مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيعود النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي، لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة». وإضافة إلى ذلك يقوم الغرب بتنظيم تنظيم ندوات ومحاضرات ومهرجانات ثقافية في العواصم الغربية للحديث عن الإسلام والمسلمين والجهاد والمجاهدين، ومن أجل تشويه المفاهيم الإسلامية لدى المفكرين والمثقفين في أوروبا وأميركا على وجه الخصوص.

إن على أصحاب الفكر والرأي من المسلمين ضرورة إعادة دراسة الواقع الفكري والسياسي، ودراسة أساليب الخطاب الديني والثقافي في التعاطي مع الغرب، من أجل وضع حد لعمليات التعبئة والتشويه للإسلام والمسلمين التي تقوم بها المؤسسات اليهودية و المسيحية بالتنسيق. وعلينا ان لا ننشغل بالرد والدفاع عن أنفسنا وإسلامنا، وإن كان مطلوباً، بل علينا أن نقتدي بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن نحسن الدعوة وأساليبها لنستميل القلوب والعقول بصورة فكرية قوية وبصورة عملية أقوى منها. ففي الوقت الذي يجب فيه مواجهة الحملة الغربية المنكرة على الإسلام، علينا أن نعرف كيف نسلك الطريق في الوقت نفسه للوصول إلى النفوس العطشى من الشعوب الغربية التي اكتوت بنيران الرأسمالية وذاقت خواءها الروحي وفراغها من القيم إلا القيمة المادية الجشعة... وأحبت التغيير لتتخلص مما هي فيه، فعلينا أن نقنعها بالإسلام بالرغم من كل هذه الحملة الشرسة. وهنا الرهان وأهمية النجاح، وإن كنا ندرك أنه لا حل جذرياً إلا من خلال قيام خلافة إسلامية راشدة تضع كل الأمور في نصابها، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال 36].

بقلم : محمود الأحمد

الفضائيات: خيرللمسلمين أم سمومٌ قاتلة؟


أعظمُ ما في الإنسان عقلُه. والعقلُ في الإنسان هو أداة الإدراك أو بالأحرى هو الإدراكُ نفسه. وبما أن الإدراكَ يعتمد على وجود المعلومات السابقةِ في الذهن، وبدونها لا يكون هناك فكر ولا عقل ولا إدراك -طبعاً إلى جانب مدى سلامةِ الدماغ، ومدى قوةِ الحس أي الإحساسِ بالواقع-. أما الواقعُ هنا فبمعنى الأشياء و الأحداث، أي ما يجري و ما يحدث في دنيا الناس.
لذا كان لابد من تثقيف الذهن بالمعلومات (الصحيحة) بأكبر قدر مستطاعٍ لأنها من أهم عوامل التفكير والحكم على الأشياء والوقائع. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن المفاهيم هي التي تحدد السلوك لدى الفرد بشكلٍ مطرد، أي بشكلٍ متتابع و مستمرٍّ بحيث كلما تركزت المفاهيمُ كلما كان ارتباطُ السلوك بها أقوى، وبالتَّبعِ صارت حياة الإنسان متكيفةً بحسبها بشكلٍ لا يتخلف إلا استثناءً، وإنَّ مفاهيمَ الأعماق الأساسية هي التي تصوغ طريقةَ التفكير لديه، أي الطريقة التي يعقل بها الأشياء، أي التي يدرك بها ويتصور ويفكر ويربط ويستنتج ويُصدر أحكاماً ويوجد معلوماتٍ جديدة، فيصيرُ بالتالي يدركُ العالَمَ وأحوالَ الناسِ وما يجري من حولِه على نحو معينٍ مستعملاً فقط المعلوماتِ الموجودةَ والمخزنةَ لديه لا ما لدى غيره.

من هنا كان للمعلومة -كمعلومة- في أدمغة البشر أهمية بالغة في حياة الناس، وفي عالم السياسة، وكان السبقُ في العلم (العلم هنا بمعنى الحصول على المعلومة) ذا أثرٍ بالغ في تحركات الناس على اختلافها، لأن هذه المعلومة في نهاية المطاف بشكلٍ أو بآخر سوف تتحول وتُنتج سلوكاً يتشكلُ منه ما نسميه اصطلاحاً الواقع، بمعنى الوضع القائم وما هي عليه الأمور، خصوصاً في علاقات الناس كأفراد أو مجتمعاتٍ أو دول. ومن هنا أيضاً يأتي طبيعياً اهتمامُ الناس عموماً -و صنفٍ منهم بوجه خاص، سنأتي عليه فيما بعد- بكلِّ ما هو من قبيل المعلومات وخاصة ما تحمله الأخبار فيما هو مستجد من أحداث. ومن هنا بات من يملك المعلومةَ لا يستوي مع من لا يملك المعلومة، وأصبح من يسمع الخبر أولاً يمتاز في التأثير في الواقع عمن يسمعه لاحقاً، وصار من يُخبر الناس ويُعلِمُهم أولاً ذا حظوةٍ وسطوةٍ وقوةٍ في صراع المتصارعين سواء أكانوا أفراداً أم جماعاتٍ أم طوائفَ، أم شركاتٍ أم أحزاباً أم دولاً. بل صار السباق والصراع محموماً بين مختلف الجهاتِ في جميع مناحي الحياة من أجل الوصول إلى مواقع الحدث والسبق في تناول ما يجري، ومن ثَمَّ إعطائِه لمن يلزم وقتما يلزم وكيفما يلزم من أجل إحداث الأثر المطلوب من الجهة المتصارعة، وفق شروط ومنهجيةٍ معينة تكون قد جرى تحديدُها سلفاً على نحو يخدمُ تلك الجهة بصورة حتميةٍ في غالب الأحيان، وبشكل محسوبٍ ومدروس.

يلعب إذاً عاملُ الزمن دوراً حاسماً في التعامل مع المعلومات والأخبار سواء في الجري إليها أم الحصول عليها أم اختلاقـها أم صياغتها أم إعطائها أم حجزها أم إشاعتها أم الترويج لها حيثما يُراد توظيفها و إيجاد أثرِها مكاناً و زماناً. و إذا ما فات زمنُ حدوثها صارت تاريخاً واستقرت في الأرشيف، وهذا لا يعني أنها لم تعد مهمة، بل تكون بالصوت والصورة سلعةً تُشترى بالمال يتناولها مستقبلاً الباحثون والدارسون في المكتبات والمعاهد، وتتناولها مؤسساتُ الأبحاث المختلفة، ومراكزُ الدراسات المتنوعة، والمكاتبُ والمؤسساتُ الإعلاميةُ خاصةً، وتكون على وجه التحديد في متناول صنَّـاع القرار من السّاسة والحكام والذين يمارسون السياسةَ ويتعاملون مع الأحداث أولاً بأول ولا يفوتهم شيء مما يحدث!! هذا هو الصنف الشديد الاهتمام بالأخبار الذي أشرنا إليه من قبلُ. من هنا جاءت أهمية الإعلام ووسائل الإعلام. ومن هنا يبرز دور المتابعة لمجريات الأحداث في الواقع أو بعبارة أخرى أهمية تتبع الأعمال السياسية في العالم.

والاهتمام بالأنباء والأخبار من حيث استخدامها في التأثير السياسي سواء أكانت واقعاً مشاهَداً أم خيالاً مُـختَلَقاً ليس من نتاج هذا العصر، بل هو قديم موجود في كل المجتمعات الإنسانية يستخدمها من يستخدمها لغرض سياسي معين يسعى لتحقيقه، والتاريخ مليء في كل أحشائه وجنباته بما تصنع الأخبار من عجائب في أحوال الناس.
وقد أصبحت الحكومات اليوم لا تستغني عن وزاراتٍ للإعلام وهيئاتٍ مختلفة مخصصةٍ للبث والنشر، منها مباني التلفزيون ومقرات الإذاعات ومراكز الاتصالات المرتبطة بالأقمار في الفضاء، تُنفق عليها المالَ الكثيرَ لتقوم بمهمة مخاطبة الجماهير على أوسع نطاق. كل ذلك من أجل أن تتحكم الدولةُ في كل ما يصل إلى الناس من أخبار ومعلومات مهمةٍ في نظرها. وتراقب الوزارةُ من خلال وسائل الإعلام بأنواعها كلَّ ما يذاع وما ينزل إلى الناس من أخبار حساسة. كما تستعملها هي في الترويج أو الإعلام أو الإشاعة وفق ما تقتضيه المصلحة التي يحددها من بيدهم الأمور أي الحكام. ولا يخفى ما لهذا الأمر من أهمية قصوى في توجيه الرأي العام بواسطة التحكم في أفكار ومشاعر الناس بل والسيطرة على ميول ورغبات الجماهير! يحدث هذا بشكل دائمٍ ومستمر في زمن السلم كما في زمن الحرب، وخصوصاً في لحظة الانقلابات التي كثيراً ما تحدث في البلاد الإسلامية، بسبب الصراع المحتدم بين العملاء في الداخل وبسبب القوى الاستعمارية المتصارعة والنفوذ الأجنبي -في زمن غياب حكم الإسلام-.

وإذا كانت الأخبار في الماضي البعيد تنتقل بالمشافهة والرسائل والوسائل البسيطة فتُحدث أثرَها بين الأفراد والمجتمعات، فإنها اليوم تصل إلى الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة، منها الصحف والجرائد والمجلات، ومنها الإذاعات، ومنها على وجه الخصوص القنوات الفضائية التي تبوّأت مؤخراً مكانة بارزةً تكتسي أهميةً بالغة في تشكيل الرأي العام إزاء قضيةٍ ما أو حدثٍ ما أو موضوعٍ ما... وأصبحت توفر الخبز اليومي لكل مهتمٍّ ومتتبعٍ وسياسيٍّ يهمه واقعُ المجتمع محلياً أو دولياً، سواء في زمن السلم أم عندما يحتدم الصراع و يبلغ مداه أي في زمن الحرب.

نعم لوسائل الإعلام قدرة سحريةٌ في التأثير على مجريات الأحداث من خلال تشكيل الوعي لدى الأفراد، أي تشكيل وتغيير الأفكار والمشاعر لدى الناس، مما يمهد لتغيير الأنظمة والقوانين، وبالتالي قلب المجتمعات رأساً على عقب أو المحافظة عليها كما هي أو تشكيلها تشكيلاً معيناً، إذ المجتمعاتُ ليست سوى علاقاتٍ تتشكل بين البشر وفق مقاييسَ وقناعاتٍ وأفكارٍ ومشاعرَ يحملها الناسُ ويسيرون حسب قوانينَ وأنظمةٍ انبثقت عنها.
وسواء أكان ذلك القلب أو التشكيلُ للمجتمعات بثورةِ الناس على من بيدهم الأمور، أم برضاهم عنهم ومهادنتهم وقبولِ الأوضاع القائمة، أم بحروب أهليةٍ تُقسِّم الأوطان، أم بإلهائهم فيما ليس يجديهم، كصرفهم مثلاً عن عدوهم الحقيقي إلى حشد كلِّ طاقاتهم تجاه عدو وهميٍّ طوال عقود من الزمن!.. أم غير ذلك مما يُراد بالناس.

أما من هو هذا «المجهول» الذي يريد بالناس هذا أو ذاك من الأغراض السياسية فهنا مَربط الفرس!

لا شك أن ظهورَ القنوات الفضائية في الساحة الإعلامية في بلاد المسلمين كان له وقع خاص، لِما لها -أو لبعضها على الأقل- من قوة ضاربة في أصقاع الأرض من حيث الإتيان بالأخبار وتزويد الناس بالمعلومات. فهي مؤسسات ضخمة لها أجهزة متخصصة، كمراكز الدراسات التابعةِ لها مثلاً، ولها جيوشٌ من الصحفيين المحترفين، ويقف خلفها أموالٌ وأعمالٌ ورجال! إلا أن الأمر لا يقتصر على واحدةٍ منها بعينها، فقد برز للعيان مؤخراً أن كل دولةٍ من الدول الفاعلة في العالم سلطت على البلاد الإسلامية وسيلةً إعلاميةً من الطراز الثقيل ناطقةً بالعربية أو بغير العربية، وكل هؤلاء أجمعوا على تزويدنا -نحن المسلمين الذين ليست لنا حالياً دولة- بما يلزمنا من خبزٍ يومي نحتاجه!

والسؤال الذي يرد هو: كيف يتأتى لـحَمَلة الدعوة الإسلامية، وهم يحملون دعوتَـهم في الطريق السياسي، أن يتتبعوا ما يجري في العالم عبر هذه الوسائل الإعلامية عموماً -والفضائيات الإخبارية منها بوجه خاص- دون أن ينطليَ عليهم بعضُ ما تهدفُ إليه الجهات التي تقفُ مِن ورائها؟
إن المسألة في غاية الخطورة إذ قد يصل الأمر إلى التأثر في اللاوعي، بمعنى أن الشخص قد يتأثر وهو لا يعي أنه يتأثر! لا سيما إذا علمنا أن كل هذه الفضائيات دون استثناء:
1ـ تدعي لنفسها الموضوعيةَ الإعلاميةَ التامة، وتقول إنها تلتزم دوماً بقواعد الأمانة الصحفية، نصرةً للحق وتحرياً للصدق والأمانة. فهي لا تتدخل في الخبر وإنما تنقله فقط، وتأتي به من مصدره. وهي دائماً تنقل الواقع كما هو بالأسماء وبالأرقام وتتحرى الدقة. ثم هي تأتي بمن يعلق على الخبر، لتكشفَ ما وراء الخبر. وإذا كان الخبر متعلقاً بصراع فهي تفسح المجال لكل طرف ليبدي وجهةَ نظره، وتلتزم الحياد! فهي كلها قنوات للرأي والرأي الآخر!
2- تدّعي لنفسها المهنية. فهي تترفع عن التجريح، ولا تسمح بالألفاظ النابية، وتستخدم الفُصحى، وقد تترجم لمن تنقل عنه ليفهم المشاهد، وتُكنُّ احتراماً كبيراً لمشاهديها، وتُبرز دوماً العاجلَ من الأخبار، وتحترم الأوقات والمواعيد، وتعيد البث -تكرماً منها- لمن فاتته حصة أو برنامج! وفوق ذلك تُهيِّئهُ على الشبكة لمن يستزيد!!
3- تدّعي لنفسها براءةَ الأطفال، وتقدم خِدماتٍ إعلامية جليلة، وهي قنوات إخبارية تريد الخيرَ لجميع الناس ولا تفرق بينهم، لا على أساس العرق ولا على أساس الدين، وهي جميعاً منبر لمن لا منبر له، وفرصة لمن لا حظ له، وتسعى دوماً لتكون إيجابيةً ولمعالجةِ كلِّ ما هو سلبيٌّ في المجتمعات من ظواهرَ ومشاكلَ وأزمات (المجتمعات العربية منها بوجه خاص كما تسميها هي!). وتجتهد كثيراً في تطوير الكفاءات لدى الأشخاص. حتى إنها تقدم دوماً ما يساعد الأمهاتِ في تربية أطفالهن! وحسنِ القيام بشؤون أسرهن!

