السبت، 1 أغسطس 2009

حتمية الإسلام و نهاية الحضارة الغربية


لقد فقدت البشرية أهم مقومات حياتها يوم رضيت و قبلت مختارة تنحى الإسلام عن واقع الحياة، فسقوط الخلافة الإسلامية ( خلافة بني عثمان ) لم يكن مجرد إزالة سلطان - قد بدأ الضعف و الوهن يصيبه قبل ذلك باكثرمن 150 عاماً -، إنما كان لإزالة حضارة استمرت أكثر من ثلاثة عشر قرناً كانت فيه الحضارة الإسلامية هي النور الذي أضاء للبشرية حياتها، في وقت كانت أوروبا تعيش ظلام الجهل و التخلف الحضاري و الفكري، و ماكانت نهضتها الأخيرة إلا على أكتاف الحضارة الإسلامية التي عبرت إلى الساحل الغربي عن طريق الأندلس و صقلية.

إن تنازل البشرية عن الإسلام لم يكن هو التنازل العابر عن قضية هامشية أو عابرة في مسيرة الحياة الإنسانية، و لكنه كان تنازل عن أهم مقومات حياة البشر و العيش في ظل شريعة السماء، و ذلك بتطبيق أحكام الإسلام و قوانينه المنبثقة عن عقيدته، و التي توافق فطرته و عقله، و بإلغاء الخلافة بدأ تطبيق أحكام البشر على العالم من شيوعية و ديمقراطية و بعثية و قومية و وطنية و التي ردت الإنسانية إلى الاحتكام إلى قوانين الغابة، والتي تطبق فيها قوانين البشر الحمقاء مثل البقاء للاقوي و الغلبة للمادة، و إن الحياة ليست إلا ميلاد و موت لا يوجد بعث و حساب؛ وجنة أو نار، و لذلك يتساوي الخير و الشر و يصبح الخير في الجانب الأضعف لأنه لايستطيع الحياة على الأرض بقوانينها التي لا تعترف بوجود إله للكون.

و هكذا نشأت مرة أخرى أفكار مضادة للدين و لاتريد أن تحيل هذا الإنسان إلى قوانين خالقه. فمن ظهور الشيوعية و سقوطها، إلى الليبرالية العفنة و التي لا تريد أن تلتزم بأي قيد في الحياة سواء في الجانب التشريعي أو الخلقي، فالحرية قد و صلت في السنوات الأخيرة داخل العقل الليبرالي إلى رفض كل ماهو يستند إلى السماء، و اعتبرت إن الحقوق الشخصية و الفكرية للإنسان يكتسبها بمجرد ميلاده لا حق من حقوق التشريع الإلهي منحها الله له بحكم عبوديته له، و على هذا يكون هناك عقد بين الحاكم و المحكوم يطبق فيه الحاكم قانون السماء، و ينظر الليبراليون إلى هذه القوانين على أنها مقيدة للحرية الشخصية و لذلك يحاول التفلت منها بشتى الطرق، و خاصة إن كانت هذه القوانين نابعة من الدين المعتنق داخل الدولة فإنه يتصدى - لا لقوانين – بل للدين باعتباره معوق أمام الحرية الشخصية و الفكرية، و يبدأ في تدعيم أي أفكار أو مذاهب بشرية تقف ضد الدين و تعيق انتشاره و تحاول الحد من سلطانه سواء على مستوى السلوكيات الشخصية للأفراد أو على مستوى التشريع الداخلي للدولة، مما أوجد حالة من الإلحادية أو اللادينية تسيطر على مستوى كبير من العقل الجماعي للشعوب التي من المفترض أنها وصفت بوصف ديني مثل العالم الإسلامي، و أصبح الحديث عن أفكار و مذاهب من نتاج العقل البشري القاصر هو المسيطر على الفكر الليبرالي و الذي يتخفى تحت شعارات الحرية و المساواة و حقوق الإنسان، والذي يختفي مباشرة إذا كان هذا الحديث عن انتهاك للحريات أو لحقوق الإنسان من أجل دينه و معتقده باعتبار إن هذا الدين في أصله من مقيدات الحرية.

و ماكان ظهور أفكار مثل البهائية أو القاديانية و الدعم القوي في الشرق و الغرب لها إلا انتصار مؤقت لهذا الفكر الليبرالي الذي أوشك على السقوط، فدائماً ما يرتبط ظهور الفكر الإلحادي و الهرطقيات البشرية، و التمادي في الحريات الشخصية، وصولا ً إلى الإباحية في القول و السلوك داخل المجتمعات، بالبداية الحقيقية لسقوط الحضارات والأفكار البشرية و التي لا تستند إلى الوحي السماوي من بعيد أو قريب، و لذلك فإن قيادة الغرب للبشرية قد أوشكت على الزوال.. لأن النظام الغربي قد انتهى دوره، لأنه لن يستطيع أن يقدم للبشرية أي نوع من القيم، يمكن الإنسان المعاصر أن يحيا بها وسط الصراع المادي للحياة، و لايملك إلا التفوق المادي و العسكري الغير مغلف بأي نوع من القيم يستطيع الإنسان أن يحيا بها حياة تضمن له الاستقرار النفسي و المصالحة العقلية بداخله.

لا بد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية - غير الإبداع المادي - ولن يكون هذا المؤهل سوى " العقيدة " و " المنهج " الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج العبقرية المادية، تحت إشراف تصور آخر يلبِّي حاجة الفطرة كما يلبيِّها الإبداع المادي، وأن تتمثل العقيدة والمنهج في تجمع إنساني.
إذا لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق الإبداع المادي في الغرب، وتستطيع إمداد البشرية بقيم جديدة - بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والإسلام - وحده - هو الذي يملك تلك القيم، وهذا المنهج.

لقد أدَّت النهضة العلمية دورها.. هذا الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي، ووصلت إلى ذروتها خلال القرن العشرين. ولم تعد تملك رصيدًا جديدًا.
كذلك أدَّت " الوطنية " و " القومية " التي برزت في تلك الفترة، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه القـرون.. ولم تعد تمـلك هي الأخرى رصيدًا جديدًا. ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف.

و مثلما جاء الإسلام في وقت كان العالم كله مستسلم للوثنية المنتشرة في جهاته الأربعة لدرجة أنها أصابت الأديان السماوية الموجودة على الأرض سواء كانت المسيحية أو اليهودية، و جاءت البعثة النبوية بالإسلام لكي يخرج البشرية من عبودية الوثنية إلى عبادة الله الواحد و الامتثال لشرائعه و تطبيق المفروضات و اجتناب المحرمات و رفع شعار تحرير الإنسان من كل العبوديات الأرضية المفروضة على الإنسان بالجهاد كوسيلة محدودة لإزالة الحواجز المادية من أمام الإسلام لكي يصل إلى القلوب و العقول و بعد ذلك من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر.

و هكذا يأتي الدور على الإسلام ثانية في أشد الساعات حرجاً وحيرة واضطرابًا لكي يعيد اتجاه البوصلة البشرية إلى وضعها الصحيح بعد أن فقدته البشرية منذ أن تنحى الإسلام عن قيادة البشر: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }... [ آل عمران: 110 ]
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }... [ البقرة : 143 ]

ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا أن يتمثل في دولة، أي أن يتمثل في أمة.. أي أن عودة الإسلام إلى معترك الحياة من خلال دولة إسلامية ضرورة تفرضها البشرية على المسلمين لإنقاذهم من الحضارة الراسمألية المادية المدمرة للكون. و ليس أدل على ذلك من إن قيادة الغرب للعالم أنتج حربيين عالميتين أزهقت فيها ملايين الأرواح غير عشرات الحروب التي اصطنعاها الغرب لكي يستولي على الأرض و ما فوق الأرض من بشر و ثروات و كنوز.و لكن العالم الآن لن ينظر إلى الإسلام و لن يستجيب لندائه وبخاصة في هذا الزمان - إلى عقيدة مجردة - إلا إذا رأى مصدقها الواقعي في حياة مشهودة..تتطبق فيها أحكام الإسلام و شرائعه المنبثقة من العقيدة الإسلامية و التي تعطى تصور كامل عن حياة الإنسان حسب ما أراد الله لها أن تعيش و فق المنهج الالهى الذي نزل في الشريعة الخاتمة الإسلام. فلابد من إستنئاف الحياة الإسلامية مرة أخرى من خلال دولة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى.
أي لابد من إحياء لتلك الدولة التي واراها ركام الأجيال وغياب التصورات، وعلمانية الأنظمـة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي.. وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى " العالم الإسلامي " !!!

وأنـا أعلم أن المسافة بين بداية المحاولة لإحياء هذه الدولة وبين إعلان قيامها مسافة شاسعة.. فقد غابت الخلافة الإسلامية عن الوجود وعن الحياة دهرًا طويلاً. و تولت قيادة البشرية أفكار أخرى وأمم أخرى، وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترة طويلة. وقد أبدعت العقلية الغربية في هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من الأفكار و التصورات و الأنظمة الفاسدة و الإنتاج المادي وهو رصيد ضخم تنهل البشرية منه، ولا تفرِّط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة ! وبخاصة أن ما يسمى " العالم الإسلامي " يقتله الفقر في التصدي لهذه الأفكار و التصورات رغم أن الإسلام على مرمى يديه و لكنه يرفضه بحجة التطور و المدنية و أن الإسلام من مخلفات الماضي.

ولكن لا بد - مع هذه الاعتبارات كلها - من البداية مهما تكن المسافة شاسعة بين محاولة البداية وبين تسلم القيادة. فمحاولة إيجاد الإسلام بدون العمل لإيجاد دولته هو نوع الكفاح الرخيص الذي لا طائل منه إلا تغيب الأذهان و المفاهيم عن العمل الرئيس لأمة الإسلام. هذا ما يريده الله لهذا الدين.. ولن يكون إلا ما يريده الله، مهما كانت رغبات الناس !

إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء. فالإسلام ليس نظرية بشرية، ولا منظومة وطن، ولكنه عقيدة و نظام، عقيدة إلهية، ونظام للبشرية.. ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تستعبد الإنسان و لا تمنحه حتى الحرية في الاختيار. وحسبه أنه لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع الفاسدة لكي يصل إلى تحرير الإنسان، و يكون كمال حرية الإنسان هي في عبوديته لله هذه العبودية هي التي يتساوي أمامها كل البشر.

و لكن لابد من تجمع فكري تستطيع الأمة من خلاله تطبيق الإسلام على نفسها بداية و من ثم وصولا إلى الهدف الأكبر المتمثل في إقامة دولته. إذا لابد من وجود جماعة تتبنى الإسلام فكرة و طريقة، تتمثل فيها مواصفات الجيل الأول خاصة في فهمه لقضية الإسلام، و الاستعلاء عن جميع النظريات البشرية المستمدة من الواقع و التي يريد أصحابها إلصاقها بالإسلام و هو منها براء. و عدم الانصياع إلى أي حلول مطروحة تخالف طريقة النبي في إقامة دولته، سواء كانت الانتخابات أو العمل المسلح أو الدعوات الإصلاحية التي انتشرت في العالم الاسلامى تحت مسميات مختلفة و الذي تذكر فيه الخلافة على استحياء،و يوضع فيها الإسلام في قفص الاتهام، فعلى الجماعة التي تعمل للإسلام الحذر في الوقوع من ما وقعت فيها باقي الحركات السياسية، و إن التنازل الأول هو أول خطوة في طريق التنازلات الطويل الذي لن ينتهي إلا برفع الصليب أو وضع القلنسوة اليهودية على الرأس.
فهنينأ لمن يعمل لإقامة الخلافة الإسلامية، مهتدياً فيها بطريق النبي الكريم، متمثلاً فيها بخطواته من دار الأرقم إلى وصوله إلى المدينة معلناً إقامة دولة المسلمين على الأرض، فلنعمل و نحن على يقين أن البيان الأول قد اقترب موعده. ( و يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً )


محمود طرشوبي
مسئول فى مشروع الامة - مصر

الاثنين، 27 يوليو 2009

مسلمو تركستان الشرقية بين مذابح الصينيين ، وإهمال العرب والمسلمين

التركستان الشرقية قضية المسلمين المنسية : إنها مأساة إسلامية غابت عن أذهان كثير من المسلمين وهي ترزح تحت الاستعمار الصيني يستلب خيراتها وثرواتها ويغير معالمها حتى اسمها - "سينكيانغ" أي المستعمرة الجديدة.


وقد عانى التركستانيون الشرقيون معاناة شديدة أثناء الثورة الثقافية التي أقامها ماوتسي تونج، ومما يضاعف مأساتها، التجهيل المتعمد لقضيتها وضعف الدعم العربي والإسلامي لأبنائها.



تركستان الموقع والثروات

تبلغ مساحة التركستان الشرقية 000 640 ميلا مربعا (ستمائة اربعون الف ميلا مربعا) وتشمل حوض جونجاراي وحوضي تاريم وتورفان بين جبال طانري وحوض نهر تاريم الذي ينبع من جبال قرة قورم ويصب في بحيرة قرة بوران ونتيجة لوجود هذا النهر الذي يبلغ طوله 1600 كلم فإن الأراضي المحيطة به خصبة وزراعية والتاي وقومول وهي تعادل خمس المساحة الإجمالية للصين اليوم وثلاثة أضعاف فرنسا أكبر الدول الأوربية مساحة وتزيد عن مساحة المجر بسبعة عشر ضعفا وهي في المرتبة التاسعة عشر من حيث المساحة بين دول العالم وتقع التركستان وسط أسيا وتحدها منغوليا من الشمال الشرقي والصين من الشرق و كازخستان وقيرغيزستان وطاجكستان من الشمال والغرب والتبت وكشمير والهند والباكستان من الجنوب وتضم تركستان بين جنباتها صحراء تكلمكان المعروفة بانها المهد الذهبي للحضارة الانسانية، وتشتهر التركستان الشرقية بثرواتها النفطية والمعدنية المتنوعة ويستخرج منها 118 نوعا من المعادن من أصل 148 نوعا تنجها الصين، وتوجد أكثر من ثلاثين منطقة تنتج البترول فيها أكثر من 8 مليار طن من احتياطي، ويتم نقله كله إلى الصين دون إعطاء شيء منه لصالح أبناء البلاد وتبلغ المساحة الكلية التي يستخرج منها الفحم أكثر من 900 ألف كلم مربع من الفحم، ويبلغ احتياطيه هناك أكثر من 2 تريليون طن وهو نصف احتياطي الصين كلها من الفحم والذهب معروف بمناجمه في تركستان منذ القدم ويتم استخراجه حاليا من 56 منطقة إنتاجها السنوي منه 360 كيلو غراما وبها أيضا مناجم الملح والكريتال ومعادن متنوعة ومناجم للحديد الذي يستخرج من أكثر من 550 موقعا والزراعة في التركستان تمتاز بتوفر الإمكانيات المائية الهائلة وخصوبة التربة وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية الوفيرة الإنتاج أكثر من مائة وخمسين الف كلم مربع تنتهبه الصين فلا تدع للايغور منه شيئا مع أنهم مجبرون على العمل في الأراضي كسخرة وبدون أجور معقولة...