نجيب على السؤال بما يلي:
نعم يمكن لكل السياسيين أياًّ كانوا أن يستفيدوا من هذه القنوات الفضائية. وكذلك حَمَلةُ الدعوة الإسلامية تحديداً -بوصفهم سياسيين- بإمكانهم الاستفادةُ منها بجميع لغاتها، وكذلك الاستفادةُ مِن كل وسيلة إعلاميةٍ أخرى. ذلك أن هؤلاء أي حَـمَلة الدعوة يملكون:
الضمانة الأولى: هي طريقة التفكير السليمة لدى حامل الدعوة التي يوفرها الإسلام بوصفه مبدأ عقيدتُه سياسيةٌ مبنيةٌ على العقل، فهي مطابقةٌ للحقيقة بالدليل العقلي، وهذا من شأنه أن يجعله حاذقا فطناً يفهم الأمور ويبحث عمن وراءها، ويسمع الأخبارَ ويحلل، ليعلم من يحرك الأحداث ولأي غرض يجري تحريكُها. إلا أن هذا لا يكفي. ولكن مهما كان تأثُّرُهُ فإنه يبقى محدوداً لأن فكرَه ثابتُ الأصل قويُّ الأساس متينُ البنيان. والحقيقة أنه هو نفسه يستخدم الأخبارَ ويسعى للتأثير في الواقع بحسب فهمه للأحداث.

نعم بالتأكيدِ ينطلي كلُّ شيء يَرِدُ في الفضائيات على عوام الناس ممن ليس لديهم قاعدة فكرية يجري على أساسها إدراكُ الأمور، وفهم الأحداث، ولمس التحديات في الواقع، وبالتالي يتحقق فيهم وبهم غرضُ صانعي هذه الفضائيات، أو على صوفيٍّ عزلَ نفسه عن السياسة وابتعد عن الناس، أو على «عالمٍ» بالشرع جاهلٍ بالواقع (يسمى عالماً عند من يريد إبرازَه في الإعلام عالماً، و هذا مُتَصوَّرٌ بل مشاهدٌ كل حين في ظل الانحطاط الذي تعيشه الأمة اليومَ، ولا نتصوره أبداً ممكناً في الوضع الصحيح والصحي للأمة).
و هناك صنفٌ آخر يمجُّ السياسةَ ولا يسمع الأخبار أصلاً، ولا يلتفت إلى الأنباء مطلقاً، وإنما يحصل التأثير فيه من خلال احتكاكه بالناس في الشارع و في حوانيت التجارة، فهو مفعولٌ به في عالم السياسة ولا يفعل هو شيئاً.
و كلُّ هؤلاء وأولئك، من أبناء الأمة، يقع على عاتق حَـمَلة الدعوة تبصيرهم و تذكيرهم وتوعيتُهم بشكلٍ عام على ما يجري من حولهم.
الضمانة الثانية: هي الكتلة السياسية والجماعة المؤمنة التي يعمل ضمنها حـمَلةُ الدعوة، أي الحزب المبدئي الذي يوفر لحملة الدعوة الكلَّ الفكري الشعوري والجو الإيماني الذي ينصهرون فيه، فيُبلور لهم الأمور، ويعطيهم ذلك الفهم العميق للمبدأ من الكتاب والسنة، وكذلك الفهم العميق للواقع و مجريات الأحداث في الماضي والحاضر، مما استقر عنده من مفاهيمَ سياسيةٍ أساسيةٍ يفهمون على ضوئها كلَّ ما يطرأ من مستجداتٍ في العالم، وكلَّ ما يرِدُ في الإعلام من ألفاظٍ ومصطلحاتٍ وعباراتٍ وتعبيراتٍ ومواقفَ وإشاراتٍ، ويعلمون مَن يستعملُ هذه المصطلحات من الجهات السياسية، وكيف يستعملها وكيف يجري توظيفها، ويعلمون حقيقة الصراع في كلِّ حادثةٍ هو بين مَن ومن، كما يعلمون أن كل إعلام حتماً تقف وراءه جهةٌ سياسية نافذة أو غيرُ نافذةٍ تخدم مصالـحَها من خلاله، قد تكون دولةً أو حزباً سياسياً أو طائفة أو منظمةً أو غيرَ ذلك، وأن ما يُسمى موضوعية الإعلام هو فكرة وهمية ومحضُ خيال، وما يسمى المهنية ما هي إلا خدعة و ستار. كما يعلمون أن الإعلام كله مسَيَّسٌ حتى النخاع، وأَنْ لا شيء يأتي من لا شيء.
وبعبارة أخرى يعلمون أن كل واحدةٍ من هذه القنوات الفضائية -الكبيرة منها بوجه خاص- بكل أجهزتها تقف بالضرورة وراءها جهة سياسيةٌ نافذة تشتغل في وضح النهار أو في الخفاء (من خلال جهةٍ واجهةٍ تابعةٍ لها قد تكون دولةً أو حزباً سياسياً أو هيئةً أخرى)، توفر للقناة الحمايةَ والفلسفةَ الإعلاميةَ أي الخط السياسي والفكري والإعلامي الذي يخدمُ مصالح تلك الجهة النافذة، إلى جانب المال والدعم السياسي والأمني، و كل ما يلزم من أجواء ومن موظفين وتقنيين وباحثين وإداريين وصحفيين ومراسلين وكتّاب ومحللين وسياسيين محترفين، وكل ما يلزم من وسائل تقنية وتجهيزات متطورة.
فوجود حامل الدعوة في حزب عريق يشتغل بالسياسة هو فقط ما يجعله ينظر إلى العالم من زاويةٍ خاصة، ويدرك الألاعيبَ السياسيةَ والمناوراتِ السياسيةَ الحزبيةَ والدولية، ويتوقع الأمور قبل حدوثها، ويفهم المآلات، ويفهم كلام السياسيين ورجال الإعلام، ويدرك أيضاً أنه ليس من السياسة أن يتصدي الحزبُ الذي هو منه لكل وسائل الإعلام بِفضحها وتعريتها وكشفِ ارتباطاتها بالجهات التي تقف وراءها، رغم عِلمِه بها، بل هو يأخذها بما تقولُ وتدّعيهِ من استقلاليةٍ وموضوعيةٍ ومهنيةٍ. وكذلك لا يسعى لاستعدائها، وإنما يعمل على استخدام بعضها إن أمكن ليؤثر من منابرها، ولا يَحرِم نفسَه منها، في الوقت الذي لا يسوِّقُ لها ما تريد. وإذا ما حصل أن تناولَهُ بعضُها بسوءٍ مقصودٍ أو بما ليس فيه، فإنه يسعى فوراً لتبرئة ساحته ومحاولةِ إظهار الحق من خلالها إن أمكن، أو الإحجام عن الرد إن لزِم، سواء أكانت صحيفةً أم فضائية أم غيرَها. والأهم من كل ذلك أن يسعى هو أيضاً ليكون له إعلامه الخاص، ليتصل بالناس ويؤثر في الرأي العام.

إلا أنه رغم كل هذا يجب الحذر في التعامل مع وسائل الإعلام والقنوات الفضائية تحديداً، حتى وإن كنتَ في حزب سياسي مبدئي عريق، فهي سيف ذو حدين. ويجب أن يعِيَ حامل الدعوة أنها مُغرِضة ومُحترفة في آن واحد، وتسَوِّقُ نفسها على أنها لا تسعى إلا لخدمة الحقيقة، والصالح العام، ولا تهدف سوى إلى تنوير الناس وتحقيق انفتاحهم على العالم، وتسليط الضوء على الأماكن المعتمة، وهي في خدمة الجميع. فهي فعلاً سلاح ذو حدين.
ثم عليه أن يَعِيَ أنها بحسب الجهة التي تنتمي إليها وتسيِّرها وتموِّلها، وبحسب المهمة الموكلة إليها من الطرف الذي أوجدها، قد تمارس العجائب على أذهان البشر من مثل (وغيره كثير لا يحصى):
- التضليل الإعلامي، كأن تَصرف المشاهد عن صلب الموضوع إلى مسألة فرعية ليست هي المشكلة.
- افتراء أو اختلاق أخبار لم تقع وليس لها أي نصيب من الحقيقة، خاصة في زمن الحرب.
- تقول الحقيقة في حدثٍ ما ولكن لا تقول كل الحقيقة.
- تعتِّم على حدثٍ معين كأنه لم يكن، أو تذكره مرة واحدة فقط، وتتفنن في ستر عيوبها على ألسنةِ صُحُفِيِّيها، إذا ما تم إحراجهم خاصة على المباشر.
- تحجز خبراً ما مدةً ثم تطلقه، أو تبثه في أوقات دون أوقات.
- تركز على صورةٍ أو عبارةٍ أو مصطلحٍ ما لإلصاقه في الذهن، كقولهم الصراع العربي (الإسرائيلي)، أو الأمة العربية، أو كإظهار فلسطين باسم (إسرائيل) على الخريطة مثلاً.
- تروِّج لأشخاص معينين لإبرازهم كمفكرين أو علماء وهم ليسوا كذلك، أو تقلل من شأن آخرين أو تتجاهلهم.
- تدس السم في الدسم، كأن توهم المشاهد أنها جاءت بكل الأطراف للخوض في مسألةٍ ما، بينما هذه الأطراف في الحقيقة كلها تنتمي إلى نفس التوجه السياسي أو الفكري، مع تغييب الطرف الحقيقي أي المخالف والمغاير تغييباً تاماً.
- تورد خبراً متعلقاً بحدثٍ معين ثم تأتي بمن ليس له فيه ناقة ولا جمل ليعلق عليه.
- تنقل الأخبار وتختار البرامج والحصص وتنتقي الأشخاص وفق خط معين لا تحيد عنه.
- تُفرد لأخبار الرياضة مثلاً باباً خاصاً في النشرة لجعلها من أهم ما لا يصح أن يُفَوِّته المشاهد (ثم انظر كم هو عدد القنوات المتخصصة في أخبار الرياضة؟!).
- تبث وتدس دساًّ الثقافةَ الغربية القاتلة مثل العلمانية، والديمقراطية، وإطلاق الحريات، وحوار الأديان، وفكرة تفوق الغرب بشكل نهائي، كما أنها تكرس واقع هيمنة الكفار، وتفصل بين العرب والمسلمين، وتَقْلب الحقائق، وتفعل وتفعل... تفعل كل ذلك ضمن الأخبار والبرامج والحصص من خلال الألفاظ المتداولَة، والعبارات المستعملة، ونوعية الأشخاص وأساليب الكلام لديهم، ونوعية الأفكار المطروحة، والصور التي تَظهرُ على الشاشة! وغير ذلك!
كل الفضائيات المسلطة على المسلمين في عقر دارهم تفعل هذا وأكثر، وتنفقُ هي ومَن وراءها أموالاً طائلة على إعلامها، كما أنها تسخر طاقاتٍ بشريةٍ هائلةً في هذا السبيل، وكذلك كل وسائل الإعلام (غير الفضائيات) بوجه عام. فأين البراءة والنزاهة والحياد والصدق والأمانة؟!

هذا شيء قليل وغيض من فيض مما تفعله الفضائيات المتخصصة في بث الأخبار. أما غيرها من الفضائيات التي تبث المجون واللهو وجميع أصناف السموم، فهو جانب آخر من البحث. فهلَّا سألـتُمْ إحداها لِـمَ تفعل كلَّ هذا وتنفق عليه من جيبها؟.. ولمصلحة من؟
يقول رب العزة في محكم التنزيل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال 36] ومن أصدق من الله حديثاً؟
نختم بأن نقول: ليس شيئاً مما هو قائمٌ أو يحدثُ في العالم اليومَ يسير في توافقٍ مع السذاجة السياسية المفرطة للأغلبية العظمى من مسلمي العالم، كثيري العدد، خفيفي الوزن، قليلي الهمة، الطامعين في الجنة دون خوض غمار الصراع العالمي، ولا إِعمالِ عقلٍ فيما يجب أن تكونَ عليه حالُهم بين الأمم، ودون علمٍ ولا عمل جادٍّ من أجل استحقاقِ نصرِ الله لهم، إلا قليلاً، وكتاب الله تعالى بين أيديهم يقول لهم: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة 214] ومن أصدق من الله قيلاً؟
من هنا، من كتاب الله، كما في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة 51]، ومعناها: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصاراً على أهل الإيمان; ذلك أنهم لا يُوادُّون المؤمنين, فاليهود يوالي بعضهم بعضاً, وكذلك النصارى, وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضاً. ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم, وحكمه حكمهم. إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين.
وكما في قوله سبحانه وتعالى: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) [التوبة 10]، وقوله: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر 14]...
و كذلك من سنةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... ومن سيرة صحابته رضي الله عنهم أجمعين...
من هنا يجب على المسلمين أن يأخذوا نظرتَهم للعالم، ووعيَهم السياسي الذي يخوضون به الصراع ويقيمون به دولتَهم، دولةَ الخلافة، لينطلقوا بعد ذلك في أرجاء المعمورة -و لَـهُمْ إعلامُهم- يصنعون السياسةَ الدوليةَ، كما كان يفعل أسلافهم، و يحملون إلى الناس دعوتَهم التي كُلِّفوا بحملها من قِبَل الله عز وجل.

بقلم : طاهر ف. عبد العليم


فريضة الحج دلالات و عبر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحج ركن من أركان هذا الدين العظيم، انبثق من عقيدته الراسخة السامية المتصلة بخالق السماوات والأرض، قال عليه الصلاة والسلام: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (متفق عليه).

ففي هذه الأيام العظيمة المباركة من شهر ذي الحجّة من كل عام، تتوجه قلوب المسلمين وعقولهم، ويتوافدون من كل فج عميق آمين بيت الله الحرام ومناسك الحج؛ قربة إلى الله العلي العظيم؛ معظمين شعائره،ذاكرين اسمه في أيام معدودات، ملبّين ومكبرين بصوت واحد نابع من قلب إيماني واحد: «لبيّك اللهم لبيّك، لبيّك لا شريك لك لبيّك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» و«الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد...» يلبسون ثياب الإحرام بيضاء ناصعة، نقيةً من أي دنس، ويسيرون في موكب واحد يؤدّون المناسك حول البيت وفي المسعى وفي عرفة ومزدلفة ومنى!!...

وفي هذا الموضوع لا نريد أن نفصّل في موضوع الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الفريضة من حيث الأعمال والأقوال والمناسك وشروط الاستطاعة وغير ذلك من أحكام، إنما نريد أن نقف على بعض الدلالات والعبر التي تنمّي وتعزّز الجانب النفسي، والجانب الدعوي عند حامل الدعوة من أجل التغيير .

وسنتناول هذا الموضوع بإذنه تعالى من عدة زوايا؛ الأولى: الرحمة الإلهية في موضوع التوبة النصوح وارتباط ذلك بنسك الحج. الثانية: معاني عظيمة في مناسك الحجّ. الثالثة: فوائد عظيمة في رحلة الحجّ. ومنها أن فريضة الحج تذكر المسلمين بفريضة الخلافة.

أما الزاوية الأولى وهي: (الرحمة الإلهية الواسعة، وقبول التوبة من عباده المؤمنين)؛ فإن الله عز وجلّ جعل من أسمائه الحسنى وصفاته العليا (الرحمن الرحيم)؛ قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف 156]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم)، وهو التواب الرحيم؛ يحبّ العبد التائب إليه من ذنوبه ومعاصيه، قال عليه الصلاة والسلام: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (رواه مسلم)، وقال أيضاً: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (رواه مسلم).
وقال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي وصححه) وفي حديث آخر: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (صحيح مسلم).
وقد جعل الحق تعالى الحج موسماً عظيماً للتوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى؛ فجعل الحج المبرور مكفراً للذنوب والخطايا، يرجع منه المسلم كيوم ولدته أمه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «... وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (رواه البخاري)، وقال: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رواه أحمد).

فالمسلم الذي يعزم على الحج يعزم على التوبة النصوح أولاً فيُقبل على الله عز وجل بقلب منفتح، راغباً إليه سبحانه، وراغباً عمّن سواه من كل مظاهر الدنيا وزينتها وبهرجها، راجياً عفوه وصفحه سبحانه وتعالى، وآملاً في قبوله في عباده المؤمنين الصالحين، وفي نفس الوقت عاقداً العزم على ترك كل الذنوب والخطايا بكافة أشكالها وألوانها؛ سواء أكانت فعل المحرمات، أم التقصير في الواجبات والفرائض!! ..

والمسلم الذي يعزم أداء هذه الفريضة العظيمة يبرئ ذمته من حقوق العباد قبل أن يضع رجله في الراحلة قاصداً بيت الله عز وجل، لأن حقوق العباد لا تسقط إلا بالمسامحة أو بالأداء، وبغير ذلك تبقى معلقةً في الذمة، وتُدخل صاحبها نار جهنم والعياذ بالله لأنها من الكبائر، قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء 31] وليست الكبائر كما يتصور البعض من المسلمين السبع الموبقات فقط وهي ما وردت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (رواه مسلم) فهذه هي أكبر الكبائر وليست جميع الكبائر. قال الإمام الشوكاني في تفسيره: أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب». (فتح القدير1/458).

فكم من مسلم يؤدي فريضة الحج ولا يدفعه أداء هذا النسك العظيم لأداء حق الله في إدراك ما قصر به من واجبات تجاه دينه وأمته، وهو يدرك ويعلم أنه واجب شرعي في رقبته!! وكم من مسلم يطوف ويسعى ويرفع كفيه للسماء وهو ظالم لحقوق العباد، ولا يحرك الحج شعوره نحو ذلك!!.. فمثل هؤلاء وأولئك لا يرجعون كيوم ولدتهم أمهاتهم، وإن كان قد أسقط فريضة الحج من عنقه، ولم يؤدِّ حجاً مبروراً كما ورد في الحديث، لأن الحج المبرور هو الذي يؤثر في صاحبه فينقّي نفسيته من طاعة الشيطان، ويدفعها نحو طاعة الرحمن في كل ما أمر، واجتناب كل ما نهى عنه وزجر ..
فالمسلم الذي يريد حجاً مبروراً بحقٍّ وحقيقة، ويريد أن يعود كيوم ولدته أمه أو كالثوب الأبيض الخالي من أي دنس، فإن عليه أولاً أن يعزم على أداء حق الله وحق الناس، وأن يقبل على الله بقلب سليم، ويتوب عما سلف توبة نصوحاً غير آسف على دنيا فانية أو متاع زائل أخذه بغير حقه، ويبحث عن الواجبات الشرعية التي قصر فيها وخاصّة ما يتعلق بأمة الإسلام، وإعادة الحكم بما أنزل الله تعالى، لأنه أوجب الواجبات ويترتب على تركه أو التقصير فيه إثم عظيم!

أما الزاوية الثانية في هذا الموضوع فهي: (المعاني العظيمة التي يتعلمها المسلم أثناء رحلة الحج في المناسك)؛ وأول هذه المعاني العظيمة ما يتعلق بالطواف بالبيت الحرام، حيث يتذكر المسلم عظمة الله عز وجل، لأن هذا البيت هو بيت الله في الأرض، وقد بنته الملائكة، وهو أول بيت وضع للناس كما ورد في قوله عز وجل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران 96-97].

فعندما ينظر المسلم إلى هذا البيت ويرى كيف يطوف الناس حوله، مع أنه حجارة صماء لا تضر ولا تنفع، يتذكّر كيف تطوف ملائكة السماء بالبيت المعمور وتطوف بالعرش، فيستشعر المسلم عظمة الخالق جلّ جلاله، ويستشعر معنى الطاعة والانقياد له سبحانه ويتذكر كيف أن الملائكة العظيمة تهلّل وتسبح بحمده سبحانه ليل نهار لا تفتر أبداً، وهي تطوف بالعرش الكريم!!..

ومن المعاني العظيمة في الطواف اجتماع قلوب المسلمين من كل لون وجنس على هذا النسك في دائرة واحدة، في مكان واحد يردّدون نفس الكلمات والمعاني؛ في تمجيد الله عز وجل، وهذا مدعاةٌ لتذكّر معنى وحدة الأمة رغم كلّ دعوات الفرقة والتفريق التي تصيبها.

ومن معاني الطواف أيضاً تذكّر معنى الذنوب، وما تفعله في القلوب وذلك عندما ينظر إلى الحجر الأسود (الأسعد) ويتذكّر قصة هذا الحجر وكيف سوَّدته ذنوب العبادْ بعد أن نزل من الجنة أبيض من اللبن الصافي، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)، ويتذكر أيضاً أن الذنوب تسوّد قلب الإنسان كما سودت الحجر الأسود؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ، (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)» (أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح).

ومن معاني الطواف كذلك النظر إلى المسلمين وقد تجرّدوا من كل شيء من زينة الدنيا، وصاروا بلونٍ واحدٍ، وبلباسٍ واحدٍ هو لباس الإحرام، لا فرق بين عجمي أو عربي ولا بين فقير أو غني.. الجميع حالهم واحدٌ في ظلّ رحمة الله تعالى وعبادته!!..

أما السعي بين الصفا والمروة فإن فيه معاني عظيمة وذلك بتذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع زوجته هاجر وولده إسماعيل، وكيف أحضرهما إلى هذه البقعة الخالية من أي أثرٍ للحياة؛ وذلك امتثالاً لأمر ربه عز وجلّ!، وكيف أن هاجر عليها السلام قد اطمأنت إلى أمر الله وذلك عندما أراد إبراهيم الرجوع وقد وضع معهما قليلاً من الزاد والماء، فقالت: إلى أين يا إبراهيم؟ قال: إني عائد يا هاجر!!، فقالت وإلى من تتركنا في هذه البقعة القفراء يا إبراهيم؟؟!، قال: إن الله معكما يحفظكما ويرعاكما، وهو خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بكما مني!! قالت: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟! قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا الله. اذهب يا إبراهيم في رعاية الله وحفظه!..
أما المعنى الثاني في هذا المسعى فهو: شفقة الأمّ على ولدها، وسعيها بين الصفا والمروة لإنقاذ طفلها من الهلاك، وهذا فيه تذكيرٌ بحقيقة شفقة الأم على ولدها، وتعلق قلبها به، ومدعاة لتذكّر معنى البرّ لهذه الأم التي تضحي من أجل إنقاذ ابنها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (رواه مسلم)... وقال عليه الصلاة والسلام: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم). والمعنى الثالث هو رحمة الله عز وجل بالناس في تفجير الماء من بين قدمي إسماعيل عليه السلام، وإنقاذ حياته وحياة أمه في معيّته!... فماذا كان سيحصل لهاجر ولإسماعيل لو لم يفجّر الله عز وجل الماء من هذه البقعة القفراء؟!

وفي هذا أيضاً تذكّر لمعنى الرحمة الإلهية بهذا الولد الصغير؛ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (رواه مسلم).
أما الوقوف بعرفة فإن فيه معاني عظيمة أيضاً تتمثل أولاً في تذكّر معاني المحشر والمنشر حين يقف الناس في صعيد واحد بين يديه سبحانه ينتظرون الحساب، ويتذكر المسلم أيضاً معاني الوحدة لهذه الأمة التي يحاول حكام المسلمين تفريقها حتى في هذا المكان بتخصيص مكان لكل دولة على حدة، لا تختلط مع الآخرين!!..، والأصل أن يختلط المسلمون جميعاً عرباً وعجماً ليعرفوا أنهم أمة واحدة من دون الناس، ويسمعوا همومهم وقضاياهم والمخاطر التي تحيط بهم كأمة واحدة، ويتشاوروا في كيفية حلّ هذه القضايا.. فالأصل في المسلم في هذا النسك العظيم أن يختلط مع المسلمين ولا ينحصر في خيمة واحدة كما يريد له الحكام المجرمون.

ومن المناسك أيضاً رمي الجمار في ثلاثة مواضع: العقبة الصغرى، والوسطى، والكبرى، وأن لهذا النسك دلالات ومعاني عظيمة في إعلان الحرب على الشيطان بعد أن أدى المسلم أغلب مناسك الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة ومزدلفة؛ وأول هذه المعاني هو: عصيان الشيطان، وإعلان الحرب عليه وعلى أتباعه وأشياعه من بني البشر، مستعيناً بالله عز وجل، حيث يقول المسلم عند كل جمرة يرميها: بسم الله؛ أي أستعين بالله عزّ وجل في هذه الحرب ومعصية الشيطان، والله أكبر ؛ أي أكبر منك أيها الشيطان، وقادر عليك وعلى أشياعك وأتباعك من الإنس والجن!!..

وأثناء هذا العمل العظيم يتذكر المسلم تضحية إبراهيم عليه السلام بفلذة كبده إسماعيل عندما أخذه ليذبحه في هذا المكان، وكيف تصدّى له الشيطان، وحاول صدّه عن هذه الطاعة الكبرى، فتصدّى إبراهيم له بالحجارة يرجمه في كل مرة عند موضع الجمرات الثلاث، وبعد ذلك أنعم الله عزّ وجل على ذريته من بعده، وعلى البشرية جميعاً بالفداء العظيم بدل إسماعيل عليه السلام ، وظلت هذه السنّة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي شعيرة الأضحية والنحر في يوم العيد (عيد الأضحى).

الزاوية الثالثة في هذا الموضوع هي فوائد عظيمة في رحلة الحج هذه:
ومن هذه الفوائد العظيمة:
1- فريضة الحج تذكر المسلمين على وجه الأرض بفرضية الخلافة الإسلامية وفرضية العمل لها، فعندما ينظر المسلم ويرى هذه الجموع من المسلمين ويتفكر في حالها؛ كيف فرّقها الكفار إلى أعراق ودول، وأنسوها أنها أمة واحدة من دون الناس بأمر المولى عز وجل في قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء 92]، وبعمل رسولها عليه الصلاة والسلام استجابة لمعنى هذه الآية؛ حيث وحّدها في دولة واحدة في المدينة المنورة، وقال وهو يكتب وثيقة المدينة ( الموادعة): «أمتي أمة واحدة من دون الناس». وقال : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ويرد عليهم أقصاهم. وهم يَدٌ على من سواهم. ألا، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عَهْد في عهده» (رواه أبو داود والنسائي).
فالذي أوصل الإسلام إلى كل هذه الشعوب؛ من الأتراك والفرس والأفارقة والمغول والأوروبيين، وغير ذلك من أجناسٍ وألوانٍ شتّى هي دولة الإسلام، وجيوش الفتح التي انطلقت من عقر هذه الدولة ترفع راية الإسلام، وشعار الله أكبر، فأصبحت كل هذه الأعراق في ظل دولة واحدة؛ من غانا جنوباً إلى فرغانا شمالاً، ومن جاكرتا شرقاً إلى طنجة على المحيط الأطلسي غرباً، ثم تفرقت هذه الدول كما كانت قبل الإسلام، وتبعثرت إلى دول ودويلات في ظل غياب دولة الإسلام، على أيدي أعداء الأمة من الكفار الغربيين والشرقيين!!
فالخلافة فرض تقوم به كل الفروض على وجه الأرض بما فيها فرضية الحج هذه التي يؤديها المسلمون من كل حدب وصوب من أقطار المعمورة. فالأصل في هذه الفريضة أن تُؤدّى في ظل خليفة المسلمين كما كان يحصل في عهد الخلفاء الراشدين، حيث كان الخليفة هو أمير الحج بنفسه في أغلب الأحيان، أو يبعث أميراً نائباً عنه اسمه (أمير الحجّ)!!

ولو ألقينا نظرة سريعة على أعداد المسلمين المحرومين من أداء هذه الفريضة لرأينا أنهم بالملايين، ومنهم من يموت وفي نفسه شوقٌ لأداء هذا الفرض العظيم، ولم يستطع إلى ذلك سبيلاً بسبب العراقيل والموانع السياسية التي يضعها الحكام أمامهم!!.
وهذا يذكر المسلمين بمعنى قوله عز وجل: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج 41]. فحتّى العبادات بمفهوم هذه الآية ومنطوقها تحتاج إلى دولة ومكنةٍ وقوة، وبغير ذلك لا يمكن تطبيقها ولا أداؤها أداءً كاملاً .