دخول الإسلام تركستان الشرقية

وصل الإسلام إلى تركستان الشرقية في وقت مبكر جدا منذ الفتوحات الكبرى على يد قتيبة بن مسلم الباهلي 88-96 هجرية الذي ما أن فرغ من وصل إلى حدود تركستان وفتح أجزاء ولو كانت محدودة منها، ولكن هذا الاتصال بين تركستان والعالم الإسلامي أثمر عن تحول التركستانيون إلى الإسلام في فترة حكم ستوق بغراخان خاقان الامبراطورية القراخانية عام 323 هــ 943 م، وقد اسلم معه أكثر من مائتي ألف خيمة (عائلة) أي ما يقارب مليون نسمة تقريبا وقد ضربت النقود باسم هارون بوغراخان حفيد ستوق بغراخان ووسع رقعة مملكته فشملت أجزاء من التركستان الغربية كما أرتقت البلاد في عهده في النواحي الحضارية المختلفة وكتبت اللغة التركستانية باللهجة الايغورية لأول مرة بالحرف العربي وكانت أوقاف المدارس تشكل خمس الأرض الزراعية وقد تلقب هارون بن موسى هذا بلقب شهاب الدولة وظهير الدعوة ونقش هذا اللقب على النقود التي سكت في عهده سنة 332 هـ - 992 م ولعب القراخانيون المسلمون هؤلاء دورا هاما في نشر الإسلام بين القبائل غير المسلمة ففي سنة 435 هـ 1043 م استطاعوا استمالة أكثر من عشرة آلاف خيمة من خيام القرغيز إلى الإسلام أي ما يقارب خمسين ألف نسمة، واظهروا الخضوع للخليفة العباسي وضربوا العملة باسم الخليفة القادر ودعوا له على منابر بلادهم وعرفت قبائل القرلوق وهم قبائل تركمانية بأنهم كانوا من أوائل القبائل التركستانية الشرقية في الدخول إلى الإسلام ومع ذلك فقد كانت أجزاء أخرى من البلاد لا تزال في الوثنية تحارب الدعوة الإسلامية وتناصبها العداء بدعم من الصينيين ومن أشهر تلك القبائل الكورخانيون (الدولة الكورخانية) ويسمون أيضا الخطل أو القراخطائيون وكان من ابرز زعماء المسلمين الذين تصدوا لهذه القبائل التركية غير المسلمة السلطان علاء الدين محمد الخوارزمي الذي انتصر عليهم في بعض المعارك ومن اشهر المعارك الفاصلة بين الاتراك المسلمين وغيرا لمسلمين موقعة "تراز"- الواقعة الآن في جنوب كزاخستان، وهي المدينة التي انتصر على أبوابها القائد المسلم زياد بن صالح 134 هـ 751 م وساندت الإمبراطورية الصينية الأتراك غير المسلمين بجحافل من القوات الصينية غير أن هزيمتهم وقتل أكثر من خمسين ألف صيني واسر أكثر من عشرين إلفا منهم انهي التدخل الصيني بين القبائل التركية، ولكن بقي العداء تجاه مسلمي تركستان كامنا في قلوب قادة الإمبراطورية الصينية.




سقوط تركستان تحت الحكم الصيني

ظلت تركستان موطنا للأتراك الشرقيون المسلمون، دولة مستقلة لعدة عصور يشهد التاريخ بأنها تم غزوها من قبل الصين واستعمرت بواسطة قوات الإمبراطور عام 1759 م وخلال السنوات التي تلت ذلك قاوم وطنيوا التركستان الاحتلال، وانتفضوا في عدة مناسبات ضد المحتلين وفي سنة 1864 م استطاع الإيغور طرد الصينيين المانشو من تركستان وأقاموا حكومة مستقلة استمرت لعقدين من الزمان وأقامت علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية العثمانية وروسيا وبريطانيا.ولكن الإمبراطورية الصينية استطاعت السيطرة مرة أخرى على تركستان الشرقية في مطلع عام 1880 م معلنة في 18 نوفمبر 1884م أن تركستان الشرقية هي المقاطعة التاسعة عشر للصين وكان ذلك في أوج النصر الإمبراطوري الصيني وأعطاها "تسو تسونج " رسميا الإسم الصيني لها وهو سنكيانج وتنطق اليوم شنج جانوهذا الاسم الجديد معناه الحدود الجديدة او الارض الجديدة في الصين واستمرت مقاومة مواطني تركستان الشرقية. وفي عام 1933 م تواصل جهاد المسلمون لبعث وإحياء دولة التركستان الشرقية و في عام 1944 م نجح نضال المسلمون وحصلوا على الاستقلال واستمر ذلك حتى عام 1949م حينما تحالفت جيوش الروس مع الصينيين واستطاعوا الإطاحة بهذه الحكومة وشددت الصين بعد ذلك قبضتها على تركستان ومنذ ذلك الحين أصبحت تركستان الشرقية سجنا كبيرا لأبنائها وبدأت تنتهك حقوق الإنسان للتركستانيين، بالاعتقال والتعذيب والقتل راح ضحيتها مئات الألوف من الأبرياء الذين تحدوا السلطات الصينية فتم إعدامهم واستطاع الكثير منهم الفرار إلى الدول المجاورة ولكن مئات الألوف من الأسر والنساء والصبيان تم إرسالهم إلى معسكرات الأشغال الشاقة ولتحقيق السيطرة الصينية التامة على البلاد فقد تم إجبارهم على الالتزام بقوانين ظالمة وأجبرت العائلات على تنظيم الإنجاب والقوانين الاقتصادية الجائرة ومن ثم انتقلت الحكومة الصينية من مرحلة ما بعد الاحتلال إلى مرحلة الاستيعاب الكامل للبلاد ففي السنوات التي تلت ذلك قامت بنقل ملايين من ذوي الاثنية الصينية إلى تركستان الشرقية بهدف تحقيق أمر واقع في الديموغرافية السكانية




نماذج لانتهاكات الصين لحقوق المسلمين الإيغور في تركستان الشرقية

1. الاعتقال والإعدام الجماعي : تعتبر تركستان الشرقية التي تسمى من قبل السلطات الشيوعية الصينية منطقة سنكيانغ الإيغورية ذات الحكم الذاتي المنطقة الوحيدة التي تنفذ فيها أحكام الإعدام ضمن حدود الصين وذلك انه ومنذ أحداث الطلبة في بكين في 4 يونيو حزيران عام 1989 م. ولذلك أصدرت منظمة العفو الدولية في أوائل عام 1999 م تقريرا في 92 صفحة عن انتهاكات السلطات الشيوعية الصينية لحقوق الإنسان في تركستان الشرقية. وقد أدانت المنظمة بشدة عمليات القمع والمذابح التي ارتكبتها السلطات الصينية المحتلة بحق الإيغور. وكذلك أدان التقرير السنوي التي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم في القسم الخاص عن الوضع في الصين انتهاكات حقوق الإنسان في تركستان الشرقية. كما أصدرت جمعية الشعوب المهددة التي تتخذ من ألمانيا مقرا لها تقريرا خاصا بخصوص الإيغور أدانت فيه انتهاكات حقوقهم من قبل السلطات الشيوعية الصينية و قد اعتقل أكثر من 10 آلاف أيغوري في تركستان الشرقية خلال الفترة من أوائل عام 2000 م : مارس 2001 م. وكانت التهم الموجهة إليهم : [ الانفصالية، القومية، والنشاط الديني غير القانوني، والإرهاب ]. وحوكم ألف شخص منهم تقريبا أمام المحاكم الصينية حيث أدينوا وحكم عليهم بأحكام متفاوتة من الإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدد مختلفة..

2. انتهاك حرمة الدين والمقدسات : بعد الزيارة التي قام بها إلى تركستان الشرقية رئيس الحزب الشيوعي الصيني جانغ زيمين في شهر تموز يوليو عام 1998 م وأعطى خلالها توجيهات صارمة إلى المسؤلين المحليين بشأن حظر النشاطات الدينية. وقامت السلطات الشيوعية بالتضييق على الإيغور من الناحية الدينية وذلك بإنشاء مراكز للمراقبة والتنظيم يتم من خلالها الإشراف المباشر على المساجد وعلماء الدين والتحقيق مع الإيغور الذين يترددون على المساجد للصلاة واعتقالهم بتهمة "العمل الديني المحظور" وفرض غرامات مالية عليهم بقصد إبعادهم عن المساجد. كما قامت بهدم بعض المساجد وتحويلها إلى مراكز حكومية ومنع الايغور من أداء شعائرهم الدينية العادية، وعلى الرغم من عدم وجود أية مادة في دستور الصين الأساسي ودستور الحكم الذاتي تمنع الموظفين والعاملين في الدوائر الحكومية من أداء شعائرهم الدينية إلا أن السلطات تحظر على الموظفين وحتى العاملين العاديين ممن لا ينتمون للحزب الشيوعي القيام بأية نشاطات دينية، وحسب ما نشرته صحيفة "خوتان" الصادرة من قبل الحزب الشيوعي في 30 / 10 / 99 م فقد طردت هورنسا محمد ترسون الطبيبة في المستشفي البيطري في بلدة تشيرا بمنطقة خوتان عن عملها بسبب قيامها بأداء الصلاة مرة أو مرتين فقط وذلك بتهمة "القيام بنشاط ديني محظور" و تولت مديرية الأمن التحقيق معها.

3. تغيير التوزيعة الديمغرافية وإحلال قوميات أخرى محل القومية المسلمة وفوق أراضيها، وكان عدد الاقليات العرقية المختلفة في التركستان الشرقية عند احتلالها من قبل الجيوش الصينية عام 1949 م لا يتجاوز ستمائة ألف نسمة من الصينيين والمنشوريون والشيوه والمغول فكانوا لايشكلون أكثر من نسبة 6% من السكان، يستهدف إسكان ما يزيد عن 200 مليون صيني بالتركستان الشرقية كما صرح به أمين عام الحزب الشيوعي السابق هيو ياو بانج وإذا كان عدد الإيغور سكان تركستان الشرقية اليوم في حدود 12 مليون إلى 16 مليون حسب بعض التقديرات حيث هرب الكثير من التركستانيون بدينهم إلى الخارج بعد أن ازداد اعلان الحرب على الاسلام شراسة وقسوة على المسلمين فان مجموع الايغور هؤلاء سيصبح لا يساوي شيئا أمام مئات الملايين التي تخطط الصين لإسكانهم في المنطقة وبذلك يحدث التغيير الديموغرافي الذي لايمكن تغييره حتى ولو نجح التركستانيون يوما في حربهم ضد الاحتلال الصيني ووجب أن يذكر أن عدد الصينيين في تركستان قد تجاوز بالفعل الستة ملايين نسمة منذ عام 1992 م – مما يعني أن قضية تركستان حلها أصعب آلالاف المرات من حل القضية الفلسطينية، وتحتاج إلى دعم إسلامي منقطع النظير حتى ينال المسلمون حقوقهم.

4. الاستيلاء على ثروات البلاد ونهبها بل وإفساد بيئتها وقد أجرت الصين حتى الآن 48 تجربة نووية في تركستان الشرقية. وقد أدت هذه التجارب إلى تلوث البيئة وإصابة مئات الآلاف من الايغور بأمراض وبائية.





لماذا تحدث الاشتباكات بين القوميات المختلفة في الصين

هناك سياسة واحدة للدول الاستعمارية والتي تأمل في أن تنهي أي تمرد في مستعمارتها، وإحالتها إلى أجزاء خاضعة بشكل تام ثم تتحول تدريجيا إلى مدن خاصة للمستعمر – تقوم هذه السياسة على جناحين :

1. التهجير ونقل القوميات وتشيتيتهم بحيث ينقل كل من يسبب مشكلات والعناصر الوطنية والمؤثرة إلى أراضي غير أراضيهم، ليعانوا من الغربة والحاجة، والضعف بعيدا عن الوطن الأصيل، ولنموذج الروسي واضح في ذلك حيث تم تهجير ملايين المسلمين من بلدانهم إلى سيبريا، وغيرها، وفي المرحلة الثانية يتم نقل عدد كبير منهم إلى إلي مدن ومقاطعات بين عن مدنهم الأصلية ويمثلون فيها أقلية والناظر لما آل عليه الوضع في أسيا الوسطى يرى دليلا واضحا على ذلك حيث صارت دولها هيجنا بين أصحابها الأصليين والقوميات التي زرعها المحتل بين أراضيها.

2. التوطين لقومية المستعمر مكان الشعوب المهجرة تمهيدا لإذابة القومية المحتلة [ مهجرة، أو مقيمة ] في قومية المحتل وعاداته وتقاليده وسلوكه.وتضرب قومية [المانشورية ] المثل الواضح في ذلك، فهي التي حكمت الصين قرونا عديدة قد تحولت إلى قومية ليس لها في الواقع إلا اسمها، وذلك أنها قد تماشت مع الثقافة الصينية، وأضاعت هويتها القومية منذ زمن بعيد، ولو عاشت هذه القومية في مانشوريا، متعلقة بثقافتها وعاداتها الموروثة عن أجدادها، ولم تتفرق في أنحاء الصين لاستطاعت المحافظة على كيانها القومي كالتبتيين والتركستانيين.
والواقع في الصين يشهد أن :المناطق التي لم تتعرض للاستيطان إلا بقدر محدود ؛ المشاعر الدينية والقومية فيها أقوى وأشد بكثير عما هو عليه في المناطق التي يستوطن فيها الصينيون بكثرة.

والفارق كبير في المشاعر الدينية والوطنية بين المناطق التي يستوطن فيها الصينيون بكثرة وبين المناطق التي لا يستوطن فيها إلا عدد محدود من الصينيين في تركستان الشرقية. فمثلا: إذا نظرنا إلى الوضع في مدينة اورومتشي وهي من إحدى أكبر المدن التي يستوطن فيها المستوطنون الصينيون بكثرة نجد أن الثقافة والتقاليد الصينية بدأت تغلب على الكثير من الايغور حيث أن بعضا من الشباب الايغور أصبحوا يرون لبس الملابس الوطنية عارا ورمزا للرجعية والتخلف، ويشمئزون من الايغور الذين يأتون من المناطق الجنوبية في تركستان الشرقية للتجارة في المدينة، ويرتاحون أكثر في التعامل مع الصينيين المتحضرين، وكذلك لا يمكن التمييز بين بعض من الفتيات الايغوريات والصينيات بسبب التشابه في المكياج والملابس، وهذه دلائل حية وخطيرة على سياسة التذويب الإجتماعي، وعلى العكس من ذلك نجد أن الوضع يختلف تماما في المناطق التي يوجد بها عدد قليل من المستوطنين الصينيين كمناطق كاشغر وخوتان حيث أنه يمكن معرفة مدى قوة المشاعر الدينية والقومية في هذه المناطق من تركستان الشرقية.

ومع استمرار سياسة التهجير، والإحلال وإدخال قوميات أخرى لمدن المسلمين في تركستان بدأت الحكومة الصينة تستغل أي خلاف ولو بسيط ينشا بين هذه القوميات المختلفة لتصوير المسلمين الإيغور وكأنهم سفاحون ومصاصوا دماء وإرهابيون وتسعى جاهدة لاستغلال الاحداث في زيادة الضغط على المسلمين وتقوم بمناصرة القوميات الأخرى بعنف بالغ والأحداث الأخيرة شاهدة على ذلك، وقد شعرت المنظمات والجماعات الايغورية في الخارج بهذا الخطر منذ زمن بعيد ولذلك قامت باتخاذ خطوات إيجابية بهذا الشأن، فقد أدرجت كافة المنظمات الايغورية في أنظمتها الأساسية مايلى: "إن عدو الشعب الايغورى ليس الصينيين عموما بل عدوهم الوحيد هو سلطات الاحتلال الشيوعية الصينية ولذلك يتم التعاون مع كافة الجهات الديمقراطية الصينية التي تحترم حق شعب تركستان الشرقية في تقرير مصيره بنفسه.