2- الحج يعلّم المسلم دروساً في البذل والتضحية والصبر وهو نوع من أنواع مجاهدة النفس، وقد ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه جهاد المرأة، لأن فيه تحمل مشاق كثيرة !! فالمسلم يبذل من خاصّة ماله في الراحلة وفي النفقة ذهاباً وإياباً وفي مناسك الحجّ، ويضحّي بوقته وعمله، ويفارق أهله وولده ودياره من أجل عبادة الله وإرضائه عز وجلّ، ويتعلم في رحلة الحج دروساً في مجابهة الصعاب والصبر عليها، لأن هذه الرحلة شاقّة وطويلة وخاصة لأغلب المسلمين ممّن يفدون على الرحمن من مناطق بعيدة مثل باكستان والهند وإندونيسيا وجمهوريات روسيا، وغيرها من مناطق بعيدة وفقيرة في نفس الوقت.
وهذا الدرس في البذل والتضحية والصبر ينفع المسلم في أداء الواجبات الشرعية الأخرى؛ فإذا كان بخيلاً مثلاً في أداء الزكاة تصبح عنده القوّة والجرأة والتضحية لإخراج الزكاة؛ لأن نفسيته قد تمرّنت على التضحية والبذل، وإن كان جباناً لا يقوى على مفارقة الأهل للجهاد، فإن نفسيته قد تدرّبت على ذلك، فيخرج مجاهداً غير آبه بالصعاب والعقبات.
3- الحج رحلة إيمانية عظيمة تشحن صاحبها بالتقوى، والعزيمة على عدم الرجوع إلى الذنوب بعد أن حباه الله بالخلاص منها. لذلك خاطب الحق تعالى الحاجّ العائد إلى موطنه بعد رحلة الحج بقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) [البقرة 200] أي فليكن الله في قلوبكم بعد الحج كما كان في قلوبكم في المناسك، وعظّموه في جميع الأحكام كما عظمتموه في المناسك.. وهذا هو حال العبادات جميعاً، ففي الصيام قال الحق تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة 183]، وفي الزكاة قال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة 103]. وفي الصلاة قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة 153] وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت 45].
فكثير من الناس ينشرح صدره ويعود إلى رشده بعد هذه الرحلة العظيمة وقد تحقّق منها الخير الكثير له بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.
نسأله تعالى أن يكرم الحجيج بحجّ مبرور وأن يعيدهم إلى ديارهم مغفوراً لهم كيوم ولدتهم أمهاتهم..
كما نسأله تعالى أن يكرم أمة الإسلام بخليفة يجمع شملها عرباً وعجماً في خلافة راشدة على منهاج النبوة إنه سميع قريب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر : مجلة الوعي

الأحد، 12 ديسمبر 2010

المرأة في الاعلام



بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن تعبير "حقوق المرأة" تعبيراً بريئاً، ولم يُنحت هذا الشعار استرداداً لحق فقدته المرأة من الرجل، بل من النظام القائم، وهو في حقيقته مظهراً من مظاهر التمرد على أحكام الله، والانعتاق من هذه الأحكام شيئا فشيئا، تمهيداً لأن تنخلع هذه المرأة المسلمة من منظومة القيم التي تنتظم حياتها، وتقود سلوكَها فيها. وكان ترحيلاً لمشكلة المرأة التي كانت واقعة في حياة الغرب قبل ما سمي بعصر نهضتهم. فهم كما رحّلوا إلينا مشكلة الفصام والصراع العنيف بين الدين والعلم التي عاشوها في تاريخهم فألصقوها بنا ظلما وعَدْواً ، رحّلوا إلينا مشكلة المرأة.استنساخا لمشاكلهم حتى نتقمص تاريخهم ونعيشه ونسير على هداهم ووفق مسعاهم تقليدا لهم واتباعا وتشبها واقتداءً.

ولقد كان من جرّاء تمكن الكفار المستعمرين، من بلاد المسلمين وسعيهم لتمكين الكفر من قلوب المسلمين وترسيخه في علاقاتهم، وكذلك، من جرّاء استحكام عقدة النقص عند فئات منهم، وشعورِهم بأن الغرب لم يتفوق عليهم، إلا لأمر موجود عنده غير موجود عندنا، وهو طراز عيشه ونمط تفكيره وتسييره لنظام الحياة. فالتقى الماء على أمر قد قدر، مكرٌ يراد بالأمة لحرفها عن دينها من قِبل عدوها، وعجز مستحكم فيها بعد هزيمتها، أفضيا إلى التأسي بالأجنبي وتقليده، في ظل هذه الأجواء الملبدة نشأ مفهوم "تحرير المرأة" و"حقوق المرأة"، بل وصار للمرأة قضية تذكر وتثار.


ولقد بدأ هذه القضية أعلامٌ في الفكر والسياسة والفقه عرفوا بميلهم للأجنبي أو افتتانهم بمناهجه، أو التلقي عنه أو التأثر به، في الوقت الذي كانت الأمة ضعيفة ضعفاً يجعلها تشعر شعورا عميقاً بتفوق الكافر عليها، وتقدمِه في كافة مظاهر الحياة، لأن مبعث التميز الذي يتقدم به المسلمون وهوَ فهمُ دينهم وتسيير حياتهم بموجبِه، لم يكن حاضراً في حياتهم، بل كانت حياتهم من هذا كله خالية، مما يسّر أن يمتلئ الفراغ بما يتاح وهو الفكر الغربي الذي كان حاضراً، تدفعُ به دولٌ كافرة مستعمرة يهمها أن تزرع في نفوس المسلمين كل ما يبقيها في منصب الإمامة من عقولهم وقلوبهم، والقوامة على حياتهم وسلوكهم.

وبزوال سلطان الإسلام عن الوجود، وهو الذي كان يقيم دين الله في الأرض، كان لا بد من تيسير انفلات الناس رجالاً ونساءً من أحكام الله، لكن الناس مؤمنون موحّدون، فلا بد إذن من استخدام الحيلة معهم، وإيهامهم بأسلوب خبيث أن المرأة في الإسلام مظلومة ولا حقوق لها وان الرجل وما أسموهم بالمجتمعات الذكورية في بلاد المسلمين هي التي تظلمها . ولكن كيف السبيل إلى إقناع المرأة المسلمة بهذه الأفكار المسمومة ؟ فكان لا بد من آلية إعلامية ضخمة تعمل عمل السحر في عقول النساء حتى تعميهم وتحرفهم عن الطريق المستقيم . فتبنت وسائل الإعلام قضية المرأة المسلمة بكل حذافيرها وحولتها من قضية مزيفة وهجوم شرس على الإسلام إلى قضية العصر الحديث و قضية للمرأة الناهضة العصرية التي خلعت ثوب التخلف.. والحقيقة هم يريدون سلخها عن هويتها الإسلامية.

ودأب الإعلام على صنع قالب غربي وضع فيه المرأة المسلمة وعمل جاهدا على الإيحاء لها بأن هذه هي الحياة الصحيحة الجديدة حياة تبدل حياتها القديمة البالية التي تركها جميع الناس في هذا العصر الجديد. وقد فعل ذلك من خلال المسلسلات الهابطة وتضخيم وتعظيم الحريات وإعطائها أكبر من حجمها الحقيقي وتغيير واقعها من معصية الله عز وجل إلى تجديد الإسلام والإسلام المعتدل والحوار بين الأديان فساوى بين الأحكام الشرعية وبين الحرية وساوى بين التقيد والإلتزام وبين الإنحلال والتفسخ فاظهر المحجبة في الكليبات والمسلسلات لا تختلف عن الأخريات فهي إنسانة لها إحتياجات يجب أن تشبع بأي طريقة ولا بأس بترتب الآثام عليها.

حتى اللباس الشرعي الذي فرضه الله تعالى قد حرِّف إلى بنطال الجينز واللبس الغربي وجعل منه مجرد قطعة قماش صغيرة الحجم يغطى به الرأس. واتبع الإعلام نفس الأسلوب مع كل الأحكام الشرعية فهاجم أحكام مثل حكم التعدد وربطه بأنه مهانة للزوجة الثانية وخيانة للزوجة الأولى وركز على هذه النقاط ليتلاعب بمشاعر الناس ممن يتابعون وسائل الإعلام التي تمثل عندهم مصدر لمعلوماتهم وإستغل ثقتهم في المادة التي يقدمون وفي الضيوف الذين يستضيفون بالذات ذوي اللحى من علماء الفضائيات المنضبعين بالثقافة الغربية يروجون لها من خلال إعلام فاسد.

والإعلام كالساحر الذي يعمي الابصار والقلوب بأساليب التكرار والإصرار على تكرار المفاهيم الفاسدة التي يريد ترويجها بين الناس. كما يتلاعب بالألفاظ حتى تتغير معانيها فجعل من الأم وربة المنزل إمرأة محبوسة في بيتها لا عمل لها غير تربية أولادها وزرع في أذهان الناس أنها المظلومة المغلوبة على أمرها، من كثر ما بثت بذلك البرامج الحوارية والمسلسلات الهابطة، وبينما صور المرأة المتحررة المنفتحة والتي تزاحم الرجال في أعمالهم صورها بالانيقة العصرية الراقية، والحقيقة أنه نزع عنها ثوب العفة والنقاء وجعلها عاصية لأمر ربها وسافرة بدون زيها الشرعي مختلطة بالرجال إختلاط يحرمه الشرع. وصور أن دور الأم وتربية الأولاد دور تافه وقزمه تقزيم شديد فلم يعط الأمهات حقهن وهن عند الله كالمجاهدات في سبيله بعملهن هذا.

وكما أغفل أن الأم وربة المنزل وكل النساء في الإسلام هن عرض يجب ان يصان، فهتك هذا العرض غير مبال بالحرمات وإقتحم كل الخصوصيات في حياة المرأة المسلمة وتدخل بينها وبين زوجها وبينها وبين أخيها وبل وبينها وبين أبيها وجعل منهم أعداء لها فحرضها على عدم طاعة الزوج بحجة الحرية الشخصية وحرضها على تحدي أخيها بحجة المساواة بين المرأة والرجل وحرضها بشراسة ضد أبيها وطاعته أيضا بحجة العصرنة والفرق بين الأجيال في الأفكار القديمة والأفكار الجديدة مهاجما الاباء والأمهات بحجة أنهم يريدون فرض عادات وتقاليد قديمة وواهية ويجي ان تتغير في العصر الحديث وهم يقصدون مهاجمة ما تبقى من أحكام شرعية عند المسلمين. وإنتزع بذلك من المرأة الحياة الهانئة المطمئنة في كنف أسرتها الصغيرة بجعلها عدوة لزوجها ومتمردة عليه لا تقبل منه قوامة. وحتى معنى القوامة في الشرع قد حرفه الإعلام وتلاعب بالألفظ وجعل منه مصطلح يرعب به المرأة .. بينما قوامة زوجها عليها هو حقها في رعايتها والقيام بكل شؤونها.و كذلك أفسد الإعلام عليها حياتها السعيدة المستقرة أيضا وهي في كنف بيت والدها الذي يحميها ويصونها.

وفعليا إزدادت نسب الطلاق وإرتفعت أعداد المتمردات على الأحكام الشرعية كحكم الإختلاط والخلوة وتعدد الزوجات وبات سفور المرأة المسلمة مقبول بل يشجع المجتمع عليه. وما ذلك إلا لأن الإعلام قد لعب دور قذر في إزدياد الإنحطاط الفكري عند المرأة المسلمة بالذات. بل وأكثر من ذلك خدع الإعلام المرأة التي صدقت أنها سلعة تباع وتشترى بعرض جسدها وبياض وجهها وسواده، وإستغلال جمالها للربح المادي من خلال دعايات تجارية. والملاحظ تقليد الإعلام العربي للإعلام الغربي في قضية المرأة خطوة بخطوة فطرح القضايا التي تهمها وتهم الأمة الإسلامية جميعا من زاويا غربية وكافرة بحتة وتجاهل أن المرأة المسلمة يهمها وجه نظر الشرع في كل مناحي حياتها وهذا ما تبحث عنه عندما تلجأ للإعلام لحل مشكلة أو للتقصي والبحث ولكن الإعلام تعمد أن يستهزأ بها وبعقلها وبأفكارها وأن يتلاعب بمشاعرها، فأغفل الشرع مرارا وتكرارا ما تنتمي إليه هذه المرأة المسلمة، وحتى من إختارهم ليبرزوا وجهة نظر الشرع في القضايا يكونون من المتأمركين ومن الوسطيين ومن المعتدلين ممن يحرفون الإسلام النقي الذي يسميه الإعلاميون بألفاظ كثيرة إلا بمعناها الحقيقي في الفقه وفي الشرع.

ولم يركز الإعلام ابدا على إبراز نماذج قوية للمرأة غير التي يريد الغرب الكافر الترويج لها! فغيب الإعلام تماما تاريخ المرأة المسلمة المشرق. فغيب مثلا نماذج قوية ذات فكر مستنير كأمهات المؤمنين السياسيات اللاتي أسسن لنهضة الإسلام بإقامة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة وما بعد ذلك إستمرت هذه الدولة الإسلامية تحكم العالم كله ولمئات السنين. ودائما ما يحدثنا التاريخ عن نماذج لنساء مسلمات عالمات حملن الأمانة وكن شقائق الرجال ولكن لم يذكرهن الإعلام وكأنهن غير موجودات! وتعمد إظهار هذا التاريخ على أنه قد فات وولى ولن يرجع مرة أخرى بينما الإسلام الذي أنقذ الإنسانية كلها من وحل الإنحطاط وخط هذا التاريخ المشرق ما زال موجودا. بل جعلت وسائل الإعلام من المرأة المتدينة إمرأة معقدة ينفر منها الناس لكثرة وعظها وجعل منها إمرأة لا تعلم شيئا عن الدنيا غير أن تصلي وتسبح ولا دخل لها بقضية الأمة الإسلامية المصيرية، فتجاهل دورها في نهضة الأمة الإسلامية. كما تجاهل حاملات الدعوة للإسلام المخلصات لله تعالى والعاملات لتغيير الواقع الفاسد بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وعمل فقط على تعظيم زوجات ساسة الأنظمة العربية والإسلامية الذين لا يحكمون بالإسلام مطلقا واللاتي مرة أخرى يروجون للحياة الغربية ولتقليد نساء الغرب الكافر في أسلوب حياتهم ولا يمتون بأي صلة للإسلام والمسلمين ولا دخل لهم بأحكام شرعية وتقيد وإلتزام بمنهج الحياة الإسلامية المستقيمة.