وفي الواقع فان السلطات الصينية ومن أجل تحويل المستوطنين الصينيين في تركستان الشرقية إلى قوة احتياطية لها تقوم بالدعاية المضلة لشأن وأهداف الحركات الوطنية وذلك برفع شأن من يلقي من الصينيين مصرعه أثناء بعض الاشتباكات والاضطرابات القومية في تركستان الشرقية والتحريض على العداوة بين المستوطنين والسكان المحليين.

وإذا ضربنا مثالا على ذلك بثورة غولجا عام 1997 م فقد قتل أثناءها أكثر من مائة ايغورى وقامت السلطات بعمل محاكمات وأصدرت عددا من أحكام الإعدام بحق الإيغور، ولم تذكر السلطات الصينية ولو مرة في بياناتها الداخلية أو الخارجية شيئا بشأن الايغور الذين لقوا حتفهم أثناء ثورة غولجا بل على عكس ذلك تماما فقد قامت بخداع المواطنين الصينيين والرأي العالمي بالإدعاء بأن المئات من المواطنين الصينيين قتلوا بوحشية من قبل القوى القومية الانفصالية الإيغورية بينما قتل من الإيغور عشرات الأضعاف، ولا بواكي لهم.

ففي كتاب "تاريخ كفاح سنجيانغ ضد القوى الانفصالية القومية" الذي نشر العام الماضي من قبل مكتب الدراسات الأكاديمية التابعة للحزب الشيوعي في إقليم سنجيانغ ذات الحكم الذاتي ووزع سرا داخل الحكومة المحلية قدر عدد الصينيين الذين قتلوا أثناء ثورة غولجا بسبعة أشخاص في حين قدرت وسائل الإعلام العالمية عدد القتلى الايغور في هذه الحادثة حوالي 400 شخص ومع ذلك اتهم المسلمون بأنهم السفاحون القتلة فقد أصبحت الآن حوادث العنف الجماعية التي ينفذها المستوطنون والجنود معا ضد الايغوريين بتحريض من السلطات في ظلمات الليالي في منطقة غولجا ظاهرة عامة حيث أنه وبدلا من التحقيق أو القبض على المسؤلين عن مثل هذه الحوادث تقوم السلطات الصينية بالتحقيق أو إلقاء القبض على الإيغور الذين دافعوا عن أنفسهم وذلك بتهمة "الانفصالية".


وماذا بعد

مما مر نعرف أن القضية التركستانية ليست مجرد قضية أقلية سكانية في بلد كبير بل هي قضية بلد نهب وسرق من أصحابه الأصليين، وتم الاستيلاء على ثرواته ومسخ هويته، ومنع لغتهم الأصلية، والاستهانة بمشاعرهم الدينية واتهامهم بالإرهاب خصوصا بعد أحداث سبتمبر 2001 م فقد وجدت الصين غطاء دوليا على جرائمها في حق المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب الإسلامي، وإسكان أرضه لغير أصحابها حتى أصبح أصحابها أقلية فيها، وتعريض أصحابها لكافة أنواع التنكيل والهوان، والتعذيب رغية دفعهم للفرار من أرضهم، أو الذوبان في شخصية المحتل، وتشبيه قضية المسلمين في تركستان بقضية المسلمين في فلسطين هو أقرب المثل للدلالة على صعوبة الوضع هناك وإن كان الوضع في تركستان أصعب بنسبة كبيرة مع ضعف الدعم العربي والإسلامي لقضيتهم وتخيل إذا كانت إحدى الدول العربية والإسلامية الكبرى وهي مصر تعجز عن فتح معبر هو شريان الحياة لعبور الطعام والوقود لإخوانهم في فلسطين فهل نتصور منهم دعما لتركستان البعيدة عنهم، والتي ربما لا يعرف ساستهم اسمها فض عن معرفة موقعها ومكانها، ويبقى أن بقاء القضية حية هو بحيوية أبنائها ودفاعهم عنها، ومازالت الشيشان حية في الوجدان الإسلامي ببطولات أبنائها، والإيغور ليس أقل بطولة من الشيشان، ويبقى دور العلماء والحركات الإسلامية، والشعوب الحية التعريف بالقضية، وتقديم كل دعم ممكن لأهلها حتى يأذن الله بقتح من عنده، ولعل في مستقبل الأيام ما يعجل بذلك.


محمد سيد قطب
أوزبكستان المسلمة
تاريخ النشر :17 يوليو, 2009 م

الجمعة، 24 أبريل 2009

هل ستكون لك بصمة؟

الحمد لله حمدا حمدا، والصلاة والسلام على الحبيب دائما أبدا... الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً،

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً سرمدين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد:

عباد الله: عندما نرى واقعها المرير وانحدارها السريع...


عندما نتأمل حالها وما آل إليه أمرها من ذل وهوان وتخبط وضياع...
وعندما نراها تُقاد بعد أن كانت تقود...
عند ذلك يعترينا الألم وتعتصرنا الحسرة لوضعها البائس.. فنحاول جاهدين للتغيير شرط أن يكون تغييرا شرعيا صحيحا، فنبرأ الذمة ونعتق رقابنا من ميتة الجاهلية. قال صلى الله عليه وسلم: (...وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ ‏بَيْعَةٌ ‏مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) رواه مسلم
لنعيد لأمتنا نبضها من جديد، فنحاول ولو بترك بصمة يكون لها أثر كبير في سبيل التغيير... فلكل منا بصمته الخاصة والمميزة وموهبة يتفرد بها عن من حوله.. ويتكامل ذلك إن سخره لخدمة الدين وتغيير الأمة نحو ما ارتضاه الله لها أن تكون عليه، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران 110
وهذا يعني أن هذه الأمة أرادها الله أن تقود الأمم الأخرى، وتحمل لها الرسالة، وتوجه العالم لتنقله من الظلمات إلى النور.
ولكنا نراها اليوم ممزقة مغلوبة ذليلة مقلدة تلهث وراء الأمم الكافرة ألا يؤثر فيك، أيها المسلم، هذا الواقع المخزي، ألا يحرك فيك شعور المؤمن ونخوة المسلم، لترفض ما أراده لك الكفار، وتسعى لتتبوأ المنزلة التي أرادها لك الله، واسطة العقد وقائدة الأمم: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ البقرة 143
عباد الله: اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل، والله سائلنا عن ما استرعانا واستخلفنا فيه، فما الذي سنتركه من أثر بعد رحيلنا؟ وأين هو ما غيرناه في هذه الحياة الدنيا؟ هل حاولنا أن تغذ السير نحو التغيير الجذري لهذه الأمة المنكوبة لنرتقي بها وبالعالم أجمع؟ هل بلّغنا رسالة ربنا بالطريقة التي أمرنا بها عز وجل؟
كي يكون الأثر باقٍ وليغيير الكثير من بعدنا لابد أن يكون لنا هدف سامٍ نعيش من أجله ونموت عليه بعد أن نقوم بكل ما بوسعنا في تحقيقه، فنترك تلك البصمة التي ستُحفر في صحائفنا أولاً ثم تُغيّر ملامح الدنيا ثانياً، ونذهب عن الدنيا مخلفين وراءنا أثراً باقٍ يغيّر الكثير من بعدنا ويذكروننا به..
ولو تأملنا في سير سلفنا الصالح لرأينا أن أهدافهم كانت كثيرة ومتجددة فكلما وصلوا إلى هدف طمحوا إلى غيره إلى أن وصلوا إلى القمة وانتهت رحلتهم هناك لكن بقيت آثارهم وما غيروه خالدا ومشهودا لهم حتى يومنا هذا..
وقبل كل هذا كان ديننا الحنيف الداعي الأول للتخطيط وتحديد الأهداف، فقد خلق الله تعالى الإنسان لهدف وغاية واحدة خلقنا لعبادته واستخلفنا في الأرض لعمارتها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56
الهدف هو دوماً احدى عوامل النجاح، فمن لا يضع هدفاً يسير باتجاهه سيتخبط خبط عشواء في كل الاتجاهات ليصل إلى لا شيء، ويبتلع الفشل سنين عمره التي مضت هباءً منثوراً.
فهذا الحسن البصري رحمه الله يقول: (أرى أن الإسلام يوم القيامة ينظر في وجوه الناس ويقول: هذا نصرني، وهذا خذلني، هذا نصرني، وهذا خذلني... حتى يرى عمر بن الخطاب فيأخذ بيده ويقول: يا رب لقد كنت غريبا حتى أسلم هذا الرجل).
يا الله... هذا هو الفاروق
هذا هو عمر رضي الله عنه ترك الدنيا وراءه وقد عمّرها بالعدل والحق، حمل هم الأمة جميعا، عمر الذي شهد له أعداءه بعدله وزهده، وشهدت له البشرية جمعاء بالخيرية، يقف الاسلام شاهدا على بصمته وأعماله ومواقفه للاسلام ونصرة أهله، وكفى بالله شهيداً وهو خير الشاهدين.
فانتبه يا عبد الله:
إن موقف الحشر موقف مكروب ذليل يثير الفزع والخوف، فما ظنك بمن يؤخذ بناصيته ويقاد، وفؤاده مضطرب، ولبه طائر، وفرائصه ترتعد، وجوارحه تنتفض، ولونه متغير، ولسانه وشفتاه قد نشَفا، وقد عضّ على يديه، وضاقت عليه أرض المحشر كأضيق من سَمّ الخِياط، مملوء من الرعب والخجل من علّام الغيوب، وقد أتي يتخطى رقاب الناس ويخترق الصفوف، يُقاد كما يقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليه أبصارهم حتى انتهِيَ به إلى عرش الرحمن، فرموه من أيديهم، وناداه الواحد الديان فدنى بقلب محزون خائف وجل، وطرف خاشع ذليل، وفؤاده متحطم متكسر، وأعطي كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فكم من حكم بما أنزل الله عُطّل وهو ساكت عنه فتذكّره، وكم من منكر رآه فلم ينكره، وسفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: "إني لأرى المنكر فلا أتكلم، فأبول دمًا"، رحمه الله تعالى اشتغل بإنكاره واهتم له، فصاحبه في أكله وشربه، ونومه وقعوده وفي كل شؤونه؛ حتى بال الدم من شدة الهَمِّ والغَمِّ لوجود هذا المنكر. وكم من صرخة "وا معتصماه" خرجت من أفواه نساء المسلمين في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان والشيشان فكان عنها أعمى وأصم، وكم من أعراضٍ انتهكت تحت سمعه وبصره فلم يفكر في نصرتها وقال لا أسمع لا أرى لا أتكلم، وكم وكم وكم... فليت شعري بأي قدم يقف بين يدي الله، وبأي لسان يجيب، وبأي قلب يعقل ما يقول، وبأي يد يتناول كتابه، بل وبأي عين ينظر لرب العالمين.
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) مريم 95
عباد الله:
ما كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه أن يفرّ منه الشيطان لولا جرأته في قول الحق ولو كان مراً.
وما كان لصهيب الرومي رضي الله عنه ان ينال وسام قول النبي صلى الله عليه وسلم له: "ربح البيع ابا يحي" لولا تضحيات جمّة عظيمة.
وما كان لسمية رضي الله عنها أن تشم رائحة الجنة لولا ثباتها على الحق في وجوه الظلمة.
وما كان لانس بن النضر رضي الله عنه ان يبرَّ الله بقسمه لولا ثباته على تقطيع قريش لجسده الطاهر.
وما كان بلال رضي الله عنه لينال شرف السيادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بلال سيدنا" لولا صبر على رمضاءٍ حمها اذاب ظهره.
وما كان لسعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن يهتز عرش الرحمن لموته، لولا نصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) محمد 7
وخلف من بعد ذلك الخلف الكريم خلف أضاعوا دين الله واحتكموا الى شرعة الطاغوت، فتآمروا على المسلمين وفرقوا جماعتهم ومزقوا بلادهم الى دويلات كرتونية تحول دون وحدتها وعودتها من جديد تحت كيان دولة واحدة وامام واحد، فلم تعد الارض تحكم بالاسلام وشرع الله غائب ومعطل، فلا جهاد ولا فتوحات ولا تطبيق لاحكام الاسلام، وتاه المسلمون في مشارق الارض ومغاربها يبحثون عن مخرج أو ملجأ أو مُدخلا. فعربد الكافر في بلادنا وصال وجال، وما استأسد البغل إلا لما خبت رؤوس الضياغم، وعاثوا في الارض فسادا وتقتيلا وسامونا سوء العذاب، فذبحوا أبنائنا واستحيوا نسائنا ومسّنا بذلك عذاب أليم. وتخبط بعض الشباب في دوامة من الضياع في أمواج متلاطمة، ضاعت أهدافهم وسادت التفاهات والسخافات فاحتلت أولوياتهم، وأصبح العبث بعقول شبابنا وحرفهم عن الطريق السوي هدفهم وتصدرت دور الأزياء والموضة همومهم، ثم غدا تحدي الأصوات بالغناء والرقص في المحافل شغلهم الشاغل فضاعت بيت المقدس ولحقتها أفغانستان والشيشان ودجلة والفرات ولا ندري أين المصيبة ستكون غداً.. فأصبحت الأمة في حالة من الضعف والهوان، وكل ذلك أن ولي أمرنا حكام لا يستنون بسنتة المصطفى عليه السلام ولا بهديه، أضاعوا الدين واتبعوا الشهوات، فكانوا للمخلصين العاملين لاعادة عزّهم ومجدهم خصيما مبيناً.
ومن بين أطلال هذا الضياع واليأس وسيادة الصمت ما زال في الأمة الخير الكثير من شباب آخر صاعد بهمة متوقدة وعزيمة مشتعلة تتوق للأمجاد وتسعى إلى الانتصارات، فنفوسهم موصولة بالجنان، وضعوا بصماتهم في مشارق الأرض ومغاربها، أرّقوا حكامهم الخونة ومن وراءهم قادة الغرب، يسعون للتحرير من هيمنة شرعة الطاغوت والانعتاق من ربقة الكافر المستعمر، وحكم العالم ولا أقول الأمة الاسلامية فقط، العالم أجمع، حكمه بالاسلام لنعود منارة الدنيا، وبيضة القبان.
هكذا ارتضى الله سبحانه وتعالى لنا أن نكون أيها الناس، فأنتم لستم شعباً يتيماً، بل أنتم جزء عريق كريم من أمة عظيمة كريمة، هي خير أمة أُخرجت للناس، وهي أمة قادرة على التحرير وعلى ما فوق التحرير، ألا وهو تحقيق السعادة للبشرية جمعاء من خلال مبدأ الإسلام العظيم. فاعملوا لتكونوا شركاء في تحقيق وعد الله تعالى وبشرى رسوله الكريم (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، فإن خليفة المسلمين هو الذي سيقود جحافل الفتح والتحرير قريباً بإذن الله تعالى وسيضع بصمة الأمة على سطح الأرض برّها وبحرها ومشارقها ومغاربها، وما ذلك على الله بعزيز.
فكن أخي المسلم ممن يضعون بصماتهم في تغيير هذه الحقبة الزمنية العسيرة، وليسبق عملك فكر واع على الاحكام الشرعية ووعي سياسي يرعى شؤون أمته كي لا يقطف ثمار بصماتك أعداء الأمة. وانفض عنك أخي المسلم غبار اليأس وثق بأنك إن كنت مع الله كان الله معك: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾.
واخلع عنك رداء الأنانية واعلم أن مصلحتك الحقيقية هي بالتضحية في سبيل الله ما عندكم ينفذ وما عند الله باق.
واقلع عن كل تبعية لأي فكر غير الفكر الإسلامي وتحدَّ أفكار الكفر ولا تسكت: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
لا تبقَ وحيداً في عملك، بل لا بد أن تضع يدك بيد الفئة المؤمنة العاملة معاً فالعمل الفردي لا ينتج: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. والعَمَلْ لا يكون لأجل العَمَل فقط، بل لأجل تحقيق غاية واضحة محدَّدَة كما اسهبنا وهي إعادة الإسلام إلى واقع الحياة.
فاختر لنفسك أخي المسلم، إما أن يُشير إليك الاسلام يوم القيامة فيقول يا رب: هذا خذلني!! أو يقول: يا رب هذا نصرني!!!
إما أن تعيش بلا معنى أو غاية، وتكون مجرد زيادة عدد في هذه الدنيا، ليس لديك هدف ولا إنجاز، فتذهب عن هذه الدنيا وكأنك لم تكن، بل زدت رصيد سيئاتك ضغثا على ابالة، أو تعيش بهدف سامٍ وغاية نبيلة، تسعى لاستئناف الحياة الاسلامية من جديد بإقامة دولة الخلافة الاسلامية، فتكون كعمر وسعد وخالد وصلاح الدين، أؤلائك الأخيار الأبرار الذين حُفرت بصماتهم في تاريخنا حفرا إلى يوم الدين، وعندها ان مت تكن آثارك بيّنة وبصمتك واضحة.. وسيرتك محمودة عطرة تتخللها رحمة يرسلها إليك داعٍ لك ممن يذكرونك وأنت تحت التراب والجنادل، وقد انقطع عملك وصرت بين يدي الله عز وجل يسألك عن شبابك فيم ضاع وعمرك فيم أفنيته... وقل اعملوا وتيَقنوا فلسوف يَحصُدُ من بَدَر.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) التوبة 105