وأخيرا نقول أنه لا شك أن للإعلام العربي التابع للإعلام الغربي دور كبير جدا في إنجاح الحملة الشرسة التي شنها الغرب الكافر على المرأة المسلمة في كل حالاتها. ولا يجب ان نغفل أبدا هذا الدور الذي يخضع لسياسات الأنظمة الفاسقة التي تحكم بلاد المسلمين بغير ما أنزل الله تعالى. وهي مؤامرة قديمة جديدة ضد الإسلام والمسلمين في كل أنحاء العالم. ولذلك كان لا بد من العمل على فضح تواطوء الإعلام بكل وسائله مع الحكام حتى يحذر المسلم منها وخصوصا المرأة المسلمة التي يجب أن تنظر لهذه الرسائل الإعلامية المكثفة ضدها وضد دينها العظيم، بعين الناقدة الثاقبة فتمحص وتبحث عن الحق، من زاوية العقيدة الإسلامية حتى لا ينجح الإعلام في تضليلها. ولا حل لهذا الإعلام الفاسد إلا بتغيير الأنظمة التي تتحكم فيه وتوجه الرأي العام من خلاله وتقوده للضلال. فإقامة شرع الله تعالى في العالم بإقامة الخلافة الراشدة والتي يكون إعلامها ملتزما بقضايا الأمة وهدفه إعلاء كلمة الله تعالى وقيادة البشرية إلى الجنة هي سبيل الخلاص الوحيد للإنسانية جميعا.

حاملة دعوة

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

الإسلام : في عيون الغرب


بسم الله الرحمن الرحيم

إنها مواقف مقررة مسبقاً في فكر الغرب وعقول قادته.. يمارسها الغربيون وأتباعهم عن تصميم واقتناع كامل، وإرادة واعية تماماً، عن عمدٍ، فليس هذا حديثاً يفترى, وليست أقوالاً حديثة, بل العداء كامن متأصل في نفوس الكفار ضد المسلمين. عهد وصفه القرآن، فقال فيهم: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم 46]، وجاهر به الأعداء منذ قرون. فحين كان يلبس جنديهم بذة الحرب قادماً لاستعمار بلاد الإسلام كان ينادي بأعلى صوته:
«أماه.. أتمي صلاتك.. لا تبكي.. بل اضحكي وتأملي.. أنا ذاهب إلى طرابلس.. فرحاً مسروراً.. سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة.. سأحارب الديانة الإسلامية.. سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن».
لقد بنى الغرب علاقاته معنا على أساس واحد هو أن الحروب الصليبية لا تزال مستمرة.

إن عداء الغرب للعالم العربي والإسلامي عداء ديني حضاري متأصل في نفوس الغرب وأعوانه، وحربهم قائمة مستمرة علينا حتى لا يخرج المارد الإسلامي. ففي كتاب: «الإسلام على مفترق الطرق» يقول محمد أسد (ليوبولد فايس): «... ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذكرت كلمة مسلم. ولقد دخلت في الأمثال السائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوروبي رجلاً كان أو امرأة. وأغرب من هذا كله أنها ظلت حية عندهم بعد جميع أدوار التبدل الثقافي... وبعدئذ جاء زمن أخذ الشعور الديني بالخبو، ولكن العداء للإسلام استمر... إن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسياً من التفكير الأوروبي». هذا ما نطقت به ألسنتهم وما تخفي صدورهم أعظم:
- يقول صموئيل زويمر رئيس جمعيات التبشير في مؤتمر القدس للمبشرين المنعقد عام 1935م: «إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، لقد هيأتم جميع العقول في الممالك الإسلامية لقبول السير في الطريق الذي سعيتم له: ألا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي مطابقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة، والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى أصبحت الشهوات هدفه في الحياة، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات.. إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات، أيها المبشرون: إن مهمتكم بهذا تتم على أكمل الوجوه».

- ويقول أشعياء بومان في مقالة نشرها في مجلة العالم الإسلامي التبشيرية: «لم يتفق قط أن شعباً مسيحياً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانياً. إن الإسلام هو الخطر الوحيد أمام استقرار الصهيونية وإسرائيل».

- ويقول المبشر تاكلي: «يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، حتى نقضي عليه تماماً، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداً، وأن الجديد فيه ليس صحيحاً».

- ويقول المبشر وليم جيفورد بالكراف: «متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيداً عن محمد وكتابه».

- ويقول لورنس براون: «إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبى».

- ويقول مورو بيرجر في كتابه "العالم العربي المعاصر": «إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام».

- يقول غاردنر: إن الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ القدس، إنها كانت لتدمير الإسلام.

- وصرَّح الكاردينال بور: «إن المسيحيين لا بد لهم من التعاون مع اليهود للقضاء على الإسلام وتخليص الأرض المقدسة». (نشرة التعايش المشبوه - ص 4).

- وقال لويس التاسع ملك فرنسا الذي أسر في دار ابن لقمان بالمنصورة، في وثيقة محفوظة في دار الوثائق القومية في باريس: «إنه لا يمكن الانتصار على المسلمين من خلال حرب، وإنما يمكن الانتصار عليهم بواسطة السياسة باتباع ما يلي»:

- إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، وإذا حدثت فليُعمل على توسيع شقتها ما أمكن حتى يكون هذا الخلاف عاملاً في إضعاف المسلمين .
- عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية أن يقوم فيها حكم صالح.
- إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء، حتى تنفصل القاعدة عن القمة.
- الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق وطنه عليه، يضحي في سبيل مبادئه.
- العمل على الحيلولة دون قيام وحدة عربية في المنطقة.
- العمل على قيام دولة غربية في المنطقة العربية تمتد ما بين غزة جنوباً، وإنطاكية شمالاً، ثم تتجه شرقاً، وتمتد حتى تصل إلى الغرب».
- ويقول جب (كبير المستشرقين الإنكليز): «لقد فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئاً فشيئاً حتى انحصرت في طقوس محددة، وقد تم معظم هذا التطور تدريجياً عن غير وعي وانتباه، وقد مضى هذا التطور الآن إلى مدى بعيد، ولم يعد من الممكن الرجوع فيه، لكن نجاح هذا التطور يتوقف إلى حدٍ بعيدٍ على القادة والزعماء في العالم الإسلامي، وعلى الشـباب منهم خاصة. كل ذلك كان نتيجة النشـاط التعليمي والثقافي العلماني».
- الإنكليز يصفون حملتهم العسكرية على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى بأنها صليبية: يقول باترسون سميث في كتابه "حياة المسيح الشعبية": «باءت الحروب الصليبية بالفشل، لكن حادثاً خطيراً وقع بعد ذلك، حينما بعثت إنكلترا بحملتها الصليبية الثامنة، ففازت هذه المرة، إن حملة اللنبي على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى هي الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة؛ لذلك نشرت الصحف البريطانية صور اللنبي وكتبت تحتها عبارته المشهورة التي قالها عندما فتح القدس: اليوم انتهت الحروب الصليبية».

ونشرت الصحف أن هذا الموقف ليس موقف اللنبي وحده بل موقف السياسة الإنكليزية كلها، قالت الصحف: هنأ لويد جورج وزير الخارجية البريطاني الجنرال اللنبي في البرلمان البريطاني، لإحرازه النصر في آخر حملة من الحروب الصليبية، التي سماها لويد جورج الحرب الصليبية الثامنة.

- والفرنسيون أيضاً ليسوا عن الصليبية غرباء، فملة الكفر واحدة: فالجنرال غورو عندما تغلب على جيش ميسلون خارج دمشق، توجه فوراً إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الأموي وركله بقدمه وقال له: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".
ويؤكد صليبية الفرنسيين ما قاله مسيو بيدو وزير خارجية فرنسا عندما زاره بعض البرلمانيين الفرنسيين وطلبوا منه وضع حد للمعركة الدائرة في مراكش أجابهم: "إنها معركة بين الهلال والصليب".

- واليهود الملعونون في كل وقت وحين: عندما دخلت قوات (إسرائيل) القدس عام 1967م تجمهر الجنود حول حائط المبكى، وأخذوا يهتفون مع موشي دايان: هذا يوم بيوم خيبر... يالثارات خيبر. واستغلت (إسرائيل) صليبية الغرب فخرج أعوانها بمظاهرات قبل حرب الـ1967م تحمل لافتات في باريس، وسار تحت هذه اللافتات جان بول سارتر، وكتبت على هذه اللافتات، وعلى جميع صناديق التبرعات لـ(إسرائيل) جملة واحدة من كلمتين هما: "قاتلوا المسلمين".
فالتهب الحماس الصليبي الغربي، وتبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط... لتقوية الصهاينة الذين يواصلون الرسالة الصليبية الأوروبية في المنطقة، وهي محاربة الإسلام وتدمير المسلمين.

وفي امتداد واحد لا يختلف نفث الحقد الصليبي فيه مع امتداد الزمن:
- يقول أيوجين روستو (رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية ومساعد وزير الخارجية الأميركية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967م): «يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية. لقد كان الصراع محتدماً ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي». ويستطرد.. «إن الظروف التاريخية تؤكد أن أميركا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أميركا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها». إن روستو يحدد أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام إسرائيل، هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمراراً للحروب الصليبية.

- ويقول ويلي كلايس (أمين عام حلف الناتو في بداية التسعينات من القرن الماضي): «لقد حان الوقت الذي يجب علينا أن نتخلى فيه عن خلافاتنا وخصوماتنا السابقة، وأن نواجه العدو الحقيقي لنا جميعاً، وهو الإسلام».

- ويقول جون كالفان (القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في العام 1994م): «لقد ربحنا الحرب الباردة، وها نحن نعود بعد 70 عاماً من الصراعات الضالة إلى محور الصراع القائم منذ 1300 سنة، إنه صراع المجابهة الكبيرة مع الإسلام».

- وينصح رئيس تحرير مجلة تايم في كتابه "سفر آسيا" الحكومة الأميركية أن تنشئ في البلاد الإسلامية ديكتاتوريات عسكرية للحيلولة دون عودة الإسلام إلى السيطرة على الأمة الإسلامية، وبالتالي الانتصار على الغرب وحضارته واستعماره.

- ويقول كيسنجر (وزير خارجية أميركي أسبق، وأحد أهم منظري السياسة الاستراتيجية، وهو يهودي الأصل): «إن الجبهة الجديدة التي يتحتم على الغرب مواجهتها هي العالم العربي الإسلامي، باعتبار أن هذا العالم هو العدو الجديد للغرب».

- وقد ذكر نيكسون الرئيس الأميركي الأسبق وأحد كبار الاستراتيجيين الأميركيين في كتابه الفرصة السانحة «إن الإسلام ليس مجرد دين، بل هو أساس لحضارة كبرى». ويقول: «إن الإسلام والغرب متضادان، وإن نظرة الإسلام للعالم تقسمه إلى قسمين: «دار الإسلام» و"دار الحرب" حيث يجب أن تتغلب الأولى على الثانية». وعن الأصوليين يقول: «وهم مصممون على استرجاع الحضارة الإسلامية السابقة عن طريق بعث الماضي، ويهدفون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وينادون بأن الإسلام دين ودولة، وبالرغم من أنهم ينظرون إلى الماضي فإنهم يتخذون منه هداية للمستقبل».

- ويقول صامويل هنتنجتون في كتابة "صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي": «العلاقات بين الإسلام والمسيحية... كانت عاصفة غالباً. كلاهما كان "الآخر" بالنسبة للآخر. صراع القرن العشرين بين الديمقراطية الليبرالية والماركسية اللينينية ليس سوى ظاهرة سطحية وزائلة إذا ما قورن بعلاقة الصراع المستمر والعميق بين الإسلام والمسيحية». ويقول: «الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك، وقد فعل ذلك مرتين على الأقل». وعن مكونات الصراع بين الإسلام والغرب للمرحلة المقبلة يذكر خمسة مكونات:
1- النمو السكاني الإسلامي خلف أعداداً كبيرة من الشبان العاطلين والساخطين الذين أصبحوا مجندين للقضايا الإسلامية...
2- أعطت الصحوة الإسلامية ثقة متجددة للمسلمين في طبيعة وقدرة حضارتهم وقيمهم المتميزة مقارنة بتلك التي لدى الغرب.
3- جهود الغرب المستمرة لتعميم قيمه ومؤسساته... والتدخل في الصراعات في العالم الإسلامي ولد استياء شديداً لدى المسلمين.
4- سقوط الشيوعية أزال عدواً مشتركاً للغرب والإسلام، وترك كلاً منهما لكي يصبح الخطر المتصور على الآخر.
5- الاحتكاك والامتزاج المتزايد بين المسلمين والغربيين يثير في كل من الجانبين إحساساً بهويته الخاصة، وكيف أنها مختلفة عن هوية الآخر.
هذه هي المكونات الخمسة الرئيسية للصراع بين الغرب والإسلام والتي تسير قدماً نحو حدوث الصدام.

- وصل بوش الابن إلى أفغانستان في 16/12/2008م في زيارة وداعية لحليفه كارزاي بعد زيارته للعراق الذي تعرض فيه لحادث "الحذاء" المهين. ومما قاله «أريد أن أشكر الرئيس كارزاي، وأبلغ الشعب الأفغاني أن الولايات المتحدة تدعمهم، وستواصل دعمهم في معركتهم الطويلة ضد الإرهاب، باعتبار أن المعارك العقائدية تستغرق الكثير من الوقت». هذا غيض من فيض التصريحات التي تكشف خبيئة النفوس الخبيثة والحاقدة لدى الغرب.

الغرب وسقوطه الحضاري:
ولكن في خضم هذه المعاداة الشرسة من الغرب للإسلام، عقيدة وشريعة، حدث في العام 2008م سقوط مدوٍّ للنظام الاقتصادي الرأسمالي ليضاف إلى السقوط الأيديولوجي. وأعلن الغرب إفلاسه في هذا الجانب، ومن باب المفارقة فإنه في الوقت الذي يوصف فيه الإسلام بالرجعية والظلامية والتأخر وعدم التحضر... وأنه يجب تطويره... ترتفع أصوات من هناك من عقر دارهم تعلن أن الإسلام هو الذي سينقذ العالم، وتعلن أنهم «بحاجة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بمصارفنا». وتعلن من باب التساؤل: «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية». وتشير إلى أهمية «التمويل الإسلامي» ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي. وحتى بابا روما الذي لم يمضِ على تهجمه على الإسلام أشهراً فإذا بصحيفة تابعة لسياسته "رومانو أوبسرفاتور" تعلن ضرورة الاستفادة من طريقة الإسلام في تمويل القروض البعيدة كل البعد عن الربا والمقامرة. نعم إن الغرب الذي أعلن حربه المسعورة على الإسلام، قد أعلن مسؤولون سياسيون ومفكرون فيه أن المستقبل في هذا الصراع ستكون للإسلام وأن الغرب ستسقط حضارته...

- يقول نيكسون في كتابه "ما وراء الإسلام": «ما يهدد العالم فعلاً هو أن بلدنا قد يكون غنياً بالبضائع، ولكننا فقراء في الروح. فالتربية والتعليم الرديئان، والجرائم المتزايدة، والعنف المتصاعد، والانقسامات العرقية النامية، والفقر المستشري، وآفة المخدرات، والثقافة المنهارة في وسائل التسلية، والانحدار في تأدية الواجب المدني والمسؤولية، وانتشار الفراغ الروحي، ساهمت جميعاً بفض الأميركيين وتغريبهم عن بلادهم ودينهم وعن بعضهم بعضاً».

- ويقول زبغنيو بريجنسكي وهو مستشار سابق للأمن القومي الأميركي: «إن المجتمع المنغمس في الشهوات (المجتمع الأميركي) لا يستطيع أن يسن قانوناً أخلاقياً للعالم، وأي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى».

- أما صامويل هنتنغتون فإنه بعد أن يعدد النواحي الاقتصادية والسكانية كأسباب تجعل الحضارة الأميركية الغربية تتحرك من على مسرح الدولة العالمية إلى مسرح الانهيار يذكر أن هناك ما هو أهم منها وهي: مشكلات الانهيار الأخلاقي، والانتحار الثقافي، والتفكك السياسي في الغرب. أما عن تجليات الانهيار الخلقي فيذكر:

- زيادة في السلوك غير الاجتماعي مثل الجريمة وتعاطي المخدرات وأعمال العنف بشكل عام.

- التفكك الأسري ويشمل ارتفاع نسب الطلاق والأطفال غير الشرعيين، وحمل الفتيات الصغيرات، وزيادة عدد الأسر المكونة من والد واحد.

- الضعف العام في "أخلاقيات العمل" وصعود توجهات الانغماس الاجتماعي.

- تناقض الالتزام بالتعليم والنشاط الفكري، ويظهر ذلك في المستويات المتدنية للتحصيل الدراسي في الولايات المتحدة.
ثم يذكر أن هذه التوجهات السلبية هي التي تؤدي بالطبع إلى تأكيد التفوق الأخلاقي للمسلمين... ورفض الاندماج، ومواصلة الالتزام بقيم وعادات وثقافات مجتمعاتهم الأصلية والترويج لها. وعندما يفشل الاستيعاب والاندماج ففي مثل هذه الحالة ستصبح الولايات المتحدة دولة مشققة أو مصدعة مع كل ما يستتبع ذلك من احتمالات الصراع والتفكك الداخلي».

- نشرت جريدة الوطن الكويتية في عددها الصادر في 18/10/2006م خبراً نقلته عن «فاينانشل تايمز» اللندنية بقلم ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية تحـدث فيه عن أن قرار حـرب العراق كان أول أسباب انتهاء العصر الأميركي في المنطقة، ومما جاء فيه: «اليوم بعد حوالى 80 سنة من سقوط الإمبراطورية العثمانية و50 سنة على نهاية الفتـرة الاسـتعمارية، وأقل من 20 ســنة على انتهـاء الحـرب الباردة، يمكن القول أيضاً إن العصر الأميركي في المنطقة انتهى هو الآخر. بيد أن الأحلام التي كانت تداعب مخيلة البعض حول قيام شرق أوسط مسالم مزدهر وديمقراطي مثل أوروبا لن تتحقق، وذلك لأن الاحتمال المرجح هو بروز شرق أوسط جديد يثير الكثير من الأذى لنفسه وللعالم. لقد تمتعت الولايات المتحـدة في العصـر الأميركي الذي بدأ عقب سقوط الاتحاد السوفياتي بنفوذ وحرية في العمل غير مسـبوقين، إلا أن هذا العصـر لم يسـتمر لأقل من عقـدين لجـملة من الأسباب، أولها قرار إدارة الرئيس مهاجمة العراق وأسلوب توجيه هذه العملية ثم ما نجم عن الاحتلال، لقد انتهى العراق الذي كان يهيمن عليه السنة، وكان قوياً بما يكفي لإحداث توازن مع إيران. وظهرت عوامل أخرى على مسرح الأحداث منها: انتهاء عملية السلام في الشرق الأوسط، فشل الأنظمة العربية التقـليدية في التصـدي لجـاذبية الإسـلام الراديكالي، ثم العولمة التي جـعلت الطـريق أسـهل أمام الراديكـاليين في الحصــول على التمويل، السـلاح، الأفكار والمجندين. وسوف تواجه واشنطن تحديات متزايدة من لاعبين آخرين أبرزهم الاتحاد الأوروبي، الصين وروسيا، إلا أن الأمر الأكثر أهمية من كل هذا هو التحديات التي ستنبعث من دول المنطقة والمجموعات الراديكالية فيها».

- أكد باتريك بوكنان الذي كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية الأميركية في مقال له حول الحرب التي تتزعمها أميركا ضد ما تسميه بالإرهاب تحت عنوان: «هل ستندلع حرب الحضارات» أن «الإسلام غير قابل للتحطيم، وخلص متحسراً بناءً على حتمية مصير أي صراع عقائدي إلى انتصار المد الإسلامي... ولكن لا يمكن أن نقضي على الإسلام مثلما قضينا على النازية والفاشية والروح العسكرية اليابانية والبلشفية والسوفياتية. لقد استطاع الإسلام البقاء على مدى 1400 سنة تقريباً كما أنه العقيدة المهيمنة على 57 بلداً، غير أنه غير قابل للتحطيم... من حيث المادة الغرب متفوق، ومهما قلنا فإن التفوق المادي لم يمنع سقوط الإمبراطورية السوفياتية. وإذا كان عامل العقيدة حاسماً فإن الإسلام نضالي حركي بينما المسيحية جامدة. والإسلام ينمو بينما المسيحية تذبل. والمحاربون المسلمون مستعدون لمواجهة الهزيمة والموت بينما يتحاشى الغرب تكبد الخسائر. واختتم مقالته بالقول: «لا تستهينوا بالإسلام، إنه الديانة الأسرع انتشاراً في أوروبا... ولكي تهزم عقيدة فإنك تحتاج إلى عقيدة. ما هي عقيدتنا نحن؟ النزعة الفردية؟».

وقد نشر لهذا السياسي مرة أخرى في 23/06/2006م في "مؤسسة مناهضة الحرب" مقالاً قصيراً بعنوان: «فكرة آن أوانها» تحدث فيها بأن فكرة الحكم بالإسلام تتوطد عراها بين المسلمين، وذكر أنه عندما نشاهد القوات المسلحة الأميركية وهي تحارب السنة الثائرة على السلطة والمجاهدين الشيعة والجهاديين في العراق، وطالبان الخارجة على القانون وهم يبتهلون إلى الله، يتبادر إلى أذهاننا كلمات فيكتور هيجو: «إن قوة أي جيش لا تضاهي انبعاث فكرة آن أوانها». ويضيف: «إن الفكرة التي يعاديها كثير من المناوئين هي فكرة تفرض نفسها، فهم يعتقدون أن هناك إلهاً واحداً هو الله وأن محمداً رسول الله. وأن الإسلام أو الخضوع للقرآن هو الطريق الوحيد إلى الجنة، وأن المجتمع الرباني يجب أن يحكم بواسطة الشريعة أي قانون الإسلام، وبعد اختبار طرق أخرى أدت إلى الفشل فقد عادوا مجدداً إلى موطن الإسلام... إن عشرات الملايين من المسلمين بدؤوا يعودون إلى جذورهم بإسلام أكثر نقاءً، وإن جَلَدَ الإيمان الإسلامي مدهش حقاً. لقد بقي الإسلام على قيد الحياة رغم مضي قرنين على الهزيمة والذل الذي أصاب الإمبراطورية العثمانية والقضاء على الخـلافة في عهد (أتاتورك)، كما تحمّل الإسلام حكم الغرب لعدة أجيال... لقد أثبت الإسلام على أنه أكثر تحملاً من قومية عرفات أو صدام. ما يتوجب على أميركا أن تدركه هو شيء غير اعتيادي بالنسبة لنا، من المغرب إلى باكستان: لن تنظر لنا الأغلبية بعد الآن على أننا أناس طيبون. إذا كان الحكم الإسلامي فكرة تتوطد عراها بين الجماهير المسلمة، فكيف باستطاعة أقوى الجيوش على الأرض أن توقفها؟ أولسنا بحاجة إلى سياسة جديدة؟!».

- نقلت مجلة المجتمع الكويتية العدد 119 تاريخ 5/3/1996م أن جيم ميران عضو لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي ذكر لمدير المجلة: «أنا أعتقد أن القرن القادم هو قرن الإسلام، وقرن الثقافة الإسلامية، وستكون هذه فرصة لإحلال مزيد من السلام والرفاهية في كل بقاع العالم».

معالم انحراف الفكر الغربي



بسم الله الرحمن الرحيم

الفكر الغربي هو الفكر الأوروبي الذي نشأ نتيجة الصراع بين مفكري أوروبا والكنيسة على مدى سنوات طويلة، بداياته كانت تتجلى بسيطرة النظام الإقطاعي والملوك والأمراء -بالإضافة إلى الكنيسة- على حياة البشر، فتحولت الحياة في أوروبا إلى قهر وظلم وجهل وتخلف وإصرار على محاربة العلم والعلماء وكلّ فكر جديد حتى سميت تلك الفترة عصر الظلمات.
غير أنّ ظلام التخلف عندهم أخذ ينقشع مع ظهور المفكرين الذين عملوا على النهضة والتغيير، والذين وجدوا أنّ عدو التغيير هو الدين ممثلا بالكنيسة، وأنّ الملوك والإقطاعيين الذين يخضعون لرغبة الكنيسة هم مظهر من مظاهر سيطرتها، فدخلوا في صراع فكري سِمته الرئيسة ردّ الفعل على الكنيسة والدين، وقد أنتجوا أبحاثاً كثيرة تتعلق بالإنسان والمجتمع والدولة والاقتصاد والملكيات والحريات، وكان يمكن للمفكرين الغربيين أن يحققوا نهضة صحيحة تخدم البشرية لولا انحرافهم عن المسار الصحيح في الفكر والبحث.

وسيتم هنا توضيح بعض معالم انحراف الفكر الغربي عن الصواب أثناء بحثه عن نظام بديل للكنيسة والإقطاع، من غير خوض في فروع الفكر الغربي وإنّما التعرض لأمور أساسية جوهرية. كما أنه لن يتم التحدّث عن الفكر الاشتراكي/ الشيوعي لأنّه سقط ولم يعد له وجود لا سياسي ولا اقتصادي ولا حتى فكري.

إن الحديث إذاً سيكون عن العلمانية عقيدة المبدأ الرأسمالي الذي يسيطر على العالم بقوة السلاح وبالدجل الفكري والإعلامي، والذي حوّل الدول التي تعتنقه إلى دول مستعمرة تمتص دماء الشعوب وتدجّل عليهم، ولا تُستثنى هنا الشعوب الأوروبية ولا الشعب الأميركي من زمرة الشعوب التي تتعرّض للتضليل والتي تعيش في شقاء وظلم، وإن كان هذا الظلم وهذا الشقاء متفاوتاً بين الشعوب ويأخذ أشكالاً مختلفة.

وأمّا معالم انحراف الفكر الغربي فهي:
- عدم حل العقدة الكبرى في الفكر الإنساني.
- سيطرة الطريقة العلمية في التفكير (المنهج العلمي في البحث) على المفكرين الغربيين وإهمالهم الطريقة العقلية في التفكير (المنهج العقلي في التفكير) وخطأ فكرة التناقض بين العلم والدين.
- وأخيراً انحراف الغربيين في فهم واقع الإنسان ويظهر ذلك في نقطتين:
- سعيهم للتشريع ووضع القوانين (الديمقراطية).
- عدم تنظيم الفكر الغربي لسلوك الإنسان في إشباعه للغرائز والحاجات العضوية مع حرصهم على التنظيم.

أ- عدم حل العقدة الكبرى في الفكر الإنساني:

والعقدة الكبرى هي مجموعة التساؤلات حول الكون والإنسان والحياة، هل هي أزلية أم مخلوقة؟ ومن هو الخالق؟ وماذا قبل الخلق؟ وهل يوجد حياة بعد الموت؟ لماذا أنا موجود؟ إلى غير ذلك من تساؤلات تصحب الإنسان طوال حياته وتقلقه وتسبب له الضياع الفكري حتى يحلها. وحاجة البشرية إلى حلّ هذه التساؤلات حاجة ملحة، ولا يستطيع الإنسان إلا أن يحصل على حلٍّ لها ولو كان حلاً سطحياً أو منحرفاً أو خاطئاً.

والذي حصل أنّ الغربيين لم يبحثوا في هذه العقدة الفكرية الإنسانية ولم يعملوا على حلّها وإنّما تجاوزوها، ويتمثّل هذا التجاوز في اتّفاق الغربيين اتّفاقاً ضمنياً - سببه ردة الفعل السلبية تجاه الدين المسيحي- على فصل الدين عن الحياة أو فصل الدين عن السياسة، وهذه هي (العلمانية) التي أصبحت عقيدة المبدأ الرأسمالي.
هذه العقيدة ليست فكراً يراد منه حلّ تساؤلات العقدة الكبرى في الفكر الإنساني، وإنّما هي قفزة على هذه التساؤلات وهروب منها، وهذا هو أساس انحراف الفكر الغربي الرأسمالي؛ لأنّ أي مبدأ أو عقيدة أو فكر أساسي يجب أن يبنى على حل هذه التساؤلات.