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم عبد الرحمن المقدسي (تراب)

الخميس، 18 ديسمبر 2008

مع القرآن الكريم: من مقدّمات الاستخلاف والتمكين



بسم الله الرحمن الرحيم

(تهيؤ الأجواء)
إن النصر والتمكين هو ابتداءً منّةٌ من الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، وهو جائزة عظيمة لأهل الصبر والثبات، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) [القصص 5-6 ].
وهو مقدمةٌ لحمل الأمانةِ الربانيةِ -أمانةِ وحي السماء- قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء 73] قال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: «أئمة أي قادةً في الخير ودعاةً إليه، وولاةً على الناس».
ولا بد من مقدّماتٍ اشترطها الحق تبارك وتعالى لحملِ هذه الأمانةِ الغاليةِ العظيمةِ الجليلة؛ (وحي السماء أمانة) وهي نفسُ المقدماتِ التي اشترَطها الحقُّ تعالى على أتباعِ الأنبياءِ والرسلِ قبلَ النصرِ والتمكينِ والاستخلاف، فما هي هذه المقدّماتُ التي تسبقُ حمل الأمانة؟!
وقبل الإجابةِ عن هذا السؤالِ، أقولُ إن الأمانةَ اليومَ ليستْ نبوّةً ولا رسالةً جديدة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد ختمَ النبوّةَ والرسالةَ بسيدِ المرسلينَ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، (إنها الاستخلافُ في الأرض)، وهي ميراثُ النبوّة، ووظيفةُ الأنبياءِ الأصفياء، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور 55] وقال: (يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص 26]، وقال عليه الصلاة والسلام: «كانتْ بنو إسرائيلَ تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هَلك نبيٌّ خلفه نبيّ، ألا وإنّه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء... » الحديث، وقال: «العلماء ورثةُ الأنبياء... ».
وإن مقدّماتِ الاستخلافِ في الأرض لحملِ أمانةِ وحي السماءِ بعد الأنبياء قد بيّنها الحق تبارك وتعالى ورسولُه عليه الصلاة والسلام وهي:
أولاً: الإيمانُ الصادقُ الخالصُ لله تعالى. قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر 51] وقال: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم 47].
ثانياً: العملُ الصالح المنبثقُ من هذا الإيمان الراسخ . والعمل الصالح هو علامةُ صدقِ الإيمانِ في العقلِ والقلب، فهو أمارةٌ على صدقِ الإيمان، فهو من مقتضياتِ هذا الإيمانِ ولوازِمه التي تظهرُ على عبادِ الله المؤمنين. قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنفال72].
ثالثاً: الاختبارُ والتمحيصْ: قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة 214]. وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: «قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».
وعلامةُ النجاح في هذا الامتحانِ هو الصبرُ والثباتُ على الحقّ دون تغييرٍ ولا تبديل، ولا اتباعٍ للهوى والشهوات، ولا نظر إلى متعِ الحياة الدنيا، فإذا ثبتَ المسلم على البلاءِ والعذاب والمضايقةِ بسبب الإيمان والعملِ الصالح، فإن الله تعالى ينظرُ إليه بعينِ الرحمةِ والقبولِ في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا بالتمـكـينِ والاســتخلافْ، وفي الآخرة بالجــزاء الأوفى في جـنات الخُــلد. قـــال تعـالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام 34].
رابعاً: تهيؤُ الأجواءِ لاحتضانِ أهل الإيمان والصبرِ والصدق والإخلاص . فلا بدّ من وجود حاضنةٍ تحتضنُ أهل الإيمان والتقوى، وهذه هي بدايةُ الجائزةِ من الله تعالى في الدنيا، حيث يُكرم الحقّ تعالى أولياءَه بأنصارٍ مخلصين يحبّون أهل الإيمان ويناصرونَهم على هذا الإيمان ويسيرون في ركابه. ويصبح الإسلام والاستخلاف في بلادهم رأياً عاماً نابعاً من وعي عام على الإسلام والاستخلاف على أساسه. فقد هيأ الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه بعد رحلةِ اختبار وابتلاء وامتحان وصدقٍ وصبرٍ وثبات، هيأ لهم حاضنةً طيبةً في أرض(طيبة)، احتضنتْ الرسولَ والمؤمنينَ، وناصرتهمْ وسارتْ معهم في طريق الحق.
قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر 8-9].
ولا بدّ من وقفةٍ قصيرةٍ عند مسألةِ التهيؤِ والاحتضان. فالدعوةُ لا بدّ لها من هذه المرحلةِ لتحصلَ النصرةُ والتمكينُ، وهي مرحلةٌ تسبقُ مرحلة النصرةِ لاستلامِ الحكم، ونقصدُ بالتهيؤِ والاحتضانِ وجودُ جمهرةٍ وحشدٍ من شبابِ الدعوةِ بحيثُ تبرزُ في المجتمع، ويكونُ لها وجودٌ ملحوظٌ بين الناس، ووجودُ رأيٍ عامٍ لفكرةِ الدعوةِ وعلى رأسها تطبيقُ الإسلام تطبيقاً انقلابياً شاملاً في كافّةِ مناحي الحياةِ عن طريق دولة الإسلام، وهذا الرأيُ العامُ يُشترطُ أن يكونَ نابعاً من معرفةٍ وفهمٍ، أيّ عن وعيٍ عامّ على أفكارِ الدعوةِ الرئيسيّةِ، وليسَ مجرّدَ مشاعرَ جيّاشةٍ تبرزُ وتنتهي بسرعة.
وكذلك بروزُ الاستعدادِ لدى الناس للوقوفِ بجانبِ حملةِ الدعوةِ. وقد طبق ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلَ طلبِ النصرة لإقامةِ الدولة؛ أي قبلَ البيعةِ الثانية، بإرساله مُصعبَ (رضي الله عنه)، لمدّةِ عامٍ كامل إلى المدينة فعملَ على تهيئةِ الأجواء وإيجاد الرأيِ العام والاستعدادِ للوقوفِ بجانبِ الدعوة.
خامساً: النصرة والتمكين. وهذه هي المرحلةُ الأخيرةُ بعد تهيؤ الحاضنةِ في أرض الله، حيثُ يمنُّ الله تعالى على المؤمنينَ بأهلِ القوّةِ والمنعةِ من أبناء هذه الحاضنةِ، فينصرونَ دينَه، ويمكّنونَ لأهل الإيمان المخلصين، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال 26].
إن الناظرَ في أحوال حمل الدعوة يرى انطباقَ المقدّماتِ التي تسبقُ نصرَ الله وتمكينَه انطباقاً تاماً على المؤمنين بها، حيث آمنوا بالله رباً وبمحمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً ورسولاً، ووقفوا وسْطَ الشركِ والصّدِ عن سبيل الله صامدين ثابتين رغْمَ كلّ ألوانِ القهر والجبروتِ والتسلط والتعذيبِ الذي يعجزُ اللسان عن وصفِه؛ وقفُوا لا تلينُ لهم قناةٌ، ولا تفترُ لهم همّةٌ، ولا ينحني لهم رأسٌ ولا جذعْ، وسطّروا بصبرِهم سيرة أتباعِ الأنبياءِ السابقين من أنصار عيسى عليه السلام عندما نُشّروا بالمناشير وحمّلوا على الخشبْ، وسيرة أنصارِ موسى عليه السلام عندما ذبّحَ فرعونُ أبناءَهم واستحيا نساءَهم، وسيرة أصحابِ الأُخدودِ الذين أُحرقوا في النيرانِ ذات الوقود، وسيرةَ صحابةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كبلالَ وخبابَ وعمارَ وياسرَ وغيرِهم.
نعم، لقد آمنت هذه الثلّةُ الطيّبةُ إيماناً طيباً، وعملت عملاً صالحاً بحملها لهذه الأمانةَ لتمكينِها في الأرض بالاستخلاف.... وثبتوا وصبروا على ذلك، وها هي المكرمةُ الربانيّةُ قد بدأتْ تتنزلُ عليهم بامتدادِ الدعوةِ وقوّتها وكثرةِ أنصارها لتتهيأ الحاضنةُ الكبيرةُ في أي أرض الله شاء.
لقد بدأتْ الدعوةُ تقوّى وترسّخُ أركانُها في هذه الأرضِ، ولن يطولَ الزمانُ حتى تتهيأ هذه الحاضنةُ تهيؤاً يقدّمُ للنصرةِ والتمكينِ بإذنه تعالى. تماماً كما تهيأتْ أرض المدينةِ لرسولنا عليه الصلاة والسلام ولأصحابه الغرّ الميامين.
وفي الختام نسألُه تعالى أن يعجّلَ بالفرجِ القريبِ في كلّ أرجاء الأرضِ بقيامِ خلافةٍ راشدةٍ على منهاجِ النبّوةِ يرضى عنها ساكنُ الأرضِ وخالقُ السماوات والأرض، ويفرح بها المؤمنون.
(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم 4-7].

أبو المعتصم - بيت المقدس

المصدر: مجلة الوعي

السلطان محمد الفاتح «نعم الأمير أميرها»


بسم الله الرحمن الرحيم


في تاريخ الأمم العظيمة ملاحم وبطولات تبقى على مر الدهور علامات بارزة ونقاط تحول في حياتها، لها ما بعدها. هذه الملاحم والبطولات صنعها قادة أفذاذ ورجال عظام، ولكنها لم تكن صنع فرد بعينه، وإن كان دور القائد هو الأول دائماً، وتخطيطه وعبقريته لهما شأنهما في الملحمة أو الحدث، فالملاحم والبطولات هي صناعة أمة عظيمة، وصناعة قادة عظام من أبناء هذه الأمة.

لقد كان فتح القسطنطينية نموذج لما نقول، فهو ملحمة خالدة للخلافة الإسلامية العثمانية، وملحمة خالدة لجيش الخلافة الإسلامية بعامة، وللسلطان محمد بن مراد "الفاتح" بخاصة؛ ومن هنا نفهم ثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الفاتحين قائداً وجيشاً.
القسطنطينية هي عاصمة هرقل التي بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتحها، بناها قسطنطين الأول، أحد أباطرة بيزنطة سنة 330م، وسماها باسمه، وجعلها عاصمة للإمبراطورية البيزنطية، إحدى أعظم دولتين من الدول النصرانية. اعتنقت المذهب الأرثوذكسي، وآلت إليها زعامة الكنيسة الأرثوذكسية أو الكنيسة الشرقية كما كانت تسمى. وروما هي عاصمة الدولة الرومانية -الغربية- اعتنقت المذهب الكاثوليكي، وآلت إليها زعامة الكنيسة الكاثوليكية أو الغريبة.


لقد جمعت القسطنطينية إلى جانب الأهمية الدينية عند النصارى أهية استراتيجية عظيمة، فهي إحدى البوابات التي عبرت منها جيوش الخلافة الإسلامية، وكانت ممراً لها لفتح البلقان، والتقدم حتى أسوار "فينا" عاصمة الإمبراطورية النمساوية، وهي مدينة حصينة تحيط بها البحار من ثلاث جهات: مضيق البوسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي، وكان هذا الأخير يشكل أحد مداخلها، ولكنه كان محاطاً بسلاسل حديدية ضخمة، وكان البيزنطيون يقفلون مدخل القرن الذهبي بهذه السلاسل، كلما اشتموا رائحة خطر على عاصمتهم.
إضافة إلى هذه الحماية الطبيعية من البحر، أمام البيزنطيين حول المدينة خطين من الأسوار، السور الخارجي وبيلغ ارتفاعه خمسة وعشرين قدماً، وعليه أبراج مملوءة بالجند، ويعد هذا السور هو خط الدفاع الأول عن المدينة، وبعد هذا السور أرض فضاء عرضها ستون قدماً، جعلت على شكل خندق، وبعد هذا الخندق سور ثان أعلى من الأول ارتفاعه أربعون قدماً، وعليه أبراج مليئة بالجنود، يصل ارتفاعها إلى ستين قدماً، ويشكل هذا السور خط الدفاع الثاني عن المدينة. إضافة لكل هذا فقد جمع فيها البيزنطيون كل مظاهر الأبهة والعظمة التي تليق بها كعاصمة، وفيها على سبيل المثال كنيسة آيا صوفيا الشهيرة.
وباختصار فقد جمعت القسطنطينية كل مظاهر العظمة، من الأهمية الدينية إلى الأهمية الاستراتيجية، إلى الأهمية الفنية والمعمارية، حتى قال عنها بعض المؤرخين: «لو كانت الدنيا مملكة واحدة، لكانت القسطنطينية وحدها عاصمة لها». إن فتح القسطنطينية، وفتح روما من بعده كما بشر بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، يعني أن تستظل أوروبا كلها بظل الإسلام وعدل الإسلام، بعد أن عاشت حقبة طويلة في ظل الوثنية، وحقبة في ظل هرطقة الكنيسة، وأخيراً في ظل ظلم الرأسمالية العفنة وعدوانيتها على البشرية كلها. روى الإمام أحمد أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نكتب، إذ سئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مدينة هرقل تفتح أولاً» يعني القسطنطينية (وورد الحديث في مسند الدارمي).
وروى الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» قال فدعاني مسملة بن عبد الملك، فسأله فحدثته، فغزا القسطنطينية.
لقد حاول كثير من قادة المسلمين فتح القسطنطينية، ليحوزوا شرف ثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الفاتحين، وكانت أول محاولة لهم قد جرت في زمن معاوية بن أبي سفيان سنة 44هـ، وكان أبو أيوب الأنصاري الصحابي الجليل (رضي الله عنه) أحد الذين شاركوا في تلك المحاولة، وقد مات (رضي الله عنه) في حصارها وقبره معروف هناك، ويزوره الناس حتى اليوم. لقد تكررت محاولات المسلمين فتح القسطنطينية، حتى بلغت إحدى عشرة محاولة، حتى مكن الله تعالى السلطان الغازي في سبيل الله محمد الفاتح من ذلك، وتشرف بهذا الفتح العظيم. فمن هو هذا الخليفة الذي حاز شرف ثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟


محمد الفاتح، نشأته وشخصيته:
هو محمد الثاني بن السلطان مراد، لقب بالفاتح، لفتح القسطنطينية، وهو سابع السلاطين الفاتحين من بني عثمان، وكان يلقب بأبي الخيرات، لكثرة أعماله الخيرية. تولى الحكم بعد وفاة والده مراد الثاني في 16 من شهر محرم سنة 855هـ الموافق 18/2/1451م، وكان عمره اثنان وعشرون عاماً. كان والده يعده للحكم من بعده، ويتوسم فيه الخير، لنبوغه وقوة شخصيته، فأدخله مدرسة الأمراء، التي أنشئت لتدريس وتخريج القادة، فبز أقرانه في كثير من العلوم، ثم أرسله والده والياً على مغنيسيا، وأرسل معه أحد العلماء الربانيين، هو العالم الجليل أحمد بن إسماعيل الكوراني، وكان عالماً مشهوداً له بالفضيلة التامة، والالتزام بالأحكام الشرعية دون خوف أو محاباة، وكان له من المهابة والوقار ما يجعل السلطان أو الأمير يقبل يده حين يلتقيه، وقد تولى بنفسه إعداد محمد الفاتح، فنشأ مؤمناً ملتزماً أحكام الشريعة، متقيداً بالأوامر والنواهي، معظماً لحرمات الله، يقدر العلماء، ويقدر مسؤوليته التي طوق الله بها عنقه، فلما آل إليه الحكم بعد وفاة والده، نهض بالمسؤولية، وقام بها خير قيام، فأعاد تنظيم إدارات الدولة، واهتم بالأمور المالية، وضبط النفقات، ومنع كل أشكال البذخ والترف والإسراف، وأولى الجيش جل اهتمامه، فنظمه في كتائب، ووضع سجلات خاصة بالجند وأرزاقهم، وزاد من مرتباتهم، وزود الجيش بأحدث الأسلحة المتوفرة في عصره، واستقدم أحد أعظم صناع المدافع من المجر واسمه "أوربان" فصنع له مدفعاً عملاقاً كانت تجره مئات الثيران لضخامته، كما أمر الجيش بخيرة العلماء والفقهاء، الذين بثهم بين صفوفه لحث الجنود على الجهاد وإلهاب مشاعرهم وحماسهم، كما عمل على تطوير إدارة الولايات، فعزل المقصر أو المتهاون من الولاة وطور البلاط السلطاني، وأحاط نفسه بعدد من الخبراء وأهل التقوى والورع، وافتتح عدداً كبيراً من المدارس، منها ثمان بجوار مسجده المعروف في إسلامبول اليوم، وكان يتفقدها بنفسه أحياناً ويجلس مع الطلاب والمعلمين ويناقشهم، وافتتح المشافي وعيَّن فيها أحدق الأطباء، وكان في كل مشفى جرّاح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين، وكان يشترط على الطبيب أن يزور مرضاه مرتين على الأقل في اليوم الواحد، ويشترط على الطباخ أن يكون ملماً بالطعام المناسب لكل مريض. وبإيجاز فإن محمد الفاتح قد جمع التقوى والصلاح، وحسن سياسة الرعية، فكان إماماً وراعياً للأمة، فاستحق ثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنال شرف الفتح، فلنعم الأمير ذلك الأمير.


الإعداد لفتح القسطنطينية:
قلنا إن السلطان محمد الفاتح كان يقرِّب إليه العلماء الربانيين، ويثق بهم ويستشيرهم، ومن هؤلاء العلماء الأجلاء "محمد بن حمزة الدمشقي" وكان يلقب "آق شمس الدين" وكان أحد العلماء الذين أشرفوا على إعداد السلطان عندما كان أميراً على مغنيسيا، وكان دائم التشجيع والإغراء له قبل توليه الحكم وبعده، ليفتح القسطنطينية، فأوقد في صدره نار العزيمة، حتى قيل إن الشيخ آق شمس الدين هو فاتح القسطنطينية المعنوي.
وعندما عزم السلطان على الفتح، قام بسلسلة من الأعمال السياسية والعسكرية تمهيداً لملحمة الفتح، فقد عقد معاهدة مع كل من المجر والبندقية، وهما من الإمارات النصرانية المجاورة، وفي المجال العسكري، بذل السلطان محمد جهوداً جبارة في إعداد الجيش تدريباً وتسليحاً، وقد بلغ تعداد جيشه ربع مليون مقاتل، زودهم بأحدث الأسلحة في أيامه، وحرص على تدريبهم وتجهيزهم مادياً ومعنوياً، فكان يلتقيهم باستمرار، ويخطب فيهم ويذكرهم بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وثنائه على الجيش الذي سيفتح القسطنطينية، فألهب مشاعرهم، وأصبحوا ينتظرون أمره بالهجوم بفارغ الصبر، سيما والعلماء الأجلاء مبثوثون بينهم، يبشرونهم بنصر الله في الدنيا، وعظيم ثوابه في الآخرة، فأصبح جيشه كالآساد الضارية، تغلي في صدورهم عزيمة كعزيمة أسلافهم الصحابة الأجلاء.
وفي الجانب المادي، قام السلطان ببناء قلعة "رومللي حصار" في الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور، وفي أضيق نقطة منه، كانت تقابل القلعة التي بناها جده السلطان بايزيد في البر الآسيوي، وكانت قلعة محصنة عظيمة بلغ ارتفاعها 82 متراً، فأصبحت القلعتان تتحكمان في عبور السفن من شرق البوسفور إلى غربه، وقد حاول الإمبراطور قسطنطين ثني السلطان عن بناء القلعة، مقابل التزامات مالية تعهد بدفعها له ولم يفلح، حيث رفض السلطان ذلك رفضاً قاطعاً.
كذلك وجه السلطان الفاتح عناية خاصة للأسطول، فعمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة، حتى أهله ليكمل به حصار القسطنطينية تمهيداً للجوم النهائي عليها.
عندما أكمل السلطان هذه الاستعدادات، أمر بتمهيد طريق أدرنة والقسطنطينية حتى تكون صالحة لجر المدافع العملاقة من أدرنة حيث تصنع، إلى القسطنطينية، حيث ستكون الملحمة التاريخية، وكان بعض هذه المدافع يزن مئات الأطنان، وقد استغرق جرها وإيصالها إلى المواقع التي اختارها لها السلطان بنفسه قرابة شهرين.
وفي يوم الخميس 26 من ربيع الأول سنة 857هـ، الموافق 6/4/1453م، وصلت الفيالق العثمانية بقيادة السلطان الفاتح إلى مشارف القسطنطينية، فخطب فيهم السلطان خطبة قوية، حثهم فيها على الجهاد في سبيل الله، وإخلاص النية بطلب النصر أو الشهادة، وتلا عليهم آيات من القرآن الكريم تحث على الجهاد والصبر، وتلا عليهم حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وذكرهم بما في ذلك الفتح من إعزاز للإسلام والمسلمين، فرد عليه عساكره مهللين مكبرين، سائلين الله تعالى النصر والتمكين. ومما يجدر ذكره هنا، أن السلطان محمد الفاتح، كان يتقن اللغة العربية واللغة الفارسية تماماً كما كان يتقن اللغة التركية.
في اليوم التالي قام السلطان بتوزيع جيشه حول المدينة، فأحكم حصارها من جهة البر، ونصب مدافعه العملاقة في مواجهة الأسوار، كما وضع فرقاً للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، ونشر سفنه في المياه المحيطة بها، واستطاع أسطوله أن يحتل جزر الأمراء في بحر مرمرة. وفي الوقت نفسه بذل البيزنطيون قصارى جهدهم للدفاع عن المدينة، ووزعوا جنودهم على الأسوار، وأحكموا التحصينات، وقد بدأ القتال فعلياً بين الجيشين منذ اليوم الأول للحصار، وفاز عدد كبير من الجنود المسلمين بالشهادة. وكانت مدافع السلطان لا تنقطع عن دك الأسوار ليلاً ونهاراً، وكان البيزنطيون يسارعون في نفس الوقت لترميم ما يتهدم، وكان القساوسة والرهبان النصارى يطوفون بشوارع المدينة، ويحرضون أتباعهم على الثبات حتى النصر، ويطلبون من الناس الذهاب إلى الكنائس للدعاء والطلب من المسيح والسيدة العذراء إنقاذ المدينة، حتى إن الإمبراطور قسطنطين نفسه أصبح يتردد على كنيسته آيا صوفيا للغاية نفسها.
استبسل الجيش الإسلامي في الهجوم، واستبسل البيزنطيون في الدفاع، وقد حاول الإمبراطور قسطنطين ثني السلطان عما عزم عليه فعرض عليه الأموال الطائلة والدخول في طاعته وتلبية كل طلباته إن هو عاد عن حصاره للمدينة، فرد عليه السلطان رداً حاسماً «ليسلم لي الإمبراطور المدينة، وأقسم أن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه أو ماله أو عرضه، ومن شاء بقي في المدينة، وعاش في أمن وسلام، ومن شاء رحل عنا في أمن وسلام» استمرت المعارك في الليل والنهار، وفي البر البحر، وكانت نقطة الضعف في الحصار آتية من عدم تمكن المسلمين من الوصول بسفنهم إلى القرن الذهبي، فكانت تنفذ منه بعض السفن النصرانية، القادمة من الإمارات النصرانية كجنوى والبندقية، ومعها الإمدادات للمحاصرين، فترتفع روحهم المعنوية.
حاول الأسطول العثماني اقتحام القرن الذهبي، ودارت معركة بحرية ضارية بينه وبين المدافعين، ولم يستطع الأسطول العثماني الدخول إلى القرن الذهبي، وبعد يومين من هذه المعركة دفعت بعض الإمارات النصرانية بعدد من سفنها لدخول القرن الذهبي، لتزويد المحاصرين بالمؤن والسلاح، فدارت معركة بحرية أخرى أقوى من سابقتها، وكان السلطان يشرف من على ظهر جواده على المعركة، وأصدر أمره لقائد الأسطول "بالطة أوغلي" إما أن تستولي على هذه السفن أو تغرقها، وإلا فلا ترجع إلينا حياً. بذل قائد الأسطول جهده لمنع السفن النصرانية من إمداد المحاصرين، إلا أن بعضها تمكن من الإفلات، ونجح في الوصول إلى المدينة المحاصرة، غضب السلطان محمد الفاتح غضباً شديداً، واستدعى قائد الأسطول، وأنّبه تأنيباً شديداً واتهمه بالجبن، فرد عليه قائد الأسطول قائلاً: «إني أستقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أواجه الموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة، لقد قاتلت أنا ورجالي بكل ما كان في وسعنا من حيلة وقوة» ورفع طرف عمامته، فإذا عينه قد أصيبت في المعركة، فأعذره السلطان واكتفى بعزله وتعيين قائد جديد للأسطول.
كان الحصار يتحول يوماً بعد يوم إلى صراع إرادتين، إرادة المسلمين بقيادة محمد الفاتح، يحدوهم الأمل بالفوز بثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإرادة البيزنطيين بقيادة الإمبراطور قسطنطين، الدفاع عن المدينة حتى الرمق الأخير.
تفنن المسلمون في خططهم، وازدادت عزائمهم قوةً وإصراراً، فقاموا بعمل جديد وتدبير عسكري غير مسبوق، قاموا بحفر الأنفاق تحت الأرض، واستمروا في ذلك دون كلل، حتى تجاوزوا الأسوار، لكن البيزنطيين أحسوا بذلك، فقاموا من طرفهم بحفر أنفاق مقابلة، ولما وصلها المسلمون ظنوها سراديب سرية توصل إلى داخل المدينة، ففاجأهم البيزنطيون، فقامت معركة طاحنة تحت الأرض، فاستشهد من المسلمين من كتبت له الشهادة، وعاد من كتبت له النجاة ينتظر جولة أخرى عله يكتب له النصر أو الشهادة، لم ييأس المسلمون وكرروا حفر الأنفاق في أماكن مختلفة حتى صار يخيل للبيزنطيين أن الأرض ستنشق من تحت أقدامهم ليخرج منها جنود المسلمين. فأوهن ذلك من عزائمهم، وبدأ اليأس يتطرق إلى قلوبهم.
لم ييأس السلطان محمد الفاتح وفاجأهم مفاجأة أخرى، حيث أمر ببناء قلعة خشبية هائلة يزيد ارتفاعها عن ارتفاع أسوار القسطنطينية، وكساها بالجلود، وبللها بالماء حتى تقاوم النيران، وملأها بالجنود، وزحف بها إلى السور الأمامي حتى التصقت به، ذهل البيزنطيون من منظر القلعة، فسقطت على السور الأمامي فانهار جزء منه، ولما علم السلطان بذلك، قال غداً سنبني أربعاً مثلها، يا لها من عزيمة تستحق ثناء الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)!
استمرت مدافع السلطان العملاقة تدك أسوار القسطنطينية ليلاً ونهاراً، فانهار جزء منها، وبعث السلطان الفاتح برسالة إلى قسطنطين يطلب منه تسليم المدينة، مقابل ضمان سلامة أهلها وممتلكاتهم، فرد عليه قسطنطين قائلا: «إنني على استعداد لدفع الجزية، ولكن لن أسلم المدينة أو أموت تحت أسوارها». ولما قرأ السلطان رد قسطنطين أجاب بعزيمة المؤمنين التي لا تعرف الوهن: «غداً سيكون لي فيها مقر، أو يكون لي فيها قبر».
كانت المدافع تعمل عملها ليلاً ونهاراً، وكانت تكبيرات المسلمين المدوية، تحدث في نفوس البيزنطيين من الرعب أكثر مما تحدثه المدافع، إلا أن هناك ثغرة بقيت في الحصار، كانت تأتي منها الإمدادات، وهي القرن الذهبي، الذي حاول الأسطول العثماني الدخول إليه مرات عدة، ولكن السلاسل الحديدية الضخمة التي كانت تقفل مدخله حالت دون ذلك.
وضع السلطان الفاتح نصب عينيه دخول القرن الذهبي بأسطوله مهما كلف الأمر، لأن ذلك يعني أن تصبح القسطنطينية في حصار خانق، فتفتق ذهنه وعبقريته عن معجزة عسكرية لم يسبق إليها أحد قبله، كانت خطته أن يرفع عدداً من سفنه من مرساها في "بشكطاش" في البوسفور إلى البر، ثم ينـزلها إلى القرن الذهبي بعيداً عن مدخله المغلق بالسلاسل، والمحمي بالأسطول البيزنطي، وكان يعلم أن أضعف نقطة في الأسوار، هي تلك الواقعة على القرن الذهبي.
كانت المسافة البرية المراد قطعها تبلغ ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً ممهدة، بل كانت وهاداً وتلالاً، فأمر الفاتح بتسويتها، وأمر بإحضار الألواح الخشبية فرصفت على الأرض، ودهنت بالزيت حتى يسهل انزلاق السفن عليها، وقام الجيش الإسلامي ورجاله الأشداء، يرفع السفن من البوسفور، وجرها هذه المسافة الطويلة، وثم إنزالها في نقطة آمنة في القرن الذهبي، وقد تم ذلك كله في ليلة واحدة، وما إن بزغ نور الفجر حتى كانت أعلام السلطان ترفرف على اثنتين وسبعين سفينة في القرن الذهبي، يملؤها الجند مدججين بالسلاح، مكبرين مستبشرين بنصر الله، ولما رأى البيزنطيون ذلك صعقوا، وانحطت روحهم المعنوية، وحاولوا مهاجمة الأسطول العثماني فارتدوا خاسرين مدحورين. يروي أحد الشهود النصارى واسمه "نيقولو باربارو" وكان يعمل طبيباً على ظهر إحدى سفن البندقية المشاركة في الدفاع عن المدينة، أن المسلمين تصدوا للهجوم البيزنطي ببسالة منقطعة النظير، وقصدوا الهجوم وأغرقوا عدداً من السفن البيزنطية، فأصبحت لهم السيادة في القرن الذهبي.
ويروي مؤرخ بيزنطي آخر عن نقل الأسطول عن طريق البر فيقول «ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار، وتعبر سفنه قمم الجبال، بدلاً من الأمواج، لقد فاق بهذا العمل الإسكندر الأكبر».
أحكم الفاتح الحصار على المدينة براً وبحراً، وكانت مدافعه تدكها ليلاً ونهاراً، وصيحات الجنود (الله أكبر، الله أكبر) تحطم روحهم المعنوية، وفي يوم الأحد 27 أيار/ مايو خطب السلطان في الجيش، وأمر جنوده بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والصلاة والدعاء وإخلاص النية، وحثهم على الصبر والتضحية، وقام هو بنفسه باستطلاع الأسوار، وحدد مواقع معينة لتركيز القصف عليها. وفي اليوم التالي 28 أيار، اشتد القصف المدفعي، وارتفعت التكبيرات مدوية من حناجر المجاهدين، وكان السلطان يمر على الجنود بنفسه، ويحثهم على الجهاد، ويبشرهم بقرب النصر، وكان العلماء لا يفترون عن التجوال بين الجنود، يقرؤون عليهم الآيات التي تحث على القتال في سبيل الله، ويذكرونهم بفضل الشهداء، وعظيم ثوابهم عند الله.
التقى السلطان كبار قادته ليلة الثلاثاء، وخطب فيهم خطبة مؤثرة، وذكرهم فيها حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فتح القسطنطينية، ودعا فيه مخلصاً أن يكون هو وجنوده أهل هذا الشرف، ومن ضمن ما قاله في خطبته: «أبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً، أن النصر العظيم سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، فيجب على كل جندي أن يجعل تعاليم الشريعة الغراء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يخالف ذلك، وليتجنبوا الكنائس والأديرة، ولا يقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأةً ولا راهباً في صومعته، وليحسنوا معاملة القيصر إن أسروه».
وفي صبيحة يوم الثلاثاء 29 أيار/ مايو أمر السلطان جنوده فصلوا الصبح ودعوا الله مخلصين، وبدأ الهجوم مع صيحات التكبير عقب الانتهاء من الصلاة مباشرة، وبدأ الهجوم موجة تلو أخرى، حتى أرهق المدافعين، وتمكن جند الإسلام من اعتلاء الأسوار، والاستيلاء على الأبراج المدافعة في منطقة "باب أدرنة" ورفعت عليها رايات السلطان، وقتل الإمبراطور قسطنطين، ونزل خبر مصرعه على البيزنطيين كالصاعقة، فانهارت معنوياتهم، وبدأوا يهربون إلى بيوتهم يتبعهم جند الإسلام مكبرين، وما حان وقت الظهر إلا والسلطان الفاتح يتجول وسط عاصمة بيزنطة على ظهر جواده، يحف به جيشه الظاهر مكبرين مهللين، يهنئون السلطان ويهنئهم، وهو يقول «الحمد لله، ليرحم الله الشهداء، ويمنح المجاهدين الشرف والمجد، ولأمتنا الإسلامية العظيمة الشرف والشكر» ثم ترجل عن جواده وسجد شاكراً لله تعالى على هذا النصر العظيم.
أمر السلطان بعد ذلك بنـزع الصلبان من كنيسة آيا صوفيا وتجصيص الصور، وصلى فيها صلاة الجمعة يوم 1 حزيران 1453م، وحولها بعد ذلك إلى مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، وقد بعث إليه بابا روما يتهدده على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، فرد عليه الفاتح بقوله: «لقد شرفت آيا صوفيا بأن حولتها إلى مسجد، أما إن مكنني الله تعالى، فسأحول مكانك الذي تقف فيه، إلى مربط لخيولي.
بعد هذا الفتح العظيم، أرسل الفاتح رسائل البشرى إلى أقطار العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا، فأرسل برسائل إلى فارس، والهند، ومصر، والحجاز، فعمت الفرحة هذه الأقطار، فقد تحققت بشرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأصبح الحلم حقيقة، فنودي بالزينة في مدائن المسلمين، ورفعت أعلام الفاتح، ودعي له على المنابر، ونظم فيه الشعراء شعراً، ومن أحسن ما قيل في هذه المناسبة:
الله أكبر هذا النصر والظفر هذا هو الفتح لا ما يزعم البشر
إن مما يجدر ذكره في هذا المقام، أن السلطان الفاتح، كان شاعراً باللغة التركية، ويقول في قصيدة له:
«حماسي: بذل الجهد لخدمة ديني دين الله.
عزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعاً بجنودي جند الله.
وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر، على الفوز بلطف الله.
وجهادي: بالنفس وبالمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله.
وأشواقي: الغزو مئات الآلاف من المرات في سبيل الله.
ورجائي: في نصر الله، وسمو الدولة على أعداء الله».
كان السلطان الفاتح (رحمه الله) يتمنى الغزو مئات الآلاف من المرات في سبيل الله؛ لذلك لم يكتفِ بهذا الفتح العظيم، فأمر بتجهيز جيش آخر في "أسكي دار" في آسيا الصغرى، وتوجه إلى هناك ليقود الجيش بنفسه، وكان رحمه الله يستنير بهدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، فكان لا يفصح عن مكنون نفسه، ولا عن خططه، بل يباغت العدو مباغتة تفقده صوابه، وتبقيه في خوف لا ينقطع، فكان لا يطلع أحداً على نيته، ولا عن وجهته التي يريد أن يتوجه إليها بهذا الجيش، فعاجله أجله رحمه الله، قبل أن يكشف عن نيته، والجهة التي كان يريد أن يغزوها، ويرجح بعض المؤرخين من ضخامة الجيش وتجهيزه، وتوجيهه بنفسه لقيادته، أنه كان يفكر لغزو روما وفتحها، ليحوز الشرف من جانبيه، إلا أن هذا الشرف العظيم وهو قادم لا محالة، مدخر لفاتح آخر، عسى الله تعالى أن يظهره قريباً، وما ذلك على الله بعزيز.