فالعلمانيون لم يبحثوا أثناء صراعهم مع الدين المسيحي كون الإنسان مخلوقاً أم لا، ولم يبحثوا إن كان هناك خالق أم لا، وإذا كان هناك خالق فهل التشريع له أم للإنسان؟ لم يبحثوا هذا والسبب في ذلك العبءُ العقلي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان على عاتق الناس والذي كان سببه الدين المسيحي، فكان هاجسُ المفكرين التخلصَ من هذا الدين وأعبائه وليس الدخولَ معه في مجادلات فكرية، خاصة وأنّ المفكرين أنفسَهم من ميكافيللي (ت1527م) حتى نيتشه (ت 1900م) وسارتر( ت 1980م) اختلفوا في نظرتهم إلى الدين ولكنهم لم يختلفوا في ضرورة استبعاده من حياتهم:

فميكافيللي والذي كان له دور هام في تطور الفكر السياسي الغربي، إذ إنه أسس منهجاً جديداً في السياسة، يتمثّل بتجاوز الفكر الديني، كان يرى الدين وسيلة يمكن استغلالها سياسياً وليس شيئاً يجب أن نؤمن به ولا أن نتخلّص منه، فهو يقول في كتاب الأمير: «إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس». ويقول: «من واجب الأمير أحياناً أن يساند ديناً ما ولو كان يعتقد بفساده». وبينما اعتبر المفكرون الملحدون الدين وباء يجب استئصاله، فقد قال جون لوك ( ت1745م) في كتابه رسالتان للحكومة: «فنّ الحكم لا ينبغي أن يحمل في طياته أية معرفة عن الدين الحق» وهو يقصد بذلك اعتبار جميع الأديان سواء، وأن الحكم يجب أن يتجاوزها جميعاً. وطالب مونتسيكيو (ت1755م) «بوضع السياسة والتاريخ كعَلَمين بعيداً عن التصورات الأخلاقية والميتافيزيقية» وهو يعني ترك التفسير الديني للكون. واعتبر فولتير ( ت1778م) «إنّ فلسفة التاريخ تقوم على أساس فكرة التطور التقدمي للمجتمع في استقلال عن إرادة الله» وهذه دعوة إلى فصل الدين عن السياسة، وأما نيتشه فقد تميز بنقده الحاد للدين وباعتراضه على فكر القطيع الذي يسيطر على البشر وأنّ على الإنسان أن يحرر عقله من أوهام الدين حسب رأيه. ويوافقه ماكس فيبر (ت1920م) على هذا حين تكلم عن عقلنة العالم وإن كان يحترم الاتجاه البروتستانتي الذي ساهم في العقلنة ونشوء الرأسمالية كما ذكر في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية بينما يُعلي سارتر (ت1980م) في فلسفته الوجودية من قيمة الإنسان ويؤكد على تفرده، وأنه صاحبُ تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه.

وبالرغم من هذا الاختلاف من الإلحاد إلى الاستغلال إلى الإبعاد والإهمال، فقد اجتمعوا على القاسم المشترك بينهم جميعاً وهو ضرورة فصل الدين عن الحياة والدولة وترك أمر الإيمان والكفر إلى الأفراد بصفتهم الفردية، وأنّ هذا الإيمان ما دام تعبدياً كنسياً فردياً لا يحدد العلاقات مع الآخرين فلا ضرر منه مع اعتبار تصوراته عن الكون والإنسان والحياة (الميتافيزيقية) غير علمية وغير مسلّم بها، كما لا ضرر من الإلحاد إذا كان على النمط نفسه، وهذا ليس فكراً وإنّما حل وسط بين مجموعة من الآراء المتناقضة حول الدين المسيحي.

وهكذا نرى أنّ العلمانيين لم يُعملوا عقلَهم في البحث في أصل الدين ولا في وجود الخالق أو عدم وجوده أو في كون الإنسان مخلوقاً أم لا، ويمكن الحكم على العلمانية من خلال ما سبق بما يلي:
- العلمانية ليست فكراً بقدر ما هي ردة فعل سلبية على دين باطل كان ينغّص على الناس حياتهم.
- العلمانية لم تجب على تساؤلات العقدة الكبرى في فكر البشر وإنّما قفزت عنها تاركة أتباعها في حيرة وقلق.
- العلمانية فكرة متناقضة قائمة على الحل الوسط بين آراء فكرية مختلفة ومناهج متناقضة.
- العلمانية تعتمد التعميم في الحكم على الأديان مع أنّ الحكم القائم على التعميم لا يكون صحيحاً.

ب - سيطرةُ الطريقة العلمية في التفكير (المنهج العلمي في البحث) على المفكرين الغربيين وإهمالُهم الطريقة العقلية في التفكير (المنهج العقلي في البحث) وفكرة التناقض بين العلم والدين.
أما الطريقة العلمية أو المنهج العلمي في البحث فهو منهج يهدف إلى معرفة حقيقة المادة وخصائصها الكيميائية والفيزيائية عن طريق الملاحظة والتجربة بعد إخضاع المادة لظروف وأحوال غير ظروفها الطبيعية وذلك في المختبر، و لهذا يلزم التخلي عن الآراء السابقة لاحتمال وجود قابلية الخطأ فيها. فهي تختص في البحث في خصائص المادة في المختبر، ولا تبحث في وجود المادة أو عدم وجودها، ولذلك فمن شروط البحث العلمي وجود المادة المراد معرفة حقيقتها الفيزيائية أوالكيميائية، وأن يكون هناك امكانية لإخضاع هذه المادة للبحث المخبري.

وهذا المنهج العلمي هو منهج مهم وضروري ولكن يجب حصره في مجاله وهو المادة من حيث خصائصها الفيزيائية والكيميائية والوصول إلى حقائق علمية والتطبيق لها فيما يسمى بالتكنولوجيا.
أما الطريقة العقلية أو المنهج العقلي في البحث فهو يقوم على أساس نقل الإحساس بالواقع (معلومات عن المادة) إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة عن الواقع نفسه والحكم عليه.
فيلزم للطريقة العقلية حتى تتم وجود المادة، ووجود إحساس بها، ووجود معلومات عنها، ثم عملية التحليل والتفكير التي تكون في الدماغ والخروج بالحكم أو النتيجة.

وهذه الطريقة العقلية يمكن أن يكون لها أكثر من اتجاه في التعامل مع الواقع:
الأول: البحث في أصل المادة (الكون، الإنسان، الحياة) من حيث كونها مخلوقة أم لا، فإننا نستجمع معلوماتنا عن هذه المادة بالإضافة إلى المعلومات السابقة، ومن خلال الإحساس الذي ينقل المعلومات إلى الدماغ الذي يعمل على الربط والتحليل فيقرر احتياج المادة ومحدوديتها وعجزها، وهذا تفكير مستنير يربط المادة بما حولها أي بما يتعلّق بها بعد التعمق في فهمها فيتوصل في بحث عقلي بعيد عن التعقيد إلى وجود الخالق. وهذا البحث لا يمكن أن يكون بحثاً علمياً لأنّه ليس بحثاً في خصائص المادة، وإنّما هو بحث في كونها أزلية أم لا، في كونها مستندة في وجودها إلى غيرها أم لا، أي مخلوقة أم لا. وهنا انحرف الغربيون عن الصواب عندما أقحموا العلم في هذا البحث العقلي المجرّد فقالوا: ما الدليل العلمي على وجود الخالق؟ وكان الأصل أن يقولوا: ما الدليل العقلي على وجود الخالق؟ لأنّ هذا البحث ليس مخبرياً وليس بحثاً في خصائص المادة، فتصوروا أنّ هناك تناقضاً بين العلم والدين من هذه الناحية، كما أنّ فهم الغرب العميق للمادة لم يُربط بما يحيط بها أي لم يتحوّل إلى فكر مستنير وبالتالي إلى فهم حقيقتها من ناحية الخلق.

الثاني: البحث في الفكر من حيث كونه صحيحاً أي مطابقاً للواقع أم لا وذلك مثل:
واقع الإنسان من حيث إنه عقل وغرائز وحاجات عضوية، وإنه يحتاج إلى العقائد والتعريفات مثل: المجتمع، العقل، اللغة، الفقه والقانون، التاريخ، النهضة... إلخ، أي كل ما لا يمكن إخضاعه للتجربة المخبرية.
وهنا انحرف الغربيون أيضاً فعندما قاموا بدراسة الإنسان (الفرد والمجتمع) درسوه دراسة علمية بما يسمى علم النفس وعلم الاجتماع، وبالرغم من أنّ هذه الأبحاث ليست علمية بل هي قائمة على أساس الملاحظة وجمع المعلومات والمقارنة -وهذا جزء من الطريقة العقلية في التفكير- فقد خلطوا العلم بالعقل عندما أقحموا الطب الذي هو علم في أبحاث النفس واعتبروا بعض الأمراض نفسية مع أنها داخلة في الطب كالصرع وانفصام الشخصية الناتج عن خلل في الدماغ، وفي المقابل فقد اعتبروا سبب الشذوذ مثلاً في إشباع غريزة النوع (اللواط) طبياً نتيجة خلايا معينة في الدماغ مع أنّ إشباع الغرائز مردّه إلى الفكر، والشذوذ الذي يحصل فيه سببه انحراف في الفكر. فبدل أن يكون البحث سلوكياً فكرياً جعلوه طبياً جسمياً (تشريحياً) وقس على هذا الكثير من القضايا.

وأمّا علم الاجتماع فقد خلطوا فيه علم الآثار والأبحاث الميدانية لإصباغ صفة العلمية عليه، وقد فشلوا في ذلك، فالأبحاث الميدانية هي عبارة عن جمع معلومات ثم تحليلها ودراستها، أمّا جمع المعلومات فلا خلاف عليه، وأمّا التحليل والدراسة واستخلاص النتائج فقد انحرفوا فيها بشكل كبير بسبب إدخال النظريات (العلمية) فيها كنظرية التطور لداروين، والفرضيات غير المثبتة والتي يمكن اعتبارها آراء خاصة بأصحابها، وكنظريات أبحاث (علم) النفس.

وقد فسروا بعض الحقائق التي أظهرها علم الآثار بشكل منحرف وذلك بسبب الإصرار على فكرة التطور والإلحاد العلمي فمثلاً: أثبتت الآثار أنّ البشر في جميع المجتمعات القديمة التي وجدت آثار لها وفي جميع أنحاء الأرض كانت تعبد إلهاً وكان لها دور عبادة، فبدل أن يقولوا إنّ التدين أمر غريزي في الإنسان وجزء من تكوينه بغض النظر عن الزمان أو المكان وإنّ هذا يشير إلى احتياج الإنسان إلى الخالق الذي خلقه, قالوا هذه سمة من سمات المجتمعات البدائية ومرحلة من مراحل تطور الفكر البشري.

وبعدما وجدوا بعض العظام التي تعود إلى ملايين السنين أو مئات آلاف السنين والتي لا تطابق البنية البشرية، فبدل أن يقرّوا بأنّ الإنسان لم يتطوّر وأنّ هناك مخلوقات كانت قبله، وبسبب هيمنة نظرية دارون الأثيمة عليهم اعتبروا أنّ الإنسان الحالي تطور عن مخلوقات مغايرة مع أنّ العلم الحديث (التشريحي والجيني) يثبت أنّها ليست من الجنس البشري. وهكذا نجد أنّ الانحراف في الفكر والحكم على الأشياء سمة أساسية للفكر الغربي.

وهنا يجب الانتباه إلى الاختلاف بين (البحث العلمي) و(البحث العقلي) بالرغم من وجود التشابه من حيث الملاحظة والتجربة والاستنباط، وهذا يدل على أمرين:
الأول: إنّ الطريقة العقلية هي أساس التفكير وإنّ الطريقة العلمية متفرّعة عنها.
الثاني: إنّ الملاحظة والتجربة والاستنباط للمادة وخصائصها إن لم يكن مخبرياً لا يعتبر البحث حينئذ علمياً.

أمّا التناقض بين العلم والدين: فإنّه وإن كان الحديث السابق عن طريقة التفكير العقلية وطريقة التفكير العلمية كافياً لبيان أن لا تناقض بين العلم والدين الصحيح، إلاّ أنه يزاد عليه قليلاً فيقال:
1- إنّ تناقض الدين المسيحي مع العلم لا يجوز أن يُحمل على الدين الإسلامي.
2- إنّ العلم له مجاله الذي يجب حصره فيه، فمجاله البحث في المادة من حيث خصائصها الكيميائية والفيزيائية، وليس البحث في كون المادة مخلوقة أم لا.
3- إنّ الدين الصحيح وهو الإسلام يقوم على العقل، والعقل لا يمكن أن يتناقض مع العلم، فالعقل يبحث في أصل وجود المادة، ولذلك فإنّ الإسلام وقد بيّن أنّ المادة مخلوقة فقد بيّن أيضا أنّها مسخّرة للإنسان، والتسخير والاستفادة من المادة يقتضي وجود البحث العلمي الصحيح وتاريخ المسلمين يدل على هذا.
4- إنّ النظريات التي تتناقض مع الإسلام كنظرية دارون مثلاً ليست علماً، وإنّما هي افتراض مسبق ونظري وغير مثبت، وحيث إنّ العقل أثبت كون الإنسان مخلوقاً فهذا يعني تناقض نظرية دارون وأمثالها مع العقل، وبالتالي يستحيل أن يثبت العلم في يوم من الأيام صحة هذه النظرية.

ج - انحراف الغربيين في فهم واقع الإنسان.
ويظهر ذلك في نقطتين:
1- سعيهم للتشريع ووضع القوانين (الديمقراطية).
2- عدم تنظيم الفكر الغربي لسلوك الإنسان في إشباعه للغرائز والحاجات العضوية مع حرصهم على التنظيم.

النقطة الأولى: سعيهم للتشريع ووضع القوانين (الديمقراطية): إنّ الخطأ الجذري في الفكر الغربي وهو تجاهل حل العقدة الكبرى أي عدم البحث في وجود الخالق وبالتالي نفي علاقة الخالق بالمخلوق من حيث التشريع، وقد جرّهم هذا إلى وضع التشريعات وسنّ القوانين، وهنا انحرف الغربيون انحرافاً كبيراً آخر عندما لم يبحثوا صلاحية الإنسان للتشريع وقدرته على سنّ القوانين أو عدم صلاحيته لذلك. بل أخذوا يشرّعون ويضعون الأنظمة، مع أنّهم لم يفهموا واقع الإنسان بشكل صحيح من أنّه جسم مادي وعقل وغرائز وحاجات عضوية يحتاج إلى إشباعها وقيم يحتاج إلى تحقيقها، وصحيح أنّهم يقرون بوجود العقل والغرائز إلاّ أنّهم لا يفهمون واقع ذلك بشكل صحيح وبالتالي فقد بنيت تشريعاتهم على أساس عدم فهم الإنسان، ولو فرضنا جدلاً أنهم يفهمون واقع الإنسان فهذا لا يعني أنّهم قادرون على سنّ القوانين والتشريع لتفاوت البشر في نظرتهم للأمور مما يعني الاختلاف في الفهم والتناقض في الحكم على الأشياء والأفعال ويساعد على هذا تأثر الإنسان الحتمي بالبيئة، فبعض المجتمعات ترى الزنا جريمة وأخرى تحث عليه، وكان الفراعنة يقدّسون النيل لحاجتهم لمياهه، بينما قدّس بعض الآسيويين جبال البراكين العظيمة خوفاً منها، وفيما فرضت قسوة الصحراء على العرب قيماً معينة من كرم وإغاثة ملهوف ورابطة قبلية وصراع على موارد نادرة رسم هيكل العلاقات الجاهلية، لم يكن لهذه القيم اعتبار يذكر في المجتمع اليوناني مثلاً، وبينما يعتبر كشف الرجال وجوههم في البيئة المعتدلة أمراً طبيعياً، يعتبر عيباً عند رجال الصحراء الحارقة في أفريقيا (الطوراق)، وإذن لا يستطيع البشر أن يضعوا لأنفسهم نظاماً ينظم إشباع غرائزهم وحاجاتهم العضوية.