ونود في ختام مقالنا هذا أن نعطره بوصية هذا الأمير العظيم لولده عندما أحس بدنو أجله، وقبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى، ومما جاء فيه:
يا بني، ها أنذا أموت، ولكني غير آسف لأني تارك خلفاً مثلك، كن عادلاً صالحاً رحيماً، وابسط على الرعية حمايتك بدون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الأرض، قدم الاهتمام بأمر الإسلام على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه، لا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، جانب البدع المفسدة، وسع رقعة الدولة بالجهاد، واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد، إياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الإسلام، واضمن للمعوزين قوتهم.
العلماء الصالحون هم قوة الدولة، فعظِّم جانبهم وأكرمهم، وإذا سمعت بعالم في أي بلد فاستقدمه إليك وأكرمه.
يا بني، خذ مني هذه العبرة، لقد حضرت إلى هذه البلاد كنملة صغيرة فأعطاني الله هذه النعم الجزيلة، فالزم مسلكي واحذُ حذوي، فاعمل على إعزاز هذا الدين وتوقير أهله، ولا تنفق المال في ترف أو لهو، واقتصد قدر اللزوم، فإن الإسراف والبطر من أعظم أسباب الهلاك.
رحم الله السلطان محمد الفاتح، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً، اللهم امنن على المسلمين بخليفة راشد، يقود الجيوش ويحمي الثغور، ويفتح الفتوح ومنها فتح روما، ويحرس الشريعة، يعز الله به الإسلام والمسلمين، ويذل به الكفار والمنافقين، جعل الله ذلك في العاجل القريب، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.

عبد الله اليماني

المصدر: مجلة الوعي

قاعدة أهون الشرين



يستدل بعض المشايخ المعاصرين وغيرهم من المتصدّرين لبعض نواحي العمل الإسلامي بهذه الأقوال: أهون الشرين، أو أقل الضررين، أو أخف المفسدتين، أو درء المفسدة الأكبر بالمفسدة الأصغر، أو بما في هذا المعنى؛ لتبرير بعض المواقف والأعمال المحرَّمة سواء لأنفسهم أم لغيرهم من أولياء مصالحهم. وسنبين، بحول الله تعالى، في هذه المقالة حقيقة المعنى الشرعي لهذه الأقوال.
وقد كان الدافع لهذه المقالة الجهل الواقع في فهم هذه الأقوال، وتحريف الأحكام الشرعية من خلال تطبيقها في غير مواضعها؛ لذلك ينبغي قبل البداية الإشارة إلى بلاءٍ تعاني منه الأمة، وينبغي العمل على معافاتها منه، ونسأل الله تعالى العون.

إن هذا البلاء هو أن الأمة ابتليت بأشخاص حظهم من العلم قليل، وزادهم من التقوى ضئيل، يُـنَـصَّـبون على منابرها، ويتصدرون مجالس التعليم الفقهي، ويتسلمون مراكز البيان والتوجيه الشرعي، في ظل واقع يروَّج فيه للفكر الغربي ونُـظُـمه، وتوضع فيه مناهج التعليم الشرعي على أساس التوفيق بين أحكام الإسلام والقوانين الغربية بما يُرضي الحكام وأسيادهم، وفي ظل أوضاع يُـستبعد فيها العلماء الحقيقيون الورِعون، ويُـغَـيَّـبون؛ لأن مواقفهم لا ترضي الحكام ولا تناسب أنظمتهم وسياساتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وإذا كان من هم مفترضٌ فيهم أن يكونوا قادةً للأمة يدلونها على الخير لتقدم عليه، وينبهونها على مواطن الخطر لتحذره، والحرام لتحجم عنه، قد غلبَ على الكثير فيهم المقياس المادي النفعي، فبمنحةٍ ماديةٍ، أو بوظيفة أو منصب يخرجون الفتوى والبيان (الشرعي) بأن يشارك الناس في الانتخابات ولو كان إثماً، أو بأن ينتخبوا فلاناً ولو كان لا يقيم للشرع وزناً، أو بأن يؤيدوا ويساندوا هذه الفئة أو تلك ولو كانت ترى الإسلام إرهاباً أو تعدُّه تخلُّـفاً، أو بأن يشاركوا في هذا العمل أو ذاك ولو كانت شعاراته فسقاً وكفراً وراياته صليبيةً، بل صلبانَ مخنجرةً تقطر دماً، أو يدعون إلى التقارب بين الإسلام والكفر تحت عناوين الحوار بين الأديان، أو يطلقون على أصحاب القلوب الفاسدة والأيادي السوداء بأنهم أصحاب الأيادي البيضاء في خدمة الإسلام والمسلمين، ولو كانوا عملاء للكافر، ويفتحون البلاد قواعد عسكرية له؛ ليسيطر على البلاد والعباد، وينهب ثرواتها، ويأكل خيراتها، ويحارب الإسلام والدعاة إليه، تحت اسم الحرب على الإرهاب. إذا كانت هذه حال من يفترض فيهم أن يكونوا رواداً وفي طليعة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكم يكون إذ ذاك خطرهم عظيماً؟! وهل هم بهذه الحال دعاةٌ إلى الله أو عقبةٌ في طريق الدعوة؟ ! وهل هم عاملون لإنهاض الأمة أو هم معاول هدم في أيدي الحكام والسياسيين العلمانيين وأصحاب المال، يخدعون بذلك الأمة، ويفرغون جهودها، ويوهنون طاقاتها، في سياسات ومشاريع تخدم أعداء الأمة، بل قَـتَـلَـتَـهَـا؟!
وليعذرنا الشيخ الشهيد عبد القادر عودة وقد عنون لرسالته بـ(المسلمون بين جهل أبنائهم وعجز علمائهم)، فقد آل الأمر أيها الأخ الشهيد إلى العكس، فالمسلمون يعانون اليوم من عجز أبنائهم وجهل علمائهم.
نعم، جهل بالشرع، بل جهل بمعنى عقيدته، يُـنبئُ عنه ضعف حاد في الإيمان، نراه واضحاً في أقوال، ومواقف، وفتاوى، مخالفة للشرع. وقد صارت الشهادة في العلم الشرعي أداة استرزاق، وصارت المشيخة مهنة يؤكل بها، وصار موقف الحق عند أمثال هؤلاء المشايخ جهلاً وعدم فهم أو سوء تقدير لصعوبة الواقع، ومواقف غير عقلانية. وصار المحدِّد للحكم الشرعي وللموقف الشرعي -عندهم- هو مقدار ما يرجع على هذا الموجِّه، أو المعتلي للمنبر، من منفعة، أو مقدار ما يدرأ عن نفسه من ضرر. وانتشر لديهم مفهوم خاطئ وهو أننا ضعفاء وعاجزون، وعلينا أن نقبل بهذا الواقع؛ لأن الزمان ليس زماننا! وعلينا أن نحافظ على ما تبقى لنا ونرضى بما أُلقيَ إلينا من فتاتٍ أو يُـلقى، وإلا فالبديل أسوأ وأخطر!
لقد جمعوا بين الجهل واليأس فصاروا دعاة هلاك ومروجي فتنة، لقد صاروا تجربةً فاشلةً، ومثالاً فاسداً، وسبَّةً على الداعين إلى الإسلام، وحجةً عليهم، فما أعظمها فتنةً!
علماء بغير علم، يتعلمون الفقه من الواقع، ويستدلون عليه بهوى النفس، وربما بحكمة الزعيم، وليس بالقرآن والسنة، فما أعظمها فتنةً! يفتون بحسب ظروفهم وأوضاعهم، وبحسب مصلحة الجهة التي يوالونها، ويعلِّمون العقيدة علمَ كلامٍ، خاليةً من الإيمان، فما أعظمها فتنةً!
غلبت عليهم النفس الأمارة بالسوء، فنفوسهم يائسة، وخوفهم من العبد أكبر من خوفهم من رب العبد، ومقياسهم كمْ، فما أعظمها فتنة!
إن من كانت هذه أحوالهم، وأصرُّوا عليها، فالأمة -بصحوتها الصاعدة- ستلفظهم وتتعافى من الثقة بهم وتأنف الرجوع إليهم، كما تعافت قبل ذلك من الثقة بأسيادهم، وأخرجت من قلبها كلَّ أثر لولاء لهم أو انتظار خير منهم.
أيها العلماء: إن الدور الذي ينبغي أن يكون منوطاً بكم كبير، والمسؤولية التي ينبغي أن تكون على عواتقكم كبيرة، وقد حُمِّلتموها فاحملوها، ولا تكونوا كالذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، وإن تتولوا يستبدل الله بكم قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وستقفون يوم القيامة بين يدي الجبار، وستُسألون، فبماذا ستجيبون؟ إنه لأمر عظيم لا يهوِّن من شأنه أن تحسبوه هيناً، أو أن تمروا عليه بسرعة. فارجعوا إلى كتابكم وتدبروا فيه معنى الإيمان، وبادروا إلى قول الحق وموقف الحق. وإن الصحوة قد نالت من الأمة ونالت الأمة منها، والأمة تبحث عن روّادها لتنقاد لهم في مسيرة إعزاز دينها وإعزازها، وفي مسيرة الشهادة على البشرية. فاحذروا أن تكونوا عقبةً في طريق دولة الأمة، أو أن تكونوا أدواتٍ ومروجين لسياسيين علمانيين وفسقة أو لآخرين بائسين، ولا تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم:  أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ  [الجاثية 23].
إن الله تعالى هو النافع وحده، وهو المعز والمذل، وهو الرافع والخافض، فتدبروا معنى الإيمان ومعنى التوكل على الله في المواقف، كل المواقف، وأفتوا الناس حينئذٍ بحكم الشرع وعلِّموهم كما يعلمكم الشرع، حينئذٍ تكونون علماء حقيقيين ورواداً صادقين للأمة، والفظوا من بين صفوفكم الجواسيس، والدجالين، والمنحرفين، والمرتزقة.