النقطة الثانية: ما وضعه الغرب من تشريع لا يعتبر تنظيماً لإشباع الغرائز والحاجات العضوية:
وذلك لأنّ التشريع حتى يعتبر تنظيماً للغرائز والحاجات العضوية لا بدّ أن تتوفر فيه ثلاثة أمور:
1- فهم واقع الغريزة المراد تنظيمها، وهذا أمر لم يصل إليه الفكر الغربي، والدليل على ذلك اختلافهم في تعريف الغريزة وفي عدد الغرائز وفي تكوين الشخصية، والأبحاث التي تتجدد كلّ يوم ينقض آخرُها أوّلَها؛ حتى صار لما يسمى بعلم النفس أكثر من خمسين فرعاً مملوءة بنظريات ينقض بعضها بعضاً.
2- تحقيق الإشباع الصحيح، وهذا يعني حصول الإشباع بكيفية صحيحة مثل: الزواج، وشرب الماء.
3- منع الإشباع غير الصحيح مثل: منع الزنا واللواط، ومنع شرب الخمرة.
والناظر في التشريع الغربي لا يرى هذا، لأنّ التشريع الغربي الذي بني على الحريات يتناقض مع فكرة التنظيم، فالتنظيم معناه آمِن واكفر: آمن بوجود الله ولا تؤمن بتعدد الآلهة، افعل ولا تفعل: بع واشترِ ولا تتملك بالربا، ويجب أن تفعل ولا يجوز أن تفعل: يجب أن تصلي لله بكيفية معينة ولا يجوز أن تزني، ويجب أن تقول الحقّ ولا يجوز أن تكفر بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهكذا، وهذا يتناقض مع حرية الاعتقاد والتعبير والتصرف والتملك، وبالتالي فإنّ التشريع الغربي قد أطلق الحبل على الغارب في هذا الموضوع حتى صارت فوضى الإشباع هي السمة الغالبة على المجتمع الغربي وهذا ليس تنظيماً.
وأما إشباع جميع الغرائز فإنّ حالة فوضى الإشباع الناتجة عن غياب التنظيم ووجود الحريات قد حققت الإشباع الزائد لبعض المظاهر الغريزية مع تحقيق أقلّ للإشباع لمظاهر أخرى إن لم يكن حرمانها، مما أنتج حالة طغيان مظهر غريزي على آخر وسبب الضياع للإنسان الغربي الذي يحقق إشباعاً زائداً لغريزة الجنس مثلاً، حتى وصل إلى الشذوذ، بينما يعاني من الحرمان فيما يتعلّق بغريزة التدين مما دفع ويدفع بالكثير من الناس في المجتمع الغربي إلى محاولة الإشباع من خلال الأديان والعقائد الوثنية مثل البوذية والهندوسية، وهذا يمثل انحطاطاً في المجتمع الغربي ورجعية غير مسبوقة في الفكر الإنساني. وهذا يؤكد خطأ قيام البشر بوضع تشريعات لعدم قدرتهم على ذلك؛ لأنّهم، وهم يضعون التشريعات، لا ينظمون الغرائز ولا الحاجات العضوية.

الخلاصة: إنّ عقيدة الفكر الغربي عقيدة باطلة لأنها تقوم على أساس غريزي هو ردّ الفعل ولا تقوم على الفكر، وإنّ القفز عن إعطاء الرأي حول وجود الخالق لم يكن سوى تغيير لطبيعة المشكلة الفكرية في أوروبا وليس حلاً لمشكلة اعتقاد أوروبا لدين باطل، كما أنّ تعميم رؤية أوروبا نظرتها للدين المسيحي قد حرمها من رؤية الإسلام الرؤية الواضحة والصادقة فحملت العداء له. إنّ ما تعانيه شعوب أوروبا اليوم (والعالم من خلفها) من فراغ روحي، وشعور بالضياع، وغياب للقيم، وإشباع بهيمي للغرائز والحاجات العضوية وبحثها عن عقيدة غير العقيدة المسيحية، ومشاكلهم في الاقتصاد والاجتماع... كلّ ذلك وغيره يوجب على المسلمين أن يسارعوا إلى حمل رسالتهم رسالة الإسلام إلى هذه الشعوب الضائعة، وذلك بعد أن يقيموا دولة الخلافة التي تؤهلهم لحمل هذه الرسالة العظيمة.

بقلم :

خالد الدويك - القدس

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

رسالة إلى النائمين في العالم الإسلامي



بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الرسالة أكتبها للغافلين و النائمين في العالم الإسلامي على امتداده العريض محذراً من هذه الغافلة التي أصابت الشعوب الإسلامية و ما عادت تسيطر عليها قضايا أمتها و لا دينها و أصبحت الدنيا مرتع لأهل الإسلام، يفعلون فيها كل شيء إلا الدفاع عن الدين و عن أرض الإسلام، هاهو العالم الإسلامي ينسلخ يوماً بعد يوماً. و بدلاً من دولة مترامية الأطراف أصبحنا بلا دولة بعد سقوط آخر خليفة للمسلمين في عام 1924، و تمزقت الدولة الإسلامية إلى دول عديدة و أصبح القاسم المشترك بينهما هو الإغراق في المشاكل المحلية و ترك الدين و قضاياه عرضة لهجمة شرسة من أتباع اصحاب كل دين يريدون ليطفئوا نور الله و إن كان الله متم نوره كما وعد فلا يكون لمن ضيع و فرط في الدين نصيب من الأجر بل تصحبهم سيئات ما كسبوا.

يا أمة الإسلام: لقد وجدت الصحف و الفضائيات في العالم الإسلامي تحتفل بالعيد و بمباهج العيد و لاتشعر بالنكبات التي تتعرض لها فقبل العيد بأيام، بيعت القدس من قبل النظام المصري و اقترح الرئيس المصري أن تكون القدس عاصمة للدولتين مقابل سكوت أمريكا عن عملية التوريث المزمع حدوثها في مصر، و هو الحل الذي تريد أمريكا فرضه لحل قضية فلسطين، و قبل أيام حدثت فيضانات في باكستان و كان العالم الإسلامي كعادته لم يكن على مستوى الحدث نظراً لأن أمريكا استغلت الحدث لفرض وجودها في كل أراضي باكستان، و قبل العيد كانت التهديدات بحرق نسخ من القرآن من قبل قس أمريكي في ذكرى أحداث سبتمبر، و لم نسمع صوتاً واحداً لواحد من زعماء العالم الإسلامي مندداً او مهدداً بل أكل الصمت ألسنتهم.و احتفل المسلمون بالعيد و كأنهم أصحاب انتصارات لا هزائم و نكبات.

يا أمة الإسلام: أندلس جديدة تقتطع من أرض المسلمين، و ليس لها معتصماً أو صلاح الدين، كلينتون تقول (إن إنفصال جنوب السودان حتمي) و الدبلوماسية البريطانية بدأ تحركاتها لضمان نجاح الإستفتاء في يناير 2011 لإقرار الفصل، لنبدأ بعد ذلك قي إلقاء الخطب و الأشعار و البكاء علي دولة السودان الموحد لتعود لنا عائشة الحرة مجدداً لتقول لنا كما قالتها من قبل لإبنها أبو عبد الله الصغيرآخر ملوك غرناطة الذي أضاع الأندلس (أبكوا كالنساء ملك لم تحفظوا عليه كالرجال).

يا أمة المليار مسلم: بالأمس كانت فلسطين و من بعدها تيمور الشرقية و اليوم العقبة و غداً مصر و الجزائر و المغرب، و لا يتحرك أحد، و انشغلت الأنظمة الحاكمة بالحرب على الإرهاب تنفيذاً لتعليمات أمريكا ضماناً لإستمرارهؤلاء في الحكم و ضماناً لإستمرار العائلات الحاكمة في الحكم سواء كانت في النظم الملكية أو الجمهورية.

يا أمة الإسلام: هل لنا أن نتعلم من التاريخ و نعرف الحقيقة المرة أن مصر فقدت كثيرا من نفوذها على السودان منذ انقلاب يوليو وقدم "الزعيم الخالد" عبد الناصر السودان على طبق من ذهب للكنيسة وأمريكا والغرب حينما وافق على انفصال السودان عن مصر تنفيذا لرغبة أمريكا ولم يكن فى مقدوره أن يرفض لهما طلبا!! وكيف يرفض وأمريكا هي التى ساعدته فى انقلابه "الأبيض" وساندته حتى تخلص من جميع رفاقه واحدا تلو الآخر حتى أصبح ديكتاتورا وقدم سيناء هدية للصهاينة - ولم تكن فى يوم من الأيام تلك رغبة من المصريين أو السودانيين لأن مصر والسودان منذ قديم الأزل بلدا واحدا.

إن المؤامرة التي استهدفت السودان لم تكن وليدة اليوم إنما مخطط له من زمن بعيد منذ أن وقعت البلاد في أيدي بريطانيا عدوة الإسلام الأولى و لم يكن الهدف جنوب السودان فقط بل السودان و مصر و إقتلاع الإسلام من جذورها في هذه البلاد فالسودان هوأكبر الدول الإسلامية مساحة و يقع عند حدوده تسع دول فكان لابد من تفتيته وتقسيمه وإغراقه فى الحروب الأهلية وتم وضع الخطط الكفيلة بذلك منذ بداية عصر الكشوف الجغرافية وبدأ التنفيذ بعد الإحتلال البريطانى لمصر وتعيين جوردون حاكما عاما على السودان باسم مصر!!

وكان جوردون هذا منصرا يتبع الكنيسة فحاول تنصير أهل السودان الذين ثاروا ضده وقتلوه وقالت عنه ملكة بريطانيا: - " لقد فقدنا واحدا من أشد المخلصين للمسيحية "..!!

لم تهدأ محاولات بريطانيا لتنصير السودان فاتجهت جنوبا حيث القبائل الوثنية في خطوة لفصله عن الشمال والهدف الأكبر هو اجتثاث الإسلام من جذوره في أفريقيا ومنع انتشاره عبر السودان واتخاذ الجنوب السودانى رأس حربه فى هذه الحرب التى لا هوادة فيها، لقد قامت بريطانيا فى سبيل دعم الانفصال بتأسيس مراكز مسيحية على كافة مناطق إلتماس بين الإسلام والوثنية فى جنوب السودان وهو ما يعرف باسم "سياسة طرد الإسلام" من مناطق السودان غير المسلمة ومنع انتشاره بين الوثنيين وبدأت بعد ذلك مرحلة إنشاء ونشر المدارس الكاثوليكية والإرسالية والجاليات في مختلف ربوع السودان بهدف تنصير السودانيين جمعيا وتغيير طابع المدن السودانية الإسلامية إلى الطابع المسيحى.

وبدأت فى شراء قطع الأراضى ذات المواقع المتميزة بأسعار مبالغ فيها لبناء الكنائس عليها بخلاف المدارس السابق ذكرها كما شرعت فى بناء أندية مسيحية تفوق بكثير جدا عدد السودانيين الذين تم تنصيرهم ولكنها الرغبة فى كسب أرضية مسيحية فى السودان حتى لو كان ذلك مظهرا فقط لا أكثر ولا أقل!!

وفى طريق مواز – وكما يحدث فى مصر- بدأت الكنائس العشوائية تنتشر فى المناطق ذات الكثافة السكانية المسلمة وبدأت فى توزيع الكتب المسيحية بأسعار زهيدة للغاية وكذلك الكتب ذات المظهر الإسلامي ولكنها فى الحقيقة كتب تشكك فى العقيدة الإسلامية وتسب نبي الإسلام.. وساهم فى ذلك كله وجود مطابع سرية يديرها منصرون غربيون وكشف بعضها البوليس السودانى وأغلقها.
وحينما أعلن نميرى عن تطبيق الشريعة الإسلامية ثار الإنفصاليون فى الجنوب بدعم ديني من الكنيسة ودعم سياسي من بريطانيا ودعم عسكرى من أمريكا وإسرائيل!!

وحينما تم لهم ما أرادوا وبدأ الجنوب أولى الخطوات على طريق الانفصال كان إثارة النعرات القومية لدى السودانيين فى دارفور!!

كان وصول البشير إلى الحكم و إعادة إنتخابه مرة ثانية في انتخابات غير نزيهة لضمان تنفيذ المخطط الأمريكي - الأوربي وكأنه ما استولى على الحكم فى السودان إلا لتنفيذ مخطط أمريكا والكنيسة بفصل الجنوب عن الشمال وقريبا يتم فصل الغرب عن الخرطوم ليتفتت السودان الذى تبلغ مساحته مساحة كل من السويد والنرويج والدنمارك وبريطانيا وايطاليا واسبانيا وفرنسا والبرتغال.

أن وصول الزعيم الصليبي جون جارنج إلى منصب نائب أول رئيس السودان بعد اتفاقية السلام ليس نتيجة كفاح وثورة ولكنه نتيجة خيانة ومخططات مؤسسات التنصير ومؤامرات تفتيت الدولة ووضع الحواجز لمنع انتشار الإسلام فى افريقيا وعما قريب سيصبح سلفا كير خليفة جارنج رئيسا لدولة جنوب السودان سواء اتفاقا أو انقلابا أو انتخابا.

وبذلك يصبح جنوب السودان دولة مسيحية بعد أن يتم تغيير الدستور وتصبح مصر هى المحطة التالية حيث يبدأ فصل جديد يستهدف الضغط عليها بقطع مياه النيل التي سيكون السماح بها مقابل تنفيذ املاءات الغرب والكنيسة والصهيونية ونتصور أن يكون ذلك بتوصيل مياه النيل إلى الصهاينة فى فلسطين وتغيير الدستور المصرى وعدم ذكر الشريعة الإسلامية فى بنوده - وهى مطالب تبنتها منظمات مسيحيى المهجر والكنيسة فى مصر- وإطلاق يد المنظمات التنصرية المسيحية فى البلاد ومساعدتهم فى إقامة دولة لهم غرب البلاد تكون عاصمتها الفيوم ووادى النطرون وتشمل الإسكندرية وصعيد مصر..!!

إن هذا المخطط بدأ منذ ثلاثة قرون من الزمان ويزيد ولم يكن أحدا يتخيل أن يتم تنفيذه، ولم يكن أحد يتخيل أن بضعة أفراد من الصهاينة يطردون العرب من فلسطين ولكن كل الأحلام تتحقق طالما هناك خطط توضع وتنفذ ولا أحد من العرب يقرأ.. واذا قرأ يتثاءب ويترك العبء للأجيال التى تليه؟!

بقلم: محمود الطرشوبي