أما فيما يتعلق بالقواعد المذكورة آنفاً، الأخذ بأهون الشرين وما في معناها، فإن العلماء الذين يأخذون بها، يدركون ضوابطها ومواضع إعمالها، فلا يصح أن يؤخذ نص القاعدة وكأنه شرعي مطلق، أو يأخذ مبتوراً عن شروط تطبيق القاعدة، ثم تعطى بناءً عليه فتاوى تُـبَـرَّرُ بها الأعمال المحرمة ويخدع بها الناس.
والقاعدة الشرعية ليست نصاً شرعياً، وإنما هي حكم شرعي؛ لأن نصها صياغة بشرية، صاغه فقيه أو مجتهد. والنصوص الشرعية هي نصوص القرآن والسنة فقط. ولكن كان من الأدق أن يطلق عليها اسم قاعدة شرعية، وليس حكماً شرعياً؛ لأنها في واقعها قاعدة إضافةًً إلى كونها حكماً، أي أنها تتسم بالعموم أو بالكلية؛ لأنها تنطبق على أفراد كثيرة بناءً على لفظ عام، أو على جزئياتٍ كثيرة بناء على علة؛ وعلى ذلك فإذا حصل خلاف في القاعدة أو في تطبيقها فيجب الرجوع إلى المصادر، أي النصوص الشرعية التي استنبطت منها القاعدة، فهي التي تبيِّـن معنى القاعدة، وحدود تطبيقها ومواضعه، وحالات الاستثناء منها أو تخصيصها.
وهذه القاعدة المذكورة أعلاه بنصوصها المختلفة، عند العلماء الذين يأخذون بها، ترجع إلى معنى واحد، وهو جواز الإقدام على أحد الفعلين المحرّمين، وهو الفعل الأقل حرمة منهما، وهي ليست مطلقةً بهذا المعنى، وإنما مقيدة فيما إذا كان المكلَّف لا يسعه إلا القيام بأحد الحرامين، ولا يمكنه أن يترك الاثنين معاً؛ لأن ذلك متعذر أي خارج عن الوسع، أو في حالة يسعه فيها ألا يقدم على أيٍّ من الحرامين، ولكنه إذا فعل ذلك فسيقع الحرامان معاً، أو سيقع أشدهما حرمةً، أو سيقع حرامٌ أشد من الاثنين، فهذه من شروط أو ضوابط إعمال هذه القاعدة. ولإعمالها ضوابط أخرى تختلف بحسب اختلاف المسائل أو الأوضاع، ويتحدد الفقه فيها في كل مسألةٍ على حدة.
أما مستند هذه القاعدة فهو المعلوم ضرورة من الدين أن الحرام يُـترك والواجب يُـفعل، فإذا كثرت الأفعال المحرمة فيجب تركها كلها سواء كانت اثنتين أم أكثر، وإن كثرت الواجبات فيجب فعلها كلها سواء كانت واجبين أم أكثر، وكذلك يقال في المكروهات والمندوبات مع فارق أن المكروه يُـكره ولا يحرم، والمندوب يُـستحب ولا يجب.
وإنما يقولون بجواز الإقدام على أقل الحرامين مع أنه حرام، وبأفضلية الإقدام على أقل المكروهين مع أنه مكروه شرعاً، وبتعبير آخر أخف المفسدتين أو الشرين أو الضررين، أو يقال بدرء المفسدة الأعظم بالمفسدة الأخف، فيما لو كان لا يمكن درء المفسدتين معاً أو كان درؤهما معاً يؤدي إلى مفسدة أعظم. قال تعالى:  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  [التغابن 16] وقال:  لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  [البقرة 286]. ومن هذه النصوص يتبين معنى هذه القاعدة وكيفية تطبيقها؛ وبناءً عليها -أيضاً- يقال بفعل الأوجب ولو عن طريق ترك الأقل وجوباً إذا تعذر إيقاع الواجبين معاً، أو يقال جلب المصلحة الأكبر بترك المصلحة الأصغر. وينبغي أن يلاحظ أن لفظ المصلحة والمفسدة هنا لا يطلق بمعنى المنافع والمضار بحسب الأهواء وحظوظ النفس، وإنما بحسب ما طلبه الشرع أو نهى عنه. قال الغزالي: «أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع. ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهي: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم»1.

وبناء على ما سبق، فإن استخدام هذه القواعد للإفتاء بفعل المنهي عنه في غير هذه الحالات هو فتوى بغير ما أنزل الله، ولا يقول بذلك أحد من العلماء الصادقين، قال : «من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض» أخرجه السيوطي في (الجامع الصغير) وقال حسن؛ وعلى ذلك فإن قول من يقول انتخبوا فلاناً وإن كان علمانياً كافراً أو فاسقاً، أو أيدوا فلاناً ولا تؤيدوا الآخر؛ لأن الأول يساعدنا والثاني لا يساعدنا، أو ما شاكل ذلك، وسواء أكان القائل شيخاً، أم عالماً، أم لم يكن، هو قولٌ مردودٌ شرعاً، ولا يصح الاستناد فيه أو في مثله إلى هذه القواعد، وإنما الذي يقال هنا: إن الأمرين المعروضين أمامنا محرَّمان، فلا يجوز انتخاب العلماني ولا يجوز توكيله أو إنابته لتمثيل المسلم في الرأي؛ لأنه لا يلتزم بالإسلام، ولأنه يقوم بأعمال محرَّمة لا يجوز للموكِّـل أن يقوم بها كالتشريع والمصادقة على مشاريع محرَّمة، وكالمطالبة بالمحرمات والقبول بها والسير فيها، وبالجملة فهو ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر؛ ولذلك فلا يجوز انتخاب أي منهما؛ لأن انتخاب هذا أو ذاك حرام. وترك انتخاب هذا أو انتخاب ذاك داخل في الوسع. ولا يقال مثلاً: إن لم ننتخب ونساعد في إنجاح فلان فسينتخب غيرنا شخصاً أكثر ضرراً. لا يقال ذلك مثلما أنه لا يقال: إن لم نفتح الخمَّـارة نحن ونتقوَّى بمكاسبها فسيفتحها غيرنا (سيفتحونها هم) ويكسبون هم. وإنما السبيل هنا أن يُـترك الحرامان، وأن يُـدعى الآخـرون إلى أن يلتزموا أيضاً بترك المحرمات، فإن فعلوا كان خيراً لهم وإن لم يفعلوا كان شراً لهم. قال تعالى:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [المائدة]. وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن قيس بن أبي حازم قال: «قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله  يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب». وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي أمية الشعثاني قال: «أتيتُ أبا ثعلبة الخُـشَـني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  قال: أما واللهِ، لقد سألت عنها خبيراً. سألتُ عنها رسول الله  فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوْا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شحاً مطاعاً، وهوًى متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوامِّ، فإن من ورائكم أياماً، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم»، وفي لفظ: «قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم».
فمن هذه النصوص يتبين أن الحرامين يتركان، ويؤمر الناس بترك الحرام. ولا تنطبق هنا قاعدة أهون الشرين.
وإنه لمن المهازل أن يعترض هنا، ومن قِـبَـل مشايخ، بقولٍ سخيف: «يعني نقعد، لا نعمل شيئاً!» والجواب: إذا كنت بين أمرين إما أن تعمل حراماً وإما أن لا تعمل شيئاً ولا ثالث لهما، أي لا تستطيع أن تعمل خيراً، فالواجب أن تقعد وتكف أذى نفسك عن الناس، ولسانك عن تحريف الدين. قال : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» رواه الشيخان. والأصل أن تقوم ولا تقعد، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسعى لوجود من يستحق أن يُـنتخَـب، أو أن تسعى لتغيير الأوضاع كلياً؛ لأن الواجب هو أن لا تَحكُـمَ أو تُـحكَم إلا بالإسلام، وأن لا تحتكم إلا إلى الإسلام. فقم لرفع شأن أمتك:  إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  [الرعد 11].
إن هذا الموضع وأمثاله لا تنطبق عليه هذه القواعد، والذين يطبقونها في مثل هذه المواضع ينطبق عليهم قوله تعالى:  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ  [المائدة 52].
وإن مثال ما يطبق فيه هؤلاء المخطئون هذه القواعد هو كأن يُـعرضَ على المكلَّف طعامان أحدهما فيه ميتة والآخر فيه لحم خنـزير، فهل معنى القاعدة هو أن يبحث المكلف عن أقلهما حرمةً ثم يأكله، أو أن كليهما طعام حرام وعليه تركهما؟ نعم، كلاهما حرام، وعليه أن يجد طعاماً مما أحل الله أو فليصبر.
وأما العلماء الذين يأخذون بهذه القواعد، المدركون لحقيقتها، فهذه أمثلة من تطبيقاتهم لها:
1- إذا ما وصل الإنسان إلى حد الاضطرار الذي يخشى معه فوت الروح، وعند ذاك فإذا وجد حرامين فعله بالأقل حرمةً وإذا وجد حلالاً فلا.
إن هذه القواعد ليست معقدة ولا غامضة، وإنما هو البلاء المذكور، بلاء الجهل واليأس وقلة الدين. وسأذكر فيما يلي مثالين لتطبيق هذه القواعد لأجل مزيد من الوضوح، ثم أذكر أمثلةً مما ذكره بعض الأئمة ليكون القارئ على بيِّـنة من الأمر وطمأنينة.
2- إذا تعسَّـرت ولادة الأم ووقع العجز عن إنقاذ الأم والجنين معاً، واحتاج الأمر إلى قرار سريع: إما إنقاذ الأم وهذا يقتضي موت الجنين، وإما إنقاذ الجنين وهذا يقتضي موت الأم. وإذا تُـرك الأمر ولم يُـعمل على موت أحدهما لإنقاذ الآخر، أو إحياء أحدهما بموت الآخر، فقد يؤدي إلى موت الاثنين. ففي مثل هذه الحالة يُـقال بأهون الشرين، أو أقل الحرامين، أو أخف المفسدتين، وهو أن يقدم على الفعل الذي ينقذ المطلوب إنقاذه وهو الأم، ولو كان هذا الفعل نفسه قتلاً للآخر.
وينبغي أن يلاحظ هنا أن تعيين الفعل الأقل حرمةً لا يرجع إلى هوى أو مشيئة وليِّ أمر الأم والطفل، وإنما يرجع إلى الشرع، فكما أن الشرع هو الذي يبين ما هو حلال وما هو حرام، فهو أيضاً الذي يبين أيهما آكد في الشرع.
3- أن يتعرض شخص للهلاك غرقاً أو قتلاً من قِـبَـلِ شخص آخر، أو للإصابة بأذىً بليغٍ في بدنه وأعضائه، أو أن يُـعتدى على امرأة بالزنا، بحضور مكلَّـف يستطيع منع هذه المنكرات وعليه صلاة مفروضة قد يفوت وقتها، فإما أن يمنع ذلك الحرام فيفوته أداء الواجب، وإما أن يؤدي الواجب في وقته فيقع ذلك الحرام، والوقت لا يتسع لفعل الأمرين معاً. فهنا يأتي تطبيق القاعدة، وتكون الموازنة أيضاً من قِـبَـلِ الشرع الذي جعل رفع تلك المحرمات المذكورة آكد من أداء الواجب المذكور، ولو أمكن فعل الواجبين معاً لوجبا. ولا يقال: نفعل الأوجب ويجوز القعود عن الأقل وجوباً.
وكما مَرَّ آنفاً فإن الموازنات بين الأحكام ترجع إلى الشرع. وللفقهاء فيها قواعد للقياس، والمشابهة، والتقدير، والمقارنة. ولا يسعنا الدخول فيها وإنما أشير إلى ذلك بما يلفت النظر، وتفاصيل ذلك في الفقه، وربما كانت صعبة المورد ولكنها عذبة المذاق.
فحفظ نفسين أولى من حفظ نفسٍ واحدة والثلاثة أولى وهكذا، وحفظ النفس مقدم على حفظ المال، وحفظ دار الإسلام داخل في حفظ الدين وهو أَوْلى من حفظ النفس والمال، وكذلك الجهاد والإمامة العظمى فهما داخلان في حفظ الدين من أوَّل وأَوْلى الضرورات، وفي الموازنة بين الإكراه على الزنا والقتل اختلاف والله أعلم. قال الشاطبي في الموافقات: «إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياؤها أَوْلى، فإن عارض إحياؤها إماتة الدين كان إحياء الدين أَوْلى، وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتد وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة»2. وقال الغزالي في المستصفى: «ونحن نعلم أن الشرع يؤْثِـر الكليَّ على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد... فإن قيل: فتوظيف الخراج (الضرائب) من المصالح، فهل إليه من سبيل أو لا؟ قلنا: لا سبيلَ إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات (رواتب) العسكر، ولو تفرّق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيفَ دخول الكفار بلاد المسلمين، أو خيفَ ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد المسلمين، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج؛ لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصدَ الشرعُ دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم (أي من الأغنياء الذين فرضت الضريبة في أموالهم) قليل بالنسبة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكةٍ يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور»3.
وهذه أمثلة أخرى ذكرها الإمامان الغزالي وعز الدين بن عبد السلام، رحمهما الله، يظهر فيها كيفية إعمال قاعدة أهون الشرين عندهما، ويظهر فيها أيضاً موازنات بين الأحكام. قال العز في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام: «إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فإن تساوت يُـتَـوَقَّـف، وقد يُـتَـخَـيَّـر، وقد يُـخْـتَـلَـف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين مفاسد المحرمات والمكروهات»4. ثم ذكر أمثلة فقال: «أن يُـكرَهَ على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قُـتِـلَ، فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك؛ لقدرته على درء المفسدة؛ وإنما قُـدِّم درء القتل بالصبر على القتل لإجماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل»5. فهذا مثال واضح في أنه اختيار لأخف المفسدتين أو الحرامين لأنه لا فكاك له من أحدهما، ولو أمكنه منع المفسدتين لوجب عليه ذلك.
وقال في مثال آخر: «وكذلك لو أكره بالقتل على شهادة زور أو على حكم بباطل، فإن كان المكره على الشهادة به أو الحكم به قتلاً، أو قطع عضو، أو إحلال بضع محرم، لم تجز الشهادة ولا الحكم؛ لأن الاستسلام للقتل أولى من التسبب إلى قتل مسلم بغير ذنب، أو قطع عضو بغير جرم، أو إتيان بضع محرَّمٍ. وإن كانت الشهادة أو الحكم بمالٍ، لزمه إتلافه بالشهادة أو بالحكم حفظاً لمهجته كما يلزمه حفظها بأكل مال الغير. وكذلك من أكره على شرب الخمر أو غَـصّ ولم يجد ما يسيغ به الغصة سوى الخمر، فإنه يلزمه ذلك؛ لأن حفظ الحياة أعظم في نظر الشرع من رعاية المحرمات المذكورات»6. وقال في مثال آخر: «إذا اضطر إلى أكل مال الغير أكله؛ لأن حرمة مال الغير أخف من حرمة النفس، وفوات النفس أعظم من إتلاف مال الغير ببدل، وهذا من قاعدة الجمع بين المصلحتين وبذل المصلحة الأخرى»7.
ومن أمثلته أيضاً: «إذا وجد المضطر إنساناً ميتاً أكل لحمه؛ لأن المفسدة في أكل لحم ميت الانسان أقل من المفسدة في فوت حياة الإنسان»8. ومنها: «إذا وقع رجل على طفل بين الأطفال إن قام على أحدهم قتله وإن انفتل إلى آخر من جيرانه قتله، فقد قيل: ليس في هذه المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ولم ترد الشريعة بالتخيير بين هاتين المفسدتين. فلو كان بعضهم مسلماً وبعضهم كافراً فهل يلزمه الانتفال إلى الكافر لأن قتله أخفُّ مفسدةً من قتل الطفل المحكوم بإسلامه؟ فالأظهر عندي أنها تلزمه؛ لأنا نجوِّز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز مثل ذلك في أطفال المسلمين»9. أما قوله إن المسألة باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، فهو لجهة أن الأطفال جميعاً متساوون نظرياً، فإذا وقعت الحادثة فسيكون فيها من الحيثيات ما يُـرجعَ مناط الحكم فيها إلى أوصاف أخص من مجرد عموم كونهم أطفال أو أي عموم آخر فيها. وهذه المسألة أول من أوردها -والله أعلم- هو إمام الحرمين الجويني في كتابه غياث الأمم عند التياث الظلم، وذكر أنها ليست لها في الشريعة حكم، مع أنه أكد في كتابه نفسه أنه ما من واقعة إلا ولها في الشريعة حكم.
ومن أمثلة العز بن عبد السلام أيضاً: «إذا اغتلم البحر بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان؛ لتخف بهم السفينة، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة؛ لأنهم مستوون في العصمة، وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال، ثم الحيوان؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس»10. ومن أمثلته: «لو أكره بالقتل على إتلاف حيوان محترم من حيوانين يَـتَـخَـيَّـر بينهما». «ولو أكره على شرب قدح خمر من قدحين يتخير بينهما». «ولو وجد حربيَّـين في المخمصة فإن تساويا تخير في أكل أيهما شاء، وإن تفاوتا بأن كان أحدهما أجنبياً والآخر أباً، أو ابناً، أو أماً، أو جدةً، كره أن يأكل قريبه ويدع الأجنبي، كما يكره أن يقتله في الجهاد. ولو وجد صبياً أو مجنوناً مع بالغ كافر أكل الكافر بعد ذبحه وكف عن الصبي والمجنون، لما في أكلهما من إضاعة مالِـيَّـتِـهما على المسلمين، ولأن الكافر الحقيقي أقبح من الكافر الحكمي»11. ومن أمثلته أيضاً: «قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال مفسدة لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار بحيث لا يمكن دفعهم إلا بقتلهم». «قتل من لا ذنب له من المسلمين مفسدة إلا إذا تترس بهم الكفار وخيفَ من ذلك اصطلام المسلمين ففي جواز قتلهم خلاف؛ لأن قتل عشرة من المسلمين أقل من مفسدة قتل جميع المسلمين»12. وللغزالي تفصيل في هذا المثال الأخير حيث يقول: «إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضاً، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعاً أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل»13.
فهذا المثال واضح في أن الوضع الذي يُـلجأ فيه إلى العمل بأخف الحرامين أو المفسدتين هو وضع العجز عن تجنب الحرامين جميعاً أو منعهما جميعاً، انظر قوله: «فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً» وقوله «فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على القليل».
ثم يقول الغزالي: «وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة، فبنا غِـنْـيَـةٌ عن القلعة»14.
بهذه الأمثلة التي ذكرها بعض الأئمة على إعمال قاعدة أهون الشرين يتبين معنى القاعدة ومواضع إعمالها، ويتبين أيضاً كيفية الموازنة بين المصالح والمفاسد، كما ويتبين مقدار البلاء الذي ترزح تحته الأمة في ظل أقوال وتوجيهات تصدر باسم العلم والفقه، وما هي إلا دلالة على الانحطاط الذي أصاب الأمة بسبب هيمنة عدوها وزبانيته عليها؛ ولذلك وجب التنبيه إلى الخطأ في إعمال هذه القاعدة وإلى خطأ الموازنات غير الشرعية التي تقلب أحكام الشريعة رأساً على عقب. ولعل من هؤلاء المخلصين من يتنبه إلى مقدار خطئه وخطره على أمته، فيسعى إلى التوبة مما باء به، ويقرر التخلص مما يحوك في صدره، والله من وراء القصد.

محمود عبد الكريم حسن

المصدر: مجلة الوعي

الصبر... الزاد في خضم المرحلة (2)


الدين يقوم على أكتاف أولي العزمات:


اعلموا أن الدين يقوم على أكتاف أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبداً على أكتاف المترخصين والمترفين، وحاشاه أن يقوم على أكتافهم، فالدين العظيم لا يقوم إلا على أكتاف العظماء من الرجال. والمسؤولية الجسيمة، التي ناءت بحملها السموات والأرض، لا يمكن أن يقوم بها إلا أهلها، ورجالها. كيف يقوم الإسلام دون عزمة كعزمة "أنس بن النضر" الذي قال فيها: «لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرينَّ الله ما أصنع»، فشهد أحداً، وقاتل، حتى وجد بجسده -وهو ميت- بضع وثمانون طعنة وضربة، حتى إن جسده قد مزق تمزيقاً فلم يعرفه أحد سوى أخته، عرفته ببنانه. إن العزمة التي نريدها منك أخي المسلم عزمة شاملة، عزمة في العلم والعمل، عزمة في الدعوة والجهاد، عزمة في الإيمان واليقين والصبر والرضى، عزمة في الحسبة والصدع بالحق، عزمة في إصلاح النفس وهداية الخلق. إننا لا نريدها عزمة تقتصر على مجال واحد، بل نريد ذلك الذي سمت همته في شتى مجالات العمل الإسلامي، وليس في مجال دون مجال، أو في ناحية على حساب أخرى، وإنما نريدها عزمة كاملة شاملة تامة، وإنني لم أجد في ذلك المعنى أبلغ مما قاله "ابن القيم"، رحمه الله، في كتابه القيم طريق الهجرتين وباب السعادتين «ومنهم جامع المنفذ السالك إلى الله في كل وادٍ، والواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبْلَةَ قلبه ونصب عينيه، يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علمٌ وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي، حيث كانت، وأين كانت، جالبة ما جلبت، مقتضية ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها، والقيام بأدائها، مراقباً له فيها، عاكفاً عليه بالروح والقلب والبدن السر، قد سلمت إليه المبيع منتظراً منه تسليم الثمن. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].


قولوا للمنافقين:


سيقول لك المنافقون والذين في قلوبهم مرض: أتطنون أن شيئاً مما تريدونه سيتحقق؟ وهل تظنون أن الخلافة الإسلامية، أو حتى الدولة الإسلامية، ستقوم؟ إن ذلك لا يمكن أن يحدث، وهو أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، وهل ستسمح أميركا وروسيا وأوروبا و(إسرائيل) بذلك، وهم الأعداء الألداء للإسلام ودولته! وسيقولون لكم: إنما تسعون إلى سراب، وأنتم مغرورون قد غركم دينكم، فإذا قالوا ذلك فتذكروا قول الله عز وجل: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 49]. قولوا لهم: إن الخلافة الإسلامية ستعود، مهما كانت الصعوبات والتحديات، قولوا لهم: إن قيام الدولة الإسلامية أمر لا شك فيه، ولو بعد حين، وإن نصر الله آت لا محالة، وقولوا لهم: بل إن الله سيفتح على المسلمين روما كما وعد رسول الله ، في صحيح الحديث، وكما فتحت القسطنطينية من قبل. قولوا لهم: إننا نأمل من نصر الله بما هو أبعد من ذلك، إنما نرجو من الله أن يفتح الكرملين والبيت الأبيض، ومعنا وعد الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. أما متى يكون ذلك؟ فهذه ليست مهمتنا، ولم يكلفنا الله بها، وإنما كلفنا بالعمل للدين، والذود عن الشريعة، واستفراغ الوسع في ذلك، وبذل أقصى الجهد، أما النتائج فهي إلى الله عز وجل. فعليك بذر الحب لا قطف الجنى، والله للساعين خير معين. قولوا لهؤلاء كما قال يعقوب، عليه السلام، لبنيه، بعد أن فقد ولديه معاً: ﴿إِنِّي لأََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]. قولوا لهم: رغم كل هذه الابتلاءات والشدائد، فإننا نجد ريح الفرح والنصر والتمكين، وعودة الخـلافة الإسلامية، لولا أن تفندون.
لقد قال المنافقون للصحابة بعد غزوة أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم. وهذه الكلمات سيقولها المنافقون لأهل الإيمان، في كل زمان ومكان، إذا أصابت للعاملين للإسلام مصيبة، أو وقع لهم مكروه، أو تعرضوا للسجن والتعذيب، أو القتل والجراح، سيقولون عندها: دعوكم مما أنتم عليه وارجعوا عنه، فإن هذا الدين هو الذي سبب لكم كل هذه المصائب، وهو الذي أضاع مستقبلكم وألقاكم في غياهب السجون، وشردكم في البلاد، فاتركوا هذا الذي سبب لكم كل هذه المصائب تسلموا وتغنموا، فإذا قالوا ذلك قولوا لهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾[إبراهيم: 12]، وقولوا لهم: ﴿قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].
وسيقول لكم المنافقون والذين في قلوبهم مرض، مثلما قالوا عن أصحاب الرجيع، الذين غَدَرَ بهم المشركون وقتلوهم جميعاً، لقد قال المنافقون يومها: ياويح هؤلاء المفتونين، الذين هلكوا هكذا! لا هم أقاموا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم -يقصدون رسول الله -. وهذه الكلمات ستقال لكم هذه الأيام كلما قتل بعض الإخوة، أو سجنوا، أو شردت أسرهم، عندها سيقول الذين في قلوبهم مرض: لا هم قعدوا وسلموا، ولا هم استطاعوا أن يزيلوا المنكرات والموبقات، وسيقولون: لا هم قعدوا واهتموا بمستقبلهم ومصالحهم، ولا هم أقاموا دولة الإسلام. فإذا سمعتم ذلك فتذكروا أن القرآن قد قال عن قائل هذه العبارة: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]، وهذا الوصف لا ينطبق عليه بعينه فحسب، بل ينسحب منه إلى كل أتباعه، وأشباهه، ومن يقول بقوله في كل زمان ومكان، وإذا سمعتم ذلك، فقولوا لهم: إن هدفنا إقامة الدين، أما إقامة الدولة فهي طريقة إقامة الدين.
وقولوا لهم قول الصديقة العظيمة "خديجة ابنة خويلد" لرسول الله : «أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً»، ونحن نقول لكل من يعمل للإسلام، مخلصاً للّه في عمله: ما دمتم على الحق فأبشروا، فوالله لا يخزيكم الله أبداً. إنكم لتصلون أرحامكم وتذودون عن الشريعة، وتدافعون عن الفضيلة، وتحاربون الرذيلة، وتدعون إلى الله على بصيرة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتقومون الليل وتصومون النهار، و، وإذا سمعتم ذلك فتذكروا قول أجداد هؤلاء المنافقين ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 168 - 169] وقولوا لهم: إن "ورقة بن نوفل" ذلك الشيخ الكبير كان يمر على "بلال بن رباح" وهم يعذبونه، وهو يردد مراراً وتكراراً - في ثبات أعظم من الجبال-: «أحدٌ أحد» فيقول لهم "ورقة": «أحدٌ أحدٌ والله يا بلال، أحلف بالله فإن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً». فتأملوا هذا الفهم العميق للإسلام من ذلك الشيخ الذي لم يدرك من القرآن الكريم وأحاديث الرسول ، قبل أن يموت، إلا الشيء اليسير! ولكنه نقاء القلوب وإخلاصها وتجردها عن الهوى وخلوها من النفاق.
ننتظر منكم نصر الإسلام، إننا ننتظر الآن ممن يعملون للإسلام -وخاصة الشباب منهم- يوماً ينصرون فيه الإسلام وأهله، إننا ننتظر منهم يوماً كيوم "أبي بكر" في الردة، و"خالد بن الوليد" في اليرموك، و"سعد" في القادسية، و"صلاح الدين" في حطين، و"قطز" في عين جالوت، و"محمد الفاتح" في القسطنطينية، و"سليمان الحلبي" مع كليبر، إننا نريد أن تقر أعيننا -ولو للحظات قبل أن نموت- برؤية الخلافة الإسلامية، ونرى أعلامها ترفرف على المشارق والمغارب، ونرى ظلالها الوارفة تملأ الدنيا عدلاً وحقاً ونوراً وهدىً، نريد ذلك اليوم الذي كان ينظر فيه خليفة المسلمين إلى السحابة ويخاطبها بقوله: أيتها السحابة، شرّقي أو غرّبي فسوف يأتيني خراجك، ولقد صدق في مقولته وقد امتد ملك الإسلام شرقاً وغرباً حتى بلغ أقصى المشارق والمغارب وقتها، ووصل سلطان الخلافة إلى كل هذه الأصقاع، فملأها بالخير والهدى والنور.
إننا لفي شوق عظيم لذلك اليوم الذي يفتح الله فيه على المسلمين رومية «روما»، معقل النصرانية في العالم، والتي بشر رسول الله بفتحها، بعد فتح القسطنينية، وقد فتح الله القسطنطينية، (أستانبول) على يد الأمير والسلطان العظيم "محمد الفاتح" الذي مُدِح في الحديث المعروف: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وقد كان السلطان الفاتح يتجهز لفتح رومية بعد فتح القسطنطينية، مما جعل أوروبا كلها تعيش في قلق ورعب وفزع دائم، ولم يهدأ لها بال إلا بعد أن وافته المنية قبل أن يتم مشروعه العظيم، وأبلغ دليل على هذا الرعب والهلع، أن كنائس أوروبا عامة وروما خاصة ظلت تدق أجراسها ثلاثة أيام متصلة، فرحاً بموت ذلك السلطان المسلم العظيم، إننا ننتظر مثل هذه الأيام على أحر من الجمر، إن انتصار الإسلام هو أغلى ما يتمنى المرء أن تقر به عينه في الدنيا، إننا نستشعر الآن أن حسنة الدنيا التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾[البقرة 201] ليست هي الزوجة الصالحة، إنما هي نصرة الإسلام والدين -كما قال بعض العلماء- وأكرم بها من حسنة. إن هذه الحسنة تزيل كل هم، وتذهب كل غم وحزن، ولو فقد الواحد في سبيلها أهله وولده وماله وجاهه، إننا في شوق عظيم ليوم ينصر الله فيه دينه، فيعز أولياءه وحزبه، أكثر من شوقنا لزوجاتنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا. إننا في شوق عظيم لكي تقر أعيننا ليوم مثل ذلك اليوم الذي اقتحم فيه "عقبة بن نافع" المحيط الأطلسي بقوائم فرسه قائلاً: والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لغزوتها في سبيل الله، وقال وهو ينظر نحو السماء: يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، إننا ننتظر منكم يوماً من هذه الأيام، فهل تلبون هذا الرجاء؟ وتستجيبون لهذا النداء؟


وآلمني وآلم كل حرٍّ

سؤال الدَّهر: أين المسلمونا؟
ترى هل يرجع الماضي؟ فإني --- أتوق لذلك الماضي حنينا

أبو إبراهيم - غزة

انتهى

المصدر: مجلة الوعي